الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

الصَّلاَحِ، بِشَرْطِ التَّرْكِ وَالتَّبْقِيَةِ عَلَى الشَّجَرِ حَتَّى تَنْضَجَ، فَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ إِجْمَاعًا، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ شَغْل مِلْكِ الْغَيْرِ.

أَوْ هُوَ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ أَوْ هُوَ إِعَارَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ فِي بَيْعٍ.

وَعَلَّلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.

قَالُوا: وَمِثْل بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِشَرْطِ التَّرْكِ، بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْل أَنْ يَشْتَدَّ (١) .

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَهَا بَعْدَ الظُّهُورِ، قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال، فَهَذَا الْبَيْعُ صَحِيحٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِهِ (٢)، وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْبَيْعِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ، إِنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْل أَخْذِهَا، بِدَلِيل حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَارِّ، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ: أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَال أَخِيهِ (٣)؟ وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلاَحُهُ.

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ٣٨، وانظر فتح القدير ٥ / ٤٨٨ - ٤٩٠، وتبيين الحقائق ٤ / ١٢، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٣ / ١٧٧، وانظر شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٣٣، والمغني ٤ / ٢٠٢ وما بعدها

(٢) فتح القدير ٥ / ٤٨٨، والمغني ٤ / ٢٠٢، وكشاف القناع ٣ / ٢٨١

(٣) حديث: " أرأيت إذا منع الله الثمرة. . . " تقدم تخريجه في التعليق على فقرة (٧١)

قَالُوا: وَالإِْجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَال، مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْمَنْعِ فِي مَفْهُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَفَارَقَ مَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ، لأَِمْنِ الْعَاهَةِ فِيهِ غَالِبًا، بِخِلاَفِ مَا قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَبِهَذَا الْفَارِقِ يُشْعِرُ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ (١)، وَهُوَ: لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ - أَيْ آفَةٌ أَهْلَكَتِ الثَّمَرَةَ - فَلاَ يَحِل لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَال أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ (٢) .

٧٣ - غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَيَّدُوا هَذَا الْحُكْمَ، وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال، بِقُيُودٍ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا انْفَرَدَ بِهِ فَرِيقٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، نُشِيرُ إِلَيْهَا فِيمَا يَلِي: الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مُنْتَفَعًا بِهِ:

أ - فَالْحَنَفِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ مِنْ مَذْهَبِهِمْ - وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ عَلَى إِطْلاَقِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِشُمُول الاِنْتِفَاعِ لِمَا هُوَ فِي الْحَال أَوْ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَآل، أَوْ فِي ثَانِي الْحَال - كَمَا يُعَبِّرُونَ.

فَمِثْل الْقَصِيل (وَهُوَ الْفَصْفَصَةُ الَّتِي يُعْلَفُ بِهَا الْحَيَوَانُ) وَالْحِصْرِمِ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، لاِنْتِفَاعِ

_________

(١) المغني ٤ / ٢٠٢، وكشاف القناع ٣ / ٢٨١، ٢٨٢، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٢ / ٢٣٣

(٢) حديث: " لو بعت من أخيك ثمرا. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٩٠ ط الحلبي)

الْحَيَوَانِ وَانْتِفَاعِ الإِْنْسَانِ بِهِ (١) .

ب - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، قَيَّدُوا الْجَوَازَ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ فِي الْحَال، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ تَقْيِيدَ الْمَنْفَعَةِ بِأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْوَجْهِ الَّذِي يُرَادُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ مِنْهُ كَمَا فِي الْحِصْرِمِ، بِخِلاَفِ الْكُمَّثْرَى؛ لأَِنَّ قَطْعَهُ فِي الْحَال إِضَاعَةُ مَالٍ - كَمَا عَلَّلَهُ الْمَالِكِيَّةُ - وَبِخِلاَفِ ثَمَرَةِ الْجَوْزِ، وَزَرْعِ التُّرْمُسِ، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ نَفْسِهِ، لِعَدَمِ النَّفْعِ بِالْمَبِيعِ - كَمَا عَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ (٢) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَكْثُرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلاَ يَتَمَالَئُوا عَلَيْهِ.

وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنْ تَخَلَّفَ وَاحِدٌ، مُنِعَ الْبَيْعُ (٣)، كَمَا يُمْنَعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ الْمَارِّ أَوِ الإِْطْلاَقِ، كَمَا يَأْتِي.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَنْ لاَ يَكُونَ مَا بِيعَ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ مُشَاعًا، بِأَنْ

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٤٨٨، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ٣ / ١٧٦، والقوانين الفقهية (١٧٣)

(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٣٣، وشرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٣ / ٢٠١، ٢٠٢، وكشاف القناع ٣ / ٢٨٢، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٦

(٣) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٦

يَشْتَرِيَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا مُشَاعًا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ قَطْعُ مَا يَمْلِكُهُ، إِلاَّ بِقَطْعِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (١) .

