الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

ذَكَاةُ الْبَقَرِ:

١٤ - ذَكَاةُ الْبَقَرِ كَذَكَاةِ الْغَنَمِ، فَإِذَا أُرِيدَ تَذْكِيَةُ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهَا تُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهَا الأَْيْسَرِ، وَتُشَدُّ قَوَائِمُهَا الثَّلاَثُ: الْيَدُ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَالرِّجْل الْيُسْرَى، وَتُتْرَكُ الرِّجْل الْيُمْنَى بِلاَ شَدٍّ لِتَحَرُّكِهَا عِنْدَ الذَّبْحِ، وَيُمْسِكُ الذَّابِحُ رَأْسَهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَيُمْسِكُ السِّكِّينَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَبْدَأُ الذَّبْحَ بَعْدَ أَنْ يَقُول: بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَبَعْدَ أَنْ يَتَّجِهَ هُوَ وَذَبِيحَتُهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا الإِْبِل فَإِنَّهَا تُنْحَرُ بِطَعْنِهَا فِي اللَّبَّةِ، أَيْ أَسْفَل الْعُنُقِ، وَهِيَ قَائِمَةٌ مَعْقُولَةُ الرُّكْبَةِ الْيُسْرَى (١) .

اسْتِعْمَال الْبَقَرِ لِلرُّكُوبِ:

١٥ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُرْكَبُ مِنَ الأَْنْعَامِ وَيُحْمَل عَلَيْهِ هُوَ الإِْبِل. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِلرُّكُوبِ، وَإِنَّمَا خُلِقَ لِيُنْتَفَعَ بِهِ فِي حَرْثِ الأَْرْضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ سِوَى الرُّكُوبِ. وَأَمَّا الْغَنَمُ فَهِيَ لِلدَّرِّ وَالنَّسْل وَاللَّحْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَْنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٢)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْنْعَامَ لِتَرْكَبُوا

_________

(١) حاشية قليوبي وعميرة ٤ / ٢٤٣.

(٢) سورة المؤمنون / ٢١، ٢٢.

مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَل لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَْنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ . (٢)

وَأَمَّا الآْيَاتُ الَّتِي تَذْكُرُ أَنَّ الأَْنْعَامَ تُرْكَبُ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى بَعْضِ الأَْنْعَامِ، وَهِيَ الإِْبِل، وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ (٣) .

وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَال الْبَقَرِ لِلرُّكُوبِ غَيْرُ لاَئِقٍ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَل عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، فَقَال النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ - تَعَجُّبًا وَفَزَعًا - أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. (٤)

بَوْل وَرَوْثُ الْبَقَرِ:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْل وَرَوْثِ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ إِنْسَانًا أَمْ غَيْرَهُ. وَأَمَّا بَوْل وَرَوْثُ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ كَالإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ

_________

(١) سورة غافر / ٧٩.

(٢) سورة الزخرف / ١٢.

(٣) تفسير القرطبي١٠ / ٧٢، وروح المعاني ١٨ / ٢٤.

(٤) حديث: " بينما رجل يسوق بقرة. . . " أخرجه مسلم (٤ / ١٨٥٧) .

فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى نَجَاسَةِ الأَْبْوَال وَالأَْرْوَاثِ كُلِّهَا، مِنْ مَأْكُول اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَوَافَقَهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالإِْصْطَخْرِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى طَهَارَةِ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ (١) . وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل وَالاِسْتِدْلاَل مُصْطَلَحَ (نَجَاسَة) .

حُكْمُ الْبَقَرِ فِي الدِّيَةِ:

١٧ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اعْتِبَارِ الْبَقَرِ أَصْلًا فِي الدِّيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ ثَلاَثَةُ أُصُولٍ: الإِْبِل، وَالذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَلَيْسَ أَصْلًا (٢) .

وَذَهَبَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ) وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ خَمْسَةُ أُصُولٍ: الإِْبِل، وَالذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ. وَزَادَ الصَّاحِبَانِ: الْحُلَل، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْل تُعْتَبَرُ الْبَقَرُ

_________

(١) نيل الأوطار ١ / ٦٠، ٦١.

(٢) المغني ٧ / ٧٥٩، والمجموع للنووي ١٩ / ٥١، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٥٣.

أَصْلًا مِنْ أُصُول الدِّيَةِ، وَيَجُوزُ لأَِصْحَابِهَا - كَمَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ - دَفْعُهَا ابْتِدَاءً، وَلاَ يُكَلَّفُونَ غَيْرَهَا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَيْسَ لَهَا إِلاَّ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الإِْبِل، فَإِذَا فُقِدَتْ فَالْوَاجِبُ قِيمَتُهَا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. فَلَيْسَتِ الْبَقَرُ أَصْلًا عَلَى هَذَا الْقَوْل كَذَلِكَ (١) .

وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (دِيَة) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٥٤، والمجموع ١٩ / ٥٠.

بُكَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْبُكَاءُ: مَصْدَرُ بَكَى يَبْكِي بُكًى، وَبُكَاءً (١) .

قَال فِي اللِّسَانِ: الْبُكَاءُ يُقْصَرُ وَيُمَدُّ. قَال الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ: إِذَا مَدَدْتَ أَرَدْتَ الصَّوْتَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْبُكَاءِ، وَإِذَا قَصَرْتَ أَرَدْتَ الدُّمُوعَ وَخُرُوجَهَا. قَال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ فِي رِثَاءِ حَمْزَةَ

بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا

وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلاَ الْعَوِيل

قَال الْخَلِيل: مَنْ قَصَرَ ذَهَبَ بِهِ إِلَى مَعْنَى الْحُزْنِ، وَمَنْ مَدَّهُ ذَهَبَ بِهِ إِلَى مَعْنَى الصَّوْتِ. وَالتَّبَاكِي: تَكَلُّفُ الْبُكَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا. (٢)

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.

