الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ. (١)

قَال الْكَاسَانِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِيَبِيعَ بَيْعًا مَكْرُوهًا. (٢)

- وَالدَّلِيل الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَزَالُوا يَتَبَايَعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ. (٣)

- وَأَنَّهُ بَيْعُ الْفُقَرَاءِ، كَمَا قَال الْمَرْغِينَانِيُّ، وَالْحَاجَةُ مَاسَةٌ إِلَيْهِ (٤) .

- وَلأَِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنِ السَّوْمِ حَال الْبَيْعِ، وَحَال الْمُزَايَدَةِ خَارِجٌ عَنِ الْبَيْعِ. (٥)

وَتَفْصِيل أَحْكَامِ (الْمُزَايَدَةِ) فِي مُصْطَلَحِهَا.

هـ - النَّجْشُ:

١٢٨ - النَّجْشُ هُوَ بِسُكُونِ الْجِيمِ مَصْدَرٌ،

_________

(١) حديث: " إن المسألة لا تصلح. . . " أخرجه أحمد (٣ / ١١٤ ط الميمنية) وقال ابن حجر: أعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه. التلخيص الحبير (٣ / ١٥ ط شركة الطباعة الفنية) .

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢.

(٣) كشاف القناع ٣ / ١٨٣.

(٤) الهداية بشروحها ٦ / ١٠٨، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٧ و٦٨.

(٥) كشاف القناع ٣ / ١٨٣.

وَبِالْفَتْحِ اسْمُ مَصْدَرٍ، (١) وَمِنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ: الإِْثَارَةُ. يُقَال: نَجَشَ الطَّائِرَ: إِذَا أَثَارَهُ مِنْ مَكَانِهِ. قَال الْفَيُّومِيُّ: نَجَشَ الرَّجُل يَنْجُشُ نَجْشًا: إِذَا زَادَ فِي سِلْعَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَلَيْسَ قَصْدُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، بَل لِيَغُرَّ غَيْرَهُ، فَيُوقِعَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ.

وَأَصْل النَّجْشِ: الاِسْتِتَارُ؛ لأَِنَّ النَّاجِشَ يَسْتُرُ قَصْدَهُ، وَمِنْهُ يُقَال لِلصَّائِدِ: نَاجِشٌ لاِسْتِتَارِهِ. (٢)

وَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنْ يَزِيدَ الرَّجُل فِي الثَّمَنِ وَلاَ يُرِيدُ الشِّرَاءَ، لِيُرَغِّبَ غَيْرَهُ. أَوْ أَنْ يَمْدَحَ الْمَبِيعَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِيُرَوِّجَهُ (٣) .

وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلاَ تَصُرُّوا الْغَنَمَ. (٤)

_________

(١) الدر المختار ٤ / ١٣٢، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٧، وفتح القدير ٦ / ١٠٧، وشرح الدردير ٣ / ٦٧، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤ / ٣١٥، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٩٢.

(٢) المصباح المنير، مادة: " نجش ".

(٣) الهداية بشروحها ٦ / ١٠٦، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٣٣، وابن عابدين ٤ / ١٣٢، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٦٨، وشرح الخرشي ٥ / ٨٢، وتحفة المحتاج ٤ / ٣١٥، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٨٤، والمغني ٤ / ٢٧٨.

(٤) حديث: " لا تلقوا الركبان ولا يبيع بعضكم على بعض. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٦١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٥٥ ط الحلبي) واللفظ للبخاري.

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّجْشِ (١)

أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ حَرَامٌ، وَذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَلِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَةِ الْمُسْلِمِ، وَهِيَ حَرَامٌ.

ب - وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا إِذَا بَلَغَتِ السِّلْعَةُ قِيمَتَهَا، أَمَّا إِذَا لَمْ تَبْلُغْ فَلاَ يُكْرَهُ، لاِنْتِفَاءِ الْخِدَاعِ. (٢)

ذَلِكَ حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ. أَمَّا حُكْمُهُ الْوَضْعِيُّ:

أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ النَّجْشَ فِعْل النَّاجِشِ لاَ الْعَاقِدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ، وَالنَّهْيُ لِحَقِّ الآْدَمِيِّ فَلَمْ يَفْسُدِ الْعَقْدُ، كَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَبَيْعِ الْمَعِيبِ وَالْمُدَلَّسِ، بِخِلاَفِ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ يَنْجَبِرُ بِالْخِيَارِ أَوْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ.

ب - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ

_________

(١) حديث: " نهى عن النجش. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٦ ط الحلبي) .

(٢) المغني ٤ / ٢٧٨، والقوانين الفقهية (١٧٥)، وتحفة المحتاج ٤ / ٣٠٨، ٣١٥، والدر المختار ٤ / ١٣٢، والهداية وشرحا فتح القدير والعناية ٦ / ١٠٦.

لاَ يَصِحُّ بَيْعُ النَّجْشِ، لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.

وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ فِي هَذَا الْبَيْعِ:

- فَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ بِالنَّاجِشِ وَسَكَتَ، فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَلَهُ التَّمَسُّكُ بِهِ، فَإِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى ثَمَنَ النَّجْشِ.

