الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

مِنْهُ بِنَوْعِ خَفَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعْضِ، (١) فَالْبَيَانُ أَعَمُّ مِنَ التَّأْوِيل.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَيَانِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:

٤ - الْبَيَانُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل:

الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْبَيَانَ يَحْصُل بِالْفِعْل مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَا يَحْصُل بِالْقَوْل.

وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ قَدْ يَحْصُل بِالْفِعْل: أَنَّ جِبْرِيل ﵊ بَيَّنَ مَوَاقِيتَ الصَّلاَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْفِعْل، حَيْثُ أَمَّهُ فِي الْبَيْتِ يَوْمَيْنِ، (٢) وَلَمَّا سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ قَال لِلسَّائِل: صَل مَعَنَا (٣) وَكَمَا قَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٤) ثُمَّ صَلَّى فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، فَبَيَّنَ لَهُ الْمَوَاقِيتَ بِالْفِعْل. وَفِي الْحَجِّ قَال لأَِصْحَابِهِ: خُذُوا عَنِّي

_________

(١) دستور العلماء ١ / ٢٥٧، والتعريفات للجرجاني مادة: " البيان ".

(٢) حديث إمامة جبريل للنبي ﷺ عند البيت يومين، أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ مطولا وقال: هذا حديث حسن صحيح. (سنن الترمذي ١ / ٢٧٨، ٢٨٠ ط الحلبي، ونصب الراية ١ / ٢٢١) .

(٣) حديث: " صل معنا. . . " أخرجه مسلم مطولا (صحيح مسلم ١ / ٤٢٨ ط الحلبي) .

(٤) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١١ـ ط السلفية) .

مَنَاسِكَكُمْ، (١) وَلأَِنَّ الْبَيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ إِظْهَارِ الْمُرَادِ. فَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالْفِعْل أَبْلَغَ مِنْهُ بِالْقَوْل؛ لأَِنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَلْقِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ثُمَّ لَمَّا رَأَوْهُ حَلَقَ بِنَفْسِهِ حَلَقُوا فِي الْحَال. (٢) فَعَرَفْنَا أَنَّ إِظْهَارَ الْمُرَادِ يَحْصُل بِالْفِعْل كَمَا يَحْصُل بِالْقَوْل.

وَقَال الْكَرْخِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لاَ يَكُونُ الْبَيَانُ إِلاَّ بِالْقَوْل، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ بَيَانَ الْمُجْمَل لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَّصِلًا، وَالْفِعْل لاَ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْقَوْل. (٣) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرِ الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ.

أَنْوَاعُ الْبَيَانِ

٥ - قَال الْبَزْدَوِيُّ: الْبَيَانُ عَلَى أَوْجُهٍ: بَيَانُ تَقْرِيرٍ، وَبَيَانُ تَفْسِيرٍ، وَبَيَانُ تَغْيِيرٍ، وَبَيَانُ تَبْدِيلٍ، وَبَيَانُ ضَرُورَةٍ، فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ. (٤)

وَتَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ إِضَافَةَ الْبَيَانِ إِلَى التَّقْرِيرِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيل مِنْ قَبِيل إِضَافَةِ الْجِنْسِ إِلَى نَوْعِهِ كَعِلْمِ الطِّبِّ، أَيْ بَيَانٌ هُوَ تَقْرِيرٌ، وَكَذَا الْبَاقِي، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الضَّرُورَةِ مِنْ قَبِيل إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ. (٥)

_________

(١) حديث: " خذوا عني مناسككم " أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣ - ط الحلبي) وأحمد (٣ / ٣١٨ - ط الميمنية) واللفظ لأحمد.

(٢) حديث أمر النبي ﷺ أصحابه بالحلق عام الحديبية أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٣٢ ط السلفية) .

(٣) أصول السرخسي ٢ / ٢٧، وإرشاد الفحول ص ١٧٣.

(٤) أصول البزدوي ٣ / ١٠٥.

(٥) كشف الأسرار ٣ / ١٠٦.

