الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

زَوَال الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسِ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ، لَمَا اخْتُصَّ بِالزَّوَال، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ أَيْضًا، (١) لأَِنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ هُوَ مَا بَيْنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فِيهِ:

١٣٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ، صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَقَل أَحْوَال النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، وَأَنَّ تَرْكَ الْبَيْعِ وَاجِبٌ، فَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ: الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَصِحُّ إِطْلاَقُ الْحَرَامِ عَلَيْهِ، كَمَا عَبَّرَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَيُفْتَرَضُ تَرْكُهُ، كَمَا عَبَّرَ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ. (٢)

قُيُودُ تَحْرِيمِ هَذَا الْبَيْعِ:

١٣٥ - إِنَّ هَذَا النَّهْيَ الَّذِي اقْتَضَى التَّحْرِيمَ أَوِ الْكَرَاهَةَ، مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ:

أ - أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَغِل بِالْبَيْعِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، فَلاَ يَحْرُمُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالصَّغِيرِ وَالْمَرِيضِ، بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ قَدْ خُصَّ مِنْهُ

_________

(١) المغني ٢ / ١٤٥.

(٢) انظر القوانين الفقهية (ص ٥٧)، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢ / ٥٤، وكشاف القناع ٣ / ١٨٠، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤ / ٦٨، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٢٨٢)، وانظر الدر المختار (٤ / ١٣١) فقد عبر بكراهة التحريم، والهداية بشروحها (٢ / ٣٨) .

مَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِ. (١) وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - رِوَايَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّحْرِيمَ خَاصٌّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ. وَذَلِكَ: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْبَيْعِ مِنْ أَمْرِهِ بِالسَّعْيِ، فَغَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ بِالسَّعْيِ لاَ يَتَنَاوَلُهُمُ النَّهْيُ. وَلأَِنَّ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُعَلَّلٌ بِمَا يَحْصُل بِهِ مِنَ الاِشْتِغَال عَنِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ.

ب - وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَغِل بِالْبَيْعِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ.

ج - انْتِفَاءُ الضَّرُورَةِ إِلَى الْبَيْعِ، كَبَيْعِ الْمُضْطَرِّ مَا يَأْكُلُهُ، وَبَيْعِ كَفَنِ مَيِّتٍ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِلاَّ فَلاَ حُرْمَةَ، وَإِنْ فَاتَتِ الْجُمُعَةُ - كَمَا يَقُول الْجَمَل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.

د - أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي أَذَانِ الْخُطْبَةِ - كَمَا عَبَّرَ الْجُمْهُورُ - (٢) أَوْ عِنْدَهُ - كَمَا عَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا.

هـ - وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ لِلتَّقْيِيدِ بِغَيْرِ كَوْنِ الأَْذَانِ بَعْدَ الزَّوَال (٣) .

_________

(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٢٨٢) وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢ / ٥٤، والمغني ٢ / ١٤٦، والدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٣٢.

(٢) المغني ٢ / ١٤٦، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٥٤، وكشاف القناع ٣ / ١٨٠ - ١٨١ في أمثلة أخرى ذكرت في هذا.

(٣) شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه ٢ / ٩٠، والهداية وشرح العناية ٢ / ٣٨ و٣٩، ومراقي الفلاح (٢٨٢) .

قِيَاسُ غَيْرِ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيمِ:

١٣٦ - النَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَامِلٌ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَسَائِرَ الْعُقُودِ.

بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ كُل شَيْءٍ يُؤَدِّي إِلَى الاِشْتِغَال عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، أَوْ يُخِل بِهِ.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَتَوْلِيَةٌ وَشَرِكَةٌ وَإِقَالَةٌ وَشُفْعَةٌ، لاَ نِكَاحٌ وَهِبَةٌ وَصَدَقَةٌ وَكِتَابَةٌ وَخُلْعٌ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الاِشْتِغَال بِالْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنِ الْجُمُعَةِ (١) .

