الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

مَمْنُوعٍ - مَنَعُوا بَيْعَ مَا كَثُرَ قَصْدُ النَّاسِ إِلَيْهِ، تَوَصُّلًا إِلَى الرِّبَا الْمَمْنُوعِ، كَأَنْ كَانَ جَائِزًا فِي الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لِلتُّهْمَةِ، وَسَدِّ الذَّرِيعَةِ، وَمَثَّلُوا لَهَا: بِاجْتِمَاعِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، أَوْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، أَوْ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ.

وَصَوَّرُوا الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ بِصُوَرٍ ثَلاَثٍ:

الأُْولَى: بَيْعٌ جَائِزٌ فِي الظَّاهِرِ يُؤَدِّي - كَمَا يَقُول الدَّرْدِيرُ - إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ لِلتُّهْمَةِ، عَلَى أَنَّهُمَا قَصَدَا الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ الْمَمْنُوعَ.

وَذَلِكَ كَأَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَيْنِ بِدِينَارَيْنِ لِشَهْرٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ نَقْدًا، فَآل الأَْمْرُ إِلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ سِلْعَةً وَدِينَارًا نَقْدًا؛ لأَِنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهَا مُلْغَاةٌ كَمَا يَقُول الدُّسُوقِيُّ (١) ثُمَّ أَخَذَ عَنْهُمَا عِنْدَ الأَْجَل دِينَارَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنِ السِّلْعَةِ وَهُوَ بَيْعٌ، وَالآْخَرُ عَنِ الدِّينَارِ وَهُوَ سَلَفٌ.

فَهَذِهِ الصُّورَةُ تُؤَدِّي إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِهِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي مَنْعِهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَتَابِعُوهُ، وَغَيْرُهُمْ (٢) .

وَحَيْثُ تَكَرَّرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْبَيْعُ، مُنِعَتْ عِنْدَهُمْ، لِتُهْمَةِ قَصْدِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ.

الثَّانِيَةُ: بَيْعٌ وَسَلَفٌ بِشَرْطٍ مِنَ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي. وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَمْنُوعَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ؛ لأَِنَّ

_________

(١) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٧٦

(٢) الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٣ / ٧٦

الاِنْتِفَاعَ بِالْقَرْضِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ، إِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْبَائِعِ، أَوْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُثَمَّنِ - أَيِ الْمَبِيعِ - إِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْمُشْتَرِي، فَفِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا.

الثَّالِثَةُ: بَيْعٌ وَسَلَفٌ بِلاَ شَرْطٍ، لاَ صَرَاحَةً وَلاَ حُكْمًا، وَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (١) .

بَيْعٌ وَشَرْطٌ:

٦٦ - وَرَدَ النَّهْيُ فِي السُّنَّةِ عَنْ (بَيْعٍ وَشَرْطٍ) وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْع، وَشَرْط)

أَسْبَابُ النَّهْيِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْغَرَرِ

٦٧ - هَذَا هُوَ السَّبَبُ الثَّانِي مِنْ أَسْبَابِ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِلاَزِمِ الْعَقْدِ، وَكَانَ الأَْوَّل هُوَ الرِّبَا.

وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (٣) . وَغَيْرِهِ مِمَّا سَيَأْتِي.

_________

(١) شرح الدردير وحاشية الدسوقي ٣ / ٦٦، ٦٧، ٧٦

(٢) حديث: " نهى عن بيع وشرط. . . . " أخرجه الطبراني في الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه (نصب الراية ٤ / ١٨ ط المجلس العلمي)

(٣) حديث: " نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٣ ط الحلبي)

وَالْغَرَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْخَطَرُ.

وَلَهُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ تَعْرِيفَاتٌ شَتَّى.

فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا طُوِيَ عَنْكَ عِلْمُهُ.

وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْغَرَضِ، وَالثَّانِي عَلَى خِلاَفِهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا انْطَوَتْ عَنَّا عَاقِبَتُهُ، أَوْ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَغْلَبِهِمَا أَخْوَفُهُمَا.

وَيَرَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْغَرَرَ وَالْخَطَرَ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا جُهِلَتْ عَيْنُهُ.

وَيَرَى الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ أَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ: فَالْخَطَرُ: مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ وُجُودُهُ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْنِي فَرَسَكَ بِمَا أَرْبَحُ غَدًا.

