الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

بَيْعُ الْوَفَاءِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْبَيْعُ هُوَ: مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ. (١)

وَالْوَفَاءُ لُغَةً: ضِدُّ الْغَدْرِ، يُقَال: وَفَّى بِعَهْدِهِ وَأَوْفَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْوَفَاءُ: الْخُلُقُ الشَّرِيفُ الْعَالِي الرَّفِيعُ، وَأَوْفَى الرَّجُل حَقَّهُ وَوَفَّاهُ إِيَّاهُ بِمَعْنَى: أَكْمَلَهُ لَهُ وَأَعْطَاهُ وَافِيًا.

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، بَيْعُ الْوَفَاءِ هُوَ: الْبَيْعُ بِشَرْطِ أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ يَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ (بَيْعَ الْوَفَاءِ) لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ.

هَذَا، وَيُسَمِّيهِ الْمَالِكِيَّةُ " بَيْعَ الثُّنْيَا " وَالشَّافِعِيَّةُ " بَيْعَ الْعُهْدَةِ " (٢) وَالْحَنَابِلَةُ " بَيْعَ الأَْمَانَةِ " (٣) وَيُسَمَّى أَيْضًا " بَيْعَ الطَّاعَةِ " " وَبَيْعَ الْجَائِزِ " وَسُمِّيَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ " بَيْعَ الْمُعَامَلَةِ. (٤) "

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية مادة: " ١٠٥ ".

(٢) الحطاب ٤ / ٣٧٣، وبغية المسترشدين ص ١٣٣.

(٣) كشاف القناع ٣ / ١٤٩ - ١٥٠.

(٤) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٩.

حُكْمُ بَيْعِ الْوَفَاءِ:

٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِبَيْعِ الْوَفَاءِ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى: أَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ اشْتِرَاطَ الْبَائِعِ أَخْذَ الْمَبِيعِ إِذَا رَدَّ الثَّمَنَ إِلَى الْمُشْتَرِي يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ وَحُكْمَهُ، وَهُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِقْرَارِ وَالدَّوَامِ. وَفِي هَذَا الشَّرْطِ مَنْفَعَةٌ لِلْبَائِعِ، وَلَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ مُعَيَّنٌ يَدُل عَلَى جَوَازِهِ، فَيَكُونُ شَرْطًا فَاسِدًا يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِهِ فِيهِ.

وَلأَِنَّ الْبَيْعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لاَ يُقْصَدُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْوَفَاءِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْ وَرَائِهِ الْوُصُول إِلَى الرِّبَا الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الْمَال إِلَى أَجَلٍ، وَمَنْفَعَةُ الْمَبِيعِ هِيَ الرِّبْحُ، وَالرِّبَا بَاطِلٌ فِي جَمِيعِ حَالاَتِهِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ جَائِزٌ مُفِيدٌ لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ انْتِفَاعُ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ - دُونَ بَعْضِهَا - وَهُوَ الْبَيْعُ مِنْ آخَرَ.

وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ تَعَارَفَهُ النَّاسُ وَتَعَامَلُوا بِهِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، فِرَارًا مِنَ الرِّبَا، فَيَكُونُ صَحِيحًا لاَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِهِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقَوَاعِدِ، لأَِنَّ

الْقَوَاعِدَ تُتْرَكُ بِالتَّعَامُل، كَمَا فِي الاِسْتِصْنَاعِ. (١)

٣ - وَذَهَبَ أَبُو شُجَاعٍ وَعَلِيٌّ السُّغْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَاتُرِيدِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى: أَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ رَهْنٌ وَلَيْسَ بِبَيْعٍ، فَيَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الرَّهْنِ فَلاَ يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ أُجْرَتُهُ، كَالرَّاهِنِ إِذَا اسْتَأْجَرَ الْمَرْهُونَ مِنَ الْمُرْتَهِنِ، وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِهَلاَكِهِ وَلاَ يَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.

وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي، لاَ لِلأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي. وَلِهَذَا كَانَتِ الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بَيْعًا، وَكَانَتِ الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل حَوَالَةً، وَأَمْثَال ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْفِقْهِ.