٧٤ - وَقَدْ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا، إِضَافَةً إِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْجَائِزَةِ، وَهِيَ بَيْعُ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال، هَذِهِ الصُّوَرَ:

(١) أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا مَعَ الشَّجَرِ، أَوِ الزَّرْعِ الأَْخْضَرِ مَعَ الأَْرْضِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْفُقَهَاءُ؛ لأَِنَّ الثَّمَرَ فِيهَا وَالزَّرْعَ تَابِعَانِ لِلشَّجَرِ وَالأَْرْضِ، اللَّذَيْنِ لاَ تَعْرِضُ لَهُمَا عَاهَةٌ، كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ.

(٢) أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ لِمَالِكِ الأَْصْل وَهُوَ الشَّجَرُ، أَوْ يَبِيعَ الزَّرْعَ لِمَالِكِ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ إِذَا بِيعَ مَعَ أَصْلٍ دَخَل تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضَعِ احْتِمَال الْغَرَرِ فِيهِ، كَمَا احْتُمِلَتِ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ.

نَصَّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَابِلَةُ، كَمَا نَصَّ عَلَى الأُْولَى الْجَمِيعُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ الصُّورَةَ التَّالِيَةَ:

(٣) أَنْ يَبِيعَ الأَْصْل، وَهُوَ الشَّجَرُ أَوِ الأَْرْضُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِفَتْرَةٍ مَا، قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ، وَقَبْل

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ٢٨٢

خُرُوجِهِمَا مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، يَلْحَقُ الثَّمَرُ أَوِ الزَّرْعُ بِالأَْصْل الْمَبِيعِ قَبْلَهُ (١) .

٧٥ - الرَّابِعَةُ مِنْ أَحْوَال بَيْعِ الثَّمَرَةِ:

أَنْ يَبِيعَهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ - عَلَى الْخِلاَفِ فِي تَفْسِيرِهِ: بِظُهُورِ النُّضْجِ وَالْحَلاَوَةِ وَالتَّمَوُّهِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَبِأَمْنِ الْعَاهَةِ وَالْفَسَادِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَال كَمَا هُوَ نَصُّ ابْنِ الْهُمَامِ، وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ.

وَسَيَأْتِي بَعْضُ التَّفْصِيل الْمَذْهَبِيِّ فِيمَا إِذَا تَنَاهَى عِظَمُ الثَّمَرَةِ أَوْ لَمْ يَتَنَاهَ.

غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا الْجَوَازَ فِي هَذِهِ الْحَال - زِيَادَةً عَلَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِتَفْسِيرِهِ عِنْدَهُمْ - بِأَنْ لاَ يَسْتَتِرَ بِأَكْمَامِهِ، كَالْبَلَحِ وَالتِّينِ وَالْعِنَبِ، وَالْفُجْل وَالْكَرَّاتِ وَالْجَزَرِ وَالْبَصَل. فَهَذَا النَّوْعُ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَوَزْنًا بِالأَْوْلَى.

أَمَّا مَا اسْتَتَرَ بِأَكْمَامِهِ - أَيْ بِغِلاَفِهِ - كَالْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَحْدَهُ جُزَافًا، وَيَجُوزُ كَيْلًا. وَإِنْ بِيعَ بِقِشْرِهِ أَيْ تِبْنِهِ، جَازَ جُزَافًا وَكَذَا كَيْلًا بِالأَْوْلَى.

أَمَّا مَا اسْتَتَرَ بِوَرَقِهِ كَالْفُول، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ

_________

(١) انظر رد المحتار ٤ / ٣٨، وتبيين الحقائق ٤ / ١٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٦، وشرح الخرشي ٥ / ١٨٥، وتحفة المحتاج ٤ / ٤٦٣، ٤٦٤، وكشاف القناع ٣ / ٢٨٢، وتحفة المحتاج ٤ / ٤٦

جُزَافًا، لاَ مُنْفَرِدًا وَلاَ مَعَ وَرَقِهِ، وَيَجُوزُ كَيْلًا (١) .

