الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩
لأَِنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّرَاضِي مِنْهُمَا، فَلاَ يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ. وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ جَازَ.
وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَذْرُوعَاتِ وَالْمَكِيلاَتِ: أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْمَكِيلاَتِ هُوَ الْقَدْرُ، أَمَّا فِي الْمَذْرُوعَاتِ فَهُوَ الْوَصْفُ.
وَالْقَدْرُ يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ، أَمَّا الْوَصْفُ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْمَبِيعِ، وَلاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ. وَلِهَذَا يَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، إِذَا فَاتَ الْقَدْرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ. وَيَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ كَامِلًا، إِذَا فَاتَ الْوَصْفُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَال الْبَائِعُ: بِعْتُكَ الثَّوْبَ عَلَى أَنَّهُ مِائَةُ ذِرَاعٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، كُل ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
لأَِنَّ الْوَصْفَ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لِلْمَبِيعِ، إِلاَّ أَنَّهُ صَارَ أَصْلًا، لأَِنَّهُ أُفْرِدَ بِذِكْرِ الثَّمَنِ، فَيُنَزَّل كُل ذِرَاعٍ مَنْزِلَهُ ثَوْبٍ مُسْتَقِلٍّ.
لأَِنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِكُل الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ آخِذًا لِكُل ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ. فَإِنْ وَجَدَهَا زَائِدَةً، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ كُل ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، لأَِنَّهُ إِنْ حَصَل لَهُ الزِّيَادَةُ فِي الذَّرْعِ تَلْزَمُهُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ، فَكَانَ نَفْعًا يَشُوبُهُ ضَرَرٌ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ الزِّيَادَةِ وَبَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ (١) .
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٧٦، ٤٧٧، ٤٧٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٠٠، ٤٠١، والمغني ٤ / ١٤٦ - ١٤٧
بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَاضِرُ: ضِدُّ الْبَادِي، وَالْحَاضِرَةُ ضِدُّ الْبَادِيَةِ (١) .
وَالْحَاضِرُ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْحَضَرِ، وَهُوَ سَاكِنُ الْحَاضِرَةِ، وَهِيَ الْمُدُنُ وَالْقُرَى، وَالرِّيفُ وَهُوَ أَرْضٌ فِيهَا - عَادَةً - زَرْعٌ وَخَصْبٌ.
وَقَال الشَّلَبِيُّ: الْحَاضِرُ: الْمُقِيمُ فِي الْمَدَنِ وَالْقُرَى. وَالْبَادِي: سَاكِنُ الْبَادِيَةِ، وَهِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ الْمَذْكُورَ مِنَ الْمَدَنِ وَالْقُرَى وَالرِّيفِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأَْحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَْعْرَابِ﴾ (٢) أَيْ نَازِلُونَ، وَقَال الشَّلَبِيُّ: الْمُقِيمُ بِالْبَادِيَةِ. وَالنِّسْبَةُ إِلَى الْحَاضِرَةِ: حَضَرِيٌّ، وَإِلَى الْبَادِيَةِ بَدَوِيٌّ (٣) .
وَعَبَّرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بِبَيْعِ حَاضِرٍ لِعَمُودِيٍّ،
_________
(١) مختار الصحاح، مادة: " حضر "
(٢) سورة الأحزاب / ٢٠
(٣) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي وعميرة عليه ٢ / ١٨٢، ١٨٣، وتحفة المحتاج ٤ / ٣٠٩، ورد المحتار ٤ / ١٣٢، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤ / ٦٨
وَالْعَمُودِيُّ هُوَ الْبَدَوِيُّ، نِسْبَةً إِلَى عَمُودٍ؛ لأَِنَّ الْبَدْوَ يَسْكُنُونَ الْخِيَامَ (١) .
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اعْتَبَرُوا الْبَدْوِيَّ شَامِلًا لِلْمُقِيمِ فِي الْبَادِيَةِ، وَلِكُل مَنْ يَدْخُل الْبَلْدَةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ بَدْوِيًّا، أَمْ كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ أُخْرَى (٢) .
وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) .
٢ - وَالْمُرَادُ بِبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَنْ يَتَوَلَّى الْحَضَرِيُّ بَيْعَ سِلْعَةِ الْبَدْوِيِّ، بِأَنْ يَصِيرَ الْحَاضِرُ سِمْسَارًا لِلْبَادِي الْبَائِعِ.
قَال الْحَلْوَانِيُّ: هُوَ أَنْ يَمْنَعَ السِّمْسَارُ الْحَاضِرُ الْقَرَوِيَّ مِنَ الْبَيْعِ، وَيَقُول لَهُ: لاَ تَبِعْ أَنْتَ، أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، فَيَتَوَكَّل لَهُ، وَيَبِيعُ وَيُغَالِي، وَلَوْ تَرَكَهُ يَبِيعُ بِنَفْسِهِ لَرَخَّصَ عَلَى النَّاسِ (٤) .
فَالْبَيْعُ - عَلَى هَذَا - هُوَ مِنَ الْحَاضِرِ لِلْحَاضِرِ نِيَابَةً عَنِ الْبَادِي، بِثَمَنٍ أَغْلَى.
وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، تَكُونُ اللاَّمُ فِي وَلاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ عَلَى حَقِيقَتِهَا كَمَا يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ، وَهِيَ: التَّعْلِيل.
٣ - وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ - كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ -
_________
(١) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٦٩، والقوانين الفقهية ص ١٧١
(٢) المغني ٤ / ٢٧٩، وكشاف القناع ٣ / ١٨٤
(٣) أشار إليه ابن جزي في القوانين الفقهية ص ١٧١ بصيغة التضعيف: قيل
(٤) فتح القدير ٦ / ١٠٧، ورد المحتار ٤ / ١٣٣، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٦٩، والقوانين الفقهية ص ١٧١، وتحفة المحتاج ٤ / ٣٠٩، ٣١٠، والمغني ٤ / ٢٧٩
إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ: أَنْ يَبِيعَ الْحَضَرِيُّ سِلْعَتَهُ مِنَ الْبَدْوِيِّ، وَذَلِكَ طَمَعًا فِي الثَّمَنِ الْغَالِي، فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِأَهْل الْبَلَدِ (١) . وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَكُونُ اللاَّمُ فِي وَلاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِمَعْنَى مِنْ - كَمَا يَقُول الْبَابَرْتِيُّ (٢) -: فَهَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَال: إِنَّ الْحَاضِرَ هُوَ الْمَالِكُ، وَالْبَادِي هُوَ الْمُشْتَرِي.
قَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا التَّفْسِيرِ، مَا فِي الْفُصُول الْعِمَادِيَّةِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ أَنَّ أَعْرَابًا قَدِمُوا الْكُوفَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يَمْتَارُوا (يَتَزَوَّدُوا مِنَ الطَّعَامِ) مِنْهَا، أَلاَ تَرَى أَنَّ أَهْل الْبَلْدَةِ يُمْنَعُونَ عَنِ الشِّرَاءِ لِلْحُكْرَةِ، فَهَذَا أَوْلَى (٣) .
وَصَرَّحَ الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٤)، بِأَنَّ الأَْصَحَّ - كَمَا فِي الْمُجْتَبَى - أَنَّهُمَا: السِّمْسَارُ وَالْبَائِعُ (وَهُوَ التَّفْسِيرُ الأَْوَّل الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ) وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: مُوَافَقَتُهُ لآِخِرِ الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: دَعُوا النَّاسَ، يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ (٥)
_________
(١) الهداية بشروحها ٦ / ١٠٧، والدر المختار ٤ / ١٣٢
(٢) شرح العناية على الهداية ٦ / ١٠٨
(٣) رد المحتار ٤ / ١٣٢، وانظر في هذا التفسير أيضا: تبيين الحقائق، وحاشية الشلبي عليه ٤ / ٦٨
(٤) المصباح المنير، مادة: " بيع "، ورد المحتار ٤ / ١٣٣
(٥) الحديث يأتي تخريجه (ف ٤)
الآْخَرُ: أَنَّهُ عُدِّيَ بِاللاَّمِ، لاَ بِمِنْ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْجُمْهُورِ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ (١) .
