الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

د - رِعَايَةُ الْمَحَارِمِ:

٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ لِرِعَايَةِ مَحَارِمِهَا، كَأَبَوَيْهَا وَإِخْوَتِهَا، وَذَلِكَ لِتَمْرِيضِ الْمَرِيضِ أَوْ عِيَادَتِهِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ عَلَيْهِ وَاحْتَاجَهَا، وَعَلَيْهَا تَعَاهُدُهُ بِقَدْرِ احْتِيَاجِهِ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِهَا تَخْرُجُ لِشُهُودِ جِنَازَتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِزَوْجِهَا إِذْنُهَا بِالْخُرُوجِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَفِي مَنْعِهَا مِنْ ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، وَرُبَّمَا حَمَلَهَا عَدَمُ إِذْنِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، فَلاَ يَنْبَغِي لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا (١) .

وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَابِلَةُ بِحُكْمِ هَذِهِ الصُّوَرِ.

هـ - الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ:

٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ بِلاَ إِذْنِ الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ لَهَا نَازِلَةٌ، وَلَمْ يُغْنِهَا الزَّوْجُ الثِّقَةُ أَوْ نَحْوُ مَحْرَمِهَا، وَكَذَا لِقَضَاءِ بَعْضِ حَوَائِجِهَا الَّتِي لاَ بُدَّ لَهَا مِنْهَا،

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٥٩، ٦٦٤، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨٦، ٣٨٧، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج ٨ / ٣٣٠، وكشاف القناع ٥ / ١٩٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٧١، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٠

كَإِتْيَانِهَا بِالْمَاءِ مِنَ الدَّارِ، أَوْ مِنْ خَارِجِهَا، وَكَذَا مَأْكَلٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لاَ غَنَاءَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ إِنْ لَمْ يَقُمِ الزَّوْجُ بِقَضَائِهِ لَهَا، وَكَذَا إِنْ ضَرَبَهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا، أَوْ كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى الْخُرُوجِ لِقَاضٍ تَطْلُبُ عِنْدَهُ حَقَّهَا (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ إِنْ كَانَ الْبَيْتُ مَغْصُوبًا؛ لأَِنَّ السُّكْنَى فِي الْمَغْصُوبِ حَرَامٌ، وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا. وَكَذَا لَوْ أَبَتِ الذَّهَابَ إِلَيْهِ (٢) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ (٣) وَالْحَنَابِلَةُ (٤) بِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ لِلْعَمَل إِنْ أَجَازَ لَهَا زَوْجُهَا ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لاَ يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَلَهَا الْخُرُوجُ لِلإِْرْضَاعِ إِنْ كَانَتْ آجَرَتْ نَفْسَهَا لَهُ قَبْل عَقْدِ النِّكَاحِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ؛ لِصِحَّةِ الإِْجَارَةِ، وَلاَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٥٩، ٦٦٤، والبحر الرائق ٤ / ٢١٢، ٢٦٣ ط دار المعرفة، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٥١١، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠٩ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج ٧ / ١٩٦، وروضة الطالبين للنووي ٩ / ١٦١، وكشاف القناع ٥ / ١٩٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٧١.

(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٦٤٧، وشرح فتح القدير ٤ / ١٩٦.

(٣) تحفة المحتاج بشرح المنهاج ٨ / ٣٣١.

(٤) كشاف القناع ٥ / ١٩٦، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٧٢، ٢٧٣.

يَمْلِكُ الزَّوْجُ فَسْخَهَا، وَلاَ مَنْعَهَا مِنَ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ؛ لأَِنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِ الزَّوْجِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ إِنْ كَانَتْ تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ مَالِهَا مِنْ فَاسِقٍ أَوْ سَارِقٍ، أَوْ أَخْرَجَهَا مُعِيرُ الْمَنْزِل، كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ لَهَا الْخُرُوجَ وَالسَّفَرَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ مُطْلَقًا مَعَ مَحْرَمٍ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ (٢) وَالشَّافِعِيَّةُ (٣) أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ، إِنْ كَانَتْ فِي مَنْزِلٍ أَضْحَى كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ يُشْرِفُ عَلَى الاِنْهِدَامِ، مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ عَلَى ذَلِكَ. وَلَهَا الْخُرُوجُ إِلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ بِرِضَا الزَّوْجِ، وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُ.

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى رَفْضِ الزَّوْجَةِ الإِْقَامَةَ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ:

١٠ - يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ الإِْقَامَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، سَوَاءٌ أَكَانَ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْهُ، أَمِ امْتَنَعَتْ عَنْ أَنْ تَجِيءَ إِلَيْهِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ١٩٦.

(٢) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ٤ / ٢١٢، ٢١٣.