وَهَذَا الْبَيْعُ لَمَّا شُرِطَ فِيهِ أَخْذُ الْمَبِيعِ عِنْدَ رَدِّ الثَّمَنِ كَانَ رَهْنًا، لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ عِنْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ. (٢)

٤ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ مُفِيدٌ لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ مِنْ حِل الاِنْتِفَاعِ بِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي بَيْعَهُ، قَال الزَّيْلَعِيُّ فِي الإِْكْرَاهِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.

الثَّانِي: الْقَوْل الْجَامِعُ لِبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي حَقِّ بَعْضِ الأَْحْكَامِ حَتَّى مَلَكَ كُلٌّ

_________

(١) تبيين الحقائق للزيلعي ٥ / ١٨٤، والبحر الرائق ٦ / ٨، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٨ - ٢٠٩، وابن عابدين ٤ / ٢٤٦ - ٢٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣١، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٣٣، وبغية المسترشدين ص ١٣٣، والإقناع ٣ / ٥٨.

(٢) تبيين الحقائق ٥ / ١٨٣، والبزازية بهامش الهندية ٤ / ٤٠٥.

مِنْهُمَا الْفَسْخَ، صَحِيحٌ فِي حَقِّ بَعْضِ الأَْحْكَامِ كَحِل الإِْنْزَال وَمَنَافِعِ الْمَبِيعِ، وَرَهْنٌ فِي حَقِّ الْبَعْضِ حَتَّى لَمْ يَمْلِكِ الْمُشْتَرِي بَيْعَهُ مِنْ آخَرَ وَلاَ رَهْنَهُ وَسَقَطَ الدَّيْنُ بِهَلاَكِهِ. فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعُقُودِ الثَّلاَثَةِ، كَالزَّرَافَةِ فِيهَا صِفَةُ الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ وَالنَّمِرِ، جُوِّزَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ بِشَرْطِ سَلاَمَةِ الْبَدَلَيْنِ لِصَاحِبِهِمَا، قَال فِي الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُعْدَل فِي الإِْفْتَاءِ عَنِ الْقَوْل الْجَامِعِ. وَفِي النَّهْرِ: وَالْعَمَل فِي دِيَارِنَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ. (١)

٥ - وَقَال صَاحِبُ بُغْيَةِ الْمُسْتَرْشِدِينَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ: بَيْعُ الْعُهْدَةِ صَحِيحٌ جَائِزٌ وَتَثْبُتُ بِهِ الْحُجَّةُ شَرْعًا وَعُرْفًا عَلَى قَوْل الْقَائِلِينَ بِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ، وَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَل فِي غَالِبِ جِهَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنٍ قَدِيمٍ وَحَكَمَتْ بِمُقْتَضَاهُ الْحُكَّامُ، وَأَقَرَّهُ مَنْ يَقُول بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ مَنِ اخْتَارَهُ وَلَفَّقَهُ مِنْ مَذَاهِبَ، لِلضَّرُورَةِ الْمَاسَّةِ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالاِخْتِلاَفُ فِي صِحَّتِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَفِي التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ، لاَ يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِالْفِقْهِ. (٢)

شَرْطُ بَيْعِ الْوَفَاءِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ:

٦ - لِتَطْبِيقِ أَحْكَامِ بَيْعِ الْوَفَاءِ شَرْطَانِ عِنْدَ مَنْ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٤٦ - ٢٤٧ ط بولاق.

(٢) بغية المسترشدين ص ١٣٣ بتصرف.

يُجِيزُهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِهِمَا وَهُمَا:

أ - أَنْ يَنُصَّ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ.

ب - سَلاَمَةُ الْبَدَلَيْنِ، فَإِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ وَفَاءً وَكَانَتْ قِيمَتُهُ مُسَاوِيَةً لِلدَّيْنِ (أَيِ الثَّمَنِ) سَقَطَ مِنَ الدَّيْنِ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ، وَهَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، سَقَطَ مِنْ قِيمَتِهِ قَدْرُ مَا يُقَابِل الدَّيْنَ، وَهُوَ فِي هَذَا كَالرَّهْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (١)

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى بَيْعِ الْوَفَاءِ:

هُنَاكَ آثَارٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى بَيْعِ الْوَفَاءِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مُجْمَلُهَا فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا - عَدَمُ نَقْلِهِ لِلْمِلْكِيَّةِ:

٧ - أَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ لاَ يُسَوِّغُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفَ النَّاقِل لِلْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عِدَّةُ مَسَائِل:

أ - عَدَمُ نَفَاذِ بَيْعِ الْمَبِيعِ وَفَاءً مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ كَالرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ. (٢)

ب - لاَ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٤٧، ومجلة الأحكام العدلية مادة: " ٣٩٩ و٤٠٠ ".

