الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعَقْدُ:

٣ - الْعَقْدُ وَجَمْعُهُ عُقُودٌ، وَلَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مِنْهَا: عَقْدُ الْحَبْل وَنَحْوِهِ، وَمِنْهَا الْعَهْدُ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: رَبْطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ شَرْعًا. (٢)

فَالْعَقْدُ أَعَمُّ مِنَ الْبَيْعَةِ.

ب - الْعَهْدُ:

٤ - مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: كُل مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكُل مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَوَاثِيقِ. وَالْعَهْدُ: الَّذِي يُكْتَبُ لِلْوُلاَةِ عِنْدَ تَقْلِيدِهِمُ الأَْعْمَال، وَالْجَمْعُ: عُهُودٌ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيْهِ عَهْدًا. وَالْعَهْدُ: الْمَوْثِقُ وَالْيَمِينُ يَحْلِفُ بِهَا الرَّجُل. تَقُول: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، وَأَخَذْتُ عَلَيْهِ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ. فَالْبَيْعَةُ نَوْعٌ مِنَ الْعُهُودِ. (٣)

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْبَيْعَةِ:

٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمُبَايَعَةِ بِاخْتِلاَفِ الْمُبَايِعَيْنِ، فَأَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَيْعَةُ مَنْ يَخْتَارُونَهُ لِلإِْمَامَةِ مِمَّنْ قَدِ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا.

وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ، فَالأَْصْل وُجُوبُ الْبَيْعَةِ

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

(٢) التعريفات للجرجاني ١٥٣.

(٣) لسان العرب والتعريفات للجرجاني.

عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى بَيْعَةِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لإِمَامٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً (١) وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي سَائِرَ النَّاسِ أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّهُمْ تَحْتَ أَمْرِ الإِْمَامِ الْمُبَايَعِ، وَأَنَّهُمْ مُلْتَزِمُونَ بِالطَّاعَةِ لَهُ. (٢)

هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُبَايِعَيْنِ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ وَسَائِرِ النَّاسِ،

أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمُخْتَارِ لِيَكُونَ إِمَامًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُول الْبَيْعَةِ إِنْ تَعَيَّنَتِ الإِْمَامَةُ، بِأَنْ لاَ يُوجَدَ غَيْرُهُ مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفُونَ لِلشُّرُوطِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، كَانَ قَبُول الْبَيْعَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى، وَأَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ) .

أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْبَيْعَةِ:

٦ - مُبَايَعَةُ الْمُسْلِمِينَ لِلرَّسُول ﷺ إِنَّمَا هِيَ مُبَايَعَةٌ لِلَّهِ ﵎، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣) فَيَدُهُ سُبْحَانَهُ فِي الثَّوَابِ فَوْقَ

_________

(١) حديث: " من مات وليس في عنقه بيعة. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٧٨ ط الحلبي) .

(٢) ابن عابدين ١ / ٣٦٨، والشرح الكبير ٤ / ٢٩٨، وانظر منهاج الطالبين وحاشية القليوبي ٤ / ١٧٣، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٦٣.

(٣) سورة الفتح / ١٠.

أَيْدِيهِمْ فِي الْوَفَاءِ، وَيَدُهُ فِي الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فِي الطَّاعَةِ (١) . وَالْمُرَادُ بِالْمُبَايَعَةِ فِي الآْيَةِ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ أَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ بَايَعَهُ فِيهَا قَوْلَهُ جَل شَأْنُهُ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢)

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَبَايَعْنَاهُ وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ سَمُرَةٌ. (٣) وَقَال: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لاَ نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ (٤)

وَفِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الأُْولَى بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ الرَّسُول ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ قَبْل أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمُ الْحَرْبُ. فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: بَايَعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦ / ٢٦٧.

(٢) سورة الفتح / ١٨.

(٣) السمرة: نوع من شجر الطلع.

(٤) حديث جابر. " كنا يوم الحديبية. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٨٣ ط الحلبي) .

وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ. فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ (١)

٧ - أَمَّا بَيْعَةُ النِّسَاءِ فَقَدْ بُيِّنَتْ فِي قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)

وَلَمَّا فَتَحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ جَاءَهُ نِسَاءُ أَهْلِهَا يُبَايِعْنَهُ فَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ: أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ. . إِلَخْ.

فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآْيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ. (٣) كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ

_________

(١) حديث عبادة بن الصامت أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٦٤ ط السلفية) .

(٢) سورة الممتحنة / ١٢.

(٣) قال النووي: أي فقد بايع البيعة الشرعية.

قَوْلِهِنَّ، قَال لَهُنَّ: انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ وَلاَ وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلاَمِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلاَّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُول لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلاَمًا. (١) (أَيْ دُونَ مُصَافَحَةٍ) .

وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ جَمَعَ نِسَاءَ الأَْنْصَارِ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ أَرْسَل إِلَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، فَسَلَّمَ، فَرَدَدْنَ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، فَقَال: أَنَا رَسُول رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُنَّ: أَنْ لاَ تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا فَقُلْنَ: نَعَمْ. فَمَدَّ يَدَهُ مِنْ خَارِجِ الْبَيْتِ وَمَدَدْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَاخِل الْبَيْتِ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. (٢)

وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا بَايَعَ النِّسَاءَ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ النِّسَاءَ فَغَمَسْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِيهِ. (٣)

_________

(١) حديث عائشة: " انطلقن فقد بايعتكن ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٨٩ ط الحلبي) .

(٢) حديث أم عطية أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨ / ٧ ط دار بيروت)، وأخرجه أبو داود (١ / ٦٧٧ ط عزت عبيد دعاس) مختصرا.

(٣) لجامع لأحكام القررآن للقرطبي ١٨ / ٧٠ - ٧١، والسيرة النبوية لابن هشام ص ٤٣١ من الجزء ٢. وحديث عمرو بن شعيب " كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء. . . ". أخرجه ابن سعد وابن مردويه كما في الدر المنثور للسيوطي (٨ / ١٤٣ - ط دار الفكر) .

فَبَيْعَةُ رِجَال الْمُسْلِمِينَ لِلرَّسُول ﷺ كَانَتْ بِالْمُصَافَحَةِ مَعَ الْكَلاَمِ. أَمَّا بَيْعَةُ نِسَائِهِمْ لَهُ ﷺ فَكَانَتْ بِالْكَلاَمِ مِنْ غَيْرِ مُصَافَحَةٍ. قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، إِنَّ بَيْعَةَ النِّسَاءِ بِالْكَلاَمِ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ كَفٍّ، وَبَيْعَةَ الرِّجَال بِأَخْذِ الْكَفِّ مَعَ الْكَلاَمِ. (١)

وَحِينَ تَخَوَّفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الاِخْتِلاَفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَال لأَِبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَهَا، فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَهُ الأَْنْصَارُ. (٢)

الْفَرْقُ بَيْنَ مُبَايَعَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ مُبَايَعَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأَْئِمَّةِ:

٨ - إِنَّ مَوْضُوعَ بَيْعَةِ الرَّسُول ﷺ يَقْتَصِرُ عَلَى الْتِزَامِ الْمُبَايِعِينَ وَتَعَهُّدِهِمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَخَاصَّةً الاِلْتِزَامُ بِمَا بَايَعُوا عَلَيْهِ، أَمَّا تَعْيِينُهُ ﷺ لِلإِْمَامَةِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ. وَأَمَّا بَيْعَةُ غَيْرِهِ فَهِيَ الْتِزَامٌ مِنْ كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَهِيَ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ الْتِزَامٌ لِلإِْمَامِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ

_________

(١) حاشية قليوبي على منهاج الطالبين ٤ / ٢٧٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٩ ط مصطفى الحلبي، وقواعد الفقه للمجددي البركتي الرسالة الرابعة ٦١٢.

(٢) السيرة النبوية لابن هشام ص ٦٦٠ من الجزء الرابع.

وَالإِْقْرَارِ بِإِمَامَتِهِ، وَالْتِزَامٌ مِنَ الْمُبَايَعِ بِإِقَامَةِ الْعَدْل وَالإِْنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الإِْمَامَةِ. (١) وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِذَا تَمَّتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ انْعِقَادُ الإِْمَامَةِ لِمَنْ بَايَعَهُ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ غَيْرُ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبَايِعُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَعًا لأَِهْل الْحَل وَالْعَقْدِ.

هَل الْبَيْعَةُ عَقْدٌ؟ وَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول؟

٩ - الْبَيْعَةُ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ وَاخْتِيَارٍ لاَ يَدْخُلُهُ إِكْرَاهٌ وَلاَ إِجْبَارٌ، وَهُوَ عَقْدٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ. وَثَانِيهِمَا: الشَّخْصُ الَّذِي أَدَّاهُمُ اجْتِهَادُهُمْ إِلَى اخْتِيَارِهِ مِمَّنْ قَدِ اسْتَوْفَوْا شَرَائِطَ الإِْمَامَةِ لِيَكُونَ إِمَامًا لَهُمْ. فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ لِلاِخْتِيَارِ، وَتَصَفَّحُوا أَحْوَال أَهْل الإِْمَامَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِمْ شُرُوطُهَا، فَقَدَّمُوا لِلْبَيْعَةِ مِنْهُمْ أَكْثَرَهُمْ فَضْلًا وَأَكْمَلَهُمْ فِي تِلْكَ الشُّرُوطِ، وَمَنْ يُسْرِعُ النَّاسُ إِلَى طَاعَتِهِ وَلاَ يَتَوَقَّفُونَ عَنْ بَيْعَتِهِ. فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ مَنْ أَدَّاهُمُ الاِجْتِهَادُ إِلَى اخْتِيَارِهِ عَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَابَ إِلَيْهَا بَايَعُوهُ عَلَيْهَا، وَانْعَقَدَتْ بِبَيْعَتِهِمْ لَهُ الإِْمَامَةُ، فَلَزِمَ كَافَّةَ الأَْمَةِ الدُّخُول فِي بَيْعَتِهِ وَالاِنْقِيَادُ لِطَاعَتِهِ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الإِْمَامَةِ وَلَمْ يُجِبْ إِلَيْهَا لَمْ يُحْبَرْ عَلَيْهَا، وَعُدِل عَنْهُ إِلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا. (٢)

_________

(١) مطالب أولي النهى ٦ / ٢٦٦.

(٢) الأحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي ٧ ط دار الكتب العلمية، وحاشية قليوبي على منهاج الطالبين ٤ / ١٧٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٨ الطبعة الأولى مصطفى الحلبي، ومقدمة ابن خلدون ٢٠٩.

أَثَرُ الْبَيْعَةِ فِي انْعِقَادِ الإِْمَامَةِ:

١٠ - اخْتِيَارُ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ لِلإِْمَامِ وَبَيْعَتُهُمْ لَهُ هِيَ الأَْصْل فِي انْعِقَادِ الإِْمَامَةِ، وَأَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَجَمَاعَةُ أَهْل الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ الَّذِينَ اجْتَمَعَ فِيهِمُ الْعِلْمُ بِشُرُوطِ الأَْمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالرَّأْيِ. (ر: أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ) .

أَمَّا انْعِقَادُ الإِْمَامَةِ بِوِلاَيَةِ الْعَهْدِ أَوْ بِالتَّغَلُّبِ (١) فَيُنْظَرُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .

وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ فِي بَلَدِ الإِْمَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْل الْبِلاَدِ فَضْل مَزِيَّةٍ يَتَقَدَّمُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ فِي الاِخْتِيَارِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَنْ يَحْضُرُ بِبَلَدِ الإِْمَامِ مُتَوَلِّيًا لِعَقْدِ الإِْمَامَةِ عُرْفًا لاَ شَرْعًا، لِسَبْقِ عِلْمِهِمْ بِمَوْتِهِ؛ لأَِنَّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِلاَفَةِ فِي الأَْغْلَبِ مَوْجُودُونَ فِي بَلَدِهِ. (٢)

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣٦٩، ٣ / ٣١٠، والشرح الكبير ٤ / ٢٩٨، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦، ومنهاج الطالبين وحاشية قليوبي عليه ٤ / ١٧٣، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٦٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٥.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٣١٠، والشرح الكبير ٤ / ٢٩٨، والأحكام السلطانية للماوردي ٦، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٦٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٣ - ٤.

عَدَدُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِمُبَايَعَتِهِمُ الإِْمَامَةُ:

١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِإِجْمَاعِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ عَلَى الْمُبَايَعَةِ، وَبِمُبَايَعَةِ جُمْهُورِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ مِنْ كُل بَلَدٍ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَنْعَقِدُ بِأَقَل مِنْ ذَلِكَ، لِيَتِمَّ الرِّضَا بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لإِمَامَتِهِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: مَنْ بَايَعَ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ يُبَايَعُ هُوَ وَلاَ الَّذِي بَايَعَهُ. (١)

قَال أَبُو يَعْلَى: أَمَّا انْعِقَادُ الإِْمَامَةِ بِاخْتِيَارِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ فَلاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِجُمْهُورِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: الإِْمَامُ الَّذِي يَجْتَمِعُ قَوْل أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ عَلَيْهِ، كُلُّهُمْ يَقُول هَذَا إِمَامٌ. قَال أَبُو يُعْلَى: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِجَمَاعَتِهِمْ.

وَقِيل: تَنْعَقِدُ بِأَقَل مِنْ ذَلِكَ.

وَمِمَّنْ قَال بِعَدَمِ انْعِقَادِهَا إِلاَّ بِجُمْهُورِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَال الْمُعْتَزِلَةُ بِانْعِقَادِهَا بِخَمْسَةٍ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِانْعِقَادِهَا بِالأَْرْبَعَةِ وَالثَّلاَثَةِ وَالاِثْنَيْنِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِانْعِقَادِهَا بِوَاحِدٍ، (٢) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .

_________

(١) أثر عمر بن الخطاب " من بايع رجلا من غير مشورة. . . " أخرجه البخاري مطولا (فتح الباري ١٢ / ١٤٥ ط السلفية) .

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٧، وللماوردي ٦ - ٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٨، والشرح الكبير ٤ / ٢٩٨، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٦٣، وابن عابدين ٣ / ٣١٠، ومنهاج الطالبين وحاشية قليوبي عليه ٤ / ١٧٣.

كَيْفِيَّةُ الْبَيْعَةِ:

١٢ - كَيْفِيَّتُهَا أَنْ يَقُول كُلٌّ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ الْمُبَايِعِينَ لِمَنْ يُبَايِعُونَهُ بِالْخِلاَفَةِ: قَدْ بَايَعْنَاكَ عَلَى إِقَامَةِ الْعَدْل وَالإِْنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الإِْمَامَةِ. وَلاَ يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى صَفْقَةِ الْيَدِ، وَقَدْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِل عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ وَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ الْمَال. وَزَادَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ: وَبَيْعَةُ النِّسَاءِ بِالْكَلاَمِ وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ لاَ يَمْلِكُ عِصْمَتَهَا. (١)

وَفِي مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حِينَ تَخَوَّفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الاِخْتِلاَفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَال لأَِبِي بَكْرٍ ﵁: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَهُ الأَْنْصَارُ.

وَحَدِيثُ عَائِشَةُ ﵂ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ كَلاَمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضْرِبَ يَدَهُ عَلَى أَيْدِيهِنَّ كَمَا كَانَ يُبَايِعُ الرِّجَال.

_________

(١) مطالب أولي النهى ٦ / ٢٦٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٩.