وَالْغَرَرُ: مَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ، وَيُشَكُّ فِي تَمَامِهِ، كَبَيْعِ الثِّمَارِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا (١) .

٦٨ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صُوَرٌ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا الْغَرَرُ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ، مِنْهَا: كَوْنُ الْمَبِيعِ مَالًا مَوْجُودًا مَمْلُوكًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْل فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَلاَ مَا سَيُخْرِجُهُ الصَّيَّادُ فِي شَبَكَتِهِ، وَلاَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ الْجَمَل الشَّارِدِ. إِلَخْ.

_________

(١) انظر المصباح المنير ومختار الصحاح، مادة " غرر "، وفتح القدير ٦ / ١٣٦، وشرح العناية على الهداية ٦ / ١٣٦، ١٣٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٥٥، وانظر تعريفا آخر لابن عرفة في حاشية العدوي على كفاية الطالب ٢ / ١٣٧، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢ / ١٦١

وَالْغَرَرُ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى أَصْل وُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَوْ مِلْكِيَّةِ الْبَائِعِ لَهُ، أَوْ قُدْرَتِهِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَهَذَا يُوجِبُ بُطْلاَنَ الْبَيْعِ، فَلاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

وَالآْخَرُ: مَا يَرْجِعُ إِلَى وَصْفٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ مِقْدَارِهِ، أَوْ يُورِثُ فِيهِ أَوْ فِي الثَّمَنِ أَوْ فِي الأَْجَل جَهَالَةً.

فَهَذَا مَحَل خِلاَفٍ. تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (غَرَر) .

وَفِيمَا يَلِي صُوَرُ الْغَرَرِ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا بِخُصُوصِهَا، وَالْحُكْمُ الْفِقْهِيُّ فِيهَا، مِنَ الْبُطْلاَنِ أَوِ الْفَسَادِ. إِذِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ - كَمَا يَقُول النَّوَوِيُّ - أَصْلٌ مِنْ أُصُول الشَّرْعِ، يَدْخُل تَحْتَهُ مَسَائِل كَثِيرَةٌ جِدًّا (١) . مِنْهَا: بَيْعُ الْحَصَاةِ وَبَيْعُ الْمُلاَمَسَةِ وَبَيْعُ الْمُنَابَذَةِ. وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

وَمِنْهَا مَا يَلِي:

أ - بَيْعُ الْجَنِينِ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ:

٦٩ - وَهُوَ بَيْعُ الْحَمْل، كَمَا عَبَّرَتْ بَعْضُ الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ (٢) .

وَالْجَنِينُ هُوَ: الْوَلَدُ مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَجِنَّةً، كَدَلِيلٍ وَأَدِلَّةٍ. وَمِثْل الْجَنِينِ أَيْضًا: الْمَلْقُوحُ وَالْمَلْقُوحَةُ، وَجَمْعُهُمَا مَلاَقِيحُ، وَهِيَ:

_________

(١) انظر نيل الأوطار ٥ / ١٤٨

(٢) انظر على سبيل المثال الهداية وشروحها ٦ / ٥٠

مَا فِي الأَْرْحَامِ وَالْبُطُونِ مِنَ الأَْجِنَّةِ، بِتَفْسِيرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْمَلاَقِيحِ بِمَا فِي ظُهُورِ الْفُحُول (١) .

وَوَرَدَ النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَيْعِ الْجَنِينِ مَا دَامَ مُجْتَنًّا حَتَّى يُولَدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَْنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ (٢) .

وَتَقَدَّمَ الإِْجْمَاعُ - كَمَا صَرَّحَ ابْنُ الْمُنْذِرِ - عَلَى بُطْلاَنِ هَذَا الْبَيْعِ (ر: ف ٥) لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ وَلِلْغَرَرِ، فَعَسَى أَنْ لاَ يُولَدَ، وَلأَِنَّ فِيهِ جَهَالَةً فِي صِفَتِهِ وَحَيَاتِهِ، وَلأَِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ.

وَذِكْرُهُ هُنَا لِلْغَرَرِ فَقَطْ، لَكِنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الأَْوَّل مِنْهُ، وَهُوَ الْغَرَرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ نَفْسِهِ، مِنْ حَيْثُ أَصْل وُجُودِهِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ مُسْتَوْجِبًا لِلْبُطْلاَنِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، حَتَّى فِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ، الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبُطْلاَنِ - وَبَيْنَ الْفَسَادِ.