(٣) نهاية المحتاج ٧ / ١٩٦.

ابْتِدَاءً بَعْدَ إِيفَائِهَا مُعَجَّل مَهْرِهَا، وَطَلَبَ زَوْجُهَا الإِْقَامَةَ فِيهِ، فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا وَلاَ سُكْنَى حَتَّى تَعُودَ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا بِالاِمْتِنَاعِ قَدْ فَوَّتَتْ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الاِحْتِبَاسِ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ، فَتَكُونُ نَاشِزًا (١) .

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٦٤٦، ٦٤٧، والبحر الرائق ٤ / ١٩٥، وشرح فتح القدير ١٩٦، وبدائع الصنائع ٤ / ١٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٥١٤، وشرح الزرقاني ٤ / ٢٥١، ومواهب الجليل ٤ / ١١٨ ونهاية المحتاج ٧ / ١٩٦، ومنهاج الطالبين مع حاشية قليوبي ٤ / ٧٨، وروضة الطالبين للنووي ٩ / ٥٨، ٥٩، ومطالب أولي النهى ٥ / ٦٣٢، وكشاف القناع ٥ / ٤٦٧، ٤٧١، والمغني لابن قدامة ٧ / ٦١١، ٦١٢.

بَيْتُ الْمَال

التَّعْرِيفُ:

١ - بَيْتُ الْمَال لُغَةً: هُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِحِفْظِ الْمَال، خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا.

وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدِ اسْتُعْمِل لَفْظُ " بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، أَوْ " بَيْتِ مَال اللَّهِ " فِي صَدْرِ الإِْسْلاَمِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى الْمَبْنَى وَالْمَكَانِ الَّذِي تُحْفَظُ فِيهِ الأَْمْوَال الْعَامَّةُ لِلدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ مِنَ الْمَنْقُولاَتِ، كَالْفَيْءِ وَخُمُسِ الْغَنَائِمِ وَنَحْوِهَا، إِلَى أَنْ تُصْرَفَ فِي وُجُوهِهَا (١) . ثُمَّ اكْتُفِيَ بِكَلِمَةِ " بَيْتِ الْمَال " لِلدَّلاَلَةِ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى أَصْبَحَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ.

وَتَطَوَّرَ لَفْظُ " بَيْتِ الْمَال " فِي الْعُصُورِ الإِْسْلاَمِيَّةِ اللاَّحِقَةِ إِلَى أَنْ أَصْبَحَ يُطْلَقُ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَمْلِكُ الْمَال الْعَامَّ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنَ النُّقُودِ وَالْعُرُوضِ وَالأَْرَاضِي الإِْسْلاَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا.

_________

(١) كلام القاضي أبي يوسف في الخراج (ص ١٤٤) يدل على أن الأراضي الأميرية لعهده لم تكن تعتبر من أموال بيت المال، وأما لعهد ابن عابدين فإن كلامه وكلام متأخري الحنفية صريح في أنها من أموال بيت المال. وانظر مصطلح (أرض الحوز) ومصطلح (إرصاد) .

وَالْمَال الْعَامُّ هُنَا: هُوَ كُل مَالٍ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْيَدُ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ، بَل هُوَ لَهُمْ جَمِيعًا. قَال الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: كُل مَالٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مِنْهُمْ، فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال. ثُمَّ قَال: وَبَيْتُ الْمَال عِبَارَةٌ عَنِ الْجِهَةِ لاَ عَنِ الْمَكَانِ (١) .

أَمَّا خَزَائِنُ الأَْمْوَال الْخَاصَّةِ لِلْخَلِيفَةِ أَوْ غَيْرِهِ فَكَانَتْ تُسَمَّى " بَيْتَ مَال الْخَاصَّةِ ".

٢ - وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْخَلْطِ بَيْنَ (دِيوَانِ بَيْتِ الْمَال) (وَبَيْتِ الْمَال) فَإِنَّ دِيوَانَ بَيْتِ الْمَال هُوَ الإِْدَارَةُ الْخَاصَّةُ بِتَسْجِيل الدَّخْل وَالْخَرْجِ وَالأَْمْوَال الْعَامَّةِ. وَهُوَ عِنْدَ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَبِي يَعْلَى: أَحَدُ دَوَاوِينِ الدَّوْلَةِ، فَقَدْ كَانَتْ فِي عَهْدِهِمَا أَرْبَعَةُ دَوَاوِينَ: دِيوَانٌ يَخْتَصُّ بِالْجَيْشِ. وَدِيوَانٌ يَخْتَصُّ بِالأَْعْمَال، وَدِيوَانٌ يَخْتَصُّ بِالْعُمَّال، وَدِيوَانٌ يَخْتَصُّ بِبَيْتِ الْمَال (٢) . وَلَيْسَ لِلدِّيوَانِ سُلْطَةُ التَّصَرُّفِ فِي

