الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 54

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

الأَْفْضَل. قَال مَالِكٌ: لاَ بَأْسَ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ يَخْتَارُهُ بِثَمَنِ كَذَا، أَوْ خَمْسِينَ مِنْ مِائَةِ ثَوْبٍ فِي عِدْلٍ يَخْتَارُهَا إِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا وَوَصَفَ رِقَاعَهَا - أَيْ نَسْجَهَا - وَطُولَهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْقِيَمُ، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا مَرْوِيَّةً أَوْ هَرَوِيَّةً (١) (نِسْبَةً إِلَى مَرْوَ وَهَرَاةَ) .

د - وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ تَكُونَ السَّلَمُ طَعَامًا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْل، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ عَلَى أَنْ تَخْتَارَ صُبْرَةً مِنْ صُبَرٍ، أَوْ تَخْتَارَ مِنْ نَخِيلٍ - أَيْ مِنْ ثَمَرِ نَخِيلٍ - نَخْلَةً - أَيْ ثَمَرَهَا أَوْ مِنْ شَجَرٍ مُثْمِرٍ عَدَدًا يُسَمِّيهِ، اتَّفَقَ الْجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، وَإِنَّمَا نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الطَّعَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لأَِنَّ عِلَّةَ رِبَا الْفَضْل عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ النَّقْدَيْنِ: الطُّعْمُ. (٢)

وَقَالُوا فِي تَصْوِيرِ وُجُودِ رِبَا الْفَضْل هُنَا: إِنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَى الصُّبَرِ ثُمَّ يَتْرُكُهَا، وَيَأْخُذُ أُخْرَى، وَبَيْنَهُمَا فَضْلٌ فِي الْكَيْل وَالسِّلْعَةِ مِنَ الْمَطْعُومِ فَيَكُونُ مِنْ رِبَا الْفَضْل.

وَلَمْ يَقْبَل الْحَنَفِيَّةُ التَّعْلِيل بِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَصْلًا قَال ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ كَوْنَ الثَّمَنِ عَلَى تَقْدِيرِ النَّقْدِ أَلْفًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ النَّسِيئَةِ أَلْفَيْنِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الرِّبَا. (٣)

_________

(١) مدونة مالك، رواية سحنون ٤ / ١٩٣.

(٢) مواهب الجليل على مختصر خليل للحطاب، والتاج والإكليل بهامشه ٤ / ٣٦٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢.

(٣) تح القدير ٦ / ٨١.

٨ - وَأَمَّا الْبَيْعُ مَعَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ السِّلَعِ أَوْ بَيْنَ أَثْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلسِّلْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا لِلْجَهَالَةِ، وَلِكَوْنِ الْبَيْعِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ مَثَارًا لِلتَّنَازُعِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْسَانِ أَنْ يَبِيعَ مِنَ الثِّيَابِ مَثَلًا أَحَدَ ثَوْبَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَل، فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَثْوَابٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. قَالُوا: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَفْسُدَ الْبَيْعُ فِي الْكُل، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ. وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ شَرْعَ الْخِيَارِ لِلْحَاجَةِ إِلَى دَفْعِ الْغَبْنِ لِيَخْتَارَ مَا هُوَ الأَْوْفَقُ وَالأَْرْفَقُ، وَالْحَاجَةُ مُتَحَقِّقَةٌ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْتَاجُ إِلَى اخْتِيَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، أَوِ اخْتِيَارِ مَنْ يَشْتَرِيهِ لأَِجْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِالثَّلاَثِ لِوُجُودِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالْوَسَطِ فِيهَا، أَمَّا الأَْرْبَعَةُ فَمَا زَادَ فَالْحَاجَةُ إِلَيْهَا غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ. (١)

أَمَّا لَوْ بَاعَ أَحَدٌ قِيَمِيَّيْنِ عَلَى الإِْبْهَامِ دُونَ تَخْيِيرٍ، كَدَارٍ وَثَوْبٍ بِدِينَارٍ مَثَلًا، فَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِلْجَهَالَةِ بِالْمَبِيعِ. (٢)

النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ ابْنِ الْقَيِّمِ مِنْ أَنْ يَبِيعَ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَيَشْتَرِطَ أَنْ يَعُودَ فَيَشْتَرِيَهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ بِثَمَنِ حَالٍّ أَقَل مِنْ ثَمَنِهِ الْمُؤَجَّل.