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ، لأَِنَّهَا عُقُودُ مُعَاوَضَةٍ فَأَشْبَهَتِ الْبَيْعَ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَخْصِيصُ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَطْ بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي، فَتَصِحُّ عِنْدَهُمْ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنَ النِّكَاحِ وَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا، مِنَ الْقَرْضِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ (الْكَفَالَةِ) وَنَحْوِهَا. لأَِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَغَيْرُهُ لاَ يُسَاوِيهِ

_________

(١) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه (٢٨٢)، والقوانين الفقهية (ص ٥٧)، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢ / ٥٤، ورد المحتار ١ / ٥٥٢، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢ / ٥٤، وجواهر الإكليل للأبي ١ / ٩٩ ط دار المعرفة. بيروت.

لِقِلَّةِ وُقُوعِهِ، فَلاَ تَكُونُ إِبَاحَتُهُ ذَرِيعَةً لِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.

وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارٌ، أَوْ فَسْخَهُ يَصِحُّ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ الإِْمْضَاءِ وَالْفَسْخِ فِي الْخِيَارِ بَيْعًا (١) .

اسْتِمْرَارُ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ حَتَّى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ:

١٣٧ - لاَ يَكَادُ الْفُقَهَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، يَسْتَمِرُّ حَتَّى الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَمِنْ نُصُوصِهِمْ فِي ذَلِكَ:

- وَيَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (٢) . - يَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ إِلَى الْفَرَاغِ مِنَ الْجُمُعَةِ (٣) .

- وَيَسْتَمِرُّ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ وَالصِّنَاعَاتِ مِنَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي أَوْ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا سَعَى فِيهِ أَدْرَكَهَا مِنْ مَنْزِلٍ بَعِيدٍ، إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (٤) .

أَحْكَامٌ عَامَّةٌ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ:

أَوَّلًا: حُكْمُ بَيْعِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُ:

١٣٨ - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ١٨١، وانظر المغني ٢ / ١٤٦.

(٢) القوانين الفقهية (٥٧)، وانظر شرح الخرشي ٢ / ٩٠، وانظر بوجه عام مراقي الفلاح (٢٨٣) .

(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٥٤.

(٤) كشاف القناع ٣ / ١٨١.

مُسْتَثْنًى مِنْ حُكْمِ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، إِذَا لَمْ تَجِبِ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمَا مَعًا (١)، فَلَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةُ، لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يُكْرَهْ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ (٢) -

أَمَّا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ:

- فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُمَا يَأْثَمَانِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّ الأَْوَّل الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ ارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَالآْخَرَ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ أَعَانَهُ عَلَيْهِ.

- وَفِي قَوْلٍ ضُعِّفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلآْخَرِ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَلاَ يَأْثَمُ (٣) .

- وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ يُفْسَخُ فِي هَذِهِ الْحَال، حَيْثُ كَانَتْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَوْ مَعَ مَنْ لاَ تَلْزَمُهُ. (٤)

- وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ. وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لِلآْخَرِ الَّذِي لاَ تَلْزَمُهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الإِْثْمِ. (٥)

_________

(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٢٨٢) نقلا عن القهستاني.

(٢) شرح المنهج بحاشية الجمل ٢ / ٥٤.

(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٢٨٢)، وشرح المنهج ٢ / ٥٤.

(٤) حاشية العدوي على شرح الخرشي ٢ / ٩٠.

(٥) كشاف القناع ٣ / ١٨٠.

ثَانِيًا: حُكْمُ التَّبَايُعِ حَال السَّعْيِ إِلَى الْجَامِعِ وَقَدْ سَمِعَ النِّدَاءَ:

١٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بِسَبَبِ تَحْصِيل السَّاعِي الْمَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ.

أ - فَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ، لاَ يَحْرُمُ. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، نَقْلًا عَنِ السِّرَاجِ: لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ. يَشْغَلْهُ. وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ. (١)

لَكِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ وَرَدَ مُطْلَقًا فَتَخْصِيصُهُ بِالرَّأْيِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ نَسْخٌ عَلَى قَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّأْيِ، (٢) وَعَلَّل انْتِفَاءَ الْكَرَاهَةِ: بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، مُعَلَّلٌ بِالإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ، فَإِذَا انْتَفَى الإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ انْتَفَى النَّهْيُ.

