الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

إِنْسَانٍ لاَفٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي. . . . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. (١) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَال: وَعَظَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَقُل: زَعَقْنَا وَلاَ رَقَصْنَا وَلاَ زُفْنَا وَلاَ قُمْنَا (٢) .

وَقَال صَاحِبُ رُوحِ الْمَعَانِي فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) أَيْ خَافَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْهُ ﷿ لإِشْرَاقِ أَشِعَّةِ الْجَلاَل عَلَيْهَا (٤) .

١١ - وَالْبُكَاءُ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ أَثَرُهُ فِي الْعَمَل، وَفِي غُفْرَانِ الذُّنُوبِ، وَيَدُل لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيل اللَّهِ. (٥)

_________

(١) حديث: " سلوني، لا تسألوني عن شيء. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٨٣٤ - ط الحلبي) .

(٢) القرطبي ٧ / ٣٦٥، ٣٦٦، ط دار الكتب المصرية. وحديث العرباض: " وعظنا رسول الله ﷺ. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ١٦ - ط الحلبي) وأبو داود (٥ / ١٦ـ ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٩٦ـ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٣) سورة الحج / ٣٥.

(٤) روح المعاني ١٧ / ١٥٤ ط المنيرية.

(٥) حديث: " عينان لا تمسهما النار: عين. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ١٧٥ - ط الحلبي) وأبو يعلى كما في فتح الباري (٦ / ٨٣ - ط السلفية) وحسن إسناده ابن حجر

قَال صَاحِبُ تُحْفَةِ الأَْحْوَذِيِّ: قَوْلُهُ: عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ أَيْ لاَ تَمَسُّ صَاحِبَهُمَا، فَعَبَّرَ بِالْجُزْءِ عَنِ الْجُمْلَةِ، وَعَبَّرَ بِالْمَسِّ إِشَارَةً إِلَى امْتِنَاعِ مَا فَوْقَهُ بِالأَْوْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَبَدًا " وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ يَقْرَبَانِ النَّارَ. (١)

وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ رُوحِ الْمَعَانِي أَخْبَارًا وَرَدَتْ فِي مَدْحِ الْبُكَاءِ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ بَيْنِهَا هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى وَدُخَانُ جَهَنَّمَ. (٢)

الْبُكَاءُ فِي الصَّلاَةِ:

١٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلاَةِ إِنْ كَانَ سَبَبُهُ أَلَمًا أَوْ مُصِيبَةً فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلاَةَ؛ لأَِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ ذِكْرَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُهَا؛ لأَِنَّهُ يَدُل عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي الصَّلاَةِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ أَوِ الدُّعَاءِ. وَيَدُل عَلَى هَذَا حَدِيثُ الرَّسُول ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْل وَلَهُ

_________

(١) تحفة الأحوذي ٥ / ٢٦٩ ط الفجالة.

(٢) روح المعاني ١٥ / ١٩٠، ١٩١ ط المنيرية. وحديث: " لا يلج النار رجل بكى من. . " أخرجه الترمذي (٤ / ١٧١ـ ط الحلبي) . وقال: حديث حسن صحيح.

أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَل مِنَ الْبُكَاءِ. (١)

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ حَرْفَيْنِ، أَوْ عَلَى حَرْفَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَحَدُهَا مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ وَالآْخَرُ أَصْلِيٌّ، لاَ تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا، وَحُرُوفُ الزِّيَادَةِ عَشَرَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: أَمَانٌ وَتَسْهِيلٌ (٢) .

وَحَاصِل مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا: أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلاَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِصَوْتٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِلاَ صَوْتٍ، فَإِنْ كَانَ الْبُكَاءُ بِلاَ صَوْتٍ فَإِنَّهُ لاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، بِأَنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ تَخَشُّعًا أَوْ لِمُصِيبَةٍ، أَمْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا مَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ فِي الاِخْتِيَارِيِّ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ، فَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ، سَوَاءٌ كَانَ لِمُصِيبَةٍ أَمْ لِتَخَشُّعٍ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، بِأَنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ تَخَشُّعًا لَمْ يُبْطِل، وَإِنْ كَثُرَ، وَإِنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ بِغَيْرِ تَخَشُّعٍ أَبْطَل (٣) .

