الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

وَبَعْدَهُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَأْيِ الإِْمَامِ، فَيُنْقَل لِبَيْتِ مَال الْفَيْءِ الآْتِي ذِكْرُهُ.

وَسَائِرُ الأَْسْهُمِ الأَْرْبَعَةِ تُحَرَّزُ لأَِصْحَابِهَا فِي بَيْتِ الْمَال، حَتَّى تُقَسَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي الْمَصَالِحِ (١) .

الْبَيْتُ الثَّالِثُ: بَيْتُ الضَّوَائِعِ:

١٠ - وَهِيَ الأَْمْوَال الضَّائِعَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ لُقَطَةٍ لاَ يُعْرَفُ صَاحِبُهَا، أَوْ مَسْرُوقٍ لاَ يُعْلَمُ صَاحِبُهُ وَنَحْوِهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَتُحْفَظُ فِي هَذَا الْبَيْتِ مُحَرَّزَةً لأَِصْحَابِهَا، فَإِنْ حَصَل الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ صُرِفَ فِي وَجْهِهِ. وَمَصْرِفُ أَمْوَال هَذَا الْبَيْتِ - عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الزَّيْلَعِيِّ، وَقَال: إِنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - هُوَ اللَّقِيطُ الْفَقِيرُ، وَالْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لاَ أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، فَيُعْطَوْنَ مِنْهُ نَفَقَتَهُمْ وَأَدْوِيَتَهُمْ وَتَكَالِيفَ أَكْفَانِهِمْ وَدِيَةَ جِنَايَاتِهِمْ. وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُصْرَفُ لِهَؤُلاَءِ صَدَقَةٌ عَمَّنِ الْمَال لَهُ، أَوْ مَنْ خَلَّفَ الْمَال.

وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى تَخْصِيصِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْمْوَال بِمَصْرِفٍ خَاصٍّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عِنْدَهُمْ تُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْفَيْءِ، وَهُوَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٧، والمغني ٦ / ٤٠٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢١، و٢٣٥، ٢٣٦ وللماوردي ص١٢٧.

مَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو يَعْلَى وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي مَال مَنْ مَاتَ بِلاَ وَارِثٍ (١)، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ تَكُونُ الْبُيُوتُ عِنْدَهُمْ ثَلاَثَةً لاَ أَرْبَعَةً.

الْبَيْتُ الرَّابِعُ: وَهُوَ بَيْتُ مَال الْفَيْءِ:

١١ - أَهَمُّ مَوَارِدِ هَذَا الْبَيْتِ مَا يَلِي:

أ - أَنْوَاعُ الْفَيْءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.

ب - سَهْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الأَْخْمَاسِ.

ج - الأَْرَاضِي الَّتِي غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا لاَ تُقَسَّمُ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْوَقْفِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ.

د - خَرَاجُ الأَْرْضِ الَّتِي غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ، سَوَاءٌ اعْتُبِرَتْ وَقْفًا أَمْ غَيْرَ وَقْفٍ.

هـ - خُمُسُ الْكُنُوزِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ صَاحِبُهَا، أَوْ تَطَاوَل عَلَيْهَا الزَّمَنُ.

وخُمُسُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ مِنْ مَعْدِنٍ أَوْ نِفْطٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقِيل: مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ زَكَاةٌ مِقْدَارُهَا رُبُعُ الْعُشْرِ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ.

ز - مَال مَنْ مَاتَ بِلاَ وَارِثٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ دِيَتُهُ.

ح - الضَّرَائِبُ الْمُوَظَّفَةُ عَلَى الرَّعِيَّةِ، الَّتِي لَمْ تُوَظَّفْ لِغَرَضٍ مُعَيَّنٍ.

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢١٥، وللماوردي ص ١٩٣.

ط - الْهَدَايَا إِلَى الْقُضَاةِ وَالْعُمَّال وَالإِْمَامِ.

ى - أَمْوَال الْبَيْتِ السَّابِقِ عَلَى قَوْل غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ.

مَصَارِفُ بَيْتِ مَال الْفَيْءِ:

١٢ - مَصْرِفُ أَمْوَال هَذَا الْبَيْتِ الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ تَحْتَ يَدِ الإِْمَامِ، وَيَصْرِفُ مِنْهُ بِحَسَبِ نَظَرِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.