وَأَنَّ النَّصَّ الْكَرِيمَ خُصَّ مِنْهُ مَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَالْعَامُّ إِذَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ صَارَ ظَنِّيًّا، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ثَانِيًا بِالرَّأْيِ، أَيْ بِالاِجْتِهَادِ. (٣)

_________

(١) رد المحتار ١ / ٥٥٢، والدر المختار ٤ / ١٣٢، وشرح المنهج ٢ / ٥٤، وحاشية العدوي ٢ / ٥٤، وحاشيته أيضا على شرح كفاية الطالب ١ / ٣٢٨.

(٢) تبيين الحقائق ٤ / ٦٨، وانظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٢٨٢) .

(٣) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٣٢، وانظر مناقشته في ابن عابدين وتركيزه على التعليل لا التخصيص.

وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَّلُوا الْجَوَازَ: بِأَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْحَال لَمْ يَشْغَلْهُمَا عَنِ السَّعْيِ، وَنَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (١) .

ب - وَمَذْهَبُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ - كَصَاحِبِ النَّهْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ، وَالْحَصْكَفِيِّ أَوَّلًا فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَالشُّرُنْبُلاَلِيِّ - وُجُوبُ تَرْكِ الْبَيْعِ، وَلَوْ مَعَ السَّعْيِ. وَصَرَّحَ صَاحِبُ النَّهْرِ بِأَنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ. (٢)

وَهَذَا نَفْسُهُ قَوْلٌ آخَرُ أَيْضًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، (٣) وَإِنْ لَمْ يُوَاجِهُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِذَاتِهَا.

وَلاَ تَعْلِيل لِهَذَا الاِتِّجَاهِ، إِلاَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ أَنَّهُ يُخِل بِالسَّعْيِ، فَيَجِبُ تَرْكُهُ لإِطْلاَقِ الأَْمْرِ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ (٤) .

ثَالِثًا: حُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ السَّعْيِ:

١٤٠ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى كَرَاهَتِهِ:

أ - فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى بَابِ

_________

(١) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب ١ / ٣٢٨.

(٢) رد المحتار ١ / ٥٥٢، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٨، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي (٢٨٢) .

(٣) حاشية العدوي على شرح الخرشي ٢ / ٩٠، وانظر مثلا كشاف القناع ٣ / ١٨٠.

(٤) مراقي الفلاح (٢٨٢) وحاشية العدوي على شرح كفاية الطالب ١ / ٣٢٨.

الْمَسْجِدِ أَوْ فِيهِ عِنْدَ الأَْذَانِ الأَْوَّل الْوَاقِعِ بَعْدَ الزَّوَال أَعْظَمُ وِزْرًا مِنَ الْبَيْعِ مَاشِيًا إِلَى الْجُمُعَةِ.

ب - وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَمَّا إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَعَدَ فِي الْجَامِعِ، أَوْ فِي مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ وَبَاعَ، لاَ يَحْرُمُ. لَكِنَّ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ، وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ كَلاَمَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ أَقْرَبُ (١) .

ج - وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ شُرْبِ الْمَاءِ بَعْدَ النِّدَاءِ، بِثَمَنٍ حَاضِرٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ (كَمَا يَحْدُثُ فِي الْحَرَمَيْنِ) بَل أَشَارُوا إِلَى أَنَّ مُقْتَضَى عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي النِّدَاءِ هُوَ التَّحْرِيمُ، وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: لَيْسَ هَذَا بَيْعًا حَقِيقَةً، بَل هُوَ إِبَاحَةٌ، ثُمَّ تَقَعُ الإِْنَابَةُ عَنْهَا (٢) .

