الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 43

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ مِنَ الْبِيَاعَاتِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: هَذِهِ الْكَرَاهَاتُ كُلُّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ، لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي الإِْثْمِ، وَذَلِكَ لِلأَْحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيحَاشِ وَالإِْضْرَارِ. (١)

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ حَرَامٌ، وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ، بَل هُوَ بَاطِلٌ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ وَالإِْفْسَادِ عَلَيْهِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. (٢)

١٢٠ - وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْبَيْعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِمَا يَلِي:

(١) أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ قَبْل لُزُومِ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ لِبَقَاءِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوِ الشَّرْطِ، وَكَذَا بَعْدَ اللُّزُومِ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْعَيْبِ، إِذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ، عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ.

وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ، فَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ مُضِيِّ الْخِيَارِ وَلُزُومِ الْبَيْعِ لاَ يَحْرُمُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفَسْخِ إِذًا، وَلاَ مَعْنًى لَهُ.

(٢) أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَهُ

_________

(١) فتح القدير ٦ / ١٠٦ - ١٠٧ وتحفة المحتاج ٤ / ٣٠٨ و٣٠٩ و٣١٤، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٢ / ١٨٢ و١٨٤، والمغني ٤ / ٢٧٨ - ٢٧٩.

(٢) المغني ٤ / ٢٧٨، وكشاف القناع ٣ / ١٨٣، والإنصاف ٤ / ٣٣١.

- كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي زَكَرِيَّا - (أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْبَائِعِ الأَْوَّل، لِلَّذِي بَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) .

وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْعَ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ بِمَا إِذَا تَرَاضَى الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْبَيْعِ. (١)

١٢١ - وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ بَعْضَ الْفُرُوعِ وَالأَْحْكَامِ، فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ، فَقَرَّرُوا:

- أَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا فِي صَفْقَتِهِ، إِذِ النَّصِيحَةُ الْوَاجِبَةُ تَحْصُل بِالتَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ. وَقَيَّدَ الْقَلْيُوبِيُّ الْحُرْمَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الرِّضَا بَاطِنًا.

- مِثْل الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ، أَنْ يَبِيعَ بَائِعٌ الْمُشْتَرِيَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ سِلْعَةً مِثْل الَّتِي اشْتَرَاهَا.

وَسَبَبُ الْمَنْعِ الْخَشْيَةَ مِنْ أَنْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ السِّلْعَةَ الأُْولَى، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁.

- يُمْنَعُ الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مَا يَؤُول إِلَيْهِ الأَْمْرُ، بِأَنْ يَلْزَمَ الْبَيْعُ أَوْ يُعْرِضَ الْمُشْتَرِي عَنِ الشِّرَاءِ، فَإِنْ أَعْرَضَ انْتَهَتْ مُدَّةُ الْمَنْعِ، وَجَازَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَبِيعَهُ.

- مِثْل الْبَيْعِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى الْبَيْعِ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ (أَيِ

_________

(١) تحفة المحتاج ٤ / ٣١٤ وشرح المحلي على المنهاج مع حاشية القليوبي ٢ / ١٨٣ - ١٨٤، وكشاف القناع ٣ / ١٨٣، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤ / ٣١٤، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٣ / ٩١، وابن عابدين ٤ / ١٣٢.

الاِسْتِعَارَةِ) وَالاِقْتِرَاضِ (١) وَالاِتِّهَابِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَالْجَعَالَةِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: فَتَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ إِذَا سَبَقَتْ لِلْغَيْرِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْيذَاءِ.

بَل نَصَّ الْبِرْمَاوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِكِتَابٍ (عَارِيَّةً) لِيُطَالِعَ فِيهِ، حَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَسْأَل صَاحِبَهُ فِيهِ، أَيْ يَطْلُبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ لِيُطَالِعَ فِيهِ هُوَ أَيْضًا، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا حُرْمَةَ طَلَبِ الْعَارِيَّةِ بَعْدَ عَقْدِهَا مُطْلَقًا. (٢)

د - السَّوْمُ، وَالشِّرَاءُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ.