_________

(١) حديث: " كان يصلي بالليل وله أزيز. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٥٥٧ - ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (٣ / ١٣ - ط المكتبة التجارية) .

(٢) تبيين الحقائق ١ / ١٥٥، ١٥٦ ط دائرة المعرفة، وفتح القدير ١ / ٢٨١، ٢٨٢ - ط دار صادر.

(٣) حاشية الشيخ علي العدوي على مختصر خليل، وهي بهامش الخرشي ١ / ٣٢٥، ط دار صادر، وجواهر الإكليل ١ / ٦٣، ومواهب الجليل ٢ / ٣٣.

هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الدُّسُوقِيُّ أَنَّ الْبُكَاءَ بِصَوْتٍ، إِنْ كَانَ لِمُصِيبَةٍ أَوْ لِوَجَعٍ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ أَوْ لِخُشُوعٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ كَالْكَلاَمِ، يُفَرَّقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ، أَيْ فَالْعَمْدُ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا، قَل أَوْ كَثُرَ، وَالسَّهْوُ يُبْطِل إِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَيُسْجَدُ لَهُ إِنْ قَل (١) .

وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْوَجْهِ الأَْصَحِّ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ؛ لِوُجُودِ مَا يُنَافِيهَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبُكَاءُ مِنْ خَوْفِ الآْخِرَةِ. وَعَلَى مُقَابِل الأَْصَحِّ:

لاَ يُبْطِل لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى كَلاَمًا فِي اللُّغَةِ، وَلاَ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَكَانَ أَشْبَهَ بِالصَّوْتِ الْمُجَرَّدِ (٢) .

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ إِنْ بَانَ حَرْفَانِ مِنْ بُكَاءٍ، أَوْ تَأَوُّهِ خَشْيَةٍ، أَوْ أَنِينٍ فِي الصَّلاَةِ لَمْ تَبْطُل؛ لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الذِّكْرِ، وَقِيل: إِنْ غَلَبَهُ وَإِلاَّ بَطَلَتْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَشْيَةً؛ لأَِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْهِجَاءِ، وَيَدُل بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَعْنَى كَالْكَلاَمِ، قَال أَحْمَدُ فِي الأَْنِينِ: إِذَا كَانَ غَالِبًا أَكْرَهُهُ، أَيْ مِنْ وَجَعٍ، وَإِنِ اسْتَدْعَى الْبُكَاءَ فِيهَا كُرِهَ كَالضَّحِكِ وَإِلاَّ فَلاَ. (٣)

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٨٤ - ط دار الفكر.

(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٣٤، وحاشية قليوبي وعميرة١ / ١٨٧، ومغني المحتاج ١ / ١٩٥.

(٣) الفروع ١ / ٣٧٠، ٣٧١.

الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:

١٣ - الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُسْتَحَبٌّ، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِْسْرَاءِ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَْذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ . (١)

قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا مَدْحٌ لَهُمْ، وَحُقَّ لِكُل مَنْ تَوَسَّمَ بِالْعِلْمِ، وَحَصَّل مِنْهُ شَيْئًا أَنْ يَجْرِيَ إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، فَيَخْشَعُ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَيَتَوَاضَعُ وَيَذِل (٢) . وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ أَيْ يَزِيدُهُمْ لِينَ قَلْبٍ وَرُطُوبَةَ عَيْنٍ (٣) .

وَقَال الطَّبَرِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى هَذِهِ الآْيَةِ: يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ. وَيَخِرُّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَابَيْنِ، مِنْ قَبْل نُزُول الْفُرْقَانِ، إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لأَِذْقَانِهِمْ يَبْكُونَ، وَيَزِيدُهُمْ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ خُشُوعًا، يَعْنِي خُضُوعًا لأَِمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ اسْتِكَانَةً لَهُ. (٤)

وَيُفْهَمُ اسْتِحْبَابُ الْبُكَاءِ أَيْضًا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ

_________

(١) سورة الإسراء / ١٠٩.