٧٦ - الْخَامِسَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ مُطْلَقًا، فَلاَ يَشْتَرِطُ قَطْعًا وَلاَ تَبْقِيَةً، وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:

(أ) فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْقَوْل الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - وَإِنْ صَرَّحَ ابْنُ جُزَيٍّ بِأَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ - أَنَّ بَيْعَهَا كَذَلِكَ بَاطِلٌ: لإِطْلاَقِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا، وَلأَِنَّ الْعَاهَةَ تُسْرِعُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ، لِضَعْفِهِ، فَيَفُوتُ بِتَلَفِهِ الثَّمَنُ، مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ (٢) .

(ب) وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَرَّرُوا أَنَّهُ:

إِنْ كَانَ الثَّمَرُ بِحَالٍ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الأَْكْل وَلاَ فِي عَلَفِ الدَّوَابِّ، فَفِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ: قِيل: لاَ يَجُوزُ، وَنَسَبَهُ قَاضِيخَانُ لِعَامَّةِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ لِلنَّهْيِ، وَلأَِنَّ الْبَيْعَ يَخْتَصُّ بِمَالٍ مُتَقَوَّمٍ، وَالثَّمَرُ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ لَيْسَ كَذَلِكَ.

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فِي ثَانِي الْحَال (أَيِ الْمَآل) إِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي الْحَال.

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٤٨٨ و٤٨٩، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٦

(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٧، وشرح الخرشي ٥ / ١٨٥، والقوانين الفقهية (ص ١٧٣) وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٣٣، والمغني ٤ / ٢٠٢، وتحفة المحتاج ٤ / ٢٦١

وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَوْ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْل الْمَذْهَبِ، إِذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، أَوْ مُطْلَقًا (١) .

وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ فِي الْمَسَائِل الثَّلاَثِ السَّابِقَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، هَذِهِ الصُّورَةَ أَيْضًا.

٧٧ - السَّادِسَةُ: إِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ، وَقَدْ بَدَا صَلاَحُهَا وَنُضْجُهَا، وَلَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهَا، وَشَرَطَ التَّرْكَ وَالتَّبْقِيَةَ إِلَى أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهَا:

(أ) فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ - كَمَا يَنُصُّ ابْنُ قُدَامَةَ - جَوَازُ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بَل جَوَازُهُ بِإِطْلاَقٍ.

- لأَِنَّ الْحَدِيثَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، فَمَفْهُومُهُ إِبَاحَةُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ عِنْدَهُمُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِبُدُوِّ الصَّلاَحِ غَايَةٌ، وَلاَ فَائِدَةٌ فِي ذِكْرِهِ.

- وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ وَتَعْلِيلُهُ بِأَمْنِ الْعَاهَةِ يَدُل عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لأَِنَّ مَا يُقْطَعُ فِي الْحَال لاَ يُخَافُ الْعَاهَةُ عَلَيْهِ، وَإِذَا بَدَا الصَّلاَحُ فَقَدْ أُمِنَتِ الْعَاهَةُ، فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ مُبْقًى، لِزَوَال عِلَّةِ الْمَنْعِ.

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٤٨٩، ورد المحتار ٤ / ٣٨، والعناية بشرح الهداية للبابرتي ٥ / ٤٨٨، ٤٨٩

وَلأَِنَّ النَّقْل وَالتَّحْوِيل يَجِبُ فِي الْمَبِيعِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ، فَإِذَا شَرَطَهُ جَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْل الطَّعَامِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ (١) .

(ب) وَالْحَنَفِيَّةُ قَرَّرُوا مُفَصِّلِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:

إِذَا شَرَطَ التَّرْكَ، وَلَمْ يَتَنَاهَ الْعِظَمُ وَالنُّضْجُ، فَقَدْ شَرَطَ فِيهِ الْجُزْءَ الْمَعْدُومَ، وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ بِمَعْنًى مِنَ الأَْرْضِ وَالشَّجَرِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَحْدُثُ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، فَكَأَنَّهُ ضَمَّ الْمَعْدُومَ إِلَى الْمَوْجُودِ، وَاشْتَرَاهُمَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ (٢) .

وَإِذَا شَرَطَ التَّرْكَ، وَقَدْ تَنَاهَى عِظَمُهَا، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ أَيْضًا، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ شَغْل مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَمِثْلُهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهَذَا لأَِنَّهُ يَحْصُل فِي الْمَبِيعِ زِيَادَةُ جَوْدَةٍ وَطَرَاوَةٍ، وَلِلْمُشْتَرِي فِيهِ نَفْعٌ.

وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَقَدِ اسْتَحْسَنَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَال كَمَا قَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ: لاَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ، لِتَعَارُفِ النَّاسِ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهَا، لأَِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْجُزْءِ الْمَعْدُومِ.

