الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أُجْرَةُ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يُرَتِّبَ أُجْرَةَ تَعْرِيفِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَال، عَلَى أَنْ تَكُونَ قَرْضًا عَلَى صَاحِبِهَا (١) .

أَوْلَوِيَّاتُ الصَّرْفِ مِنْ بَيْتِ الْمَال:

١٤ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يُنْدَبُ الْبَدْءُ بِالصَّرْفِ لآِل النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، اقْتِدَاءً بِفِعْل عُمَرَ ﵁، إِذْ قَدَّمَ آل بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دِيوَانِ الْعَطَاءِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ الْبَدْءُ بِمَصَالِحِ أَهْل الْبَلَدِ الَّذِينَ جُمِعَ مِنْهُمُ الْمَال، كَبِنَاءِ مَسَاجِدِهِمْ وَعِمَارَةِ ثُغُورِهِمْ وَأَرْزَاقِ قُضَاتِهِمْ وَمُؤَذِّنِيهِمْ وَقَضَاءِ دُيُونِهِمْ وَدِيَاتِ جِنَايَاتِهِمْ، وَيُعْطَوْنَ كِفَايَةَ سَنَتِهِمْ.

وَإِنْ كَانَ غَيْرُ فُقَرَاءِ الْبَلَدِ الَّتِي جُبِيَ فِيهَا الْمَال أَكْثَرَ احْتِيَاجًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ الإِْمَامَ يَصْرِفُ الْقَلِيل لأَِهْل الْبَلَدِ الَّتِي جُبِيَ فِيهَا الْمَال، ثُمَّ يَنْقُل الأَْكْثَرَ لِغَيْرِهِمْ (٢) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى بَيْتِ الْمَال حَقَّانِ، ضَاقَ عَنْهُمَا وَاتَّسَعَ لأَِحَدِهِمَا، صُرِفَ فِيمَا يَصِيرُ مِنْهُمَا دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَال لَوْ لَمْ يُؤَدَّ فِي وَقْتِهِ، كَأَرْزَاقِ الْجُنْدِ وَأَثْمَانِ الْمُعِدَّاتِ وَالسِّلاَحِ وَنَحْوِهِمَا،

_________

(١) المنهاج وشرحه ٣ / ١٢١ - ١٢٨.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٦٠، والقليوبي ٣ / ١٩٠، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢ / ١٩٠.

دُونَ مَا يَجِبُ عَلَى وَجْهِ الإِْرْفَاقِ وَالْمَصْلَحَةِ، كَالطُّرُقِ وَنَحْوِهَا (١) .

الْفَائِضُ فِي بَيْتِ الْمَال:

١٥ - لِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَفِيضُ فِي بَيْتِ الْمَال، بَعْدَ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ، ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:

الأَْوَّل - وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ تَفْرِيقُ الْفَائِضِ وَتَوْزِيعُهُ عَلَى مَنْ يَعُمُّ بِهِ صَلاَحُ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُدَّخَرُ؛ لأَِنَّ مَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ عَلَيْهِمْ إِذَا حَدَثَ. وَفِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: يُوَزَّعُ الْفَائِضُ عَلَى الرِّجَال الْبَالِغِينَ مِمَّنْ لَهُمْ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَال، لاَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلاَ ذَرَارِيِّهِمْ. قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَالْغَرَضُ أَنْ لاَ يَبْقَى فِي بَيْتِ الْمَال شَيْءٌ.

وَالثَّانِي - وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهَا تُدَّخَرُ فِي بَيْتِ الْمَال لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَادِثٍ.

وَالثَّالِثُ - التَّفْوِيضُ لِرَأْيِ الإِْمَامِ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: قَال الْمُحَقِّقُونَ: لِلإِْمَامِ الاِدِّخَارُ.

وَنَقَل صَاحِبُ جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل عَنِ الْمُدَوَّنَةِ: يُبْدَأُ فِي الْفَيْءِ بِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا بَقِيَ يُقَسَّمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالسَّوِيَّةِ، إِلاَّ أَنْ يَرَى الإِْمَامُ حَبْسَهُ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ (٢) .

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٧.

