الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

فَخُذْ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ أَنْتَ وَشِئْتُ أَنَا. قَال الْقَاضِي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَبِل عَلَى الإِْبْهَامِ. أَمَّا لَوْ قَال: قَبِلْتُ بِأَلْفٍ نَقْدًا، أَوْ قَال: قَبِلْتُ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً، صَحَّ ذَلِكَ (١)

وَفَسَّرَهُ بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَيْضًا، مَعَ تَفْسِيرِهِمْ لَهُ بِتَفْسِيرَاتٍ أُخْرَى كَمَا يَأْتِي.

الثَّالِثُ: قَال مَالِكٌ أَيْضًا: هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِدِينَارٍ أَوْ بِشَاةٍ، أَوْ يَشْتَرِيَ بِدِينَارٍ شَاةً أَوْ ثَوْبًا، قَدْ وَجَبَ أَحَدُهُمَا لِلْمُشْتَرِي.

قَال الْبَاجِيُّ: سَوَاءٌ كَانَ الإِْلْزَامُ لَهُمَا أَوْ لأَِحَدِهِمَا، فَيَدْخُل فِي هَذَا الْوَجْهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ أَيْضًا، وَالْمَدَارُ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ ثَمَنَيْنِ أَوْ سِلْعَتَيْنِ مَعَ الإِْلْزَامِ بِأَحَدِهِمَا لاَ بِعَيْنِهِ. (٢)

الرَّابِعُ: مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ: هُوَ أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِمِائَةٍ إِلَى سَنَةٍ عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَهَا مِنْكَ - أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ - بِثَمَانِينَ حَالَّةً. قَال: وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ الَّذِي لاَ مَعْنَى لَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا (٣) فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ الزَّائِدَ فَيُرْبِيَ،

_________

(١) نيل الأوطار ٥ / ١٧٢، وعون المعبود، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ٩ / ٣٣٣، والمغني ٤ / ٧٢٣٤، ونصب الراية ٤ / ٢٠، وفتح القدير ٦ / ٨١.

(٢) المواق بهامش منح الجليل ٤ / ٣٦٤.

(٣) حديث: " من باع بيعتين في بيعة. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٣٩ بتحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٢ / ٤٥ ط دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن) . وصححه ووافقه الذهبي.

أَوِ الثَّمَنَ الأَْوَّل فَيَكُونُ هُوَ أَوْكَسَهُمَا. وَهُوَ قَدْ قَصَدَ بَيْعَ دَرَاهِمَ عَاجِلَةٍ بِدَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَلاَ يَسْتَحِقُّ إِلاَّ رَأْسَ مَالِهِ. (١)

وَوَجْهُ كَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ: أَنَّهُمَا بَيْعَتَانِ إِحْدَاهُمَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَالأُْخْرَى بِثَمَنٍ مُعَجَّلٍ، وَقَدْ أُبْرِمَتَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ.

الْخَامِسُ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا بَيْعًا فِي بَيْعٍ.

وَقَدْ فَسَّرَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ، فَقَال: هُوَ أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الْفَرَسَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا، أَيْ إِذَا وَجَبَ لَكَ عِنْدِي فَقَدْ وَجَبَ لِي عِنْدَكَ. قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلرِّوَايَةِ الأُْولَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ لِلأُْخْرَى، فَإِنَّ قَوْلَهُ أَوْكَسُهُمَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ بَاعَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بَيْعَتَيْنِ: بَيْعَةً بِأَقَل، وَبَيْعَةً بِأَكْثَرَ. (٢)

وَجَعَل مِنْهُ مَسْرُوقٌ أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذَا الْبَزُّ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا تُعْطِينِي بِالدِّينَارِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، أَيْ لأَِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَصَرْفٍ. (٣)

السَّادِسُ: وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَعَمُّ مِنَ الْوَجْهِ الْخَامِسِ، إِذْ يَدْخُل فِيهِ أَنْ يَبِيعَ دَارًا بِشَرْطِ أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا

_________

(١) التعليق على هذا الحديث في جامع الأصول لابن الأثير (٩ / ٣٤ ط سنة ١٣٨٩هـ) .

(٢) نيل الأوطار ٥ / ١٧٢.

(٣) مصنف عبد الرزاق ٨ / ١٣٩.