_________

(١) شرح الكفاية على الهداية ٦ / ٥٠، والعناية في الموضع نفسه، والدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٠٢، وانظر الشرح الكبير للدردير ٣ / ٥٧، وشرح المحلي على المنهاج ٣ / ٧٠، والمغني ٤ / ٢٧٦، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ٢٧

(٢) حديث: " نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٤٠ ط الحلبي) ونقل الزيلعي عن عبد الحق الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به. . نصب الراية (٤ / ١٥ ط المجلس العلمي بالهند)

ب - بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْل أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهُ:

٧٠ - وَيُسَمَّى أَيْضًا الْمُخَاضَرَةَ، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ النُّصُوصِ.

وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ (١)

وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْل حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُل حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ (٢) .

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ تَبْتَاعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (٣) .

وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، وَعَنْ بَيْعِ النَّخْل حَتَّى يَزْهُوَ، قِيل: مَا يَزْهُو؟ قَال: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ (٤) . وَفِي بَعْضِ

_________

(١) حديث: " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٤ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٦٥ ط الحلبي)

(٢) حديث: " نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٦٥ ط الحلبي)

(٣) حديث: " لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٦٧ ط الحلبي)

(٤) حديث: " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٧ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٦٥ ط الحلبي)

الرِّوَايَاتِ عَنْ أَنَسٍ حَتَّى تُزْهَى، فَقِيل لَهُ: وَمَا تُزْهَى؟ قَال: تَحْمَرُّ (١) .

كَمَا جَاءَ بُدُوُّ الصَّلاَحِ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِل عَنْ صَلاَحِهَا، قَال: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا (٢) .

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ (٣) .

وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحِ التَّعْبِيرُ بِلَفْظٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ: التَّشْقِيحُ، وَهَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ فَقِيل: مَا تُشَقِّحُ؟ . قَال: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ، وَيُؤْكَل مِنْهَا (٤) .

_________

(١) رواية: " حتى تزهى، فقيل: وما تزهى؟ . . . " أخرجها البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٨ ط السلفية)

(٢) حديث: " كان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٥١ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٦٦ ط الحلبي)

(٣) حديث: " نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد " أخرجه أبو داود (٣ / ٦٦٨ تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ١٩ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي

(٤) حديث: " نهى أن تباع الثمرة حتى تشقح. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٤ ط السلفية)

مَعْنَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ:

٧١ - فَسَّرَ الْفُقَهَاءُ بُدُوَّ الصَّلاَحِ بِمَعَانٍ شَتَّى: فَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْ تُؤْمَنَ الْعَاهَةُ وَالْفَسَادُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ - كَالْكَرْلاَنِيِّ - فَسَّرَهُ بِأَنْ تَصْلُحَ الثَّمَرَةُ لِتَنَاوُل بَنِي آدَمَ، وَعَلَفِ الدَّوَابِّ (١) .

وَالْمَالِكِيَّةُ فَسَّرُوهُ تَفْسِيرًا مُخْتَلِفًا نِسْبِيًّا: فَهُوَ فِي التَّمْرِ: أَنْ يَحْمَرَّ وَيَصْفَرَّ وَيَزْهُوَ، وَفِي الْعِنَبِ: أَنْ يَسْوَدَّ وَتَبْدُوَ الْحَلاَوَةُ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الثِّمَارِ: حُصُول الْحَلاَوَةِ، وَفِي الْخَسِّ وَالْعُصْفُرِ: أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِمَا، وَفِي سَائِرِ الْبُقُول: أَنْ تَطِيبَ لِلأَْكْل، وَفِي الزَّرْعِ وَالْحَبِّ: أَنْ يَيْبَسَ وَيَشْتَدَّ (٢) .

وَأَرْجَعَ الشَّافِعِيَّةُ بُدُوَّ الصَّلاَحِ فِي الثَّمَرِ وَغَيْرِهِ كَالزَّرْعِ، إِلَى ظُهُورِ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلاَوَةِ، فِيمَا لاَ يَتَلَوَّنُ مِنْهُ، أَمَّا فِيمَا يَتَلَوَّنُ فَبِأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ أَوِ الصُّفْرَةِ. وَذَكَرُوا ثَمَانِي عَلاَمَاتٍ يُعْرَفُ بِهَا بُدُوُّ الصَّلاَحِ. أَحَدُهَا: اللَّوْنُ، فِي كُل ثَمَرٍ مَأْكُولٍ مُلَوَّنٍ، إِذَا أَخَذَ فِي حُمْرَةٍ، أَوْ سَوَادٍ أَوْ صُفْرَةٍ، كَالْبَلَحِ وَالْعُنَّابِ وَالْمِشْمِشِ وَالإِْجَّاصِ.