وَمَعَ أَنَّ الْبَابَرْتِيَّ وَالْكَرْلاَنِيَّ، مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ، لَمْ يُسَلِّمَا بِالتَّعَامُل فِي اشْتِرَاطِ التَّرْكِ، بَل

_________

(١) المغني ٤ / ٢٠٥

(٢) الهداية وشرحها: الكفاية للكرلاني ٥ / ٤٨٩

قَرَّرَا أَنَّ الْمُعْتَادَ هُوَ التَّرْكُ بِلاَ شَرْطٍ، وَالإِْذْنُ فِي تَرْكِهِ بِلاَ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ، لاَ شَرْطِ التَّرْكِ. فَفِي نَقْل الْكَرْلاَنِيِّ عَنِ الأَْسْرَارِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، لِعُمُومِ الْبَلْوَى (١) .

٧٨ - وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ مُطْلَقًا، فَلَمْ يَشْتَرِطِ التَّرْكَ وَلاَ الْقَطْعَ، وَلَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا: فَإِنْ كَانَ التَّرْكُ بِإِذْنٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الْبَائِعِ، طَابَ لَهُ الْفَضْل وَالأَْكْل. وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ بِإِذْنٍ فِي ضِمْنِ الإِْجَارَةِ، بِأَنِ اسْتَأْجَرَ الأَْشْجَارَ إِلَى وَقْتِ الإِْدْرَاكِ، طَابَ لَهُ الْفَضْل أَيْضًا؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ بَاطِلَةٌ، لِعَدَمِ التَّعَارُفِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى اسْتِئْجَارِ الأَْشْجَارِ، وَلِعَدَمِ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي إِلَى اسْتِئْجَارِ الأَْشْجَارِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ شِرَاءُ الثِّمَارِ مَعَ أُصُولِهَا، وَالأَْصْل فِي الْقِيَاسِ بُطْلاَنُ الإِْجَارَةِ، وَأُجِيزَتْ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ فِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ، وَلاَ تَعَامُل فِي إِجَارَةِ الأَْشْجَارِ الْمُجَرَّدَةِ، فَبَقِيَ الإِْذْنُ.

أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ فِي ذَاتِهِ، لِحُصُولِهِ بِجِهَةِ مَحْظُورِهِ، وَهِيَ حُصُولُهَا بِقُوَّةِ الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، فَيُقَوَّمُ ذَلِكَ قَبْل الإِْدْرَاكِ وَبَعْدَهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْل مَا بَيْنَهُمَا.

أَمَّا إِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ بَعْدَمَا تَنَاهَى عِظَمُهَا، وَتَرَكَهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّ

_________

(١) الهداية وشروحها ٥ / ٤٨٩، وتبيين الحقائق ٤ / ١٢، والدر المختار، ورد المحتار ٤ / ٣٩

هَذَا تَغَيُّرُ حَالَةٍ، لاَ تَحَقُّقُ زِيَادَةٍ (١) .

هَل يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ بَيْعِ الثَّمَرِ بُدُوُّ صَلاَحِ كُلِّهِ؟

٧٩ - يُمْكِنُ الْقَوْل بِوَجْهٍ عَامٍّ، أَنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الْبَيْعِ بُدُوُّ صَلاَحِ بَعْضِهِ - وَإِنْ قَل - لِبَيْعِ كُلِّهِ، بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْعَقْدِ وَالْجِنْسِ وَالْبُسْتَانِ، وَالْحَمْل عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ - كَالشَّافِعِيَّةِ - أَوِ الْجِنْسِ عِنْدَ آخَرِينَ - كَالْمَالِكِيَّةِ - وَإِنْ شَرَطَ بَعْضُهُمْ خِلاَفًا لآِخَرِينَ صَلاَحَ كُلِّهِ، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ إِلاَّ بَيْعُ مَا بَدَا صَلاَحُهُ (٢) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: إِنْ كَانَتْ شَجَرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبَدَا الصَّلاَحُ فِي بَعْضِ ثَمَرِهَا، جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذَلِكَ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلاَفًا.

ثَانِيًا: وَإِنْ بَدَا الصَّلاَحُ فِي شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهَل يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ جَمِيعِ الثَّمَرِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، وَوَجْهُهُ:

_________

(١) الهداية وشروحها ٥ / ٤٨٩، ٤٩٠، وتبيين الحقائق ٤ / ١٢، وبدائع الصنائع ٥ / ١٦٦

(٢) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٢ / ٢٣٦، وانظر تحفة المحتاج بشرح المنهاج، وحاشية الشرواني ٤ / ٤٦٧، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٧، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٢٠٥، والدر المختار ورد المحتار ٤ / ٣٩