(٢) الماوردي ص ٢١٥ ط مصطفى الحلبي، وأبو يعلى ص ٢٣٧، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٣ / ١٩١، وجواهر الإلكليل ١ / ٢٦٠.

إِذَا عَجَزَ بَيْتُ الْمَال عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ:

١٦ - بَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى حَالَةَ عَجْزِ بَيْتِ الْمَال عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ فَقَالاَ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَى بَيْتِ الْمَال ضَرْبَانِ:

الأَْوَّل: مَا كَانَ بَيْتُ الْمَال لَهُ مُجَرَّدَ حِرْزٍ، كَالأَْخْمَاسِ وَالزَّكَاةِ، فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ، فَإِنْ كَانَ الْمَال مَوْجُودًا فِيهِ كَانَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحَقًّا، وَعَدَمُهُ مُسْقِطٌ لاِسْتِحْقَاقِهِ.

الثَّانِي: مَا كَانَ بَيْتُ الْمَال لَهُ مُسْتَحِقًّا، وَهُوَ مَال الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ، وَمَصَارِفُهُ نَوْعَانِ:

أَوَّلُهُمَا: مَا كَانَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحَقًّا عَلَى وَجْهِ الْبَدَل، كَرَوَاتِبِ الْجُنُودِ، وَأَثْمَانِ مَا اشْتُرِيَ مِنَ السِّلاَحِ وَالْمُعِدَّاتِ، فَاسْتِحْقَاقُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْوُجُودِ، بَل هُوَ مِنَ الْحُقُوقِ اللاَّزِمَةِ لِبَيْتِ الْمَال مَعَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ. فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا يُعَجَّل دَفْعُهُ، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُوسِرِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا وَجَبَ فِيهِ، وَلَزِمَ إِنْظَارُهُ، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ.

ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحَقًّا عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَالإِْرْفَاقِ دُونَ الْبَدَل، فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ. فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا وَجَبَ فِيهِ، إِنْ كَانَ مَعْدُومًا سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ بَيْتِ الْمَال. ثُمَّ يَكُونُ - إِنْ عَمَّ ضَرَرُهُ - مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَقُومَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ كَالْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَعُمُّ ضَرَرُهُ كَوُعُورَةِ طَرِيقٍ قَرِيبٍ يَجِدُ النَّاسُ غَيْرَهُ

طَرِيقًا بَعِيدًا، أَوِ انْقِطَاعِ شِرْبٍ يَجِدُ النَّاسُ غَيْرَهُ شِرْبًا. فَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ بَيْتِ الْمَال بِالْعَدَمِ سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنِ الْكَافَّةِ؛ لِوُجُودِ الْبَدَل (١) .

وَيُلاَحَظُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعَجْزُ فِي بَيْتِ الْمَال الْفَرْعِيِّ، أَيْ فِي أَحَدِ الأَْقَالِيمِ التَّابِعَةِ لِلإِْمَامِ. فَإِذَا قَلَّدَ الْخَلِيفَةُ أَمِيرًا عَلَى إِقْلِيمٍ، فَإِذَا نَقَصَ مَال الْخَرَاجِ عَنْ أَرْزَاقِ جَيْشِهِ، فَإِنَّهُ يُطَالِبُ الْخَلِيفَةَ بِتَمَامِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَال. أَمَّا إِنْ نَقَصَ مَال الصَّدَقَاتِ عَنْ كِفَايَةِ مَصَارِفِهَا فِي عَمَلِهِ فَلاَ يَكُونُ لَهُ مُطَالَبَةُ الْخَلِيفَةِ بِتَمَامِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ أَرْزَاقَ الْجَيْشِ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَحُقُوقُ أَهْل الصَّدَقَاتِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوُجُودِ (٢) .

تَصَرُّفَاتُ الإِْمَامِ فِي الدُّيُونِ عَلَى بَيْتِ الْمَال:

١٧ - إِذَا ثَبَتَتِ الدُّيُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَال، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ لَهَا، فَلِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ أَحَدِ بُيُوتِ الْمَال لِلْبَيْتِ الآْخَرِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ. وَقَالُوا: وَإِذَا حَصَل لِلْخِزَانَةِ الَّتِي اسْتُقْرِضَ لَهَا مَالٌ يُرَدُّ إِلَى الْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ مِنَ الصَّدَقَاتِ أَوْ خُمُسِ الْغَنَائِمِ عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ، وَهُمْ فُقَرَاءُ، فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ مِنْ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٥، ولأبي يعلى ص ٢٣٧، انظر شرح المنهاج وحاشية القليوبي٣ / ١٩١، ٤ / ٢١٥.