النَّهْيُ عَنْ هَذَا الْبَيْعِ:
٤ - لاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي مَنْعِ هَذَا الْبَيْعِ. فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ قَال: لاَ تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلاَ تَصُرُّوا الْغَنَمَ (٢)
وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ، يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ (٣)
وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ قَال: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ وَأَبَاهُ
وَفِي لَفْظٍ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَِبِيهِ وَأُمِّهِ (٤) .
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٣٢ و١٣٣
(٢) حديث أبي هريرة " لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. . . ". أخرجه البخاري (٤ / ٣٦١ الفتح ط السلفية) ومسلم (٢ / ١١٥٥ ط الحلبي) واللفظ له
(٣) حديث ابن عباس: " لا تلقوا الركبان. . " أخرجه البخاري (٤ / ٣٧٠ الفتح ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١١٥٧ ط الحلبي)
(٤) حديث أنس: " نهينا أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه وأباه ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٧٣ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١١٥٨ ط الحلبي) والشطر الثاني تفرد به مسلم
عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِلَّةِ هَذَا النَّهْيِ:
٥ - (أ) فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، بِنَاءً عَلَى التَّفْسِيرِ الأَْوَّل، أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، هُوَ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ هَذَا الْبَيْعُ مِنَ الإِْضْرَارِ بِأَهْل الْبَلَدِ (١)، وَالتَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ (٢) . وَالْقَصْدُ أَنْ يَبِيعُوا لِلنَّاسِ بِرُخْصٍ (٣) .
قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْل الْعِلْمِ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي إِنَّمَا هُوَ لِنَفْعِ الْحَاضِرَةِ (٤)، لأَِنَّهُ مَتَى تَرَكَ الْبَدْوِيُّ يَبِيعُ سِلْعَتَهُ، اشْتَرَاهَا النَّاسُ بِرُخْصٍ، وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِمُ السِّعْرَ، فَإِذَا تَوَلَّى الْحَاضِرُ بَيْعَهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا إِلاَّ بِسِعْرِ الْبَلَدِ، ضَاقَ عَلَى أَهْل الْبَلَدِ، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي تَعْلِيلِهِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى (٥) .
٦ - (ب) وَمَذْهَبُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْمَرْغِينَانِيِّ - عَلَى مَا بَيَّنَّا - وَالْكَاسَانِيِّ، وَكَذَلِكَ التُّمُرْتَاشِيُّ - فِيمَا يَبْدُو بِنَاءً عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي - أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الإِْضْرَارُ بِأَهْل الْمِصْرِ، مِنْ
_________
(١) تبيين الحقائق ٤ / ٦٨
(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٨٢، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٣ / ٨٧
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٣ / ٦٩
(٤) حاشية العدوي على شرح الخرشي ٥ / ٨٤
(٥) المغني ٤ / ٢٨٠، وكشاف القناع ٣ / ١٨٤
جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الرُّخْصِ، وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ أَهْل الْبَلَدِ فِي حَال قَحْطٍ وَعَوَزٍ إِلَى الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَلاَ يَبِيعُهُمَا الْحَضَرِيُّ - مَعَ ذَلِكَ - إِلاَّ لأَِهْل الْبَدْوِ، بِثَمَنٍ غَالٍ (١) .