بَيَانُ التَّقْرِيرِ:

٦ - بَيَانُ التَّقْرِيرِ هُوَ كُل حَقِيقَةٍ تَحْتَمِل الْمَجَازَ، أَوْ عَامٍّ يَحْتَمِل الْخُصُوصَ، إِذَا لَحِقَ بِهِ مَا يَقْطَعُ الاِحْتِمَال، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، (١) فَصِيغَةُ الْجَمْعِ تَعُمُّ الْمَلاَئِكَةَ عَلَى احْتِمَال أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَعْضَهُمْ وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ بَيَانٌ قَاطِعٌ لِهَذَا الاِحْتِمَال فَهُوَ بَيَانُ التَّقْرِيرِ. (٢)

بَيَانُ التَّفْسِيرِ:

٧ - بَيَانُ التَّفْسِيرِ هُوَ بَيَانُ مَا فِيهِ خَفَاءٌ، كَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُجْمَل وَنَحْوِهِمَا، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ؛ إِذِ الْعَمَل بِظَاهِرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ لِلْعَمَل بِهِ بِالْبَيَانِ، ثُمَّ لَحِقَ هَذِهِ الآْيَةَ الْبَيَانُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ ﵊ بَيَّنَ الصَّلاَةَ بِالْقَوْل وَالْفِعْل، وَالزَّكَاةَ بِقَوْلِهِ: هَاتُوا رُبُعَ الْعُشُورِ (٤) فَإِنَّهُ يَكُونُ تَفْسِيرًا. (٥)

_________

(١) سورة الحجر / ٣٠.

(٢) كشف الأسرار ٣ / ١٠٥ - ١٠٧، وأصول السرخسي ٢ / ٢٨.

(٣) سورة النور / ٥٦.

(٤) حديث: " هاتوا ربع العشور " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٢٨ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث علي، وصححه البخاري كما في التلخيص لابن حجر (٢ / ١٧٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٥) كشف الأسرار ٣ / ١٠٧، وأصول السرخسي ٢ / ٢٨.

بَيَانُ التَّغْيِيرِ:

٨ - بَيَانُ التَّغْيِيرِ هُوَ الْبَيَانُ الَّذِي فِيهِ تَغْيِيرٌ لِمُوجِبِ الْكَلاَمِ وَهُوَ نَوْعَانِ:

الأَْوَّل - التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ: كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ إِيتَاءُ الأَْجْرِ بَعْدَ عَقْدِ إِجَارَةِ الْمُرْضِعِ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الإِْرْضَاعُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ابْتِدَاءً عِنْدَ وُجُودِ الإِْرْضَاعِ فَيَكُونُ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ وُجُوبِ أَدَاءِ الْبَدَل بِنَفْسِ الْعَقْدِ. (٢)

الثَّانِي - الاِسْتِثْنَاءُ: كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٣) فَإِنَّ الأَْلْفَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، فَمَا يَكُونُ دُونَ ذَلِكَ الْعَدَدِ يَكُونُ غَيْرُهُ لاَ مَحَالَةَ، فَلَوْلاَ الاِسْتِثْنَاءُ لَكَانَ الْعِلْمُ يَقَعُ لَنَا بِأَنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ، وَمَعَ الاِسْتِثْنَاءِ إِنَّمَا يَقَعُ الْعِلْمُ لَنَا بِأَنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَامًا، فَيَكُونُ الاِسْتِثْنَاءُ تَغْيِيرًا لِمَا يُفِيدُهُ لَفْظُ الأَْلْفِ. (٤)

بَيَانُ التَّبْدِيل:

٩ - بَيَانُ التَّبْدِيل هُوَ النَّسْخُ، وَهُوَ رَفْعُ حُكْمٍ

_________

(١) سورة الطلاق / ٦.

(٢) أصول السرخسي ٢ / ٣٥.

(٣) سورة العنكبوت / ١٤.

(٤) أصول السرخسي ٢ / ٣٥.

شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ. (١) وَالنَّسْخُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَيَانٌ مَحْضٌ لاِنْتِهَاءِ الْحُكْمِ الأَْوَّل، لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الرَّفْعِ؛ لأَِنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ يَنْتَهِي فِي وَقْتِ كَذَا بِالنَّاسِخِ، فَكَانَ النَّاسِخُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى مُبَيِّنًا لاَ رَافِعًا. (٢)

ثُمَّ الرَّاجِحُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّ النَّسْخَ جَائِزٌ فِي الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا، وَيَجُوزُ أَنْ لاَ يَكُونَ. وَقَدْ قَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ النَّسْخُ، وَرُبَّمَا قَالُوا: لَمْ يَرِدِ النَّسْخُ فِي شَيْءٍ أَصْلًا. (٣)

وَانْظُرِ التَّفَاصِيل فِي (نَسْخ) وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

بَيَانُ الضَّرُورَةِ:

١٠ - بَيَانُ الضَّرُورَةِ نَوْعٌ مِنَ الْبَيَانِ يَحْصُل بِغَيْرِ اللَّفْظِ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: مَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَدُل النُّطْقُ عَلَى حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ. وَقَدْ مَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٤) فَإِنَّهُ لَمَّا أَضَافَ

_________

(١) التعريفات للجرجاني.

(٢) كشف الأسرار ٣ / ١٥٧.

(٣) أصول السرخسي ٢ / ٥٤.

(٤) سورة النساء / ١١.

الْمِيرَاثَ إِلَيْهَا فِي صَدْرِ الْكَلاَم، ثُمَّ بَيَّنَ نَصِيبَ الأُْمِّ، كَانَ ذَلِكَ بَيَانَ أَنَّ لِلأَْبِ مَا بَقِيَ، فَلَمْ يَحْصُل هَذَا الْبَيَانُ بِتَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَى نَصِيبِ الأَْبِ، بَل بِدَلاَلَةِ صَدْرِ الْكَلاَمِ يَصِيرُ نَصِيبُ الأَْبِ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. (١)

النَّوْعُ الثَّانِي: هُوَ السُّكُوتُ الَّذِي يَكُونُ بَيَانًا بِدَلاَلَةِ حَال الْمُتَكَلِّمِ، نَحْوُ سُكُوتِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ شَيْءٍ عَنْ تَغْيِيرِهِ يَكُونُ بَيَانًا لِحِقِّيَتِهِ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ، مِثْل مَا شَاهَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بِيَاعَاتٍ وَمُعَامَلاَتٍ كَانَ النَّاسُ يَتَعَامَلُونَهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُنْكِرْهَا عَلَيْهِمْ، فَدَل أَنَّ جَمِيعَهَا مُبَاحٌ فِي الشَّرْعِ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقِرَّ النَّاسَ عَلَى مُنْكَرٍ مَحْظُورٍ. (٢)

النَّوْعُ الثَّالِثُ: هُوَ السُّكُوتُ الَّذِي جُعِل بَيَانًا، ضَرُورَةَ دَفْعِ الْغُرُورِ، مِثْل الأَْبِ إِذَا رَأَى وَلَدَهُ الْمُمَيِّزَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، فَسَكَتَ عَنِ النَّهْيِ، كَانَ سُكُوتُهُ إِذْنًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْغُرُورِ عَمَّنْ يُعَامِلُهُ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْغُرُورِ إِضْرَارًا بِهِمْ، وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ. بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ. وَقَال الشَّافِعِيُّ: لاَ يَكُونُ السُّكُوتُ إِذْنًا لأَِنَّ سُكُوتَ الأَْبِ عَنِ النَّهْيِ مُحْتَمَلٌ، قَدْ يَكُونُ لِلرِّضَا بِتَصَرُّفِهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِفَرْطِ الْغَيْظِ، أَوْ قِلَّةِ الاِلْتِفَاتِ، وَالْمُحْتَمَل لاَ يَكُونُ حُجَّةً. (٣)

_________

(١) كشف الأسرار ٣ / ١٤٧، وأصول السرخسي ٢ / ٥٠.

(٢) كشف الأسرار ١ / ١٤٨، وأصول السرخسي ٢ / ٥٠.