١٢٢ - أَمَّا السَّوْمُ عَلَى السَّوْمِ فَمِنْ صُوَرِهِ:

مَا إِذَا تَسَاوَمَ رَجُلاَنِ، فَطَلَبَ الْبَائِعُ بِسِلْعَتِهِ ثَمَنًا، وَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَجَاءَ مُشْتَرٍ آخَرَ، وَدَخَل عَلَى سَوْمِ الأَْوَّل، فَاشْتَرَاهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ بِذَلِكَ الثَّمَنِ نَفْسِهِ. لَكِنَّهُ رَجُلٌ وَجِيهٌ، فَبَاعَهُ مِنْهُ الْبَائِعُ لِوَجَاهَتِهِ.

١٢٣ - وَأَمَّا الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ فَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يَأْمُرَ شَخْصٌ الْبَائِعَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ لِيَشْتَرِيَهُ هُوَ بِأَكْثَرَ، أَوْ يَجِيءَ شَخْصٌ إِلَى الْبَائِعِ قَبْل لُزُومِ

_________

(١) تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ٤ / ٣١٤، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢ / ١٨٤.

(٢) كشاف القناع ٣ / ١٨٤، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤ / ٣١٤.

الْعَقْدِ، لِيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتُرِيَ بِهِ، لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ. (١)

وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْعَ هَذَا الشِّرَاءِ أَوِ السَّوْمِ بِمَا إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ تَرَاضَيَا، أَوْ جَنَحَ الْبَائِعُ إِلَى الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجْنَحْ وَلَمْ يَرْضَهُ، فَلاَ بَأْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَزْيَدَ؛ لأَِنَّ هَذَا بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ، (٢) كَمَا سَيَأْتِي.

وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْمَنْعَ بِأَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ قَبْل اللُّزُومِ، أَيْ زَمَنَ الْخِيَارِ - كَمَا عَبَّرَ الْقَاضِي (٣) - أَوْ يَكُونَ بَعْدَ اللُّزُومِ، وَقَدِ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ - كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ -

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلِلسَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ عِنْدَهُمْ صُوَرٌ:

الأُْولَى: أَنْ يُوجَدَ مِنَ الْبَائِعِ تَصْرِيحٌ بِالرِّضَا بِالْبَيْعِ، فَهَذَا يَحْرُمُ السَّوْمُ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى عَدَمِ الرِّضَا فَلاَ يَحْرُمُ السَّوْمُ.

الثَّالِثَةُ: أَنْ لاَ يُوجَدَ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا أَوْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢، وفتح القدير ٦ / ١٠٧، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها ٤ / ٣١٤، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٣ / ٩١، والمغني ٤ / ٢٧٨، وكشاف القناع ٣ / ١٨٣ و١٨٤.

(٢) الدر المختار ٤ / ١٣٢، والهداية بشروحها ٦ / ١٠٧، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٧، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢.

(٣) شرح المنهج بحاشية الجمل ٣ / ٩١.

عَدَمِهِ، فَلاَ يَجُوزُ السَّوْمُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا.

الرَّابِعَةُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ. فَقَال الْقَاضِي: لاَ يَحْرُمُ السَّوْمُ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَحْرُمُ. (١)

كَمَا قَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ وَقَعَ الإِْذْنُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَحْرُمْ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا وَقَدْ أَسْقَطَاهُ، وَلِمَفْهُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ: حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ. (٢)

وَقَرَّرُوا: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إِذْنُ الْمَالِكِ، لاَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيل، إِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَأَنَّ مَوْضِعَ الْجَوَازِ مَعَ الإِْذْنِ إِذَا دَلَّتِ الْحَال عَلَى الرِّضَا بَاطِنًا، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى عَدَمِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ ضَجَرًا وَحَنَقًا فَلاَ، كَمَا قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ مِنْهُمْ. (٣)

حُكْمُهُ:

١٢٤ - هَذَا الشِّرَاءُ أَوِ السَّوْمُ بِهَذِهِ الصُّوَرِ وَالْقُيُودِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ فِي وَجْهٍ مُحْتَمِلٍ لِلصِّحَّةِ عِنْدَهُمْ كَالْجُمْهُورِ. وَالْحَنَفِيَّةُ يَعْنُونَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، لاَ الْحُرْمَةَ.

أ - فَدَلِيل الشَّافِعِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الْمُحْتَمَل عِنْدَ

_________

(١) المغني ٤ / ٢٣٦ ط الرياض.

(٢) الحديث تقدم (ف ١١٨) وانظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤ / ٣١٥.