قُيُودُ النَّهْيِ:
قَيَّدَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، بِقُيُودٍ وَشُرُوطٍ شَتَّى مِنْهَا:
٧ - أَنْ يَكُونَ مَا يَقْدُمُ بِهِ الْبَادِي، مِمَّا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ
، سَوَاءٌ أَكَانَ مَطْعُومًا أَمْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، فَمَا لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلاَّ نَادِرًا، لاَ يَدْخُل تَحْتَ النَّهْيِ (٢) .
٨ - وَأَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْبَادِي الْبَيْعَ حَالًا، وَهُوَ مَا عَبَّرُوا عَنْهُ بِالْبَيْعِ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، فَلَوْ كَانَ قَصْدُهُ الْبَيْعَ عَلَى التَّدْرِيجِ، فَسَأَلَهُ الْبَلَدِيُّ تَفْوِيضَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى مَنْعِ الْمَالِكِ مِنْهُ (٣) .
وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
٩ - وَأَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى مِنْ بَيْعِهِ حَالًا، كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢، والهداية بشروحها ٦ / ١٠٧، والدر المختار ٤ / ١٣٢، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٨
(٢) تحفة المحتاج ٤ / ٣٠٩، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٨٢، والمغني ٤ / ٢٨٠، وكشاف القناع ٣ / ١٨٤
(٣) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٨٢، والمغني ٤ / ٢٨٠، وكشاف القناع ٣ / ١٨٤
قَالُوا: لأَِنَّهُ إِذَا سَأَل الْحَضَرِيَّ أَنْ يُفَوِّضَ لَهُ بَيْعَهُ، بِسِعْرِ يَوْمِهِ عَلَى التَّدْرِيجِ، لَمْ يَحْمِلْهُ ذَلِكَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ، فَلاَ يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّضْيِيقِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا سَأَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِأَغْلَى، فَالزِّيَادَةُ رُبَّمَا حَمَلَتْهُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، فَيُؤَدِّي إِلَى التَّضْيِيقِ (١) .
١٠ - وَأَنْ يَكُونَ الْبَادِي جَاهِلًا بِالسِّعْرِ (٢)، لأَِنَّهُ إِذَا عَلِمَهُ لَمْ يَزِدْهُ الْحَاضِرُ عَلَى مَا عِنْدَهُ (٣)، وَلأَِنَّ النَّهْيَ لأَِجْل أَنْ يَبِيعُوا لِلنَّاسِ بِرُخْصٍ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ إِنَّمَا تُوجَدُ إِذَا كَانُوا جَاهِلِينَ بِالأَْسْعَارِ، فَإِذَا عَلِمُوا بِالأَْسْعَارِ فَلاَ يَبِيعُونَ إِلاَّ بِقِيمَتِهَا كَمَا يَبِيعُ الْحَاضِرُ، فَبَيْعُ الْحَاضِرِ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِمْ (٤) . وَهَذَا الشَّرْطُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَطْلَقَ الْخَرَشِيُّ النَّهْيَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَدْوِيُّ جَاهِلًا بِالأَْسْعَارِ أَمْ لاَ (٥) .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْعَدَوِيِّ: شَرْطُ الْجَهْل بِالأَْسْعَارِ (٦) . وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ جُزَيٍّ (٧) .
_________
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٨٦
(٢) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ٣ / ٦٩، والمغني ٤ / ٢٨٠، وكشاف القناع ٣ / ١٨٤
(٣) كشاف القناع ٣ / ١٨٤
(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٣ / ٦٩
(٥) شرح الخرشي ٥ / ٨٣
(٦) حاشية العدوي على شرح الخرشي ٥ / ٨٣
(٧) القوانين الفقهية ص ١٧١
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ آخَرِينَ - كَمَا نَقَلَهُ الدُّسُوقِيُّ - هُوَ الإِْطْلاَقُ (١) .
١١ - وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ الْبَادِي قَدْ جَلَبَ السِّلَعَ، وَحَضَرَ لِبَيْعِهَا، لأَِنَّهُ إِذَا حَضَرَ لِخَزْنِهَا أَوْ أَكْلِهَا، فَقَصَدَهُ الْحَاضِرُ، وَحَضَّهُ عَلَى بَيْعِهَا، كَانَ تَوْسِعَةً لاَ تَضْيِيقًا (٢) .
١٢ - وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ لِحَاضِرٍ، فَلَوْ بَاعَ الْحَاضِرُ لِبَدَوِيٍّ مِثْلِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْبَدْوِيَّ لاَ يَجْهَل أَسْعَارَ هَذِهِ السِّلَعِ، فَلاَ يَأْخُذُهَا إِلاَّ بِأَسْعَارِهَا، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا مِنْ حَضَرِيٍّ أَمْ مِنْ بَدْوِيٍّ، فَبَيْعُ الْحَضَرِيِّ لَهُ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ بَدَوِيٍّ لِبَدَوِيٍّ (٣) .
١٣ - وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَقْصِدَ الْبَدْوِيَّ حَاضِرٌ عَارِفٌ بِالسِّعْرِ، فَإِنْ قَصَدَهُ الْبَادِي لَمْ يَكُنْ لِلْحَاضِرِ أَثَرٌ فِي عَدَمِ التَّوْسِعَةِ (٤) .
فَإِنِ اخْتَل شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْمَنْعِ لَمْ يَحْرُمِ (٥) الْبَيْعُ مِنَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي عِنْدَ الْقَائِل بِذَلِكَ الشَّرْطِ.
١٤ - وَالْحَنَفِيَّةُ، الَّذِينَ صَوَّرَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ: بِأَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا لِلْبَادِي
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٣ / ٦٩
(٢) كشاف القناع ٣ / ١٨٤، والمغني ٤ / ٢٨٠
(٣) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٦٩
(٤) كشاف القناع ٣ / ١٨٤
(٥) المرجع السابق
طَمَعًا فِي الثَّمَنِ الْغَالِي، قَيَّدُوا التَّحْرِيمَ بِأَنْ يَضُرَّ الْبَيْعُ بِأَهْل الْبَلَدِ، بِأَنْ يَكُونُوا فِي قَحْطٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَإِنْ كَانُوا فِي خِصْبٍ وَسَعَةٍ فَلاَ بَأْسَ بِهِ لاِنْعِدَامِ الضَّرَرِ (١)، وَعِبَارَةُ الْحَصْكَفِيِّ: وَهَذَا فِي حَال قَحْطٍ وَعَوَزٍ، وَإِلاَّ لاَ، لاِنْعِدَامِ الضَّرَرِ (٢) .
١٥ - أَمَّا الَّذِينَ صَوَّرُوا مِنْهُمُ النَّهْيَ: بِأَنْ يَتَوَلَّى الْحَاضِرُ بَيْعَ سِلْعَةِ الْبَدَوِيِّ، وَيُغَالِيَ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ (٣)، فَقَدْ قَيَّدُوهُ.
- بِأَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ مِمَّا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا كَالأَْقْوَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ لاَ تَعُمُّ، أَوْ كَثُرَ الْقُوتُ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ، فَفِي التَّحْرِيمِ تَرَدُّدٌ (٤) .
- وَبِمَا إِذَا كَانَ أَهْل الْحَضَرِ يَتَضَرَّرُونَ بِذَلِكَ (٥) .
حُكْمُ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي:
١٦ - (أ) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ مَعَ صِحَّتِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ (٦) وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ، وَهِيَ لِلتَّحْرِيمِ عِنْدَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢
(٢) الدر المختار ٤ / ١٣٢، والهداية وفتح القدير ٦ / ١٠٧
(٣) الدر المختار ٤ / ١٣٢
(٤) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤ / ٦٨
(٥) تبيين الحقائق في الموضع السابق، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٣٢
(٦) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤ / ٦٨، والدر المختار ٤ / ١٣٢، والهداية بشروحها ٦ / ١٠٨