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٧، والماوردي ص٣١.

ذَلِكَ شَيْئًا؛ لاِسْتِحْقَاقِهِمُ الصَّدَقَاتِ بِالْفَقْرِ. وَكَذَا غَيْرُهُ إِذَا صُرِفَ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ (١) .

وَلِلإِْمَامِ أَيْضًا أَنْ يَسْتَعِيرَ أَوْ يَقْتَرِضَ لِبَيْتِ الْمَال مِنَ الرَّعِيَّةِ. وَقَدِ اسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ دُرُوعًا لِلْجِهَادِ مِنْ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ (٢) وَاسْتَسْلَفَ ﵊ بَعِيرًا وَرَدَّ مِثْلَهُ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ (٣)، وَذَلِكَ اقْتِرَاضٌ عَلَى خِزَانَةِ الصَّدَقَاتِ مِنْ بَيْتِ الْمَال (٤) .

تَنْمِيَةُ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا:

١٨ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلاَحِيَاتِ الإِْنْفَاقِ فِي بَيْتِ الْمَال، فَإِنَّ لِلإِْمَامِ التَّصَرُّفَ فِي أَمْوَال بَيْتِ الْمَال. وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْزِلَةَ الإِْمَامِ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال مَنْزِلَةُ الْوَلِيِّ مِنْ مَال الْيَتِيمِ، كَمَا قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْمَال مَنْزِلَةَ وَلِيِّ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٧ و٣ / ٢٨٢.

(٢) حديث: " استعار النبي ﷺ دروعا للجهاد من صفوان بن أمية " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٢٨ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (٣ / ٤٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٣) حديث: " استلف ﵊ بعيرا ورد مثله من إبل الصدقة " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٤ - ط الحلبي) من حديث أبي رافع.

(٤) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٧.

الْيَتِيمِ (١) . فَلَهُ فِيهِ مِنَ التَّصَرُّفِ مَا لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ فِي مَال الْيَتِيمِ.

وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى إِطْلاَقِهَا، فَلاَ يَلْزَمُ التَّشْبِيهُ مِنْ كُل وَجْهٍ (٢)، بِدَلِيل أَنَّ لِلإِْمَامِ التَّمْلِيكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال وَالإِْقْطَاعَ مِنْهُ.

وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي تَعَرَّضَ لَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَا يَلِي:

أ - الْبَيْعُ: يَجُوزُ لِلإِْمَامِ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ. أَمَّا شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْهَا فَقَدْ جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الإِْمَامِ وَلاَ شِرَاؤُهُ مِنْ وَكِيل بَيْتِ الْمَال لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ كَوَكِيل الْيَتِيمِ، فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. زَادَ فِي الْبَحْرِ: أَوْ رَغِبَ فِي الْعَقَارِ بِضِعْفِ قِيمَتِهِ، عَلَى قَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُفْتَى بِهِ. (٣)

ب - الإِْجَارَةُ: أَرْضُ بَيْتِ الْمَال تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْوُقُوفِ الْمُؤَبَّدَةِ. فَتُؤَجَّرُ كَمَا يُؤَجَّرُ الْوَقْفُ (٤) .

_________

(١) طبقات ابن سعد ٣ / ١٩٨، وأخبار عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ٤٣٠، وأخبار عمر بن الخطاب للشيخ علي الطنطاوي وأخيه ص ٤١٣.

(٢) نهاية المحتاج ٥ / ١١٨.

(٣) ابن عابدين والدر المختار ٣ / ٢٥٥ و٢٥٨.

(٤) ابن عابدين ٣ / ٣٩٧.

ج - الْمُسَاقَاةُ: تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الإِْمَامِ عَلَى بَسَاتِينِ بَيْتِ الْمَال، كَمَا تَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ لِصَبِيٍّ تَحْتَ وِلاَيَتِهِ (١) .