(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٤٧.

الشُّفْعَةُ، وَتَبْقَى الشُّفْعَةُ لِلْبَائِعِ، فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى أَبِي الْفَضْل: أَنَّهُ سُئِل عَنْ كَرْمٍ بِيَدِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، بَاعَتِ الْمَرْأَةُ نَصِيبَهَا مِنَ الرَّجُل، وَاشْتَرَطَتْ أَنَّهَا مَتَى جَاءَتْ بِالثَّمَنِ رَدَّ عَلَيْهَا نَصِيبَهَا، ثُمَّ بَاعَ الرَّجُل نَصِيبَهُ، هَل لِلْمَرْأَةِ فِيهِ شُفْعَةٌ؟

قَال (أَبُو الْفَضْل): إِنْ كَانَ الْبَيْعُ بَيْعَ مُعَامَلَةٍ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ لِلْمَرْأَةِ، سَوَاءٌ كَانَ نَصِيبُهَا مِنَ الْكَرْمِ فِي يَدِهَا أَوْ فِي يَدِ الرَّجُل.

وَبَيْعُ الْوَفَاءِ وَبَيْعُ الْمُعَامَلَةِ وَاحِدٌ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّةِ. (١)

ج - الْخَرَاجُ فِي الأَْرْضِ الْمَبِيعَةِ بَيْعَ وَفَاءٍ عَلَى الْبَائِعِ. (٢)

د - لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلاَ شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ. (٣)

هـ - مَنَافِعُ الْمَبِيعِ بَيْعَ وَفَاءٍ لِلْبَائِعِ كَالإِْجَارَةِ وَثَمَرَةِ الأَْشْجَارِ وَنَحْوِهَا، فَلَوْ بَاعَ دَارَهُ مِنْ آخَرَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ بَيْعَ وَفَاءٍ، وَتَقَابَضَا، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهَا مِنَ الْمُشْتَرِي مَعَ شَرَائِطِ صِحَّةِ الإِْجَارَةِ وَقَبَضَهَا وَمَضَتِ الْمُدَّةُ، هَل يَلْزَمُهُ الأَْجْرُ؟ قَال: لاَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِل لِلْمُشْتَرِي، إِذْ لَوِ انْتَقَل لَوَجَبَتِ الأُْجْرَةُ، وَكَذَلِكَ ثَمَرُ الشَّجَرِ لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَخَذَ مِنْ ثَمَرِ الأَْشْجَارِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٩.

(٢) معين الحكام ص ١٨٣.

(٣) المرجع السابق.

شَيْئًا، فَإِنْ أَخَذَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَرِضَاهُ ضَمِنَهَا. (١)

وانْتِقَال الْمَبِيعِ وَفَاءً بِالإِْرْثِ إِلَى وَرَثَةِ الْبَائِعِ، فَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ بُسْتَانَهُ مِنْ آخَرَ بَيْعَ وَفَاءٍ، وَتَقَابَضَا، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ بَيْعًا بَاتًّا وَسَلَّمَ وَغَابَ، فَلِلْبَائِعِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَنْ يُخَاصِمُوا الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ، وَيَسْتَرِدُّوا مِنْهُ الْبُسْتَانَ.

وَكَذَا إِذَا مَاتَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِيَانِ، وَلِكُلٍّ وَرَثَةٌ، فَلِوَرَثَةِ الْمَالِكِ أَنْ يَسْتَخْلِصُوهُ مِنْ أَيْدِي وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَلِوَرَثَةِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَنْ يَرْجِعُوا بِمَا أَدَّى مِنَ الثَّمَنِ إِلَى بَائِعِهِ فِي تَرِكَتِهِ الَّتِي فِي أَيْدِي وَرَثَتِهِ، وَلِوَرَثَةِ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل أَنْ يَسْتَرِدُّوهُ، وَيَحْبِسُوهُ بِدَيْنِ مُورَثِهِمْ إِلَى أَنْ يَقْضُوا الدَّيْنَ. (٢)

ثَانِيًا: حَقُّ الْبَائِعِ فِي اسْتِرْدَادِ الْمَبِيعِ:

٨ - يَحِقُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَبِيعَهُ إِذَا دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي فِي حَالَتَيِ التَّوْقِيتِ وَعَدَمِهِ. (٣)

ثَالِثًا: أَثَرُ مَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ:

٩ - سَبَقَ قَرِيبًا أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعُ بَيْعَ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٩، ومعين الحكام ص ١٨٣.