(٣) كشف الأسرار ٣ / ١٥١، وأصول السرخسي ٢ / ٥١.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: هُوَ السُّكُوتُ الَّذِي جُعِل بَيَانًا لِضَرُورَةِ الْكَلاَمِ كَمَا إِذَا قَال رَجُلٌ: لِفُلاَنٍ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ، أَوْ مِائَةٌ وَدِينَارٌ، فَإِنَّ الْعَطْفَ جُعِل بَيَانًا لِلأَْوَّل، وَجُعِل الأَْوَّل مِنْ جِنْسِ الْمَعْطُوفِ. بِهَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ.

وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ الْمَعْطُوفُ، وَالْقَوْل فِي بَيَانِ جِنْسِ الْمِائَةِ قَوْل الْمُقِرِّ؛ لأَِنَّهَا مُجْمَلَةٌ فَإِلَيْهِ بَيَانُهَا، وَالْعَطْفُ لاَ يَصْلُحُ بَيَانًا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ. (١)

تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ:

كُل مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ مِنْ مُجْمَلٍ وَعَامٍّ، وَمَجَازٍ وَمُشْتَرَكٍ، وَفِعْلٍ مُتَرَدِّدٍ وَمُطْلَقٍ، إِذَا تَأَخَّرَ بَيَانُهُ فَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:

١١ - الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي إِذَا تَأَخَّرَ الْبَيَانُ عَنْهُ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُكَلَّفُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا تَضَمَّنَهُ الْخِطَابُ، وَذَلِكَ فِي الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةِ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّأْخِيرِ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الإِْتْيَانَ بِالشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِمَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ.

وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِمَا لاَ يُطَاقُ فَهُوَ يَقُول بِجَوَازِهِ عَقْلًا، لاَ بِوُقُوعِهِ، فَكَانَ عَدَمُ الْوُقُوعِ مُتَّفَقًا

_________

(١) كشف الأسرار ٣ / ١٥٢، أصول السرخسي ٢ / ٥٢.

عَلَيْهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ. وَلِهَذَا نَقَل أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ إِجْمَاعَ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ عَلَى امْتِنَاعِهِ.

١٢ - الْوَجْهُ الثَّانِي: تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ وُرُودِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْفِعْل، وَذَلِكَ فِي الْوَاجِبَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَوْرِيَّةٍ، حَيْثُ يَكُونُ الْخِطَابُ لاَ ظَاهِرَ لَهُ، كَالأَْسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ، أَوْ يَكُونُ لَهُ ظَاهِرٌ وَقَدِ اسْتُعْمِل فِي خِلاَفِ الظَّاهِرِ، كَتَأْخِيرِ الْبَيَانِ بِالتَّخْصِيصِ. وَمِثْلُهُ تَأْخِيرُ النَّسْخِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ اتِّجَاهَاتٌ أَهَمُّهَا مَا يَلِي:

أ - الْجَوَازُ مُطْلَقًا، قَال ابْنُ بُرْهَانٍ: وَعَلَيْهِ عَامَّةُ عُلَمَائِنَا مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُول، وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَال الْبَاجِيُّ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ مَالِكٍ.

ب - الْمَنْعُ مُطْلَقًا، نُقِل ذَلِكَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَالأَْبْهَرِيِّ، قَال الْقَاضِي: وَهُوَ قَوْل الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

ج - أَنَّ بَيَانَ الْمُجْمَل إِنْ لَمْ يَكُنْ تَبْدِيلًا وَلاَ تَغْيِيرًا جَازَ مُقَارِنًا وَطَارِئًا، وَإِنْ كَانَ تَغْيِيرًا جَازَ مُقَارِنًا وَلاَ يَجُوزُ طَارِئًا بِحَالٍ. نَقَلَهُ السَّمْعَانِيُّ عَنْ

أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

وَتُنْظَرُ مَرَاتِبُ الْبَيَانِ لِلأَْحْكَامِ وَسَائِرُ التَّفَاصِيل الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَوْضُوعِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَيَانِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ

بَيَانُ الْمُقَرِّ بِهِ الْمَجْهُول:

١٣ - إِذَا أَقَرَّ شَخْصٌ بِمَجْهُولٍ وَأَطْلَقَ، بِأَنْ قَال: عَلَيَّ شَيْءٌ أَوْ حَقٌّ، يَلْزَمُهُ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ قَدْ يَلْزَمُهُ مَجْهُولًا، كَأَنْ يُتْلِفَ مَالًا لاَ يَعْرِفُ قِيمَتَهُ، أَوْ يَجْرَحَ جِرَاحَةً لاَ يَعْرِفُ أَرْشَهَا، أَوْ يَبْقَى عَلَيْهِ بَاقِيَةُ حِسَابٍ لاَ يُعْرَفُ قَدْرُهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ بِالإِْيفَاءِ أَوِ التَّرَاضِي، فَجَهَالَةُ الْمُقِرِّ بِهِ لاَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الإِْقْرَارِ، وَيُقَال لِلْمُقِرِّ: بَيِّنِ الْمَجْهُول، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْبَيَانِ؛ لأَِنَّهُ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِصَحِيحِ إِقْرَارِهِ، وَذَلِكَ الْخُرُوجُ عَمَّا لَزِمَهُ يَكُونُ بِالْبَيَانِ، وَلَكِنْ يُبَيِّنُ شَيْئًا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، قَل أَوْ كَثُرَ، أَمَّا إِذَا بَيَّنَ شَيْئًا لاَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ، نَحْوُ أَنْ يَقُول: عَنَيْتُ حَقَّ الإِْسْلاَمِ، أَوْ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ أَوْ نَحْوَهُ، بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ.

_________

(١) إرشاد الفحول ص ١٧٣ - ١٧٥ ط الحلبي، والتبصرة في أصول الفقه للشيرازي بتحقيق حسن هيتو ص ٢٠٧ ط دار الفكر، والمستصفى ١ / ٣٦٨، وأصول السرخسي ٢ / ٢٨.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ الإِْقْرَارُ الْمُبْهَمُ فِي جَوَابِ دَعْوَى، وَامْتَنَعَ عَنِ التَّفْسِيرِ، يُجْعَل ذَلِكَ إِنْكَارًا مِنْهُ وَتُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الاِمْتِنَاعِ جُعِل نَاكِلًا عَنِ الْيَمِينِ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي (١) .

أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ وَبَيَّنَ السَّبَبَ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَ سَبَبًا لاَ تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ كَالْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ، بِأَنْ قَال: غَصَبْتُ مَال فُلاَنٍ، أَوْ لِفُلاَنٍ عِنْدِي أَمَانَةٌ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيَانِ الْمَغْصُوبِ أَوِ الأَْمَانَةِ الْمَجْهُولَةِ وَتَعْيِينِهِمَا، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ لاَ يَصِحُّ الإِْقْرَارُ، وَلاَ يُجْبَرُ عَلَى بَيَانِ مَا بَاعَهُ أَوِ اسْتَأْجَرَهُ (٢) .

الْبَيَانُ فِي الطَّلاَقِ الْمُبْهَمِ:

١٤ - إِذَا قَال الزَّوْجُ لِزَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، وَقَصَدَ مُعَيَّنَةً مِنْهُمَا طَلُقَتْ، وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ، وَيُصَدَّقُ؛ لأَِنَّهُ مَالِكٌ لِلإِْيقَاعِ عَلَيْهَا، فَيَصِحُّ بَيَانُهُ أَيْضًا، وَمَا فِي ضَمِيرِهِ لاَ يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ، فَيُقْبَل قَوْلُهُ فِيهِ. وَتَعْتَزِلاَنِهِ إِلَى الْبَيَانِ؛ لاِخْتِلاَطِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْمُبَاحَةِ.

_________

(١) فتح القدير ٦ / ٢٨٥، ٢٨٦ ط الأميرية، والبناية شرح الهداية ٧ / ٥٣٩، ٥٤٠، والزيلعي ٥ / ٤، والمغني لابن قدامة ٥ / ١٨٧ ط الرياض، والمهذب ٢ / ٣٤٧ ط الحلبي، وجواهر الإكليل٢ / ١٣٧، ومواهب الجليل ٥ / ٢٣١.

(٢) الزيلعي ٥ / ٤، ودرر الحكام ٤ / ٨٢.