الْمُشْتَرِي وَلَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ. (١)

السَّابِعُ: قَال الْخَطَّابِيُّ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِدِينَارٍ صَاعَ حِنْطَةٍ سَلَمًا إِلَى شَهْرٍ، فَلَمَّا حَل الأَْجَل، وَطَالَبَهُ بِالْحِنْطَةِ، قَال لَهُ: بِعْنِي الصَّاعَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ بِصَاعَيْنِ إِلَى شَهْرَيْنِ، قَال الْخَطَّابِيُّ: فَهَذَا بَيْعٌ ثَانٍ قَدْ دَخَل عَلَى الْبَيْعِ الأَْوَّل، فَيُرَدَّانِ إِلَى أَوْكَسِهِمَا وَهُوَ الأَْوَّل. وَنُقِل هَذَا التَّفْسِيرُ عَنْ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ لاِبْنِ رَسْلاَنَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الأَْثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، (٢) وَوَاضِحٌ أَنَّ مِثْل هَذَا الْبَيْعِ بَاطِلٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِكَوْنِهِ بَيْعَ رِبَوِيٍّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَنَسِيئَةً. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الصَّفْقَتَانِ فِي الصَّفْقَةِ:

٢ - الصَّفْقَةُ هِيَ: الْمَرَّةُ مِنَ الصَّفْقِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الضَّرْبُ الَّذِي يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ. وَأُطْلِقَ فِي الْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، فَقَدْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ صَفَّقَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِ الْمُشْتَرِي، وَعَلَى بَيْعَةِ الإِْمَامِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ (٣) . . . (٤)

_________

(١) فتح القدير ٦ / ٨٠.

(٢) نيل الأوطار ٥ / ١٧٢، وعون المعبود ٩ / ٣٢.

(٣) لسان العرب وحديث " من بايع إماما فأعطاه صفقة بيده وثمرة فؤاده. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٧٣ ط عيسى الحلبي ".

(٤) لسان العرب. وحديث " من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده. . " أخرجه مسلم، (٣ / ١٤٧٣ ط عيسى الحلبي) .

وَتُطْلَقُ الصَّفْقَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ كَذَلِكَ عَلَى الْبَيْعَةِ وَعَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ، فَالْمَرَّةُ مِنَ الإِْجَارَةِ صَفْقَةٌ، وَمِنَ الْقَرْضِ صَفْقَةٌ، وَهَكَذَا (١)

وَيُرَادُ بِ " الصَّفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ " جَمْعُ صَفْقَتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، كَأَنْ يَبِيعَ بَيْتَهُ مِنْ فُلاَنٍ وَيَشْتَرِيَ مِنْهُ دَابَّتَهُ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ هَذِهِ وَجَبَتِ الصَّفْقَةُ الأُْخْرَى، أَوْ يَبِيعَ بَيْتَهُ مِنْ فُلاَنٍ وَيَسْتَأْجِرَ مِنْهُ دَابَّتَهُ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْبَيْعُ وَجَبَتِ الإِْجَارَةُ. فَاصْطِلاَحُ (الصَّفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ) أَعَمُّ مِنَ اصْطِلاَحِ (الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) . (٢)

ب - الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ:

٣ - الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ أَعَمُّ مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ لأَِنَّ الاِشْتِرَاطَ قَدْ يَكُونُ اشْتِرَاطَ عَقْدٍ آخَرَ، وَقَدْ يَكُونُ اشْتِرَاطًا لِمَصْلَحَةِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ عَقْدًا آخَرَ.

حُكْمُ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ:

٤ - الْبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ أَحَدُ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا فِي ثَلاَثِ رِوَايَاتٍ:

_________

(١) المغني ٤ / ٢٣٤، ٢٣٦، وشرح المنهاج مع حاشيتي القليوبي وعميرة ٢ / ١٨٨، ١٨٩.

(٢) فتح القدير ٦ / ٨١.

الأُْولَى: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ (١) وَمِثْلُهَا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄. (٢)

وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ (٣)

الثَّانِيَةُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا (٤) وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. (٥)

الثَّالِثَةُ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ (٦) وَفِي

_________

(١) حديث " نهى عن بيعتين في بيعة. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٤٣٢ ط الميمنية)، والترمذي (٣ / ٥٣٣ ط مصطفي الحلبي) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(٢) ذكرها في تهذيب السنن ابن القيم.

(٣) حديث: " نهى عن بيعتين في بيعة وعن ربح ما لم يضمن ". أخرجه أحمد (٢ / ١٧٤ - ١٧٥ ط الميمنية)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٠ / ١٦٠ ط دار المعارف) .

(٤) حديث: " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا " سبق تخريجه (ف / ١) .

(٥) نيل الأوطار ٥ / ١٧٢.

(٦) حديث: " نهى عن صفقتين في صفقة " أخرجه أحمد (١ / ٣٩٨ ط الميمنية) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٢ / ٢٩٥ ط دار المعارف) .