وَالْفُقَهَاءُ إِذَا أَطْلَقُوا الْقَوْل بِأَنَّ نَفَقَةَ كَذَا هِيَ فِي بَيْتِ الْمَال، يَقْصِدُونَ هَذَا الْبَيْتَ الرَّابِعَ؛ لأَِنَّهُ وَحْدَهُ الْمُخَصَّصُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، بِخِلاَفِ مَا عَدَاهُ، فَالْحَقُّ فِيهِ لِجِهَاتٍ مُحَدَّدَةٍ، يُصْرَفُ لَهَا لاَ لِغَيْرِهَا. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ الَّتِي تُصْرَفُ فِيهَا أَمْوَال هَذَا الْبَيْتِ مِمَّا وَرَدَ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ، لاَ عَلَى سَبِيل الْحَصْرِ وَالاِسْتِقْصَاءِ، فَإِنَّ أَبْوَابَ الْمَصَالِحِ لاَ تَنْحَصِرُ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ مِنْ عَصْرٍ إِلَى عَصْرٍ، وَمِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ.

١٣ - وَمِنْ أَهَمِّ الْمَصَالِحِ الَّتِي تُصْرَفُ فِيهَا أَمْوَال هَذَا الْبَيْتِ مَا يَلِي:

أ - الْعَطَاءُ، وَهُوَ نَصِيبٌ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ يُعْطَى لِكُل مُسْلِمٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَهْل الْقِتَال أَمْ لَمْ يَكُنْ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ قَدَّمَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَهُوَ كَذَلِكَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ هُوَ خِلاَفُ الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ. قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: فِي الْفَيْءِ حَقٌّ لِكُل الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ.

وَمِنَ الْحُجَّةِ لِهَذَا الْقَوْل قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول. . .﴾ (١) الآْيَةَ. ثُمَّ قَال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢) ثُمَّ قَال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِْيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ. . .﴾ (٣) ثُمَّ قَال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ. . .﴾ (٤) فَاسْتَوْعَبَ كُل الْمُسْلِمِينَ. وَلِهَذَا قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بَعْدَ أَنْ قَرَأَ الآْيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَشْرِ: هَذِهِ - يَعْنِي الآْيَةَ الأَْخِيرَةَ - اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَلإَِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي بِسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبَهُ مِنْهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهِ جَبِينُهُ.

وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ أَهْل الْفَيْءِ هُمْ أَهْل الْجِهَادِ الْمُرَابِطُونَ فِي الثُّغُورِ، وَجُنْدُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ - أَيْ بِالإِْضَافَةِ إِلَى أَبْوَابِ الْمَصَالِحِ الآْتِي بَيَانُهَا.

وَأَمَّا الأَْعْرَابُ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ لاَ يُعِدُّ نَفْسَهُ

_________

(١) سورة الحشر / ٧.

(٢) سورة الحشر / ٨.

(٣) سورة الحشر / ٩.

(٤) سورة الحشر / ١٠.

لِلْقِتَال فِي سَبِيل اللَّهِ فَلاَ حَقَّ لَهُمْ فِيهِ، مَا لَمْ يُجَاهِدُوا فِعْلًا. وَمِنَ الْحُجَّةِ لِهَذَا الْقَوْل مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ. . . إِلَى أَنْ قَال: ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ. فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ.

وَقِيل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الْفَيْءَ كُلَّهُ يَجِبُ قَسْمُهُ بَيْنَ مَنْ لَهُ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَال فِي عَامِهِ، وَلاَ يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ وَلاَ يُوَفَّرُ شَيْءٌ لِلْمَصَالِحِ مَا عَدَا خُمُسِ الْخُمُسِ (أَيِ الَّذِي لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) وَالتَّحْقِيقُ عِنْدَهُمْ: إِعْطَاءُ مَنْ لَهُمْ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَال كِفَايَتَهُمْ، وَصَرْفُ مَا يَتَبَقَّى مِنْ مَال الْفَيْءِ

لِلْمَصَالِحِ (١) .

ب - الأَْسْلِحَةُ وَالْمُعِدَّاتُ وَالتَّحْصِينَاتُ وَتَكَالِيفُ الْجِهَادِ وَالدِّفَاعِ عَنْ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ.

ج - رَوَاتِبُ الْمُوَظَّفِينَ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فِي أُمُورِهِمُ الْعَامَّةِ، مِنَ الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِينَ، وَمَنْ يُنَفِّذُونَ الْحُدُودَ، وَالْمُفْتِينَ وَالأَْئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُدَرِّسِينَ، وَنَحْوِهِمْ مِنْ كُل مَنْ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَسْتَحِقُّ الْكِفَايَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَال لَهُ وَلِمَنْ يَعُولُهُ. وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الأَْعْصَارِ وَالْبُلْدَانِ لاِخْتِلاَفِ الأَْحْوَال وَالأَْسْعَارِ (٢) .

وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرَّوَاتِبُ أُجْرَةً لِلْمُوَظَّفِينَ مِنْ كُل وَجْهٍ، بَل هِيَ كَالأُْجْرَةِ؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ وَنَحْوَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ أَصْلًا (٣) .

ثُمَّ إِنْ سُمِّيَ لِلْمُوَظَّفِ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ اسْتَحَقَّهُ، وَإِلاَّ اسْتَحَقَّ مَا يَجْرِي لأَِمْثَالِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَعْمَل إِلاَّ بِمُرَتَّبٍ (٤) .

وَأَرْزَاقُ هَؤُلاَءِ، وَأَرْزَاقُ الْجُنْدِ إِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي بَيْتِ الْمَال، تَبْقَى دَيْنًا عَلَيْهِ، وَوَجَبَ إِنْظَارُهُ، كَالدُّيُونِ مَعَ الإِْعْسَارِ. بِخِلاَفِ سَائِرِ الْمَصَالِحِ

_________

(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ٢١٣ و٣ / ١٩١، ١٨٩، والمغني ٦ / ٤١٤.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٨٠، ٢٨١، والمغني ٦ / ٤١٧.

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٨٢.

(٤) المنهاج وحاشية القليوبي ٣ / ١٢٨و ٤ / ٢٥٥، ٢٥٦.

فَلاَ يَجِبُ الْقِيَامُ بِهَا إِلاَّ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَتَسْقُطُ بِعَدَمِهَا (١) .

وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْل الْعَطَاءِ، كَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ وَنَحْوِهِمْ قَبْل انْتِهَاءِ الْعَامِ، يُعْطَى حِصَّتَهُ مِنَ الْعَامِ، أَمَّا مَنْ مَاتَ فِي آخِرِهِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الإِْعْطَاءُ إِلَى وَارِثِهِ (٢) .

د - الْقِيَامُ بِشُئُونِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَجَزَةِ وَاللُّقَطَاءِ وَالْمَسَاجِينِ الْفُقَرَاءِ، الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَلاَ أَقَارِبَ تَلْزَمُهُمْ نَفَقَتُهُمْ، فَيَتَحَمَّل بَيْتُ الْمَال نَفَقَاتِهِمْ وَكِسْوَتَهُمْ وَمَا يُصْلِحُهُمْ مِنْ دَوَاءٍ وَأُجْرَةِ عِلاَجٍ وَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ، وَكَذَا دِيَةُ جِنَايَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ فَعَجَزُوا عَنِ الْكُل أَوِ الْبَعْضِ، فَإِنَّ بَيْتَ الْمَال يَتَحَمَّل بَاقِي الدِّيَةِ، وَلاَ تُعْقَل عَنْ كَافِرٍ. وَنَبَّهَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ إِقْرَارَ الْجَانِي لاَ يُقْبَل عَلَى بَيْتِ الْمَال، كَمَا لاَ يُقْبَل عَلَى الْعَاقِلَةِ (٣) .

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٦، وشرح المنهاج ٣ / ٢٩٤، ٢٩٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧١، والخراج لأبي يوسف ص ١٨٧، وروضة الطالبين للنووي ١١ / ١١١، ١٣٧، ١٣٨. .

(٢) الدر ورد المحتار ٣ / ٢٨٢.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٤١٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧١، والقليوبي ٢ / ٢٩٢، و٣ / ١٢٥، ٢٩٤ - ٢٩٦، و٤ / ٢١١، ٢١٤، والمقنع ٢ / ٣٠٣، وكشاف القناع ١ / ٢٣٤، وأسنى المطالب ٤ / ٨٣ - ٨٦.

هـ - الإِْنْفَاقُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَال: لَيْسَ لِكَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ حَقٌّ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ. لَكِنَّ الذِّمِّيَّ إِنِ احْتَاجَ لِضَعْفِهِ يُعْطَى مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ (١) . وَفِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لأَِبِي يُوسُفَ أَنَّ مِمَّا أَعْطَاهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ فِي عَهْدِهِ لأَِهْل الْحِيرَةِ: أَيُّمَا شَيْخٍ ضَعُفَ عَنِ الْعَمَل، أَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ مِنَ الآْفَاتِ، أَوْ كَانَ غَنِيًّا فَافْتَقَرَ، وَصَارَ أَهْل دِينِهِ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ طُرِحَتْ جِزْيَتُهُ، وَعِيل مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ وَعِيَالُهُ مَا أَقَامَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الإِْسْلاَمِ. وَنَقَل مِثْل ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الأَْمْوَال (٢) .

ووَمِنْ مَصَارِفِ بَيْتِ مَال الْفَيْءِ أَيْضًا: فِكَاكُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَنَقَل أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ قَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: كُل أَسِيرٍ كَانَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَفِكَاكُهُ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ. وَهُنَاكَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ فِكَاكَهُ فِي مَالِهِ هُوَ (ر: أَسْرَى) .

وَشَبِيهٌ بِهَذَا مَا قَالَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَالِكَ الدَّوَابِّ - غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ - لَوِ امْتَنَعَ مِنْ عَلْفِهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ إِجْبَارُهُ لِفَقْرِهِ مَثَلًا يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَال مَجَّانًا، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ الْمَوْقُوفَةُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٨٢.

(٢) الخراج ص ١٤٤، والأموال ص ٤٥.

أَخْذُ النَّفَقَةِ مِنْ كَسْبِهَا (١) .

ز - الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ لِبُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ إِنْشَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ وَالْجُسُورِ وَالْقَنَاطِرِ وَالأَْنْهَارِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِصْلاَحِ مَا تَلِفَ مِنْهَا (٢) .

ح - ضَمَانُ مَا يَتْلَفُ بِأَخْطَاءِ أَعْضَاءِ الإِْدَارَةِ الْحُكُومِيَّةِ:

مِنْ ذَلِكَ أَخْطَاءُ وَلِيِّ الأَْمْرِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمْ مِنْ سَائِرِ مَنْ يَقُومُ بِالأَْعْمَال الْعَامَّةِ، إِذَا أَخْطَئُوا فِي عَمَلِهِمُ الَّذِي كُلِّفُوا بِهِ، فَتَلِفَ بِذَلِكَ نَفْسٌ أَوْ عُضْوٌ أَوْ مَالٌ، كَدِيَةِ مَنْ مَاتَ بِالتَّجَاوُزِ فِي التَّعْزِيرِ، فَحَيْثُ وَجَبَ ضَمَانُ ذَلِكَ يَضْمَنُ بَيْتُ الْمَال.

فَإِنْ كَانَ الْعَمَل الْمُكَلَّفُ بِهِ لِشَأْنٍ خَاصٍّ لِلإِْمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسْئُولِينَ فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ الْخَاصِّ بِحَسَبِ الأَْحْوَال. وَذَلِكَ لأَِنَّ أَخْطَاءَهُمْ قَدْ تَكْثُرُ، فَلَوْ حَمَلُوهَا هُمْ أَوْ عَاقِلَتُهُمْ لأَجْحَفَ بِهِمْ.

هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالْقَوْل غَيْرُ الأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيَّةِ. أَمَّا الأَْظْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ

_________

(١) الخراج لأبي يوسف ص ١٩٦، والمواق ٣ / ٣٨٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٠، ٢٧٠ و٢ / ٢٠٩، والقليوبي ٣ / ٨٦، و٤ / ٩٣، ٢١٥، وكشاف القناع ٣ / ٥٥.

(٢) المغني ٦ / ٤١٧، وشرح المنهاج ٣ / ٩٥.

فَهُوَ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ. أَمَّا ضَمَانُ الْعَمْدِ فَيَتَحَمَّلُهُ فَاعِلُهُ اتِّفَاقًا (١) .

ط - تَحَمُّل الْحُقُوقِ الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّرْعُ لأَِصْحَابِهَا، وَاقْتَضَتْ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ أَنْ لاَ يَحْمِلَهَا أَحَدٌ مُعَيَّنٌ:

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا لَوْ قُتِل شَخْصٌ فِي زِحَامِ طَوَافٍ أَوْ مَسْجِدٍ عَامٍّ أَوِ الطَّرِيقِ الأَْعْظَمِ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، فَتَكُونُ دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَال لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: لاَ يُطَل فِي الإِْسْلاَمِ دَمٌ (٢)، وَقَدْ تَحَمَّل النَّبِيُّ ﷺ دِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ الأَْنْصَارِيِّ حِينَ قُتِل فِي خَيْبَرَ، لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، وَأَبَى الأَْنْصَارُ أَنْ يَحْلِفُوا الْقَسَامَةَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا أَيْمَانَ الْيَهُودِ، فَوْدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُبْطِل دَمَهُ. (٣)

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٩٠، والدسوقي ٤ / ٣٥٥، وروضة الطالبين ١١ / ٣٠٨، والمغني ٨ / ٣١٢، ٣٢٨.

(٢) الأثر: " لا يطل في الإسلام دم ". ورد من قول علي بن أبي طالب، أورده صاحب المغني (٧ / ٧٩١ - ط الرياض) دون عزوه لأحد. وفيه أن رجلا قتل في زحام في مكة. فسأل عمر عليا فيه فقال: لا يطل دم في الإسلام، فوداه عمر من بيت المال، وأورد القصة عبد الرزاق في المصنف (١٠ / ٥١ - ط المجلس العلمي - في الهند) دون مقالة علي.

(٣) حديث: " تحمل دية عبد الله بن سهل الأنصاري " أخرجه البخاري (٦ / ٢٧٥ - الفتح - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٩٢ـ ط الحلبي) . وانظر المغني ٨ / ٧٨، والدر المختار وحاشيته ٥ / ٤٠٦.