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٥٢١.

(٢) فتح القدير والعناية ٥ / ٥١٨، ٥١٩، وابن عابدين ٤ / ١٠٩، وشرح المنهاج ٢ / ١٦١.

٩ - وَهَذَا النَّوْعُ أَيْضًا بَيْعٌ فَاسِدٌ عِنْدَ كُل مَنْ يَرَى بُطْلاَنَ بَيْعِ الْعِينَةِ، فَإِنَّ بَيْعَ الْعِينَةِ: أَنْ يَبِيعَ لِرَجُلٍ بِثَمَنٍ مُعَجَّلٍ سِلْعَةً كَانَ قَدِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَهِيَ مِنْ حِيَل الرِّبَا، فَإِنَّ السِّلْعَةَ رَجَعَتْ إِلَى صَاحِبِهَا، وَثَبَتَ لَهُ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ مَثَلًا فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ إِلَى أَجَلٍ، وَأَخَذَ فِي مُقَابِلِهَا أَلْفًا حَالَّةً (انْظُرْ: بَيْعَ الْعِينَةِ) .

فَالَّذِينَ قَالُوا بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْعِينَةِ قَالُوا: يَحْرُمُ ذَلِكَ وَيَفْسُدُ إِذَا وَقَعَ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْبَيْعُ الثَّانِي اتِّفَاقًا، أَوْ تَوَاطَآ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَقْدِ الأَْوَّل. (١) فَإِذَا وَقَعَ عَلَى أَسَاسِ اشْتِرَاطِ الْعَقْدِ الثَّانِي فِي الْعَقْدِ الأَْوَّل فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَالْفَسَادِ.

أَمَّا الَّذِينَ أَجَازُوا بَيْعَ الْعِينَةِ - وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ - فَيَحْرُمُ هَذَا الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ، وَيَفْسُدُ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَمِنَ الْبَيْعِ أَوِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، (٢) وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّوْعِ التَّالِي.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يَشْتَرِطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بَيْعًا آخَرَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ:

١٠ - وَهُوَ عَلَى طَرِيقَتَيْنِ:

الأُْولَى: أَنْ يَشْتَرِطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بَيْعًا آخَرَ وَلاَ يُحَدِّدَ الْمَبِيعَ الثَّانِيَ أَوِ الثَّمَنَ. فَهَذَا لاَ يَصِحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ. الأَْوَّل: أَنَّهُ مِنَ " الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ "

_________

(١) المغني ٤ / ١٧٤ ط ثالثة.

(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ١٧٧.

الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَالثَّانِي: الْجَهَالَةُ، وَهَذَا بِالإِْضَافَةِ إِلَى كَوْنِهِ مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ عِنْدَ الأَْكْثَرِ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْبَيْعِ بَيْعًا آخَرَ وَيُحَدِّدَ الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ، كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ دَارِي هَذِهِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي دَارِي الأُْخْرَى بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ.

وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (١) . (ر: بَيْع وَشَرْط) .

١١ - وَالنَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ وَإِنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْخْذِ بِهِ - فَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَأَجَازَهُ الْحَنَابِلَةُ إِذَا كَانَ شَرْطًا وَاحِدًا - عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَيَانِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَشْرُوطَ إِنْ كَانَ بَيْعًا آخَرَ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ الشَّرْطُ، وَيَفْسُدُ الْبَيْعُ أَيْضًا حَتَّى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (٢)

_________

(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي وعميرة ٢ / ١٧٧، والمغني ٤ / ٢٣٤ ط ثالثة. وحديث: " نهى عن بيع وشرط. . . ". أخرجه الطبراني في الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه. (نصب الراية ٤ / ١٨ ط المجلس العلمي بالهند) .