رِوَايَةٍ عَنْهُ لاَ تَحِل الصَّفْقَتَانِ فِي الصَّفْقَةِ (١) وَفِي أُخْرَى مَوْقُوفَةٍ الصَّفْقَةُ فِي الصَّفْقَتَيْنِ رِبًا (٢)

فَالْبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ عَقْدٌ مُحَرَّمٌ، يَأْثَمُ مَنْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ النَّهْيَ، وَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَحْكُمُونَ بِفَسَادِهِ، طَبَقًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي تَعْرِيفِهِمْ لِلْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: أَنْ يَقُول الْبَائِعُ: هُوَ بِكَذَا حَالًّا، وَبِأَعْلَى مِنْهُ مُؤَجَّلًا.

٥ - الْبَيْعُ بِثَمَنٍ آجِلٍ مَعْلُومِ الْقَدْرِ وَالأَْجَل، مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَلاَ خِلاَفَ فِيهِ لأَِحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) قَال الْمُفَسِّرُونَ: الْمُرَادُ بِهِ كُل مُعَامَلَةٍ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهَا نَقْدًا وَالآْخَرُ

_________

(١) حديث: " لا تحل صفقتان في الصفقة. . " رواه الطبراني في الأوسط من حديث سماك بن حرب مرفوعا، ونقل الزيلعي عن العقيلي أنه صوب وقفه. (نصب الراية ٤ / ٢٠ ط المجلس العلمي بالهند) .

(٢) حديث: " الصفقة في الصفقتين ربا. . " أخرجه العقيلي من حديث ابن مسعود مرفوعا وأعله بعمرو بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي، وقال: لا يتابع على رفعه، والموقوف أولى. (نصب الراية للزيلعي ٤ / ٢٠ ط المجلس العلمي بالهند) .

(٣) سورة البقرة / ٢٨٢.

نَسِيئَةً (١) فَمَا قُدِّمَ فِيهِ الثَّمَنُ وَأُجِّل فِيهِ تَسْلِيمُ الْمُثَمَّنِ، فَهُوَ السَّلَمُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِجَوَازِهِ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ، فَهَذَا مِثْلُهُ، لأَِنَّهُ تَأْجِيلٌ لأَِحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْعِوَضَانِ مِمَّا يَجْرِي بَيْنَهُمَا رِبَا النَّسِيئَةِ، كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ، وَكَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ.

هَذَا، غَيْرَ أَنَّ الإِْمَامَ أَحْمَدَ كَرِهَ أَنْ يَخْتَصَّ الرَّجُل بِالْبَيْعِ بِالنَّسِيئَةِ، لاَ يَبِيعُ إِلاَّ بِهَا، وَلاَ يَبِيعُ بِنَقْدٍ

قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِهَا الرِّبَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْبَائِعَ بِنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيَادَةَ بِالأَْجَل، لَكِنَّ الْبَيْعَ بِنَسِيئَةٍ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ اتِّفَاقًا، وَلاَ يُكْرَهُ إِلاَّ أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ تِجَارَةٌ غَيْرُهُ. (٢)

غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ أَعْلَى مِنَ الثَّمَنِ الْحَاضِرِ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ: فَقَدْ نُقِل الْخِلاَفُ فِيهِ عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَقَدْ نَقَل الشَّوْكَانِيُّ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى حُرْمَةَ بَيْعِ الشَّيْءِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ لأَِجْل النَّسَاءِ. (٣)

وَنَقَل صَاحِبُ سُبُل السَّلاَمِ الْخِلاَفَ فِيهِ عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. (٤)

_________

(١) تفسير القرطبي ٣ / ٣٧٧، وفتح القدير لابن الهمام ٥ / ٤٦٨.

(٢) المغني ٤ / ١٧٦.

(٣) نيل الأوطار ٥ / ١٧٢.

(٤) سبل السلام ٣ / ١٦ ط رابعة ١٣٧٠هـ.

قَال الشَّوْكَانِيُّ: مُتَمَسَّكُهُمْ رِوَايَةُ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا قَال: وَقَدْ عَرَفْتُ مَا فِي رَاوِيهِ مِنَ الْمَقَال، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ اللَّفْظُ الَّذِي رَوَاهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَلاَ حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ قَال: عَلَى أَنَّ غَايَةَ مَا فِيهَا الدَّلاَلَةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْبَيْعِ إِذَا وَقَعَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ أَنْ يَقُول: نَقْدًا بِكَذَا وَنَسِيئَةً بِكَذَا، لاَ إِذَا قَال مِنْ أَوَّل الأَْمْرِ: نَسِيئَةً بِكَذَا فَقَطْ، وَكَانَ أَكْثَرُ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ. مَعَ أَنَّ الْمُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يَمْنَعُونَ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلاَ يَدُل الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ، فَالدَّلِيل أَخَصُّ مِنَ الدَّعْوَى. وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ سِمَاكٍ (ر: ف ١) أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْمُحَرَّمَ أَنْ يَقُول: هُوَ نَقْدًا بِكَذَا وَنَسِيئَةً بِكَذَا، فَدَلاَلَةُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ مُطَابِقَةٌ. (١)

النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَيْعُ بِثَمَنَيْنِ مُعَجَّلٍ وَمُؤَجَّلٍ أَعْلَى مِنْهُ، مَعَ الإِْبْهَامِ:

٦ - إِذَا بَاعَ سِلْعَةً بِأَلْفٍ حَالَّةً أَوْ أَلْفٍ وَمِائَةٍ إِلَى سَنَةٍ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ عَيَّنَا أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ قَبْل الاِفْتِرَاقِ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنِ افْتَرَقَا عَلَى الإِْبْهَامِ لَمْ يَجُزْ.

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنَ

_________

(١) نيل الأوطار ٥ / ١٧٢. قال الشوكاني: وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها (شفاء الغلل في حكم الزياة في البيع لمجرد الأجل) وحققناها تحقيقا لم نسبق إليه.

الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.

وَقَدْ عَلَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِهَذَا الْمَنْعِ بِعِلَّتَيْنِ:

الأُْولَى: الْجَهَالَةُ فِي الثَّمَنِ وَعَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْبَيْعِ بِالرَّقْمِ الْمَجْهُول، وَلأَِنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلاَ مَعْلُومٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ إِحْدَى دُورِي. قَال: وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا قَال الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَا آخُذُهُ بِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا، فَقَال الْبَائِعُ: خُذْهُ، أَوْ قَدْ رَضِيتُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَقْدًا كَافِيًا. أَمَّا إِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الإِْيجَابِ أَوْ يَدُل عَلَيْهِ فَلاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ مَا مَضَى مِنَ الْقَوْل - أَيْ عَلَى التَّرْدِيدِ وَالإِْبْهَامِ - لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِيجَابًا. ثُمَّ خَرَّجَ وَجْهًا آخَرَ بِالصِّحَّةِ. (١)

الثَّانِيَةُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ رِبًا، وَالتَّعْلِيل بِهَذِهِ الْعِلَّةِ مُسْتَنِدٌ إِلَى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَفِيهَا: الصَّفْقَةُ فِي الصَّفْقَتَيْنِ رِبًا (٢) وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا. (٣)

_________

(١) المغني ٤ / ٢٣٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢، وشرح المنهاج بحاشيتي القليوبي وعميرة ٢ / ١٧٧.

(٢) حديث: " الصفقة في الصفقتين ربا. . . " سبق تخريجه ف / ٤.

(٣) حديث أبي هريرة " فله أوكسهما أو الربا. . . " سبق تخريجه (ف / ١) .

وَقَدْ عَلَّل بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الإِْمَامُ مَالِكٌ وَشَيْخُهُ رَبِيعَةُ وَسَائِرُ الْمَالِكِيَّةِ. جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ تَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ ثَوْبًا بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ دِينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ، تَأْخُذُهُ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ وَشِئْتُ أَنَا، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ أَحَدُهُمَا، فَهَذَا كَأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْكَ بِدِينَارٍ نَقْدًا، فَأَخَّرْتَهُ فَجَعَلْتُهُ بِدِينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ فَكَأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْكَ بِدِينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ فَجَعَلْتُهُمَا بِدِينَارٍ نَقْدًا.

تَوْضِيحُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:

٧ - قَدْ تَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانِ ضَوَابِطِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَحَاصِل كَلاَمِهِمْ مَا يَلِي:

أ - أَنَّ التَّحْرِيمَ شَامِلٌ لِمَا إِذَا كَانَ التَّرْدِيدُ بَيْنَ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، كَمَا لَوْ قَال: أَبِيعُكَ بِدِينَارٍ هَذِهِ السِّلْعَةَ، أَوْ هَذِهِ الشَّاةَ. وَلِمَا إِذَا كَانَ التَّرْدِيدُ بَيْنَ ثَمَنَيْنِ، كَمَا إِذَا قَال: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِعِشْرِينَ إِلَى سَنَةٍ.

ب - وَلاَ يَحْرُمُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ، أَوْ لأَِحَدِهِمَا بِأَحَدِ الأَْمْرَيْنِ، أَمَّا إِنْ كَانَ عَلَى سَبِيل التَّخْيِيرِ لِكِلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ جَازَ.

ج - وَهَذَا إِنْ كَانَتِ السِّلْعَتَانِ اللَّتَانِ حَصَل التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالْجِنْسِ، أَمَّا إِنْ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ بِالْجِنْسِ، وَالاِخْتِلاَفُ بَيْنَهُمَا بِالْجَوْدَةِ أَوِ الرَّدَاءَةِ فَقَطْ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَخْتَارُ إِلاَّ