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْبَائِعُ بِالنَّاجِشِ، فَلاَ كَلاَمَ لِلْمُشْتَرِي، وَلاَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَالإِْثْمُ عَلَى مَنْ فَعَل ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ عِنْدَ التَّوَاطُؤِ.

- وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِتَفْرِيطِهِ.

- وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَكَانَ النَّجْشُ بِمُوَاطَأَةٍ مِنَ الْبَائِعِ أَمْ لَمْ يَكُنْ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْمْضَاءِ، كَمَا فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَإِنْ كَانَ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ. (١)

وَفِيهِ أَحْكَامٌ تَفْصِيلِيَّةٌ تُرَاجَعُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجْش) .

_________

(١) المغني ٤ / ٢٧٨، والشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي ٣ / ٦٨، وشرح الخرشي ٥ / ٨٢ و٨٣، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٨٤، وتحفة المحتاج ٤ / ٣١٦.

و- تَلَقِّي الْجَلَبِ أَوِ الرُّكْبَانِ أَوِ السِّلَعِ:

١٢٩ - عَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَلَقِّي الْجَلَبِ، وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ بِتَلَقِّي السِّلَعِ. قَال خَلِيلٌ: كَتَلَقِّي السِّلَعِ أَوْ صَاحِبِهَا. وَعَبَّرَ ابْنُ جُزَيٍّ مِنْهُمْ بِتَلَقِّي السِّلْعَةِ.

وَعَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِتَلَقِّي الرُّكْبَانِ.

وَالتَّلَقِّي: هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْبَلَدِ الَّتِي يُجْلَبُ إِلَيْهَا الْقُوتُ (١) (وَنَحْوُهُ) .

وَالْجَلَبُ - بِفَتْحَتَيْنِ - بِمَعْنَى الْجَالِبِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْمَجْلُوبِ، فَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، (٢) وَهُوَ مَا تَجْلِبُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِتَلَقِّي السِّلَعِ فِي تَعْبِيرِ الْمَالِكِيَّةِ.

كَمَا أَنَّ الرُّكْبَانَ - فِي تَعْبِيرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - جَمْعُ رَاكِبٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ الْقَادِمُ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ مَاشِيًا. (٣)

حُكْمُ التَّلَقِّي التَّكْلِيفِيُّ:

١٣٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ التَّلَقِّي مُحَرَّمٌ، لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَلَقُّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى

_________

(١) انظر الشرح الكبير للدردير ٣ / ٧٠.

(٢) المصباح المنير. مادة " جلب "، والدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٣٢.

(٣) تحفة المحتاج ٤ / ٣١١، وفتح القدير ٦ / ١٠٧، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢، ورد المحتار ٤ / ١٣٢، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤ / ٦٨.

سَيِّدُهُ أَيْ صَاحِبُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ. (١)

وَالْحَنَفِيَّةُ ذَهَبُوا إِلَى كَرَاهَةِ التَّلَقِّي، وَذَلِكَ لِلضَّرَرِ أَوِ الْغَرَرِ، أَوْ كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ الْبَيْعَ مَشْرُوعٌ فِي ذَاتِهِ، وَالنَّهْيُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الإِْضْرَارُ بِالْعَامَّةِ عَلَى التَّفْسِيرِ الأَْوَّل - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَهُمْ - وَتَغْرِيرُ أَصْحَابِ السِّلَعِ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرَرٌ أَوْ غَرَرٌ فَلاَ بَأْسَ، وَلاَ يُكْرَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَالْكَرْلاَنِيُّ وَالْكَاسَانِيُّ وَالزَّيْلَعِيُّ وَالْحَصْكَفِيُّ، لاِنْعِدَامِ الضَّرَرِ. (٢)

فَقَوْل ابْنِ قُدَامَةَ: وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَسُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. (٣) لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ. وَفَسْخُ الْمَكْرُوهِ - مِنَ الْبِيَاعَاتِ - وَاجِبٌ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِرَفْعِ الإِْثْمِ، وَهِيَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ عِنْدَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ، كَمَا هُنَا، وَكَمَا فِي كُل بَيْعٍ مَكْرُوهٍ.

حُكْمُ التَّلَقِّي الْوَضْعِيُّ:

١٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ التَّلَقِّي صَحِيحٌ، وَلاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِهِ. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ

_________

(١) حدث: " لا تلقوا الجلب. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٧ ط الحلبي) .

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢، والهداية وشرح العناية ٦ / ١٠٧، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٨، والدر المختار ٤ / ١٣٢.

(٣) المغني ٤ / ٢٨١، والدر المختار ٤ / ١٣٤.

عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ فِي قَوْل الْجَمِيعِ، وَعَلَّل الصِّحَّةَ:

- بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَالْخِيَارُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ.