(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٩، والبزازية بهامش الهندية ٤ / ٤١١.

(٣) معين الحكام ص ١٨٢، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٩، وبغية المسترشدين ص ١٣٣.

وَفَاءٍ فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي أَحْكَامِ الْوَفَاءِ، نَظَرًا لِجَانِبِ الرَّهْنِ. (١)

رَابِعًا: اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ:

١٠ - مِنْ أَهَمِّ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِاخْتِلاَفِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ مَا يَلِي:

أ - إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي أَصْل بَيْعِ الْوَفَاءِ، كَأَنْ قَال أَحَدُهُمَا: كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا أَوْ وَفَاءً، فَالْقَوْل لِمُدَّعِي الْجَدِّ وَالْبَتَاتِ إِلاَّ بِقَرِينَةِ الْوَفَاءِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقَوْل لِمُدَّعِي الْوَفَاءِ اسْتِحْسَانًا. (٢)

ب - إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ الْبَيِّنَةَ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْوَفَاءِ، لأَِنَّهَا خِلاَفُ الظَّاهِرِ. (٣)

ج - إِذَا لَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْل قَوْل مُدَّعِي الْبَتَاتِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَتَحَصَّل أَنَّ الاِسْتِحْسَانَ فِي الاِخْتِلاَفِ فِي الْبَيِّنَةِ تَرْجِيحُ بَيِّنَةِ الْوَفَاءِ، وَفِي الاِخْتِلاَفِ فِي الْقَوْل تَرْجِيحُ قَوْل مُدَّعِي الْبَتَاتِ. (٤)

_________

(١) البزازية بهامش الهندية ٤ / ٤١١، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٩، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ٣ / ١٤٣.

(٢) الطحطاوي مع الدر المختار ٣ / ١٤٤.

(٣) المرجع السابق.

(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٤٨.

وَمِنَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوَفَاءِ نُقْصَانُ الثَّمَنِ كَثِيرًا، وَهُوَ مَا لاَ يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ عَادَةً إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ صَاحِبُهُ تَغَيُّرَ السِّعْرِ. (١)

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٤٨ - ٢٤٩.

بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْبَيْعَتَانِ لُغَةً: مُثَنَّى الْبَيْعَةِ. وَالْبَيْعَةُ: اسْمُ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْبَيْعِ. وَالْبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ فِي الاِصْطِلاَحِ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: مَعْنَاهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُل السِّلْعَةَ فَيَقُول: هِيَ نَقْدًا بِكَذَا، وَنَسِيئَةً بِكَذَا. أَيْ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الأَْوَّل. وَقَدْ فَسَّرَهُ بِهَذَا سِمَاكٌ - رَاوِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عِنْدَ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ. قَوْمٌ، وَلَوْ بَيَّنَ الْمُتَبَايِعَانِ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنْ هُنَا مَنَعُوا الزِّيَادَةَ فِي بَيْعَةِ السِّلْعَةَ نَسِيئَةً عَنْ سِعْرِ يَوْمِهَا كَمَا سَيَأْتِي.

الثَّانِي: فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالتَّفْسِيرِ السَّابِقِ نَفْسِهِ، لَكِنْ بِقَيْدِ الاِفْتِرَاقِ عَلَى الإِْبْهَامِ بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، فَقَالُوا: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذَا نَقْدًا بِكَذَا، أَوْ نَسِيئَةً بِكَذَا. ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ قَبْل أَنْ يَلْتَزِمَا بِكَوْنِ الْبَيْعِ عَلَى أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ، بَل يَفْتَرِقَانِ عَلَى الإِْبْهَامِ.

قَال الشَّافِعِيُّ: هُوَ أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ أَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ،