الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

وَقْفُ عَقَارِ بَيْتِ الْمَال:

٢١ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ وَقْفِ الإِْمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، ثُمَّ قَالُوا: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ اشْتَرَى الأَْرَاضِيَ وَالْمَزَارِعَ مِنْ وَكِيل بَيْتِ الْمَال يَجِبُ مُرَاعَاةُ شَرَائِطِهِ، وَإِنْ وَقَفَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَال لاَ تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا (١) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا نَقَل عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ:

وَقْفَ الإِْمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَال. قَالُوا: لأَِنَّ لَهُ التَّمْلِيكَ مِنْهُ، وَكَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ فِي أَرْضِ سَوَادِ الْعِرَاقِ، إِذْ وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ (٢) . وَانْظُرْ (ر: إِرْصَاد) .

تَمْلِيكُ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال قَبْل تَوْرِيدِهَا إِلَيْهِ:

٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَتْرُكَ الْخَرَاجَ لِلْمَالِكِ لاَ الْعُشْرَ، ثُمَّ يَحِل ذَلِكَ لِلْمَالِكِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، إِنْ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَإِلاَّ تَصَدَّقَ بِهِ.

وَلَوْ تَرَكَ الإِْمَامُ الْعُشْرَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٤١٨.

(٢) حاشية عميرة والقليوبي على شرح المنهاج ٣ / ١٨، ٩٧، ١٠٩، ونهاية المحتاج ٥ / ١١٨.

فَلَمْ يَأْخُذْهُ لاَ يَجُوزُ إِجْمَاعًا، وَيُخْرِجُهُ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ (١) .

الدُّيُونُ الَّتِي لِبَيْتِ الْمَال:

٢٣ - تَثْبُتُ لِبَيْتِ الْمَال الدُّيُونُ فِي ذِمَمِ الأَْفْرَادِ. فَلَوْ ضَرَبَ الإِْمَامُ أَمْوَالًا عَلَى الرَّعِيَّةِ عَامَّةً، أَوْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَوْ أَهْل بَلَدٍ، لِمَصْلَحَتِهِمْ، كَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ أَوْ فِدَاءِ الأَْسْرَى، وَكَأُجْرَةِ الْحِرَاسَةِ وَكَرْيِ الأَْنْهَارِ، فَمَنْ لَمْ يُؤَدِّ مِنْ ذَلِكَ مَا ضُرِبَ عَلَيْهِ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا وَاجِبًا لِبَيْتِ الْمَال، لاَ يَجُوزُ لَهُمُ الاِمْتِنَاعُ مِنْهُ (٢) .

انْتِظَامُ بَيْتِ الْمَال وَفَسَادُهُ:

٢٤ - يَكُونُ بَيْتُ الْمَال مُنْتَظِمًا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ عَدْلًا يَأْخُذُ الْمَال مِنْ حَقِّهِ، وَيَضَعُهُ فِي مُسْتَحِقِّهِ. وَيَكُونُ فَاسِدًا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ، فَيَأْخُذُ الْمَال مِنْ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. أَوْ يَأْخُذُهُ بِحَقٍّ، وَلَكِنْ يُنْفِقُ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا لَوْ أَنْفَقَهُ فِي مَصَالِحِهِ الْخَاصَّةِ، أَوْ يَخُصُّ أَقَارِبَهُ أَوْ مَنْ يَهْوَى بِمَا لاَ يَسْتَحِقُّونَهُ، وَيَمْنَعُ أَهْل الاِسْتِحْقَاقِ.

وَمِنَ الْفَسَادِ أَيْضًا أَنْ يُفَوِّضَ الإِْمَامُ أَمْرَ بَيْتِ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٧.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٥٧.

الْمَال إِلَى غَيْرِ عَدْلٍ، وَلاَ يَسْتَقْصِي عَلَيْهِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال فَيَظْهَرُ مِنْهُ التَّضْيِيعُ وَسُوءُ التَّصَرُّفِ.

وَمِنْ أَوْجُهِ فَسَادِ بَيْتِ الْمَال أَيْضًا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَابِدِينَ: أَنْ يَخْلِطَ الإِْمَامُ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال الأَْرْبَعَةِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَلاَ تَكُونُ مُفْرَزَةً (١) .