- وَلأَِنَّ النَّهْيَ لاَ لِمَعْنًى فِي الْبَيْعِ، بَل يَعُودُ إِلَى ضَرْبٍ مِنَ الْخَدِيعَةِ، يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْمُصَرَّاةِ. وَفَارَقَ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْخِيَارِ، إِذْ لَيْسَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

- وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ التَّلَقِّي فَاسِدٌ، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ النَّهْيِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوَّل أَصَحُّ. (١)

ز - بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي:

١٣٢ - وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ جَابِرٌ ﵁ مَرْفُوعًا: لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ. (٢)

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَادِ مِنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ سِمْسَارًا لِلْبَادِي، لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الإِْضْرَارِ بِأَهْل الْبَلَدِ لاِرْتِفَاعِ السِّعْرِ، وَفُسِّرَ بِغَيْرِ

_________

(١) المغني ٤ / ٢٨١، ٢٨٢.

(٢) حديث " لا يبع حاضر لباد. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٧ ط الحلبي) .

ذَلِكَ. وَلِلْمَنْعِ شُرُوطٌ وَتَفْصِيلاَتٌ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ وَعَدَمُهُ وَالصِّحَّةُ أَوِ الْبُطْلاَنُ.

وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي) .

النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْسْبَابُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ عِبَادِيَّةٍ مَحْضَةٍ

أ - الْبَيْعُ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ:

١٣٣ - أَمَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ عِنْدَ النِّدَاءِ (الأَْذَانِ) يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (١) وَالأَْمْرُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ نَهْيٌ عَنْهُ.

وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مُحَرَّمٌ لِهَذَا النَّصِّ.

غَيْرَ أَنَّ لِلْجُمُعَةِ أَذَانَيْنِ، فَعِنْدَ أَيِّ الأَْذَانَيْنِ يُعْتَبَرُ مَوْرِدُ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ.

أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَالطَّحَاوِيِّ، أَنَّهُ الأَْذَانُ الَّذِي جَرَى بِهِ التَّوَارُثُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَذَانُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ، وَالإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيَنْصَرِفُ النِّدَاءُ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا قَيَّدَهُ

_________

(١) سورة الجمعة / ٩.

الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِالأَْذَانِ الثَّانِي. (١)

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:

- مَا رُوِيَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، قَال: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكَثُرَ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ (٢) .

وَفِي رِوَايَةٍ " زَادَ الثَّانِيَ ".

وَفِي رِوَايَةٍ " عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ، يُقَال لَهَا: الزَّوْرَاءُ " (٣) وَتَسْمِيَةُ الأَْذَانِ الأَْوَّل فِي أَيَّامِنَا، أَذَانًا ثَالِثًا؛ لأَِنَّ الإِْقَامَةَ - كَمَا يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ تُسَمَّى أَذَانًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ كُل أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ - وَلأَِنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ هَذَا الأَْذَانِ يَشْغَل عَنِ الصَّلاَةِ، وَيَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى فَوَاتِهَا، أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا. (٤)

_________

(١) الهداية وشروحها ٢ / ٣٨، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢ / ٥٤، وشرح الخرشي ٢ / ٩٠، وانظر ما يشير إليه في القوانين الفقهية (٥٧) وانظر كشاف القناع ٣ / ١٨٠.

(٢) حديث: " السائب بن يزيد. . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٩٣ ط السلفية)، والرواية الثانية للبخاري (٢ / ٣٩٦) والثالثة لابن ماجه (١ / ٢٥٩ ط الحلبي) . وانظر فتح القدير في شروح الهداية ٢ / ٣٨.

(٣) حديث: " بين كل أذانين صلاة " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١٠ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٥٧٣ ط الحلبي) . وانظر فتح القدير ٢ / ٣٨.

(٤) كشاف القناع ٣ / ١٨٠.

ب - وَالْقَوْل الأَْصَحُّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ، أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْبَيْعُ عِنْدَ الأَْذَانِ الأَْوَّل الَّذِي عَلَى الْمَنَارَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَال.

وَعَلَّلُوهُ بِحُصُول الإِْعْلاَمِ بِهِ. وَلأَِنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ الأَْذَانَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، يَفُوتُهُ أَدَاءُ السُّنَّةِ وَسَمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَرُبَّمَا تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ إِذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا مِنَ الْجَامِعِ.

بَل نَقَل الطَّحَاوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ قَوْلَهُ، فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ (١) .

ج - وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، حَكَاهَا الْقَاضِي عَنْهُ، وَهِيَ: أَنَّ الْبَيْعَ يَحْرُمُ بِزَوَال الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسِ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ.

وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، لَكِنَّ ابْنَ قُدَامَةَ قَرَّرَ أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ مِنْ وُجُوهٍ، وَهِيَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عَلَى النِّدَاءِ، لاَ عَلَى الْوَقْتِ. وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَحْصُل بِالنِّدَاءِ عَقِيبَ جُلُوسِ الإِْمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، لاَ بِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ

_________

(١) الهداية والعناية ٢ / ٣٨، ٣٩، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٨ ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي (٢٨٢) والدر المختار ٤ / ١٣٢.