الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩
وَالْوَحْشُ أَصْنَافٌ: بَقَرُهَا صِنْفٌ، وَغَنَمُهَا صِنْفٌ، وَظِبَاؤُهَا صِنْفٌ.
وَالطَّيْرُ أَصْنَافٌ، كُل مَا انْفَرَدَ بِاسْمٍ وَصِفَةٍ فَهُوَ صِنْفٌ.
ب - وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ (١) . (ج) وَيَبْدُو مِنْ تَمْثِيل الْمَالِكِيَّةِ لِلْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِبَيْعِ لَحْمٍ بَقَرِيٍّ بِكَبْشٍ حَيٍّ، وَلِغَيْرِ الْجِنْسِ بِبَيْعِ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ بِلَحْمِ طَيْرٍ أَوْ سَمَكٍ: أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ لُحُومَ الأَْنْعَامِ جِنْسًا، وَلُحُومَ الطَّيْرِ جِنْسًا، وَلُحُومَ الأَْسْمَاكِ جِنْسًا.
وَنَصَّ ابْنُ جُزَيٍّ عَلَى أَنَّ اللُّحُومَ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلاَثُهُ أَصْنَافٍ: فَلَحْمُ ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ صِنْفٌ، وَلَحْمُ الطُّيُورِ صِنْفٌ، وَلَحْمُ الْحِيتَانِ صِنْفٌ (٢) .
ثَانِيًا: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ:
٦٠ - لاَ يَسْتَجِيزُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، كَلَحْمِ شَاةٍ بِشَاةٍ حَيَّةٍ، وَذَلِكَ:
_________
(١) انظر شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٤، ١٧٥، والمغني ٤ / ١٤٢، ١٤٣، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ١٤٢، ١٤٤
(٢) القوانين الفقهية ص ١٦٨، ١٦٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٣ / ٥٥. وهذا ما أكده ابن الهمام، انظر فتح القدير ٦ / ١٧٤
لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ - كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ - وَلأَِنَّهُ مَالٌ رِبَوِيٌّ، بِيعَ بِمَا فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ مَعَ جَهَالَةِ الْمِقْدَارِ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ.
وَلأَِنَّهُ بَيْعُ مَعْلُومٍ - وَهُوَ اللَّحْمُ - بِمَجْهُولٍ وَهُوَ الْحَيَوَانُ، وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ، كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ (١) .
فَهَذَا قَوْل مَالِكٍ، وَهُوَ مَحْمَل الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: أَنْ يُبَاعَ حَيَوَانٌ مُبَاحُ الأَْكْل بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، بِلاَ خِلاَفٍ.
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الْبَيْعَ، وَلَكِنْ: مِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهُمَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (لأَِنَّ أَحَدَهُمَا مَوْزُونٌ، وَالآْخَرُ مَعْدُودٌ) فَبَنَوْا عَلَيْهِ جَوَازَ بَيْعِهِمَا مُجَازَفَةً، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، لأَِنَّهُ بَاعَ الْجِنْسَ بِخِلاَفِ الْجِنْسِ.
وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهُمَا جِنْسًا وَاحِدًا، وَبَنَوْا مَذْهَبَهُمَا - أَيْ مَذْهَبَ الشَّيْخَيْنِ - عَلَى أَنَّ الشَّاةَ لَيْسَتْ بِمَوْزُونَةٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ، مُجَازَفَةً وَمُفَاضَلَةً؛ لأَِنَّ رِبَا الْفَضْل يَعْتَمِدُ اجْتِمَاعَ الْوَصْفَيْنِ: الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، لَكِنْ بِشَرْطِ التَّعْيِينِ
_________
(١) انظر شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٤، ١٧٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٥٥، والمغني ٤ / ١٤٦ - ١٤٩، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ١٤٦، والشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٥٤، وشرح الخرشي ٥ / ٦٨، والقوانين الفقهية (ص ١٦٩)
كَمَا عَبَّرَ الْحَصْكَفِيُّ (أَيِ التَّقَابُضَ) أَوْ يَدًا بِيَدٍ، كَمَا عَبَّرَ الْكَاسَانِيُّ - وَقَال: هُوَ الصَّحِيحُ - وَالْبَابَرْتِيُّ.
أَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُمَا عِنْدَئِذٍ سَلَمٌ، وَهُوَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ النَّهْرِ.
لَكِنَّ الإِْمَامَ مُحَمَّدًا، شَرَطَ فِي جَوَازِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي فِي الشَّاةِ، لِيَكُونَ لَحْمُ الشَّاةِ بِمُقَابَلَةِ مِثْلِهِ مِنَ اللَّحْمِ، وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ الإِْسْقَاطِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَلأَِنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ نَسِيئَةً، فَكَذَا مُتَفَاضِلًا، كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ (١) .
. ثَالِثًا: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ:
٦١ - كَبَيْعِ الشَّاةِ الْحَيَّةِ بِلَحْمِ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَبَيْعِ الشَّاةِ الْحَيَّةِ بِلَحْمِ طَيْرٍ أَوْ سَمَكٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
أَجَازَ هَذِهِ الصُّورَةَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٨٩، وانظر الهداية وشروحها ٦ / ١٦٦، ١٦٧، والدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٨٤، وانظر تبيين الحقائق ٤ / ٩١
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٥٥
الشَّافِعِيَّةِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، عَلَيْهَا مَتْنُ الإِْقْنَاعِ.
وَعَلَّل ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، بِأَنَّهُمَا أَصْلاَنِ مُخْتَلِفَانِ، فَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا (مُطْلَقًا) مُجَازَفَةً، نَقْدًا وَنَسِيئَةً، لاِنْعِدَامِ الْوَزْنِ وَالْجِنْسِ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا أَصْلًا (١) .
وَمَعَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوا - عَلَى اصْطِلاَحِهِمْ فِي أَجْنَاسِ اللُّحُومِ - بَيْعَ اللَّحْمِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ حَالًا. أَمَّا إِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَلاَ يَجُوزُ، إِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ لاَ يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ، وَإِلاَّ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لأَِجَلٍ.
كَمَا قَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْقَوْل بِالْجَوَازِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللُّحُومَ أَجْنَاسٌ، وَعَلَّلُوا الْجَوَازَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ. قَالُوا: وَهَذَا فِي الْمَأْكُول، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَوَجْهُ الْجَوَازِ فِيهِ هُوَ: أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ بَيْعُ مَال الرِّبَا بِأَصْلِهِ الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا.
وَعَلَّل مَنْ قَال مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِجَوَازِهِ: بِأَنَّهُ مَال الرِّبَا بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالأَْثْمَانِ.
وَلَمْ يُجِزْ هَذِهِ الصُّورَةَ - أَعْنِي بَيْعَ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ - الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ مِنْ
_________
(١) انظر بدائع الصنائع ٥ / ١٨٩، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٥، والمغني ٤ / ١٤٦ - ١٥٠، والشرح الكبير ٤ / ١٤٦، وكشاف القناع ٣ / ٢٥٥
أَقْوَالِهِمْ، وَلاَ الْحَنَابِلَةُ فِي الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَصَرَّحُوا بِالْبُطْلاَنِ، وَذَلِكَ: لِعُمُومِ نَصِّ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقِينَ.
وَلأَِنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ (١) .
وَيُلاَحَظُ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ الْحَنْبَلِيِّ صَرَّحَ بِأَنَّ سَبَبَ الاِخْتِلاَفِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي اللَّحْمِ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لاَ يُجِيزُونَ الْبَيْعَ، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ أَجْنَاسٌ يُجِيزُونَهُ (٢) .
كَمَا يُلاَحَظُ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ: أَطْلَقُوا اللَّحْمَ فِي الْحَدِيثِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْمَ سَمَكٍ أَوْ أَلْيَةٍ أَوْ كَبِدًا أَوْ طِحَالًا. وَأَطْلَقُوا الْحَيَوَانَ، حَتَّى لَوْ كَانَ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا، مَأْكُولًا كَالإِْبِل، أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَالْحِمَارِ، فَبَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ مُطْلَقًا فِي الأَْظْهَرِ (٣) .
رَابِعًا: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ.