(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٩١ و٩٢.

الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ مَعَ صِحَّةِ الشِّرَاءِ. حَدِيثُ لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ الْمُتَقَدِّمُ (١) .

فَقَال الْمَحَلِّيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ.

وَأَشَارَ الْبُهُوتِيُّ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ، وَلأَِنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا.

وَلأَِنَّ فِيهِ إِيذَاءً، قَال الْمَحَلِّيُّ: الْمَعْنَى فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ: الإِْيذَاءُ لِلْعَالِمِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ.

وَلأَِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَل بِهِ الضَّرَرُ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصِّل لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى. وَلأَِنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ. (٢)

ب - وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ مَعَ صِحَّةِ الشِّرَاءِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلاَ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَأَنْ تَسْأَل الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا، وَعَنِ النَّجْشِ وَالتَّصْرِيَةِ، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُل عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ. (٣)

وَقَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَصٌّ فِي النَّهْيِ عَنِ الاِسْتِيَامِ، فَلاَ حَاجَةَ - كَمَا أَوْضَحَ ابْنُ الْهُمَامِ - إِلَى جَعْل لَفْظِ الْبَيْعِ فِي حَدِيثِ: لاَ يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ جَامِعًا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ

_________

(١) الحديث تقدم (ف ١١٨) .

(٢) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ١٨٤، وكشاف القناع ٣ / ١٨٤، والمغني ٤ / ٢٧٩.

(٣) حديث: " نهى أن يتلقى الركبان. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٥١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٥٥ ط الحلبي)، واللفظ للبخاري.

مَجَازًا، إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرِدْ حَدِيثُ الاِسْتِيَامِ، وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِيحَاشًا وَإِضْرَارًا بِهِ فَيُكْرَهُ.

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالنَّهْيُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، وَهُوَ الإِْيذَاءُ، فَكَانَ نَفْسُ الْبَيْعِ مَشْرُوعًا، فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ. (١)

ج - وَدَلِيل الْحَنَابِلَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلاَنِ، أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (٢) .

١٢٥ - وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الْفُرُوعِ وَالتَّفْصِيلاَتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّوْمِ، وَالشِّرَاءِ عَلَى شِرَاءِ الآْخَرِينَ:

أ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ السَّوْمَ عَلَى سَوْمِ الآْخَرِينَ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَامُ عَلَيْهِ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. وَقَالُوا: ذِكْرُ الأَْخِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ قَيْدًا، بَل لِزِيَادَةِ التَّنْفِيرِ؛ لأَِنَّ السَّوْمَ عَلَى السَّوْمِ يُوجِبُ إِيحَاشًا وَإِضْرَارًا، وَهُوَ فِي حَقِّ الأَْخِ أَشَدُّ مَنْعًا، فَهُوَ كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي الْغِيبَةِ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ (٣) إِذْ لاَ خَفَاءَ فِي مَنْعِ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ. (٤)

وَقَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُل خَرَجَ مَخْرَجَ

_________

(١) فتح القدير ٦ / ١٠٨، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٧، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢.

(٢) المغني ٤ / ٢٧٨. وانظر فيه تفصيلا ووجوها وصورا أربعة.

(٣) حديث: " ذكرك أخاك. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠١ ط الحلبي) .

(٤) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٣٢.

الْغَالِبِ، كَمَا أَنَّ تَخْصِيصَ الأَْخِ لإِثَارَةِ الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ عَلَيْهِ، وَسُرْعَةِ امْتِثَالِهِ، فَغَيْرُهُمَا مِثْلُهُمَا.

فَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ مِثْل الْمُسْلِمِ. وَخَرَجَ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ فَلاَ يَحْرُمُ. (١)

ب - أَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْجَارَةَ بِالْبَيْعِ فِي مَنْعِ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ، إِذْ هِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ (٢) .

كَمَا أَلْحَقَ الْحَنَابِلَةُ جُمْلَةً مِنَ الْعُقُودِ، كَالْقَرْضِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَكُلُّهَا تَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ لِلإِْيذَاءِ. (٣)

ج - أَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، تَحْرِيمَ طَلَبِ السِّلْعَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي بِأَكْثَرَ - وَالْبَائِعُ حَاضِرٌ - قَبْل اللُّزُومِ، لأَِدَائِهِ إِلَى الْفَسْخِ أَوِ النَّدَمِ.

