الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 17

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

الإِْطْلاَقِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ.

وَالنَّهْيُ عَنْهُ لاَ يَسْتَلْزِمُ الْفَسَادَ وَالْبُطْلاَنَ، لأَِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْبَيْعِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ رُكْنًا، وَلاَ إِلَى لاَزِمِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ شَرْطًا، بَل هُوَ رَاجِعٌ لأَِمْرٍ خَارِجٍ غَيْرِ لاَزِمٍ، كَالتَّضْيِيقِ وَالإِْيذَاءِ (١) .

قَال الْمَحَلِّيُّ: وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ: فَيَأْثَمُ بِارْتِكَابِهِ الْعَالِمُ بِهِ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ (٢) .

ب - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ، وَأَنَّ النَّهْيَ اخْتُصَّ بِأَوَّل الإِْسْلاَمِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ الضِّيقِ، قَال أَحْمَدُ: كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً (٣) .

ج - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَهُمْ، أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ حَرَامٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا وَفَاسِدٌ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ، لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (٤) .

وَكَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبُهُوتِيُّ بِقَوْلِهِ: فَيَحْرُمُ، وَلاَ يَصِحُّ لِبَقَاءِ النَّهْيِ عَنْهُ (٥)

_________

(١) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٢ / ١٨٢ وقارن بالمغني ٤ / ٢٨٠

(٢) المرجع السابق

(٣) المغني ٤ / ٢٨٠، والإنصاف ٤ / ٣٣٣

(٤) المغني ٤ / ٢٨٠

(٥) كشاف القناع ٣ / ١٨، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي عليه ٣ / ٦٩

وَقَال أَحْمَدُ لَمَّا سُئِل عَنْ هَذَا الْبَيْعِ: أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَرُدُّ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ (١) .

وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي هَذَا، وَقَرَّرُوا:

أَوَّلًا: أَنَّهُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا دَامَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ بِبَيْعٍ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

ثَانِيًا: فَإِنْ فَاتَتْ مَضَى الْبَيْعُ بِالثَّمَنِ (الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيل: بِالْقِيمَةِ (٢) .

وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الْفُرُوعِ التَّفْصِيلِيَّةِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا الْبَيْعِ:

١٧ - أَوَّلًا: نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ - مَعَ فَسْخِ هَذَا الْبَيْعِ بِشَرْطِ عَدَمِ فَوَاتِ الْمَبِيعِ - يُؤَدَّبُ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِ وَالْحَاضِرِ وَالْمُشْتَرِي، إِنْ لَمْ يُعْذَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِجَهْلِهِ، بِأَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ، وَلاَ أَدَبَ عَلَى الْجَاهِل لِعُذْرِهِ بِالْجَهْل (٣) .

لَكِنْ هَل يُؤَدَّبُ مُطْلَقًا، أَمْ يُؤَدَّبُ إِنِ اعْتَادَ هَذَا الْبَيْعَ؟ قَوْلاَنِ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا (٤) .

وَالشَّافِعِيَّةُ قَرَّرُوا الإِْثْمَ عَلَى الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ، كَمَا قَال الْمَالِكِيَّةُ، وَكَذَا الْجَاهِل الْمُقَصِّرُ، وَلَوْ فِيمَا

_________

(١) المغني ٤ / ٢٨٠

(٢) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٦٩

(٣) المرجع السابق

(٤) المرجع السابق، وانظر في الفسخ والتأديب شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه ٥ / ٨٤

يَخْفَى غَالِبًا. قَالُوا: وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَزِّرَ فِي ارْتِكَابِ مَا لاَ يَخْفَى غَالِبًا، وَإِنِ ادَّعَى جَهْلَهُ.

قَال الْقَلْيُوبِيُّ: إِنَّ الْحُرْمَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالْعِلْمِ أَوِ التَّقْصِيرِ، وَإِنَّ التَّعْزِيرَ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْخَفَاءِ (١) . غَيْرَ أَنَّ الْقَفَّال مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، جَعَل الإِْثْمَ هُنَا، عَلَى الْبَلَدِيِّ دُونَ الْبَدْوِيِّ، وَقَرَّرَ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي (٢) .

ثُمَّ عَمَّمَ الشَّافِعِيَّةُ اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ، فِي كُل مَنْهِيٍّ عَنْهُ.

قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَلاَ بُدَّ هُنَا، وَفِي جَمِيعِ الْمَنَاهِي، أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ، أَوْ مُقَصِّرًا فِي تَعَلُّمِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجِبُ عَلَى مَنْ بَاشَرَ أَمْرًا أَنْ يَتَعَلَّمَ جَمِيعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، مِمَّا يَغْلِبُ وُقُوعُهُ (٣) .

