الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
بَيْتِ الْمَال فَلاَ بُدَّ أَنْ يَسْتَمِدَّ سُلْطَتَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ سُلْطَةِ الإِْمَامِ. وَيَجِبُ - وَهُوَ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ - أَنْ يُوَلِّيَ الْخَلِيفَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَال رَجُلًا مِنْ أَهْل الأَْمَانَةِ وَالْقُدْرَةِ. وَكَانَ الْمُتَصَرِّفُ فِي بَيْتِ الْمَال بِإِنَابَةِ الْخَلِيفَةِ يُسَمَّى " صَاحِبُ بَيْتِ الْمَال " وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ طِبْقًا لِمَا يُحَدِّدُهُ الْخَلِيفَةُ مِنْ طُرُقِ الصَّرْفِ.
وَكَوْنُ الْحَقِّ فِي التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَال بَيْتِ الْمَال لِلْخَلِيفَةِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا طِبْقًا لِمَا يَشْتَهِي، كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ الْخَاصِّ، فَإِنْ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ قِيل: إِنَّ بَيْتَ الْمَال قَدْ فَسَدَ، أَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ، وَيَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ أَحْكَامًا خَاصَّةً يَأْتِي بَيَانُهَا، بَل يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِي تِلْكَ الأَْمْوَال كَتَصَرُّفِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ فِي مَال الْيَتِيمِ، كَمَا قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْمَال بِمَنْزِلَةِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ (١) .
وَيَعْنِي ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَال بِالَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لأَِمْرِهِمْ، دُونَ التَّصَرُّفِ بِالتَّشَهِّي وَالْهَوَى وَالأَْثَرَةِ (٢) .
وَبَيَّنَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَنَّ مَا يَلْزَمُ الإِْمَامَ مِنْ أُمُورِ الأُْمَّةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ، مِنْهَا: جِبَايَةُ الْفَيْءِ
_________
(١) الخراج لأبي يوسف ص ١١٧ - ط السلفية.
(٢) الخراج لأبي يوسف ص٦٠.
وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ. وَمِنْهَا تَقْدِيرُ الْعَطَاءِ وَمَا يُسْتَحَقُّ فِي بَيْتِ الْمَال مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ، وَدَفْعُهُ فِي وَقْتٍ لاَ تَقْدِيمَ فِيهِ وَلاَ تَأْخِيرَ (١) . وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَوَائِزَ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِمَنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ ظَاهِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقُوَّةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
وَقَدْ كَانَتِ الْعَادَةُ فِي صَدْرِ الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ أَنَّ الْعَامِل (أَيِ الْوَالِي) عَلَى بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ، يَنُوبُ عَنِ الإِْمَامِ بِتَفْوِيضٍ مِنْهُ فِي الْجِبَايَةِ لِبَيْتِ الْمَال وَالإِْنْفَاقِ مِنْهُ، وَكَانَ الْمُفْتَرَضُ فِيهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الْمُعْتَبَرِ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ (٢) . وَرُبَّمَا كَانَ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَال فِي بَعْضِ الأَْمْصَارِ يَتَّبِعُ الْخَلِيفَةَ مُبَاشَرَةً، مُسْتَقِلًّا عَنْ عَامِل الْمِصْرِ.
مَوَارِدُ بَيْتِ الْمَال:
٦ - مَوَارِدُ بَيْتِ الْمَال الأَْصْنَافُ التَّالِيَةُ، وَأَمَّا صِفَةُ الْيَدِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِيمَا بَعْدُ.
أ - الزَّكَاةُ بِأَنْوَاعِهَا، الَّتِي يَأْخُذُهَا الإِْمَامُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ زَكَاةَ أَمْوَالٍ ظَاهِرَةٍ أَمْ بَاطِنَةٍ، مِنَ السَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ وَالنُّقُودِ وَالْعُرُوضِ، وَمِنْهَا عُشُورُ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَرُّوا بِتِجَارَتِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ.
_________
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١١، ١٢.
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٥٢.
ب - خُمُسُ الْغَنَائِمِ الْمَنْقُولَةِ. وَالْغَنِيمَةُ هِيَ كُل مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْقِتَال، مَا عَدَا الأَْرَاضِيَ وَالْعَقَارَاتِ، فَيُورَدُ خُمُسُهَا لِبَيْتِ الْمَال، لِيُصْرَفَ فِي مَصَارِفِهِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل. . .﴾ الآْيَةَ (١) .
ج - خُمُسُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهَا (٢)، وَقِيل: مِثْلُهَا الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَعَنْبَرٍ وَسِوَاهُمَا (٣) .