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٥ مصطفى الحلبي، ١٣٥٧ هـ، والأحكام السلطانية للقاضي أبي الحسن الماوردي ص ٢١٣ ط مصطفى الحلبي. وفي هذا إشارة إلى أن بيت المال له شخصية اعتبارية ويعامل معاملة الشخص الطبيعي من خلال ممثليه، فله ذمة مالية بحيث تثبت الحقوق له وعليه، وترفع الدعوى منه وعليه، وكان يمثله سابقا إمام المسلمين أو من يعهد إليه بذلك، وحاليا يمثله وزير المالية أو من يعهد إليه.

(٢) الماوردي ص ٢٠٣، وأبو يعلى ص ٢٢٤.

أَمْوَال بَيْتِ الْمَال، وَإِنَّمَا عَمَلُهُ قَاصِرٌ عَلَى التَّسْجِيل فَقَطْ.

وَالدِّيوَانُ فِي الأَْصْل بِمَعْنَى (السِّجِل) أَوِ (الدَّفْتَرِ) وَكَانَ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ عِبَارَةً عَنِ الدَّفْتَرِ الَّذِي تُثْبَتُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْمُرْتَزِقَةِ (١) (مَنْ لَهُمْ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَال) ثُمَّ تَنَوَّعَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا سَبَقَ.

وَمِنْ وَاجِبَاتِ كَاتِبِ الدِّيوَانِ أَنْ يَحْفَظَ قَوَانِينَ بَيْتِ الْمَال عَلَى الرُّسُومِ الْعَادِلَةِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تَتَحَيَّفُ بِهَا الرَّعِيَّةُ، أَوْ نُقْصَانٍ يَنْثَلِمُ بِهِ حَقُّ بَيْتِ الْمَال (٢) .

وَعَلَيْهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِبَيْتِ الْمَال أَنْ يَحْفَظَ قَوَانِينَهُ وَرُسُومَهُ، وَقَدْ حَصَرَ الْقَاضِيَانِ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى أَعْمَالَهُ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ، نَذْكُرُهَا بِاخْتِصَارٍ:

أ - تَحْدِيدُ الْعَمَل بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَتَفْصِيل نَوَاحِيهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا.

ب - أَنْ يَذْكُرَ حَال الْبَلَدِ، هَل فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ أَرْضِهَا مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ بِالتَّفْصِيل.

ج - أَنْ يَذْكُرَ أَحْكَامَ خَرَاجِ الْبَلَدِ وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَى أَرَاضِيهِ، هَل هُوَ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ، أَمْ خَرَاجُ وَظِيفَةٍ (دَرَاهِمُ مَعْلُومَةٌ مُوَظَّفَةٌ عَلَى الأَْرْضِ) .

_________

(١) حاشية القليوبي على شرح المحلي لمنهاج النووي ٣ / ١٩٠ ط عيسى الحلبي.

(٢) أبو يعلى ص ٢٣٧.

د - أَنْ يَذْكُرَ مَا فِي كُل نَاحِيَةٍ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ.

هـ - إِنْ كَانَ الْبَلَدُ مِنْ بُلْدَانِ الْمَعَادِنِ، يَذْكُرُ أَجْنَاسَ مَعَادِنِهِ، وَعَدَدَ كُل جِنْسٍ؛ لِيُعْلَمَ مَا يُؤْخَذُ مِمَّا يُنَال مِنْهُ.

وإِنْ كَانَ الْبَلَدُ يُتَاخِمُ دَارَ الْحَرْبِ، وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ إِذَا دَخَلَتْ دَارَ الإِْسْلاَمِ تُعَشَّرُ عَنْ صُلْحٍ اسْتَقَرَّ مَعَهُمْ، أَثْبَتَ فِي الدِّيوَانِ عَقْدَ صُلْحِهِمْ وَقَدْرَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ (١) .

نَشْأَةُ بَيْتِ الْمَال فِي الإِْسْلاَمِ:

٣ - تُشِيرُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ إِلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ أَوَّل مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَال. نَقَل ذَلِكَ ابْنُ الأَْثِيرِ (٢) .

غَيْرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَصَادِرِ تَذْكُرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتَ مَالٍ لِلْمُسْلِمِينَ.

فَفِي الاِسْتِيعَابِ لاِبْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ لاِبْنِ حَجَرٍ فِي تَرْجَمَةِ مُعَيْقِيبِ بْنِ أَبِي فَاطِمَةَ: اسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَى بَيْتِ

_________

(١) الماروردي ص ٢٠٧، وأبو يعلى ٢٢٨ـ٢٢٩.