د - وَكَذَلِكَ قَاسَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَلاَمِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي التَّحْرِيمِ، مَا لَوْ طَلَبَ شَخْصٌ مِنَ الْبَائِعِ، فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، شَيْئًا مِنْ جِنْسِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ، بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ، لاَ سِيَّمَا إِنْ طَلَبَ مِنْهُ مِقْدَارًا لاَ يَكْمُل إِلاَّ بِانْضِمَامِ مَا بِيعَ مِنْهَا.

هـ - وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِحُرْمَةِ مَا ذُكِرَ، سَوَاءٌ أَبَلَغَ الْمَبِيعُ قِيمَتَهُ أَمْ نَقَصَ عَنْهَا - عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ

_________

(١) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٣ / ٩٠.

(٢) رد المحتار ٤ / ١٣٢.

(٣) كشاف القناع ٣ / ١٨٤.

و- وَتَكَلَّمُوا أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ تَعْرِيفِ الْمَغْبُونِ فِي الشِّرَاءِ بِغَبْنِهِ، فَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ، لأَِنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ، لَكِنَّهُ اسْتَظْهَرَ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَبْنٍ نَشَأَ عَنْ نَحْوِ غِشِّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَال بِإِضْرَارِهِ، لأَِنَّهُ آثِمٌ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا نَشَأَ لاَ عَنْ نَحْوِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْفَسْخَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، وَالضَّرَرُ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ.

وَصَرَّحَ الشِّرْوَانِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، وَجَبَ إِعْلاَمُ الْمُشْتَرِي بِهِ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ جَاهِلًا بِالْعَيْبِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ تَقْصِيرَ مِنْهُ حِينَئِذٍ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْغَبْنِ؛ لأَِنَّ الْمَلْحَظَ حُصُول الضَّرَرِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ هَذَا مَحَل تَأَمُّلٍ، وَرَأَى أَنَّ وُجُوبَ النَّصِيحَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَعْرِيفِ الْمَغْبُونِ، وَإِنْ نَشَأَ الْغَبْنُ مِنْ تَقْصِيرِهِ، وَلَكِنَّهَا تَحْصُل بِالتَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ. (١)

١٢٦ - وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ بِالْمُنَادَاةِ، وَيُسَمَّى بَيْعَ الدَّلاَلَةِ. (٢) وَيُسَمَّى أَيْضًا: الْمُزَايَدَةَ. اسْتَثْنَوْهَا مِنَ الشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، وَمِنَ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ. وَهِيَ: أَنْ يُنَادَى عَلَى السِّلْعَةِ، وَيَزِيدَ النَّاسُ فِيهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى تَقِفَ عَلَى آخِرِ - زَائِدٍ فِيهَا فَيَأْخُذَهَا.

_________

(١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها ٤ / ٣١٤، ٣١٥.

(٢) الدر المختار ٤ / ١٣٣.

وَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ، فَصَحَّحُوهُ وَلَمْ يَكْرَهُوهُ. وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَمْرَيْنِ: أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ قَصْدُ الإِْضْرَارِ بِأَحَدٍ، وَبِإِرَادَةِ الشِّرَاءِ، وَإِلاَّ حَرُمَتِ الزِّيَادَةُ، لأَِنَّهَا مِنَ النَّجْشِ. (١)

١٢٧ - وَدَلِيل جَوَازِ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ:

- مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَْنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ فَقَال لَهُ: مَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَال: بَلَى، حِلْسٌ يُلْبَسُ بَعْضُهُ، وَيُبْسَطُ بَعْضُهُ، وَقَعْبٌ يُشْرَبُ فِيهِ الْمَاءُ. قَال: ائْتِنِي بِهِمَا. فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ فَقَال رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَال: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَقَال رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَْنْصَارِيَّ، وَقَال: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآْخَرِ قَدُومًا، فَائْتِنِي بِهِ. فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَال لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَذَهَبَ الرَّجُل يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،

_________

(١) القوانين الفقهية (١٧٥)، والدر المختار ٤ / ١٣٣، وتحفة المحتاج ٤ / ٣١٤، والمغني ٤ / ٢٧٩، وكشاف القناع ٣ / ١٨٣، وحاشية الجمل على شروح المنهج ٣ / ٩١.