رَابِعًا: حُكْمُ الْبَيْعِ قَبْل الأَْذَانِ الثَّانِي، بَعْدَ الزَّوَال

١٤١ - الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَتَرْكِ الْبَيْعِ، هُوَ دُخُول الْوَقْتِ، وَلِهَذَا قَيَّدُوا بِهِ الأَْذَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَانْبَغَى بِذَلِكَ ثُبُوتُ كَرَاهَةِ الْبَيْعِ بَعْدَ الزَّوَال، وَانْتِفَاؤُهَا قَبْلَهُ (٣) .

_________

(١) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٢ / ٥٤، ورد المحتار ١ / ٥٥٢، ومراقي الفلاح (ص ٢٨٢) .

(٢) كشاف القناع ٣ / ١٨١.

(٣) يؤخذ من الدر المختار ورد المحتار ١ / ٥٥٢، ومراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه (٢٨٢) .

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ - كَذَلِكَ - عَلَى كَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، قَبْل الأَْذَانِ الثَّانِي وَالْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ إِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَال، وَذَلِكَ لِدُخُول وَقْتِ الْوُجُوبِ، أَمَّا الْعَقْدُ قَبْل الزَّوَال فَلاَ يُكْرَهُ.

وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ مُقَيَّدَانِ عِنْدَهُمْ، بِمَا إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ لاَ يَلْزَمُهُ السَّعْيُ حِينَئِذٍ، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَ لاَ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إِلاَّ بِذَهَابِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَقْدُ (١) .

خَامِسًا: شُمُول النَّهْيِ كُل مَا يَشْغَل عَنِ الْجُمُعَةِ:

١٤٢ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ أَوْ كَرَاهَةِ كُل مَا يَشْغَل عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ بَعْدَ النِّدَاءِ - عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِيهِ - وَيَجِبُ تَرْكُ كُل شَيْءٍ يَشْغَل عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهَا: كَإِنْشَاءِ السَّفَرِ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَالأَْكْل، وَالْخِيَاطَةِ، وَالصِّنَاعَاتِ كُلِّهَا: كَالْمُسَاوَمَةِ، وَالْمُنَادَاةِ، وَالْكِتَابَةِ، وَكَذَا الاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ، وَكَذَا الْمُكْثُ فِي بَيْتِهِ بِعِيَالِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْجَامِعِ عَمَلًا بِالآْيَةِ. (٢)

_________

(١) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٢ / ٥٤ بتصرف.

(٢) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه (٢٨٢)، وشرح كفاية الطالب على رسالة ابن أبي زيد بحاشية العدوي ١ / ٣٢٨، وكشاف القناع ٣ / ١٨١، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٥٤.

سَادِسًا: هَل الْمُعْتَبَرُ فِي الأَْذَانِ أَوَّلُهُ أَوْ تَمَامُهُ؟

١٤٣ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الأَْذَانِ بِأَوَّلِهِ لاَ بِتَمَامِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِالنِّدَاءِ (١) .

الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ فِيهِ:

١٤٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، يَرَوْنَ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَقَعُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ تَرْكُ السَّعْيِ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِي الأَْصْل مَشْرُوعًا جَائِزًا، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا، لأَِنَّهُ اتَّصَل بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ تَرْكُ السَّعْيِ (٢) .

وَيَتَفَرَّعُ عَنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الأُْمُورُ التَّالِيَةُ:

أ - عَدَمُ وُجُوبِ فَسْخِهِ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، فَقَدْ قَال الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ: وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ يَقُول: لاَ فَسْخَ، وَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.

ب - وُجُوبُ الثَّمَنِ لاَ الْقِيمَةِ.

ج - ثُبُوتُ مِلْكِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ (٣) .

_________

(١) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب ١ / ٣٢٨.

(٢) الدر المختار ٤ / ١٣١، وحاشية الطحطاوي (٢٨٢)، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢ / ٥٤، والقوانين الفقهية (٥٧) وبدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢.

(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٢٨٢) وانظر رد المحتار ٤ / ١٣١، وحاشية العدوي على شرح الخرشي ٢ / ٩٠، وانظر في القوانين الفقهية (٥٧) الإشارة إلى الخلاف في الفسخ.