٢٥ - وَإِذَا فَسَدَ بَيْتُ الْمَال تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ - أَنَّ لِمَنْ عَلَيْهِ حَقًّا لِبَيْتِ الْمَال - إِذَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ - أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ بِقَدْرِ حَقِّهِ هُوَ فِي بَيْتِ الْمَال، إِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ لَمْ يُعْطَهْ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ مُبَاشَرَةً فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَال، كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِخُصُوصِ لُقَطَةٍ حَصَل الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا، أَوْ نَحْوِ ثَوْبٍ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ صَاحِبُهُ وَأَيِسَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا أَيْضًا: مَا انْحَسَرَ عَنْهُ مَاءُ النَّهْرِ لَوْ زَرَعَهُ أَحَدٌ لَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ حِصَّةٌ فِي مَال الْمَصَالِحِ (٢) . وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا قَال لَهَا: أَصَبْتُ كَنْزًا فَرَفَعْتُهُ إِلَى السُّلْطَانِ. فَقَالَتْ لَهُ: بِفِيكَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٦.

(٢) القليوبي ٣ / ٨٩، ١٨٧.

الْكَثْكَثُ. وَالْكَثْكَثُ: التُّرَابُ (١) .

ب - وَمِنْهَا: لَوْ مَنَعَ السُّلْطَانُ حَقَّ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَظَفِرَ أَحَدُهُمْ بِمَالٍ لِبَيْتِ الْمَال، فَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْتَحِقُّ قَدْرَ مَا كَانَ يُعْطِيهِ الإِْمَامُ. وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ.

ثَانِيهَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ كُل يَوْمٍ قَدْرَ قُوتِهِ.

وَثَالِثُهَا: يَأْخُذُ كِفَايَةَ سَنَتِهِ.

وَرَابِعُهَا: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ السَّرِقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، سَوَاءٌ انْتَظَمَ أَمْ لَمْ يَنْتَظِمْ، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْقَوْل الرَّابِعَ مِنَ الأَْقْوَال الَّتِي نَقَلَهَا الْغَزَالِيُّ.

وَمُفَادٌ مَا يَذْكُرُهُ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ دِيَانَةً، إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الأَْخْذُ مِنْ غَيْرِ بَيْتِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ هُوَ مِنْهُ إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي زَمَانِنَا؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ إِلاَّ مِنْ بَيْتِهِ لَزِمَ أَنْ لاَ يَبْقَى حَقٌّ لأَِحَدٍ فِي زَمَانِنَا؛ لِعَدَمِ إِفْرَازِ كُل بَيْتٍ عَلَى حِدَةٍ، بَل يَخْلِطُونَ الْمَال كُلَّهُ. وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ مَا ظَفِرَ بِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُصُول إِلَى شَيْءٍ، كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَابِدِينَ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٦.

(٢) العذب الفائض١ / ١٩.

ج - وَمِنْهَا مَا أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُمْ مِنْ بَعْدِ سَنَةِ ٤٠٠ هـ - مُوَافَقَةً لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَال بِهِ مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ بَيْتُ الْمَال يُرَدُّ عَلَى أَهْل الْفَرْضِ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ مَا فَضَل عَنْ إِرْثِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذُو فَرْضٍ يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الأَْرْحَامِ.

وَالْحُكْمُ الأَْصْلِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فِي حَال انْتِظَامِ بَيْتِ الْمَال، عَدَمُ الرَّدِّ وَعَدَمُ تَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، بَل تَكُونُ التَّرِكَةُ كُلُّهَا أَوْ فَاضِلُهَا عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ لِبَيْتِ الْمَال، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ (١) .

الاِعْتِدَاءُ عَلَى أَمْوَال بَيْتِ الْمَال:

٢٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ ضَامِنًا لِمَا أَتْلَفَهُ، وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقٍّ لَزِمَهُ رَدُّهُ، أَوْ رَدُّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ اتِّجَاهَانِ:

أَحَدُهُمَا - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ السَّارِقَ مِنْ بَيْتِ الْمَال لاَ تُقْطَعُ يَدُهُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄

_________

(١) العذب الفائض ١ / ١٩.

أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَال: مَال اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا. (١)

وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سَأَل عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَقَال عُمَرُ: أَرْسِلْهُ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَلَهُ فِي هَذَا الْمَال حَقٌّ (٢) .