(٢) المغني ٤ / ٢٣٣ - ٢٣٥، وشرح فتح القدير على الهداية ٦ / ٨٠، ٨١.

وَهَذَا النَّوْعُ يَفْسُدُ أَيْضًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَشْرُوطُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بَيْعًا أَوْ غَيْرَهُ، كَسَلَفٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ، قِيَاسًا عَلَى اشْتِرَاطِ الْبَيْعِ، وَلِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى نَهَى عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ فَإِنَّ الصَّفْقَةَ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، فَتَشْمَل كُل عَقْدَيْنِ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَوَرَدَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ نَهْيٌ خَاصٌّ، هُوَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا، إِلاَّ أَنَّ مَالِكًا قَال: إِنْ تَرَكَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ شَرْطَهُ صَحَّ الْبَيْعُ.

وَعَلَّل ابْنُ قُدَامَةَ لِفَسَادِ الْبَيْعِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى كَوْنِهِ مِنَ الصَّفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ، بِأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَطَ الْقَرْضَ مَثَلًا زَادَ فِي الثَّمَنِ لأَِجَلِهِ، فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ عِوَضًا عَنِ الْقَرْضِ وَرِبْحًا لَهُ، وَذَلِكَ رِبًا مُحَرَّمٌ، فَفَسَدَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ. (١)

وَلَوْ كَانَ الْعَقْدَانِ لَيْسَ فِيهِمَا بَيْعٌ فَسَدَا كَذَلِكَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الإِْجَارَةِ سَلَفًا أَوْ نِكَاحًا، أَوْ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ نِكَاحًا، وَهُوَ الشِّغَارُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهِ (ر: شِغَار) .

وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَدْخُل فِي هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا: أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ ذَهَبِيَّةٍ، وَيَشْتَرِطَ أَنْ يُسَلِّمَهُ الثَّمَنَ دَرَاهِمَ بِسِعْرِ صَرْفٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ

_________

(١) المغني ٤ / ٢٣٥.

الْبَيْعِ نَفْسِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا بَاطِلٌ لأَِنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنْ يُصَارِفَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ، وَالْمُصَارَفَةُ عَقْدٌ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، ثُمَّ قَال: وَقَال مَالِكٌ: لاَ أَلْتَفِتُ إِلَى اللَّفْظِ الْفَاسِدِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا حَلاَلًا، فَكَأَنَّهُ بَاعَ السِّلْعَةَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي يَأْخُذُهَا بَدَل الدَّنَانِيرِ.

١٢ - وَيَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُبَيَّنَةِ أَعْلاَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَابَّةً وَدَارًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَلَيْسَ مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.

وَكَذَا لَوْ بَاعَ الدَّارَ بِدَابَّةٍ وَأَلْفِ دِينَارٍ.

١٣ - وَمِثْلُهُ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ وَصَرْفٍ، أَوْ إِجَارَةٍ وَنِكَاحٍ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ قَال بِعْتُكَ دَارِي هَذِهِ وَآجَرْتُكَ دَارِي الأُْخْرَى سَنَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَهَذَا جَائِزٌ لأَِنَّهُمَا عَيْنَانِ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُمَا مُجْتَمَعَتَيْنِ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ بِأَلْفٍ. وَهَذَا قَوْل الْحَنَابِلَةِ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيُوَزَّعُ الْعِوَضُ عِنْدَ التَّرَادِّ فِي أَحَدِهِمَا حَسَبَ قِيمَتِهِمَا (أَيْ قِيمَةِ الْمُؤَجَّرِ مَثَلًا مِنْ حَيْثُ الأُْجْرَةُ لِلْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ، وَقِيمَةِ رَقَبَةِ الْمَبِيعِ)

وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ: لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ يُضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ. وَالإِْجَارَةُ بِخِلاَفِهِ، وَقَدْ

يَعْرِضُ - لاِخْتِلاَفِ حُكْمِهِمَا بِاخْتِلاَفِ أَسْبَابِ الْفَسْخِ وَالاِنْفِسَاخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - مَا يَقْتَضِي فَسْخَ أَحَدِهِمَا، فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْزِيعِ، وَيَلْزَمُ الْجَهْل عِنْدَ الْعَقْدِ بِمَا يَخُصُّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنَ الْعِوَضِ، وَذَلِكَ مَحْذُورٌ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ نِكَاحًا صَحَّ بِمَهْرِ الْمِثْل. لأَِنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهِ. (١)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ - التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ الْبَيْعِ صَرْفٌ وَلاَ جِعَالَةٌ وَلاَ مُسَاقَاةٌ وَلاَ شَرِكَةٌ وَلاَ قِرَاضٌ وَلاَ نِكَاحٌ وَلاَ سَلَفٌ، وَلاَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ شَيْءٍ مِنْهَا مَعَ غَيْرِهِ مِنْهَا. وَالسَّلَفُ لاَ يَجْتَمِعُ مَعَهُ أَيْضًا صَدَقَةٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا مِنْ جَانِبِ الْمُتَسَلِّفِ (٢)

النَّوْعُ الْخَامِسُ: اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةٍ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ:

١٤ - وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى أَنْ أَسْكُنَهَا سَنَةً، أَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ عَلَى أَنْ أَسْتَخْدِمَهَا شَهْرًا. وَقَدْ أَدْخَل الْحَنَفِيَّةُ هَذَا النَّوْعَ فِي الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، وَقَالُوا: بِأَنَّهُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ لِذَلِكَ، وَلأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (ر: الْبَيْع وَالشَّرْط) .

وَوَجْهُ كَوْنِهِ مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ - كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ - أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْخِدْمَةُ

_________

(١) المغني ٤ / ٢٣٦، وشرح المنتهى ٤ / ١٥٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٦٦ - ٤٦٨، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٨٨.

(٢) الحطاب ٤ / ٣١٣.

وَالسُّكْنَى يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، بِأَنْ يُعْتَبَرَ الْمُسَمَّى ثَمَنًا بِإِزَاءِ الْمَبِيعِ، وَأُجْرَةً بِإِزَاءِ الْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى، يَكُونُ إِجَارَةً فِي بَيْعٍ. وَلَوْ كَانَ لاَ يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ يَكُونُ إِعَارَةً فِي بَيْعٍ. وَوَجْهُ كَوْنِهِ رِبًا: أَنَّ الْمَشْرُوطَ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْدِ عَارِيَّةً عَنِ الْعِوَضِ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّبَا. (١)

وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا لَوْ بَاعَ شَجَرًا عَلَيْهِ ثَمَرٌ، اشْتُرِطَ بَقَاءُ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ مُدَّةً. وَوَجْهُ مَنْعِهِ أَنَّهُ يَكُونُ إِجَارَةً أَوْ إِعَارَةً فِي بَيْعٍ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ كَذَلِكَ. (٢)

وَيُوَافِقُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مَمْنُوعٌ، وَأَنَّ مِثْل هَذَا الشَّرْطِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ.

أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: فَهُوَ بَيْعٌ جَائِزٌ، حَيْثُ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ الْمَشْرُوطَةُ مَعْلُومَةً. وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ بَاعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ جَمَلًا وَاسْتَثْنَى حَمْلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلأَِنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ (٣)

_________

(١) الهداية وفتح القدير ٦ / ٧٨ - ٨٠.

(٢) الاختيار لتعليل المختار ٢ / ٧ ط ثالثة، وابن عابدين ٤ / ٣٩، ١٢١.