د - خُمُسُ الرِّكَازِ (الْكُنُوزِ) وَهُوَ كُل مَالٍ دُفِنَ فِي الأَْرْضِ بِفِعْل الإِْنْسَانِ، وَالْمُرَادُ هُنَا كُنُوزُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ وَالْكُفْرِ إِذَا وَجَدَهُ مُسْلِمٌ، فَخُمُسُهُ لِبَيْتِ الْمَال، وَبَاقِيهِ بَعْدَ الْخُمُسِ لِوَاجِدِهِ.
هـ - الْفَيْءُ: وَهُوَ كُل مَالٍ مَنْقُولٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَبِلاَ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ (٤) .
_________
(١) سورة الأنفال / ٤١.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٤٣.
(٣) الخراج لأبي يوسف ص ٧٠، المغني ٣ / ٢٧.
(٤) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٥، وابن عابدين ٣ / ٢٢٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٩، والقليوبي ٣ / ١٣٦، المغني ٦ / ٤٠٢.
وَالْفَيْءُ أَنْوَاعٌ:
(١) مَا جَلاَ عَنْهُ الْكُفَّارُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الأَْرَاضِي وَالْعَقَارَاتِ، وَهِيَ تُوقَفُ كَالأَْرَاضِيِ الْمَغْنُومَةِ بِالْقِتَال، وَتُقَسَّمُ غَلاَّتُهَا كُل سَنَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ (١) . وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ (انْظُرْ: فَيْء) .
(٢) مَا تَرَكُوهُ وَجَلَوْا عَنْهُ مِنَ الْمَنْقُولاَتِ. وَهُوَ يُقَسَّمُ فِي الْحَال وَلاَ يُوقَفُ (٢) .
(٣) مَا أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ أُجْرَةٍ عَنِ الأَْرَاضِي الَّتِي مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَدُفِعَتْ بِالإِْجَارَةِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، أَوْ عَنِ الأَْرَاضِي الَّتِي أُقِرَّتْ بِأَيْدِي أَصْحَابِهَا مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا عَلَيْهَا الْخَرَاجُ.
(٤) الْجِزْيَةُ وَهِيَ: مَا يُضْرَبُ عَلَى رِقَابِ الْكُفَّارِ لإِقَامَتِهِمْ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. فَيُفْرَضُ عَلَى كُل رَأْسٍ مِنَ الرِّجَال الْبَالِغِينَ الْقَادِرِينَ مَبْلَغٌ مِنَ الْمَال، أَوْ يُضْرَبُ عَلَى الْبَلَدِ كُلِّهَا أَنْ تُؤَدِّيَ مَبْلَغًا مَعْلُومًا. وَلَوْ أَدَّاهَا مَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ كَانَتْ هِبَةً لاَ جِزْيَةً (٣) .
(٥) عُشُورُ أَهْل الذِّمَّةِ، وَهِيَ: ضَرِيبَةٌ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَتَرَدَّدُونَ بِهَا مُتَاجِرِينَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَدْخُلُونَ بِهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى
_________
(١) القليوبي على شرح المنهاج ٣ / ١٩١.
(٢) القليوبي على شرح المنهاج ٣ / ١٨٨.
(٣) المغني ٨ / ٥٠٧.
دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ يَنْتَقِلُونَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَم إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، مَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ، ثُمَّ يَعُودُوا إِلَيْهَا.
وَمِثْلُهَا عُشُورُ أَهْل الْحَرْبِ مِنَ التُّجَّارِ كَذَلِكَ، إِذَا دَخَلُوا بِتِجَارَتِهِمْ إِلَيْنَا مُسْتَأْمَنِينَ (١) .
(٦) مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْحَرْبِيُّونَ مِنْ مَالٍ يُؤَدُّونَهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ.
(٧) مَال الْمُرْتَدِّ إِنْ قُتِل أَوْ مَاتَ، وَمَال الزِّنْدِيقِ إِنْ قُتِل أَوْ مَاتَ، فَلاَ يُورَثُ مَالُهُمَا بَل هُوَ فَيْءٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَال الْمُرْتَدِّ تَفْصِيلٌ (٢) .
(٨) مَال الذِّمِّيِّ إِنْ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ، وَمَا فَضَل مِنْ مَالِهِ عَنْ وَارِثِهِ فَهُوَ فَيْءٌ كَذَلِكَ (٣) .
(٩) الأَْرَاضِي الْمَغْنُومَةُ بِالْقِتَال، وَهِيَ الأَْرَاضِي الزِّرَاعِيَّةُ عِنْدَ مَنْ يَرَى عَدَمَ تَقْسِيمِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ (٤) .
وغَلاَّتُ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال وَأَمْلاَكِهِ وَنِتَاجُ الْمُتَاجَرَةِ وَالْمُعَامَلَةِ.
_________
(١) الدر وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٩ وما بعدها.
(٢) انظر الدر المختار وحاشيته ٣ / ٣٠٠، وشرح المنهاج ٣ / ١٨٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٩، والمغني ٦ / ٢٩٨، ٣٠١.