وَثَانِيهِمَا - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ السَّارِقَ مِنْ بَيْتِ الْمَال تُقْطَعُ يَدُهُ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، فَإِنَّهُ عَامٌّ يَشْمَل السَّارِقَ مِنْ بَيْتِ الْمَال وَالسَّارِقَ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ السَّارِقَ قَدْ أَخَذَ مَالًا مُحَرَّزًا، وَلَيْسَتْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ كَمَا لَوْ أَخَذَ غَيْرُهُ مِنَ الأَْمْوَال الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ فِيهَا شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ (٤) .

_________

(١) حديث: " مال الله سرق بعضه بعضا " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٦٤ - ط الحلبي) وقال البوصيري: في إسناده جبارة وهو ضعيف.

(٢) قول عمر: أرسله فما من أحد. . أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠ / ٢١٢ - ط المجلس العلمي) .

(٣) سورة المائدة / ٣٨.

(٤) فتح القدير لابن الهمام ٥ / ١٣٨، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٨، وشرح المنهاج للمحلي بحاشية القليوبي وعميرة ٤ / ١٨٩، والمغني لابن قدامة ٨ / ٢٧٧.

الْخُصُومَةُ فِي شَأْنِ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال:

٢٧ - إِذَا ادُّعِيَ عَلَى بَيْتِ الْمَال بِحَقٍّ، أَوْ كَانَ لِبَيْتِ الْمَال حَقٌّ قِبَل الْغَيْرِ، وَرُفِعَتِ الدَّعْوَى بِذَلِكَ أَمَامَ الْقَضَاءِ، كَانَ لِلْقَاضِي الَّذِي رُفِعَتِ الدَّعْوَى إِلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا، وَلَوْ أَنَّهُ أَحَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ. وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي نَفْسُهُ هُوَ الْمُدَّعِيَ أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلاَ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دَعْوَى أَصْلًا، وَلاَ عَلَى نَائِبِهِ، بَل لاَ بُدَّ أَنْ يُنَصِّبَ مَنْ يَدَّعِي وَمَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَهُ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ (١) .

وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُمْكِنُ الاِدِّعَاءُ بِهِ: إِيرَادَاتُ بَيْتِ الْمَال إِذَا قَبَضَهَا الْعَامِل، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَال أَنَّهُ قَبَضَهَا مِنَ الْعَامِل. فَيُطَالَبُ الْعَامِل بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى صَاحِبِ بَيْتِ الْمَال بِالْقَبْضِ، فَإِنْ عَدِمَهَا أُحْلِفَ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَال، وَأُخِذَ الْعَامِل بِالْغُرْمِ (٢) .

الاِسْتِقْصَاءُ عَلَى الْوُلاَةِ وَمُحَاسَبَةُ الْجُبَاةِ:

٢٨ - عَلَى الإِْمَامِ وَوُلاَتِهِ أَنْ يُرَاقِبُوا مَنْ يُوَكَّل إِلَيْهِمْ جَمْعُ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَجِبُ لِبَيْتِ الْمَال، وَأَنْ يَسْتَقْصُوا عَلَيْهِمْ فِيمَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال، وَيُحَاسِبُوهُمْ فِي ذَلِكَ مُحَاسِبَةً دَقِيقَةً.

_________

(١) شرح المنهاج للمحلي ٤ / ٣٠٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٢٤.

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٩.

فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَْزْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ. (١)

وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِيرَادِ الصَّدَقَاتِ وُجُوبُ رَفْعِ الْحِسَابِ عَنْهَا إِلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ، وَيَجِبُ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا رَفَعُوهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَصْرِفَ الْعُشْرِ وَمَصْرِفَ الْخَرَاجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحِدٌ.

وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْعُمَّال رَفْعُ الْحِسَابِ عَنِ الْعُشُورِ؛ لأَِنَّهَا عِنْدَهُ صَدَقَةٌ، لاَ يَقِفُ مَصْرِفُهَا عَلَى اجْتِهَادِ الْوُلاَةِ.

وَأَمَّا عُمَّال الْخَرَاجِ فَيَلْزَمُهُمْ رَفْعُ الْحِسَابِ بِاتِّفَاقِ الْمَذْهَبَيْنِ. وَيَجِبُ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا رَفَعُوهُ.