(٢) القرطبي ١٠ / ٣٤١.

(٣) الكشاف ٢ / ٤٦٩، ط دار المعرفة.

(٤) مراده بالآيتين: الآية ١٠٧، والآية ١٠٩ من سورة الإسراء، والطبري ١٥ / ١٨١، ١٨٢ـ ط الحلبي، وروح المعاني ١٥ / ١٩٠ - ط المنيرية.

وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ مَرْفُوعًا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَل بِحُزْنٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا. (١)

الْبُكَاءُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ إِنْ كَانَ قَاصِرًا عَلَى خُرُوجِ الدَّمْعِ فَقَطْ بِلاَ صَوْتٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، قَبْل الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَمِثْلُهُ غَلَبَةُ الْبُكَاءِ بِصَوْتٍ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ، وَمِثْلُهُ حُزْنُ الْقَلْبِ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِ النَّدْبِ بِتَعْدَادِ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِرَفْعِ صَوْتٍ، إِلاَّ مَا نُقِل فِي الْفُرُوعِ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ النُّوَاحِ وَشَقِّ الْجَيْبِ أَوِ الثَّوْبِ وَلَطْمِ الْخَدِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ عَبَّرُوا فِي ذَلِكَ بِالْكَرَاهَةِ، وَمُرَادُهُمُ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ، وَبِذَلِكَ لاَ يَكُونُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ وَغَيْرَ مَصْحُوبٍ بِنِيَاحَةٍ وَنَدْبٍ أَوْ شَقِّ جَيْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الاِجْتِمَاعِ لِلْبُكَاءِ، وَإِلاَّ كُرِهَ. (٢)

_________

(١) حديث: " إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا. . . " سبق تخريجه (ف١) .

(٢) فتاوى قاضيخان والبزازية مع الفتاوى الهندية ١ / ١٩٠، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ١ / ٣٨٣، وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٧، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٢، جواهر الإكليل ١ / ١١٢، مواهب الجليل مع التاج والإكليل ٢ / ٢٣٥، والخرشي مع حاشية العدوي ٢ / ١٣٣.

وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ أَتَى بِهِ الْقَلْيُوبِيُّ، فَقَال: إِنَّ الْبُكَاءَ عَلَى الْمَيِّتِ إِنْ كَانَ لِخَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ هَوْل يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَنَحْوِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، أَوْ لِمَحَبَّةٍ وَرِقَّةٍ كَطِفْلٍ فَكَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الصَّبْرَ أَجْمَل، أَوْ لِصَلاَحٍ وَبَرَكَةٍ وَشَجَاعَةٍ وَفَقْدِ نَحْوِ عِلْمٍ فَمَنْدُوبٌ، أَوْ لِفَقْدِ صِلَةٍ وَبِرٍّ وَقِيَامٍ بِمَصْلَحَةٍ فَمَكْرُوهٌ، أَوْ لِعَدَمِ تَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَى بِهِ فَحَرَامٌ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ الْبُكَاءُ قَبْل الْمَوْتِ، فَإِذَا مَاتَ أَمْسَكْنَ. وَاسْتَدَل بِحَدِيثِ النَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا (٢) . وَالْفُقَهَاءُ فِيمَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى، فَقَال لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَتَبْكِي؟ أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنِ

_________

(١) القليوبي ١ / ٣٤٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٥٥، ٣٥٦، ونهاية المحتاج ٣ / ١٤، ١٥، والمهذب للشيرازي ١ / ١٤٦.

(٢) المجموع للنووي ٥ / ٣٠٧.

الْبُكَاءِ؟ قَال: لاَ. وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ. (١)

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. (٢) فَهَذَا يَدُل عَلَى عَدَمِ جَوَازِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ اللَّطْمِ وَشَقِّ الْجَيْبِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ، فَجَعَل ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ. قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الْمَوْتُ. (٣)

الْبُكَاءُ عِنْدَ زِيَارَةِ الْقَبْرِ:

١٥ - الْبُكَاءُ عِنْدَ زِيَارَةِ الْقَبْرِ جَائِزٌ، وَالدَّلِيل عَلَى

_________

(١) حديث: " نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين. . . " أخرجه الحاكم (٤ / ٤٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٢) حديث: " ليس منا من لطم الخدود. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٦٣ - ط السلفية) .