١٨ - ثَانِيًا: بِمَا أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ لِلْبَادِي، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الشِّرَاءِ لَهُ:

أ - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْصِيل بَيْنَ الشِّرَاءِ لَهُ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالسِّلَعِ:

فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى جَوَازَ الشِّرَاءِ لَهُ بِالنَّقْدِ وَبِالسِّلَعِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَحَصَّل السِّلَعَ بِنَقْدٍ أَمْ بِغَيْرِ نَقْدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ.

وَخَصَّ الْخَرَشِيُّ جَوَازَ الشِّرَاءِ بِالسِّلَعِ الَّتِي

_________

(١) شرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٢ / ١٨٢

(٢) شرح المحلي في الموضع نفسه

(٣) تحفة المحتاج ٤ / ٣١١

حَصَّلَهَا بِثَمَنٍ يُنْقَدُ، وَأَمَّا الَّتِي حَصَّلَهَا بِغَيْرِ النَّقْدِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا سِلَعًا، قَال: لأَِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي فِي مَنْعِ الْبَيْعِ لَهُ، تَأْتِي حِينَئِذٍ (١) .

وَقَال آخَرُونَ مِنْهُمْ: ظَاهِرُ كَلاَمِ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الشِّرَاءُ لَهُ إِلاَّ بِالنَّقْدِ، لاَ بِالسِّلَعِ مُطْلَقًا، وَإِلاَّ كَانَ بَيْعًا لِسِلَعِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَاسْتَوْجَهَ هَذَا الدُّسُوقِيُّ (٢) .

١٩ - ب - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ مُتَرَدِّدٌ فِي التَّأْثِيمِ بِهِ أَيْضًا، فَلَوْ قَدِمَ مِنَ الْبَدْوِ مَنْ يُرِيدُ الشِّرَاءَ، فَتَعَرَّضَ لَهُ مِنَ الْحَضَرِ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ رَخِيصًا:

(١) فَابْنُ يُونُسَ قَال: هُوَ حَرَامٌ، وَبَحَثَ الأَْذْرَعِيُّ الْجَزْمَ بِالإِْثْمِ، وَلَهُ وَجْهٌ - كَمَا قَال ابْنُ حَجَرٍ - وَهُوَ: الْقِيَاسُ عَلَى الْبَيْعِ، قَال الشِّرْوَانِيُّ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِمَّا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ. وَالْقَوْل بِالْمَنْعِ نَقَلَهُ أَيْضًا ابْنُ هَانِئٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.

(٢) وَجَمْعٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَارُوا عَدَمَ الإِْثْمِ فِي الشِّرَاءِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَيْعِ وَبَيْنَ الشِّرَاءِ لِلْبَدَوِيِّ، بِأَنَّ الشِّرَاءَ غَالِبًا بِالنَّقْدِ، وَهُوَ لاَ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.

(٣) أَمَّا ابْنُ حَجَرٍ، فَذَهَبَ مَذْهَبَ التَّوْفِيقِ

_________

(١) قارن بالقوانين الفقهية ص ١٧١

(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٦٩ - ٧٠، وشرح الخرشي ٥ / ٨٤

بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَحَمَل الْقَوْل الأَْوَّل بِالإِْثْمِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الشِّرَاءُ بِمَتَاعٍ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَحَمَل الْقَوْل بِعَدَمِ الإِْثْمِ عَلَى خِلاَفِهِ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَ الشِّرَاءُ بِمَتَاعٍ لاَ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ (١) .

٢٠ - ج - وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فِي الشِّرَاءِ لِلْبَادِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً (٢)، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلشِّرَاءِ بِلَفْظِهِ، وَلاَ هُوَ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ لِلرِّفْقِ بِأَهْل الْحَضَرِ، لِيَتَّسِعَ عَلَيْهِمُ السِّعْرُ وَيَزُول عَنْهُمُ الضَّرَرُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ لَهُمْ، إِذْ لاَ يَتَضَرَّرُونَ لِعَدَمِ الْغَبْنِ لِلْبَادِينَ، بَل هُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ. وَالْخَلْقُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ عَلَى السَّوَاءِ، فَكَمَا شَرَعَ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ أَهْل الْحَضَرِ، لاَ يَلْزَمُ أَنْ يَلْزَمَ أَهْل الْبَدْوِ الضَّرَرُ (٣) .