(٢) الكامل لابن الأثير ٢ / ٢٩٠، دار الطباعة المنيرية، ومقدمة ابن خلدون باب ديوان الأعمال والجبايات ص ٢٤٤ ط القاهرة.

الْمَال (١) . بَل ذَكَرَ ابْنُ الأَْثِيرِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ لَهُ بَيْتُ مَالٍ بِالسُّنْحِ (مِنْ ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ) وَكَانَ يَسْكُنُهُ إِلَى أَنِ انْتَقَل إِلَى الْمَدِينَةِ. فَقِيل لَهُ: أَلاَ نَجْعَل عَلَيْهِ مَنْ يَحْرُسُهُ؟ قَال: لاَ. فَكَانَ يُنْفِقُ مَا فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْتَقَل إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَل بَيْتَ الْمَال فِي دَارِهِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ جَمَعَ عُمَرُ الأُْمَنَاءَ، وَفَتَحَ بَيْتَ الْمَال، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ غَيْرَ دِينَارٍ سَقَطَ مِنْ غِرَارَةٍ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ (٢) .

وَقَال: وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُرَدَّ جَمِيعُ مَا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِنَفَقَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ (٣) .

وَفِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لأَِبِي يُوسُفَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - فِي عَهْدِهِ لأَِهْل الْحِيرَةِ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُمْ: وَجَعَلْتُ لَهُمْ أَيُّمَا شَيْخٍ ضَعُفَ عَنِ الْعَمَل، أَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ، أَوْ كَانَ غَنِيًّا فَافْتَقَرَ وَصَارَ أَهْل دِينِهِ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ، طُرِحَتْ جِزْيَتُهُ، وَعِيل مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ وَعِيَالُهُ مَا أَقَامَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الإِْسْلاَمِ. . . وَشَرَطْتُ عَلَيْهِمْ جِبَايَةَ مَا صَالَحْتُهُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ عَمَّا لَهُمْ مِنْهُمْ (٤) .

_________

(١) الاستيعاب بهامش الإصابة: ٣ / ٤٥٥، المكتبة التجارية ١٣٥٨ هـ.

(٢) الكامل ٢ / ٢٩٠.

(٣) الكامل ٢ / ٢٩١.

(٤) كتاب الخراج ص ١٤٤، ١٤٥، المطبعة السلفية ومكتبتها ١٣٨٢هـ.

٤ - أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَلاَ تَذْكُرُ السُّنَّةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَرَاجِعِ - فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ - اسْتِعْمَال هَذِهِ التَّسْمِيَةِ " بَيْتِ الْمَال " فِي عَهْدِهِ ﷺ. وَلَكِنْ يَظْهَرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ أَنَّ بَعْضَ وَظَائِفِ بَيْتِ الْمَال كَانَتْ قَائِمَةً، فَإِنَّ الأَْمْوَال الْعَامَّةَ مِنَ الْفَيْءِ، وَأَخْمَاسِ الْغَنَائِمِ، وَأَمْوَال الصَّدَقَاتِ، وَمَا يُهَيَّأُ لِلْجَيْشِ مِنَ السِّلاَحِ وَالْعَتَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُل ذَلِكَ كَانَ يَضْبِطُهُ الْكُتَّابُ وَكَانَ يُخَزَّنُ إِلَى أَنْ يَحِينَ مَوْعِدُ إِخْرَاجِهِ (١) .

أَمَّا فِيمَا بَعْدَ عَهْدِ عُمَرَ ﵁ فَقَدِ اسْتَمَرَّ بَيْتُ الْمَال يُؤَدِّي دَوْرَهُ طِيلَةَ الْعُهُودِ الإِْسْلاَمِيَّةِ إِلَى أَنْ جَاءَتِ النُّظُمُ الْمُعَاصِرَةُ، فَاقْتَصَرَ دَوْرُهُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ - فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ الإِْسْلاَمِيَّةِ - عَلَى حِفْظِ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ وَمَال مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، وَقَامَ بِدَوْرِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَزَارَاتُ الْمَالِيَّةِ وَالْخِزَانَةِ.

سُلْطَةُ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَال بَيْتِ الْمَال:

٥ - سُلْطَةُ التَّصَرُّفِ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ لِلْخَلِيفَةِ وَحْدَهُ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ (٢) . وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْمَامَ نَائِبٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا لَمْ يَتَعَيَّنِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ مِنْهُمْ. وَكُل مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ

_________

(١) مسند أحمد ١ / ٤٥٩، والخراج لأبي يوسف ص ٣٦، والتراتيب الإدارية ١ / ٣٩٨، ٤١١، ٤١٢.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٦٠.