(٣) حديث: جابر بن عتيك " أن رسول الله ﷺ جاء يعود. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٨٢ - ط عزت عبيد دعاس)، وفي إسناده جهالة عيتك بن الحارث، والتهذيب لابن حجر (٧ / ١٠٥ - ط دائرة المعارف النظامية) .

ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ. . . إِلَخِ الْحَدِيثِ (١) .

اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ:

١٦ - اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَكْرُوهٌ إِنْ كَانَ بِلاَ صَوْتٍ، وَحَرَامٌ إِنْ كَانَ مَعَهُ صَوْتٌ (٢) . وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ الاِجْتِمَاعَ لِلْبُكَاءِ (٣) .

وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ وَلاَ الْحَنَابِلَةُ لاِجْتِمَاعِ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ. عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ بِالدَّمْعِ فَقَطْ بِلاَ صَوْتٍ، وَإِنَّمَا تَأْتِي الْكَرَاهَةُ أَوِ التَّحْرِيمُ عَلَى مَا إِذَا قُصِدَ الاِجْتِمَاعُ لَهُ.

هَذَا، وَإِذَا كَانَ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرَّمًا فَكَرَاهَةُ أَوْ تَحْرِيمُ اجْتِمَاعِ الرِّجَال لَهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّ الْفُقَهَاءُ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ لأَِنَّ هَذَا شَأْنُهُنَّ (٤) .

أَثَرُ بُكَاءِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ:

١٧ - إِذَا بَكَى الْمَوْلُودُ عِنْدَ وِلاَدَتِهِ، بِأَنِ اسْتَهَل

_________

(١) حديث: " زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٧١ - ط الحلبي) .

(٢) جواهر الإكليل ١ / ١١٤، ومواهب الجليل ٢ / ٢٤٠، ٢٤١، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٤.

(٣) مغني المحتاج ١ / ٣٥٦.

(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٤٢٤.

صَارِخًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ، سَوَاءٌ انْفَصَل بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَمْ لَمْ يَنْفَصِل كَمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَبْكِ، وَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ عَلاَمَةٌ تَدُل عَلَى الْحَيَاةِ فَلاَ يُحْكَمُ بِحَيَاتِهِ. فَإِنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى حَيَاتِهِ، كَالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الأَْحْيَاءِ، فَيُسَمَّى وَيَرِثُ، وَيُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ عَمْدًا، وَيَسْتَحِقُّ مَوَالِيهِ الدِّيَةَ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُورَثُ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِهْلاَل) .

أَثَرُ بُكَاءِ الْبِكْرِ عِنْدَ الاِسْتِئْذَانِ لِتَزْوِيجِهَا:

١٨ - إِذَا اسْتُؤْذِنَتِ الْبِكْرُ فِي النِّكَاحِ فَبَكَتْ، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ فِي دَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا وَعَدَمِهِ اتِّجَاهَاتٍ ثَلاَثَةً:

أ - فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنْ كَانَ الْبُكَاءُ بِلاَ صَوْتٍ فَيَدُل عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ كَانَ بِصَوْتٍ فَلاَ يَدُل عَلَى الرِّضَا (١) .

ب - وَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّ بُكَاءَ الْبِكْرِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ، وَهِيَ الَّتِي يُزَوِّجُهَا غَيْرُ الأَْبِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، يُعْتَبَرُ رِضًا؛ لاِحْتِمَال أَنَّ هَذَا الْبُكَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ الأَْبِ مَثَلًا، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لِلْمَنْعِ مِنَ

_________

(١) الاختيار لتعليل المختار ٣ / ٩٢ ط دار المعرفة، وفتح الباري ٩ / ١٩٣ - ط الرياض.