٢١ - ثَالِثًا: هُنَاكَ مَسْأَلَةٌ تَتَّصِل بِبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَالشِّرَاءِ لَهُ، وَهِيَ: مَا لَوْ أَشَارَ الْحَاضِرُ عَلَى الْبَادِي، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَاشِرَ الْبَيْعَ لَهُ:

فَقَدْ نَقَل ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي وُجُوبِ إِرْشَادِهِ إِلَى

_________

(١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها ٤ / ٣١١، والإنصاف ٤ / ٣٣٥

(٢) المغني ٤ / ٢٨٠، وكشاف القناع ٣ / ١٨٤، والإنصاف ٤ / ٣٣٥

(٣) المغني ٤ / ٢٨٠

(٤) المرجع السابق

الاِدِّخَارِ أَوِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ يَجِبُ إِرْشَادُهُ (١)، لِوُجُوبِ الإِْشَارَةِ بِالأَْصْلَحِ عَلَيْهِ.

وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ أَيْضًا، أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَقَوْل الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلاَفُهُ (٢)

٢٢ - رَابِعًا: نَصَّ ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْبَادِي بِالسِّعْرِ، هُوَ كَالْبَيْعِ لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ (٣) .

_________

(١) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤ / ٣١٠

(٢) المغني ٤ / ٢٨٠

(٣) القوانين الفقهية ص ١٧١

بَيْعُ الْحَصَاةِ

التَّعْرِيفُ:

١ - بَيْعُ الْحَصَاةِ: هُوَ الْبَيْعُ بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَكَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ (١)، وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْغَرَرِ، فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (٢) وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَفْسِيرِهِ.

٢ - فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ: أَنْ يُلْقِيَ حَصَاةً، وَثَمَّةَ أَثْوَابٌ، فَأَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَ عَلَيْهِ كَانَ هُوَ الْمَبِيعَ بِلاَ تَأَمُّلٍ وَلاَ رَوِيَّةٍ، وَلاَ خِيَارَ بَعْدَ ذَلِكَ (٣) .

وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِلْحَدِيثِ، ذَكَرَهُ جَمِيعُ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ:

أ - فَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: هُوَ بَيْعٌ مُلْزِمٌ عَلَى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ مِنَ الثِّيَابِ - مَثَلًا - بِلاَ قَصْدٍ مِنَ الرَّامِي

_________

(١) لسان العرب مادة " حصى "

(٢) حديث: " نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ١١٥٣ ط الحلبي)

(٣) رد المحتار ٤ / ١٠٩، وتبيين الحقائق ٤ / ٤٨، وفتح القدير ٦ / ٥٥

لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَقَيَّدَهُ الدَّرْدِيرُ بِاخْتِلاَفِ السِّلَعِ أَوِ الثِّيَابِ (١) .

ب - وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا فِي التَّفْسِيرِ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الأَْثْوَابِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ (٢) .

ج - وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا فِي التَّفْسِيرِ: أَنْ يَقُول الْبَائِعُ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ، فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا (٣) .

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ رَمْيِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، كَمَا يَقُول عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ (٤) .

٣ - وَهُنَاكَ تَفْسِيرٌ ثَانٍ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْبَيْعِ، وَهُوَ: أَنْ يَقُول الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الأَْرْضِ مِنْ مَحَل وُقُوفِي أَوْ وُقُوفِ فُلاَنٍ إِلَى مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ رَمْيَةُ هَذِهِ الْحَصَاةِ بِكَذَا. نَصَّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَيَّدَهُ الأَْوَّلُونَ، بِأَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى اللُّزُومِ (٥) .

٤ - وَفِي تَفْسِيرٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنْ يَقُول الْبَائِعُ: إِذَا رَمَيْتَ هَذِهِ الْحَصَاةَ، فَهَذَا الثَّوْبُ مَبِيعٌ مِنْكَ بِعَشَرَةٍ، أَيْ يَجْعَل الرَّمْيَ صِيغَةَ الْبَيْعِ (٦) .

_________

(١) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٥٧

(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٦

(٣) كشاف القناع ٣ / ١٦٧، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٢٨ و٢٩

(٤) حاشية عميرة على شرح المحلي ٢ / ١٧٧

(٥) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٥٦، وكشاف القناع ٣ / ١٩٧، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٢٩

(٦) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٦ و١٧٧

٥ - وَفِي تَفْسِيرٍ رَابِعٍ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَقُول الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا، عَلَى أَنِّي مَتَى رَمَيْتَ هَذِهِ الْحَصَاةَ وَجَبَ الْبَيْعُ وَلَزِمَ (١) .