د - الإِْعَارَةُ: اخْتَلَفَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي إِعَارَةِ الإِْمَامِ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال، فَأَفْتَى الإِْسْنَوِيُّ بِجَوَازِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ التَّمْلِيكُ مِنْ بَيْتِ الْمَال فَالإِْعَارَةُ أَوْلَى. وَقَال الرَّمْلِيُّ: لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ مُطْلَقًا إِعَارَةُ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال، كَالْوَلِيِّ فِي مَال مُوَلِّيهِ (٢) . وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: ثُمَّ إِنْ أَخَذَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَال عَارِيَّةً فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَال حَقٌّ، وَتَسْمِيَتُهُ عَارِيَّةً مَجَازٌ (٣) .

هـ - الإِْقْرَاضُ: ذَكَرَ ابْنُ الأَْثِيرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَقْرَضَ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ تَتَّجِرُ فِيهَا وَتَضْمَنُهَا (٤) .

وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الإِْقْرَاضِ الإِْنْفَاقُ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ الإِْنْفَاقُ عَلَى الْبَهِيمَةِ الضَّائِعَةِ وَنَحْوِهَا، حِفْظًا لَهَا مِنَ التَّلَفِ. ثُمَّ يَرْجِعُ بَيْتُ الْمَال بِالنَّفَقَةِ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِيعَتْ، وَأُخِذَ مِنْ ثَمَنِهَا حَقُّ بَيْتِ

_________

(١) حاشية القليوبي على شرح منهاج النووي ٣ / ٦١.

(٢) نهاية المحتاج ٥ / ١١٨.

(٣) حاشية شرح المنهاج ٣ / ٢٠.

(٤) الكامل ٣ / ٢٩.

الْمَال (١) .

إِقْطَاعُ التَّمْلِيكِ:

١٩ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُقْطِعَ مِنَ الأَْرَاضِي الَّتِي لَمْ تَكُنْ لأَِحَدٍ وَلاَ فِي يَدِ وَارِثٍ؛ لِمَنْ فِيهِ غَنَاءٌ وَنَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى سَبِيل النَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ، لاَ عَلَى سَبِيل الْمُحَابَاةِ وَالأَْثَرَةِ، كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال الأُْخْرَى؛ إِذِ الأَْرْضُ وَالْمَال شَيْءٌ وَاحِدٌ. كَذَا قَال الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَصْفَى أَمْوَال كِسْرَى وَأَهْلَهُ لِبَيْتِ الْمَال، وَمَال كُل رَجُلٍ قُتِل فِي الْحَرْبِ أَوْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ مَغِيضِ مَاءٍ أَوْ أَجَمَةٍ. وَكَانَ خَرَاجُ ذَلِكَ سَبْعَةَ آلاَفِ أَلْفٍ، فَكَانَ يُقْطِعُ مِنْ هَذِهِ لِمَنْ أَقْطَعَ. قَال أَبُو يُوسُفَ: وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَال الَّذِي لَمْ يَكُنْ لأَِحَدٍ، وَلاَ فِي يَدِ وَارِثٍ، فَلِلإِْمَامِ الْعَادِل أَنْ يُجِيزَ مِنْهُ وَيُعْطِيَ مَنْ كَانَ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِْسْلاَمِ (٢) . وَنَقَل هَذَا ابْنُ عَابِدِينَ، وَقَال: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَطَائِعَ قَدْ تَكُونُ مِنَ الْمَوَاتِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِمَنْ هُوَ مِنْ مَصَارِفِهِ، كَمَا يُعْطِي الْمَال حَيْثُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ، وَأَنَّ الْمُقْطِعَ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الأَْرْضِ؛ وَلِذَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ، لأَِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ (٣) .

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٢٠.

(٢) الخراج لأبي يوسف ص ٥٧، ٨٥.

(٣) رد المحتار ٣ / ٢٦٥.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى مَا فَصَّلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى - أَنَّ أَرَاضِيَ بَيْتِ الْمَال ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:

أ - مَا اصْطَفَاهُ الإِْمَامُ لِبَيْتِ الْمَال بِحَقِّ الْخُمُسِ أَوْ بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ، كَمَا اصْطَفَى عُمَرُ أَرَاضِيَ كِسْرَى وَأَهْلِهِ، وَلَمْ يُقْطِعْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ أَقْطَعَ مِنْهُ وَأَخَذَ مِنْهُ حَقَّ الْفَيْءِ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَكَانَ ذَلِكَ إِقْطَاعَ إِجَارَةٍ لاَ إِقْطَاعَ تَمْلِيكٍ. وَلاَ يَجُوزُ إِقْطَاعُ رَقَبَتِهِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ بِاصْطِفَائِهِ لِبَيْتِ الْمَال مِلْكًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَرَى عَلَى رَقَبَتِهِ حُكْمُ الْوَقْفِ الْمُؤَبَّدِ.

ب - أَرْضُ الْخَرَاجِ، فَلاَ يَجُوزُ تَمْلِيكُ رَقَبَتِهَا؛ لأَِنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ بَعْضُهَا مَوْقُوفٌ، وَخَرَاجُهَا أُجْرَةٌ، وَبَعْضُهَا مَمْلُوكٌ لأَِهْلِهَا، وَخَرَاجُهَا جِزْيَةٌ.

ج - مَا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَارِثٌ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا النَّوْعِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا، فَعَلَى هَذَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلاَ إِقْطَاعُهَا.

وَثَانِيهِمَا: أَنَّهَا لاَ تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الإِْمَامُ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ إِقْطَاعُهَا تَمْلِيكًا، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا.

وَنَقَل قَوْلًا آخَرَ: أَنَّ إِقْطَاعَهَا لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ جَازَ بَيْعُهَا؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ، وَهَذَا الإِْقْطَاعُ

صِلَةٌ، وَالأَْثْمَانُ إِذَا صَارَتْ نَاضَّةً لَهَا حُكْمٌ يُخَالِفُ فِي الْعَطَايَا حُكْمَ الأُْصُول الثَّابِتَةِ، فَافْتَرَقَا، وَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ضَعِيفًا (١) .

وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ الْعَامِرَةِ فَإِنَّهَا لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِقْطَاعُهَا تَمْلِيكًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ وَقْفًا بِنَفْسِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا (٢) . وَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ تَعَرُّضًا لِلأَْرْضِ الَّتِي تَئُول إِلَى بَيْتِ الْمَال بِهَلاَكِ أَرْبَابِهَا. هَل يَجُوزُ إِقْطَاعُ التَّمْلِيكِ مِنْهَا أَمْ لاَ؟ .

إِقْطَاعُ الاِنْتِفَاعِ وَالإِْرْفَاقِ وَالاِسْتِغْلاَل:

٢٠ - يَجُوزُ لِلإِْمَامِ - إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ - أَنْ يُقْطِعَ مِنْ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال أَوْ عَقَارِهِ - بَعْضَ النَّاسِ إِرْفَاقًا أَوْ لِيَأْخُذَ الْغَلَّةَ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: ثُمَّ مَا اقْتَطَعَهُ الإِْمَامُ مِنَ الْعَنْوَةِ، إِنْ كَانَ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ انْحَل بِمَوْتِ الْمُنْتَفِعِ. وَإِنْ كَانَ لِشَخْصٍ وَذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ اسْتَحَقَّتْهُ الذُّرِّيَّةُ بَعْدَهُ، لِلأُْنْثَى مِثْل الذَّكَرِ.

وَانْظُرْ (إِرْفَاق. إِرْصَاد. أَرْضُ الْحَوْزِ) وَبَعْضُهُمْ جَعَل مِثْل هَذَا وَقْفًا. (٣)

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٥، ١٩٤، ولأبي يعلى ص ٢١٤.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٦٨.

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٢٦، ٢٥٩، والفتاوى المهدية ٢ / ٦٤٥ـ ٦٥٠، ورسالة " بغية الآمال في حكم ما رتب وأرصد من بيت المال " للحموي، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٦٨، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج ٣ / ٩٢، والمغني ٥ / ٥٢٦، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٣٧، ٣٥٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٦، ولأبي يعلى ص ٢١٩.