(٣) شرح المنهاج ٣ / ١٣٧، ١٣٦، ١٨٨، والمغني ٨ / ١٢٨، ٦ / ٢٩٦.
(٤) جواهر الإكليل ١ / ٢٦٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١٩٠، وانظر مصطلح (أرض الحوز) .
ز - الْهِبَاتُ وَالتَّبَرُّعَاتُ وَالْوَصَايَا الَّتِي تُقَدَّمُ لِبَيْتِ الْمَال لِلْجِهَادِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ (١) .
ح - الْهَدَايَا الَّتِي تُقَدَّمُ إِلَى الْقُضَاةِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدَى لَهُمْ قَبْل الْوِلاَيَةِ، أَوْ كَانَ يُهْدَى لَهُمْ لَكِنْ لَهُ عِنْدَ الْقَاضِي خُصُومَةٌ، فَإِنَّهَا إِنْ لَمْ تُرَدَّ إِلَى مُهْدِيهَا تُرَدُّ إِلَى بَيْتِ الْمَال (٢) . لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ مِنَ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ. (٣)
وَكَذَلِكَ الْهَدَايَا الَّتِي تُقَدَّمُ إِلَى الإِْمَامِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، وَالْهَدَايَا الَّتِي تُقَدَّمُ إِلَى عُمَّال الدَّوْلَةِ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يُعْطِ الآْخِذُ مُقَابِلَهَا مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ (٤) .
ط - الضَّرَائِبُ الْمُوَظَّفَةُ عَلَى الرَّعِيَّةِ لِمَصْلَحَتِهِمْ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ لِلْجِهَادِ أَمْ لِغَيْرِهِ، وَلاَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَال مَا يَكْفِي لِذَلِكَ، وَكَانَ لِضَرُورَةٍ، وَإِلاَّ كَانَتْ مَوْرِدًا غَيْرَ شَرْعِيٍّ (٥) .
_________
(١) المغني ٨ / ٥٠٧.
(٢) روضة الطالبين للنووي ١١ / ٩٣، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ٤ / ٣٠٣، والمغني ٩ / ٧٨.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ أخذ من ابن اللتبية. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٢٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٤٦٣ - ط الحلبي) .
(٤) الدر المختار ٣ / ٢٨٠، والحطاب والمواق ٣ / ٣٥٨، وانظر فتاوى السبكي ١ / ٢١٥، نشر مكتبة القدسي ١٣٥٦هـ.
(٥) ابن عابدين ٢ / ٥٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٠.
ي - الأَْمْوَال الضَّائِعَةُ، وَهِيَ مَالٌ وُجِدَ وَلَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ صَاحِبِهِ، مِنْ لُقَطَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ رَهْنٍ، وَمِنْهُ مَا يُوجَدُ مَعَ اللُّصُوصِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّا لاَ طَالِبَ لَهُ، فَيُوَرَّدُ إِلَى بَيْتِ الْمَال (١) .
ك - مَوَارِيثُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِلاَ وَارِثٍ، أَوْ لَهُ وَارِثٌ لاَ يَرِثُ كُل الْمَال - عِنْدَ مَنْ لاَ يَرَى الرَّدَّ - وَمَنْ قُتِل وَكَانَ بِلاَ وَارِثٍ فَإِنَّ دِيَتَهُ تُوَرَّدُ إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَيُصْرَفُ هَذَا فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ.
وَحَقُّ بَيْتِ الْمَال فِي هَذَا النَّوْعِ هُوَ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَيْ عَلَى سَبِيل الْعُصُوبَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: يُرَدُّ إِلَى بَيْتِ الْمَال فَيْئًا لاَ إِرْثًا (٢) (ر: إِرْث) .
ل - الْغَرَامَاتُ وَالْمُصَادَرَاتُ: وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ تَغْرِيمُ مَانِعِ الزَّكَاةِ بِأَخْذِ شَطْرِ مَالِهِ، وَبِهَذَا يَقُول إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَوَرَدَ تَغْرِيمُ مَنْ أَخَذَ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَخَرَجَ بِهِ ضِعْفَ قِيمَتِهِ، وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ (٣): وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْل هَذِهِ الْغَرَامَاتِ إِذَا
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٢٧٩، ومتن خليل وجواهر الإكليل ٢ / ٥٩، وابن عابدين ٣ / ٢٨٢.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨٨، وفتح القدير ٥ / ٢٧٧، شرح المنهاج ٣ / ١٣٦، ١٣٧، والمغني ٥ / ٦٨٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢١٥، والعذب الفائض ١ / ١٩.
(٣) المغني ٢ / ٥٧٣ و٨ / ٢٥٨، وتبصرة الحكام ٢ / ٥٦١.
أُخِذَتْ تُنْفَقُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَتَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال.
وَوَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ صَادَرَ شَطْرَ أَمْوَال بَعْضِ الْوُلاَةِ، لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمُ الإِْثْرَاءُ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ، فَيَرْجِعُ مِثْل ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ الْمَال أَيْضًا.
أَقْسَامُ بَيْتِ الْمَال وَمَصَارِفُ كُل قِسْمٍ:
٧ - الأَْمْوَال الَّتِي تَدْخُل بَيْتَ الْمَال مُتَنَوِّعَةُ الْمَصَارِفِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْنَافِهَا لاَ يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي تُصْرَفُ فِيهَا الأَْصْنَافُ الأُْخْرَى.
وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى فَصْل أَمْوَال بَيْتِ الْمَال بِحَسَبِ مَصَارِفِهَا؛ لأَِجْل سُهُولَةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَقَدْ نَصَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى فَصْل الزَّكَاةِ عَنِ الْخَرَاجِ فِي بَيْتِ الْمَال، فَقَال: مَال الصَّدَقَةِ وَالْعُشُورِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ إِلَى مَال الْخَرَاجِ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ فَيْءٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّدَقَاتُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ (١) .
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ تَوْزِيعُ مَوْجُودَاتِ بَيْتِ الْمَال عَلَى أَرْبَعَةِ بُيُوتٍ، وَلاَ تَأْبَى قَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى التَّقْسِيمَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ أَحَدِ الْبُيُوتِ الأَْرْبَعَةِ لِيَصْرِفَهُ فِي مَصَارِفِ الْبُيُوتِ الأُْخْرَى، وَيَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مَا صَرَفَهُ إِلَيْهِ يَجُوزُ
_________
(١) الخراج ص٨٠.
صَرْفُهُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ الآْخَرِ (١) .
وَالْبُيُوتُ الأَْرْبَعَةُ هِيَ:
الْبَيْتُ الأَْوَّل: بَيْتُ الزَّكَاةِ:
٨ - مِنْ حُقُوقِهِ: زَكَاةُ السَّوَائِمِ، وَعُشُورِ الأَْرَاضِي الزَّكَوِيَّةِ، وَالْعُشُورِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ التُّجَّارِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَرُّوا عَلَى الْعَاشِرِ، وَزَكَاةُ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ إِنْ أَخَذَهَا الإِْمَامُ.
وَمَصْرِفُ هَذَا النَّوْعِ الْمَصَارِفُ الثَّمَانِيَةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة) .
وَقَدْ نَقَل الْمَاوَرْدِيُّ الْخِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِفَةِ الْيَدِ عَلَى هَذِهِ الأَْمْوَال، فَنَقَل أَنَّ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهَا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال، أَيْ أَمْلاَكِهِ الَّتِي يَرْجِعُ التَّصَرُّفُ فِيهَا إِلَى رَأْيِ الإِْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، كَمَال الْفَيْءِ. وَلِذَا يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْفَيْءِ، وَإِنْ رَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ بَيْتَ الْمَال مُجَرَّدُ حِرْزٍ لِلزَّكَاةِ يُحَرِّزُهَا لأَِصْحَابِهَا، فَإِنْ وُجِدُوا وَجَبَ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا أَحْرَزَهَا لِبَيْتِ الْمَال، وُجُوبًا عَلَى مَذْهَبِهِ الْقَدِيمِ، وَجَوَازًا عَلَى مَذْهَبِهِ الْجَدِيدِ، بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ، أَوْ جَوَازِ ذَلِكَ.
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٥٧ و٣ / ٢٨٢.
وَنَقَل أَبُو يَعْلَى الْحَنْبَلِيُّ أَنَّ قَوْل أَحْمَدَ كَقَوْل الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَخَرَّجَ وَجْهًا فِي زَكَاةِ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ كَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (١) .
الْبَيْتُ الثَّانِي: بَيْتُ الأَْخْمَاسِ:
٩ - وَالْمُرَادُ بِالأَْخْمَاسِ:
أ - خُمُسُ الْغَنَائِمِ الْمَنْقُولَةِ، وَقِيل: وَخُمُسُ الْعَقَارَاتِ الَّتِي غُنِمَتْ أَيْضًا.
ب - خُمُسُ مَا يُوجَدُ مِنْ كُنُوزِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقِيل هُوَ زَكَاةٌ.
ج - خُمُسُ أَمْوَال الْفَيْءِ عَلَى قَوْل الشَّافِعِيِّ، وَإِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُخَمَّسُ الْفَيْءُ.
وَمَصْرِفُ هَذَا النَّوْعِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لاِبْنِ السَّبِيل، عَلَى مَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (٢) وَكَانَ السَّهْمُ الأَْوَّل يَأْخُذُهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ،
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٤ ط ١٣٢٧ هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣، ٢٤.
(٢) سورة الأنفال / ٤١.