٦ - وَطَرَحَ الْمَالِكِيَّةُ تَفْسِيرًا خَامِسًا:

أ - أَنْ يَقُول الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: ارْمِ بِالْحَصَاةِ فَمَا خَرَجَ وَوُجِدَ مِنْ أَجْزَاءِ تِلْكَ الْحَصَاةِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ كَانَ لِي بِعَدَدِهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ.

ب - أَوْ يَقُول الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: ارْمِ بِالْحَصَاةِ فَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْزَائِهَا الْمُتَفَرِّقَةِ حَال رَمْيِهَا، كَانَ لَكَ بِعَدَدِهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ.

ج - وَيُحْتَمَل أَيْضًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحَصَاةِ الْجِنْسَ، أَيْ يَقُول الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: خُذْ جُمْلَةً مِنَ الْحَصَى، فِي كَفِّكَ أَوْ كَفَّيْكَ، وَحَرِّكْهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - مَثَلًا - فَمَا وَقَعَ فَلِي بِعَدَدِهِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ (٢) .

وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ هَذَا الْبَيْعِ بِهَذِهِ الصُّوَرِ الْمُفَسِّرَةِ لِلْحَدِيثِ كُلِّهَا، وَقَدْ وَضَعُوا إِزَاءَ كُل صُورَةٍ مَا يُشِيرُ إِلَى وَجْهِ الْفَسَادِ فِيهَا.

٧ - فَفِي الصُّورَةِ الأُْولَى: عَلَّل الْحَنَفِيَّةُ الْفَسَادَ فِيهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَهَالَةِ، وَتَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ

_________

(١) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٥٦، والقوانين الفقهية ١٧٠، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٦ و١٧٧، وكشاف القناع ٣ / ١٦٧

(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٥٧.

بِالْخَطَرِ، لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى: إِذَا وَقَعَ حَجَرِي عَلَى ثَوْبٍ فَقَدْ بِعْتُهُ مِنْكَ، أَوْ بِعْتَنِيهِ بِكَذَا، وَالتَّمْلِيكَاتُ لاَ تَحْتَمِلُهُ، لأَِدَائِهِ إِلَى مَعْنَى الْقِمَارِ (١) .

وَيُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْفَسَادَ لِهَذَا الْمَعْنَى مَشْرُوطٌ بِسَبْقِ ذِكْرِ الثَّمَنِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الثَّمَنَ فِي هَذَا الْبَيْعِ، كَانَ الْفَسَادُ لِعَدَمِ ذِكْرِ الثَّمَنِ، إِنْ سَكَتَ عَنْهُ. لأَِنَّ الْمُقَرَّرَ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْبَيْعَ مَعَ نَفْيِ الثَّمَنِ بَاطِلٌ، وَمَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ فَاسِدٌ (٢) .

وَكَذَلِكَ عَلَّل الْمَالِكِيَّةُ الْفَسَادَ فِيهَا، بِالْجَهْل بِعَيْنِ الْمَبِيعِ، لَكِنَّهُمْ شَرَطُوا كَمَا رَأَيْنَا - عِلاَوَةً عَلَى اخْتِلاَفِ السِّلَعِ، عَدَمَ قَصْدِ الرَّامِي لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، أَمَّا لَوْ كَانَ الرَّمْيُ بِقَصْدٍ جَازَ، إِنْ كَانَ الرَّمْيُ مِنَ الْمُشْتَرِي، أَوْ كَانَ مِنَ الْبَائِعِ، وَجُعِل الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي.

كَمَا أَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَتِ السِّلَعُ، جَازَ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ أَكَانَ وُقُوعُ الْحَصَاةِ بِقَصْدٍ أَمْ بِغَيْرِهِ (٣) .

٨ - وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ بَيْعُ قَدْرٍ مِنَ الأَْرْضِ، مِنْ حَيْثُ يَقِفُ الرَّامِي إِلَى مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ رَمْيَةُ الْحَصَاةِ، فَالْفَسَادُ لِلْجَهْل بِمِقْدَارِ الْمَبِيعِ، لاِخْتِلاَفِ الرَّمْيِ كَمَا عَلَّلَهُ الْمَالِكِيَّةُ،

_________

(١) فتح القدير والعناية على الهداية ٦ / ٥٥، وانظر رد المحتار ٤ / ١٠٩

(٢) انظر الدر المختار ومراجعه التي عزا إليها، ورد المحتار ٤ / ١٠٩

(٣) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٥٧