(٣) المغني ٤ / ٩٦ - ٩٨، ونيل المآرب ١ / ٣٩٩ نشر مكتبة الفلاح بالكويت ١٤٠٣ هـ، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٦، ١٨٧. وحديث جابر أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣١٤ ط السلفية) . وحديث. " النهي عن الثنيا " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٨٥ ط الحلبي) .

بَيْعَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - لِلْبَيْعَةِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، فَتُطْلَقُ عَلَى: الْمُبَايَعَةِ عَلَى الطَّاعَةِ. وَتُطْلَقُ عَلَى: الصَّفْقَةِ مِنْ صَفَقَاتِ الْبَيْعِ، وَيُقَال: بَايَعْتُهُ، وَهِيَ مِنَ الْبَيْعِ وَالْبَيْعَةِ جَمِيعًا وَالتَّبَايُعُ مِثْلُهُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١) وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِمُجَاشِعٍ حِينَمَا سَأَلَهُ: عَلاَمَ تُبَايِعُنَا؟ قَال: عَلَى الإِْسْلاَمِ وَالْجِهَادِ. (٢) وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُعَاقَدَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ. كَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْدَهُ لِصَاحِبِهِ، وَأَعْطَاهُ خَالِصَةَ نَفْسِهِ وَطَاعَتَهُ وَدَخِيلَةَ أَمْرِهِ. وَمِثْلُهُ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ. وَهِيَ: الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ مُشْتَمِلَةً عَلَى أُمُورٍ مُغَلَّظَةٍ مِنْ طَلاَقٍ وَعِتْقٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (٣)

وَالْبَيْعَةُ اصْطِلاَحًا، كَمَا عَرَّفَهَا ابْنُ خَلْدُونٍ فِي

_________

(١) سورة الفتح / ١٠.

(٢) حديث: " مجاشع ﵁. . . " أخرجه البخاري (٦ / ١١٧ الفتح ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٤٨٧ ط الحلبي) واللفظ للبخاري.

(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح.

مُقَدِّمَتِهِ: الْعَهْدُ عَلَى الطَّاعَةِ، كَأَنَّ الْمُبَايِعَ يُعَاهِدُ أَمِيرَهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ وَأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، لاَ يُنَازِعُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيُطِيعَهُ فِيمَا يُكَلِّفُهُ بِهِ مِنَ الأَْمْرِ عَلَى الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَكَانُوا إِذَا بَايَعُوا الأَْمِيرَ وَعَقَدُوا عَهْدَهُ جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي يَدِهِ تَأْكِيدًا لِلْعَهْدِ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ فِعْل الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَصَارَتِ الْبَيْعَةُ تَقْتَرِنُ بِالْمُصَافَحَةِ بِالأَْيْدِي.

هَذَا مَدْلُولُهَا فِي اللُّغَةِ وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَعِنْدَ الشَّجَرَةِ، وَحَيْثُمَا وَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ. وَمِنْهُ: بَيْعَةُ الْخُلَفَاءِ، وَمِنْهُ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ. فَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ يَسْتَحْلِفُونَ عَلَى الْعَهْدِ وَيَسْتَوْعِبُونَ الأَْيْمَانَ كُلَّهَا لِذَلِكَ. فَسُمِّيَ هَذَا الاِسْتِيعَابُ أَيْمَانَ الْبَيْعَةِ. (١)

٢ - هَذَا وَقَدِ اسْتَفَاضَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُبَايِعُونَهُ تَارَةً عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، وَتَارَةً عَلَى إِقَامَةِ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ، وَتَارَةً عَلَى الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ فِي مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ، وَتَارَةً عَلَى التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ الْبِدْعَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى الطَّاعَاتِ. (٢)

هَذَا، وَالْكَلاَمُ عَنِ الْبَيْعَةِ بِمَعْنَى (الْمَرَّةِ مِنَ الْبَيْعِ) مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (بَيْع) .

_________

(١) مقدمة ابن خلدون ص ٢٠٩ ط دار إحياء التراث العربي.

(٢) القواعد الفقهية للمجددي البركتي ٦١٢ ط دكا.