_________

(١) رد المحتار ٤ / ٣٨، وانظر حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤ / ١٢، وفتح القدير ٥ / ٤٨٩، وشرح الكفاية على الهداية ٥ / ٤٨٨

(٢) انظر شرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٦ والقوانين الفقهية ١٧٢، ١٧٣

ثَانِيهَا: الطَّعْمُ، كَحَلاَوَةِ الْقَصَبِ وَحُمُوضَةِ الرُّمَّانِ.

ثَالِثُهَا: النُّضْجُ وَاللِّينُ، كَالتِّينِ وَالْبِطِّيخِ.

رَابِعُهَا: بِالْقُوَّةِ وَالاِشْتِدَادِ، كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ.

خَامِسُهَا: بِالطُّول وَالاِمْتِلاَءِ، كَالْعَلَفِ وَالْبُقُول.

سَادِسُهَا: الْكِبَرُ كَالْقِثَّاءِ، بِحَيْثُ يُؤْكَل.

سَابِعُهَا: انْشِقَاقُ أَكْمَامِهِ، كَالْقُطْنِ وَالْجَوْزِ.

ثَامِنُهَا: الاِنْفِتَاحُ، كَالْوَرْدِ. وَمَا لاَ أَكْمَامَ لَهُ كَالْيَاسَمِينِ، فَظُهُورُهُ، وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي الأَْخِيرِ. وَوَضَعَ لَهُ الْقَلْيُوبِيُّ هَذَا الضَّابِطَ، وَهُوَ: بُلُوغُ الشَّيْءِ إِلَى صِفَةٍ أَيْ حَالَةٍ يُطْلَبُ فِيهَا غَالِبًا (١) .

وَوَضَعَ الْحَنَابِلَةُ هَذَا الضَّابِطَ: مَا كَانَ مِنَ الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ عِنْدَ صَلاَحِهِ، كَثَمَرَةِ النَّخْل وَالْعِنَبِ الأَْسْوَدِ وَالإِْجَّاصِ، فَبُدُوُّ صَلاَحِهِ بِتَغَيُّرِ لَوْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ أَبْيَضَ فَصَلاَحُهُ بِتَمَوُّهِهِ، وَهُوَ: أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ الْمَاءُ الْحُلْوُ وَيَلِينَ وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ.

وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَلَوَّنُ كَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِ، فَبِأَنْ يَحْلُوَ وَيَطِيبَ. وَإِنْ كَانَ بِطِّيخًا أَوْ نَحْوِهِ، فَبِأَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، وَيُؤْكَل

_________

(١) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٣٥، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٢٠٤

طَيِّبًا صِغَارًا وَكِبَارًا، كَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، فَصَلاَحُهُ بُلُوغُهُ أَنْ يُؤْكَل عَادَةً (١) .

وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ: هِيَ خَوْفُ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثُ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْل أَخْذِهَا (٢) .

وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَال أَخِيهِ (٣)؟

حُكْمُ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ:

٧٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ، غَيْرُ جَائِزٍ وَلاَ صَحِيحٍ.

قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْل بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ (٤)

وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَصَّلُوا فِيهِ الْقَوْل، تَبَعًا لِتَقْيِيدِ الْعَقْدِ بِشَرْطٍ وَإِطْلاَقِهِ، وَلاَ يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرَةِ مِنْ هَذِهِ الأَْحْوَال:

الأُْولَى: أَنْ يَبِيعَهَا قَبْل الظُّهُورِ وَالْبُرُوزِ، أَيْ قَبْل انْفِرَاكِ الزَّهْرِ عَنْهَا وَانْعِقَادِهَا ثَمَرَةً، فَهَذَا الْبَيْعُ لاَ يَصِحُّ اتِّفَاقًا.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهَا بَعْدَ الظُّهُورِ، قَبْل بُدُوِّ

_________

(١) المغني ٤ / ٢٠٧

(٢) المغني ٤ / ٢٠٢، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢ / ٢٣٣

(٣) حديث: " أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٨ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٩٠ ط الحلبي)

(٤) المغني ٤ / ٢٠٢