٦٢ - الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ
_________
(١) كفاية الطالب وحاشية العدوي عليه ٢ / ١٥٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٥٥، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٤، ١٧٥، والمغني ٤ / ١٤٩ - ١٥٠، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ١٤٦، وكشاف القناع ٣ / ٢٥٥، وتحفة المحتاج ٤ / ٢٩٠
(٢) الشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ١٤٦
(٣) تحفة المحتاج ٤ / ٢٩٠، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٤، ١٧٥، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٣ / ٦٦، ٦٧
عَلَى جَوَازِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ جَازَ فِي ظَاهِرِ قَوْل أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ (١) .
كَمَا عَلَّل الشَّافِعِيَّةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنَ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: بِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ هُوَ بَيْعُ مَال الرِّبَا بِأَصْلِهِ الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا. لَكِنَّ الأَْظْهَرَ عِنْدَهُمْ - كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا - تَحْرِيمُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ بِإِطْلاَقٍ لِلْحَدِيثِ (٢) .
بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ:
٦٣ - وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: سُئِل عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَال: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَال: فَلاَ إِذًا (٣) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: لاَ يُبَاعُ رُطَبٌ بِيَابِسٍ (٤)
_________
(١) المغني ٤ / ١٥٠، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ١٤٦، وانظر كشاف القناع ٣ / ٢٥٥، ويؤخذ أيضا من الدر المختار ٤ / ١٨٤، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٥٥
(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٥
(٣) حديث سعد بن أبي وقاص: " سئل عن بيع الرطب بالتمر، فنهى عن ذلك ". أخرجه النسائي (٧ / ٢٦٩ ط المكتبة التجارية) ونقل ابن حجر تصحيح ابن المديني له في بلوغ المرام (ص ١٩٣ ط عبد المجيد حنفي)
(٤) حديث: " لا يباع رطب بيابس. . . . " أخرجه البيهقي (٥ / ٢٩٥ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن أبي سلمة مرسلا. ونقل الزيلعي عن ابن عبد الهادي أنه قال: وهذا مرسل جيد، وهو شاهد لحديث سعد بن أبي وقاص يعني المتقدم. (نصب الراية ٤ / ٤٣ ط المجلس العلمي بالهند) وهو كلام البيهقي كذلك
وَلاَ يَسْتَجِيزُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الْبَيْعَ، وَنَحْوَهُ: كَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَاللَّبَنِ بِالْجُبْنِ، وَالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ، وَذَلِكَ:
لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، قَالُوا: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تُعْتَبَرُ عِنْدَ الْجَفَافِ، وَإِلاَّ فَالنَّقْصُ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُسْأَل عَنْهُ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ الآْنَ (١) .
وَلأَِنَّهُ جِنْسٌ فِيهِ الرِّبَا، بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، عَلَى وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ وَلاَ يُبَاعُ شَيْءٌ مِنَ الرَّطْبِ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ، إِلاَّ الْعَرَايَا (٢) .
وَرُبَّمَا اعْتَبَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ - بِتَفْسِيرِ ابْنِ جُزَيٍّ - بَيْعُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ رِبَوِيًّا أَمْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ، فَتَمْتَنِعُ فِي الرِّبَوِيِّ، لِتَوَقُّعِ التَّفَاضُل وَالْغَرَرِ، وَتَمْتَنِعُ فِي
_________
(١) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٠، وتحفة المحتاج ٤ / ٢٨١
(٢) المغني ٤ / ١٣٢. وقارنها بعبارة المنهاج في المصدرين السابقين وهي: " لا يباع رطب برطب ولا بتمر، ولا عنب بعنب ولا بزبيب "، وعبارة المنهج: " فلا يباع رطب برطب ولا بجاف " انظر شرح المنهج بحاشية الجمل ٣ / ٥٦، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٥٢
غَيْرِ الرِّبَوِيِّ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ، وَلِلْغَرَرِ (١) .
٦٤ - وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْقَوْل بِالْجَوَازِ - كَمَا يَقُول الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ وَمُتُونُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَيْهِ.