ثُمَّ مَنْ وَجَبَتْ مُحَاسَبَتُهُ مِنَ الْعُمَّال لاَ يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ:

الأُْولَى: إِنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَاتِبِ الدِّيوَانِ اخْتِلاَفٌ فِي الْحِسَابِ كَانَ كَاتِبُ الدِّيوَانِ مُصَدَّقًا فِي الْحِسَابِ. وَإِنِ اسْتَرَابَ فِيهِ وَلِيُّ الأَْمْرِ كَلَّفَهُ إِحْضَارَ

_________

(١) نهاية الأرب للنويري ٨ / ١٩٢ ط دار الكتب المصرية وحديث أبي حميد الساعدي في ابن اللتبية تقدم (ف / ٦) .

شَوَاهِدِهِ، فَإِنْ زَالَتِ الرِّيبَةُ عَنْهُ فَلاَ يَحْلِفُ، وَإِنْ لَمْ تَزُل الرِّيبَةُ - وَأَرَادَ وَلِيُّ الأَْمْرِ تَحْلِيفَهُ عَلَيْهِ - حَلَفَ الْعَامِل دُونَ كَاتِبِ الدِّيوَانِ؛ لأَِنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى الْعَامِل دُونَ كَاتِبِ الدِّيوَانِ.

الثَّانِيَةُ: إِنْ وَقَعَ بَيْنَ الْعَامِل وَكَاتِبِ الدِّيوَانِ اخْتِلاَفٌ فِي الْحِسَابِ:

فَإِنْ كَانَ اخْتِلاَفُهُمَا فِي الدَّخْل، فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ. وَإِنْ كَانَ اخْتِلاَفُهُمَا فِي الْخَرْجِ، فَالْقَوْل قَوْل الْكَاتِبِ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ.

وَإِنْ كَانَ اخْتِلاَفُهُمَا فِي تَقْدِيرِ الْخَرَاجِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي مِسَاحَةٍ يُمْكِنُ إِعَادَتُهَا أُعِيدَتْ وَيُعْمَل فِيهَا بِمَا يَتَبَيَّنُ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَتُهَا يَحْلِفُ رَبُّ الْمَال دُونَ الْمَاسِحِ. (١)

٢٩ - وَقَدْ فَصَّل الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى صِفَةَ الْمُحَاسَبَةِ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَعْرَضَا مَا يُعْتَبَرُ حُجَّةً فِي قَبْضِ، الْوُلاَةِ مِنَ الْجُبَاةِ، وَأَنَّهُ يُعْمَل فِي ذَلِكَ بِالإِْقْرَارِ بِالْقَبْضِ، أَمَّا الْخَطُّ إِذَا أَنْكَرَهُ، أَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَعُرْفُ الدَّوَاوِينِ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ، وَيَكُونُ حُجَّةً. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ الْوَالِي أَنَّهُ خَطُّهُ أَوْ أَنْكَرَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي الْقَبْضِ. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ بِخَطِّهِ فِي

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٤٠، وانظر نهاية الأرب في أدب العرب للنويري ٨ / ١٩٢ - ٢١٩.

الإِْلْزَامِ إِجْبَارًا، وَإِنَّمَا يُقَاسُ بِخَطِّهِ إِرْهَابًا لِيَعْتَرِفَ بِهِ طَوْعًا.

وَقَدْ يَعْتَرِفُ الْوَالِي بِالْخَطِّ وَيُنْكِرُ الْقَبْضَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ خَاصَّةً حُجَّةً لِلْعَامِلِينَ بِالدَّفْعِ، وَحُجَّةً عَلَى الْوُلاَةِ بِالْقَبْضِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ. وَأَوْرَدَ الْمَاوَرْدِيُّ ذَلِكَ ثُمَّ قَال: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ. وَلاَ لِلْعَامِلِينَ، حَتَّى يُقِرَّ بِهِ لَفْظًا كَالدُّيُونِ الْخَاصَّةِ. قَال: وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مُقْنِعٌ (١) .

وَيُلاَحَظُ أَنَّ كُل مَا وَرَدَ إِلَى عُمَّال الْمُسْلِمِينَ، أَوْ خَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَال الْعَامِّ، فَحُكْمُ بَيْتِ الْمَال جَارٍ عَلَيْهِ فِي دَخْلِهِ إِلَيْهِ وَخَرْجِهِ عَنْهُ؛ وَلِذَلِكَ تُجْرَى الْمُحَاسَبَةُ عَلَيْهِ (٢) .

_________

(١) نهاية الأرب ٨ / ١٩٢ دار الكتب المصرية، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٨.

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٥.