وَنَصَّ الْحَصْكَفِيُّ عَلَى أَنَّهُ: يَجُوزُ بَيْعُ رُطَبٍ بِرُطَبٍ، أَوْ بِتَمْرٍ مُتَمَاثِلًا. . فِي الْحَال لاَ الْمَآل، خِلاَفًا لَهُمَا، فَلَوْ بَاعَ مُجَازَفَةً لَمْ يَجُزِ اتِّفَاقًا (٢) .
وَقَدِ اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٣) .
فَفِي وَجْهِ الاِسْتِدْلاَل بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُول أَبُو حَنِيفَةَ:
الرُّطَبُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا، أَوْ لاَ يَكُونَ. فَإِنْ كَانَ تَمْرًا، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ فِي أَوَّل الْحَدِيثِ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَمْرٍ، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ:
_________
(١) المغني ٤ / ١٣٢، والقوانين الفقهية ص ١٦٨، ١٦٩
(٢) الدر المختار ٤ / ١٨٥
(٣) حديث عبادة بن الصامت: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١٢١١ ط الحلبي
إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ. وَلَمْ يَأْخُذْ بِحَدِيثِ النَّهْيِ السَّابِقِ لأَِنَّهُ دَائِرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَزَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ مِمَّنْ لاَ يُقْبَل حَدِيثُهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ (١)
وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً (٢) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا (٣) .
وَلاِسْتِكْمَال مَبْحَثِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنَ التَّفَاصِيل وَالأَْحْكَامِ. يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ (رِبا) .
بَيْعٌ وَسَلَفٌ:
٦٥ - وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (٤) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄
_________
(١) فتح القدير ٦ / ١٦٨، ١٦٩، وانظر الهداية وشروحها في الموضع نفسه، وتبيين الحقائق ٤ / ٩٢، ٩٣ وبدائع الصنائع ٥ / ١٨٨
(٢) حديث: " نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة " أخرجه أبو داود (٦٥٨ ط عزت عبيد دعاس) وأعله الدارقطني والزيلعي بجهالة أحد رواته. (نصب الراية ٤ / ٤٣ ط المجلس العلمي)
(٣) فتح القدير ٦ / ١٦٩
(٤) حديث " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٣٥ ط الحلبي) وقال: حسن صحيح
أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ، أَفَتَأْذَنُ لَنَا بِكِتَابَتِهَا؟ قَال: نَعَمْ. فَكَانَ أَوَّل مَا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْل مَكَّةَ: لاَ يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ، وَلاَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ جَمِيعًا، وَلاَ بَيْعُ مَا لَمْ يُضْمَنْ. . . الْحَدِيثَ (١) .
وَقَدْ فَسَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى السَّلَفَ وَالْبَيْعَ بِأَنَّهُ قَوْل الرَّجُل لِلرَّجُل: أَبِيعُكَ دَارِي هَذِهِ بِكَذَا وَكَذَا، عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي كَذَا وَكَذَا.
وَبِهَذَا تَئُول الْمَسْأَلَةُ إِلَى مَوْضُوعِ الْبَيْعِ بِشَرْطٍ، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِذَلِكَ، فِي الْجُمْلَةِ.
وَصَرَّحَ ابْنُ جُزَيٍّ بِأَنَّ الْبَيْعَ بِاشْتِرَاطِ السَّلَفِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لاَ يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنْ يَكُنْ بُطْلاَنُ الشَّرْطِ وَحْدَهُ رِوَايَةً وَاحْتِمَالًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .
وَالْمَالِكِيَّةِ، حِينَمَا تَحَدَّثُوا عَنْ بُيُوعِ الآْجَال - وَهِيَ بُيُوعٌ ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، لَكِنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى
_________
(١) حديث: " لا يجوز شرطان في بيع واحد. . . " أخرجه النسائي كما في نصب الراية (٤ / ١٩ ط المجلس العلمي بالهند) عن عطاء عن عبد الله بن عمرو، وقال: هذا خطأ، وعطاء هذا هو الخراساني، ولم يسمع من عبد الله بن عمرو
(٢) نصب الراية ٤ / ١٩، والقوانين الفقهية ص ١٧٢، والمغني ٤ / ٢٨٦، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ٥٣ و٥٤