_________

(١) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: " بكى ".

(٢) حديث: ". . . فإن لم تبكوا فتباكوا " أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٢٤ - ط الحلبي) وقال البوصيري: في إسناده أبو رافع، اسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الصِّيَاحُ وَالصُّرَاخُ:

٢ - الصِّيَاحُ وَالصُّرَاخُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الصَّوْتُ بِأَقْصَى الطَّاقَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُمَا بُكَاءٌ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ، وَيَرِدُ الصُّرَاخُ أَيْضًا لِرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِغَاثَةِ (١) .

ب - النِّيَاحُ:

٣ - النِّيَاحُ وَالنِّيَاحَةُ لُغَةً: الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ عَلَى الْمَيِّتِ (٢) .

وَقَال فِي الْمِصْبَاحِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: نَاحَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْمَيِّتِ نَوْحًا مِنْ بَابِ قَال، وَالاِسْمُ النُّوَاحُ وِزَانُ غُرَابٍ، وَرُبَّمَا قِيل: النِّيَاحُ بِالْكَسْرِ، فَهِيَ نَائِحَةٌ، وَالنِّيَاحَةُ بِالْكَسْرِ: الاِسْمُ مِنْهُ، وَالْمَنَاحَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعُ النَّوْحِ (٣) .

ج النَّدْبُ:

٤ - النَّدْبُ لُغَةً: الدُّعَاءُ إِلَى الأَْمْرِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ. وَالنَّدْبُ: الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَعْدَادُ مَحَاسِنُهُ. وَالاِسْمُ: النُّدْبَةُ (٤) .

_________

(١) القاموس المحيط والمصباح المنير.

(٢) القاموس المحيط.

(٣) المصباح المنير.

(٤) القاموس المحيط والمصباح المنير.

د - النَّحْبُ، أَوِ النَّحِيبُ:

٥ - النَّحْبُ لُغَةً: أَشَدُّ الْبُكَاءِ، كَالنَّحِيبِ (١) .

الْعَوِيل:

٦ - الْعَوِيل: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ، يُقَال: أَعْوَلَتِ الْمَرْأَةُ إِعْوَالًا وَعَوِيلًا (٢) . هَذَا وَيَتَّضِحُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّحِيبَ وَالْعَوِيل مَعْنَاهُمَا الْبُكَاءُ الشَّدِيدُ، وَأَنَّ الصُّرَاخَ وَالصِّيَاحَ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، وَأَنَّ النُّوَاحَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَنَّ النَّدْبَ هُوَ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْبُكَاءَ مَا كَانَ مَصْحُوبًا بِصَوْتٍ، وَالْبُكَى مَا كَانَ بِلاَ صَوْتٍ، بِأَنْ كَانَ قَاصِرًا عَلَى خُرُوجِ الدَّمْعِ.

أَسْبَابُ الْبُكَاءِ:

٧ - لِلْبُكَاءِ أَسْبَابٌ، مِنْهَا: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحُزْنُ، وَشِدَّةُ الْفَرَحِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْبُكَاءِ فِي الْمُصِيبَةِ:

٨ - الْبُكَاءُ قَدْ يَكُونُ قَاصِرًا عَلَى خُرُوجِ الدَّمْعِ فَقَطْ بِلاَ صَوْتٍ، أَوْ بِصَوْتٍ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَصْحُوبًا بِصَوْتٍ كَصُرَاخٍ أَوْ نُوَاحٍ أَوْ نَدْبٍ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ

_________

(١) القاموس المحيط والمصباح المنير.

(٢) المصباح المنير.

مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ الْبُكَاءُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى كِتْمَانِ الْحُزْنِ، وَيَمْلِكُ السَّيْطَرَةَ عَلَى مَشَاعِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ.

فَإِنْ كَانَ الْبُكَاءُ مُجَرَّدًا عَنْ فِعْل الْيَدِ، كَشَقِّ جَيْبٍ أَوْ لَطْمٍ، وَعَنْ فِعْل اللِّسَانِ، كَالصُّرَاخِ وَدَعْوَى الْوَيْل وَالثُّبُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ (١) لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ فَمِنَ اللَّهِ ﷿ وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ أَيْضًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ. (٣)

أَمَّا حُكْمُ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَسَيَأْتِي فِيمَا بَعْدُ.

الْبُكَاءُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى:

٩ - الْمُؤْمِنُ يَعِيشُ فِي جِهَادٍ مَعَ نَفْسِهِ، وَيُرَاقِبُ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، فَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ، وَيَبْكِي عِنْدَ ذِكْرِهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فَهَذَا مِنَ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ اللَّهُ ﷾

_________

(١) نيل الأوطار للشوكاني ٤ / ١٤٩، ١٥٠ ط دار الجيل.

(٢) حديث: " إنه مهما كان من العين. . . " أخرجه أحمد (١ / ٢٤٧ - ط الميمنية) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. تهذيب التهذيب لابن حجر (٨ / ٣٢٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٣) حديث: " إن الله لا يعذب بدمع. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٧٥ - ط السلفية) .

بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . (٢)

وَمِمَّا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ، مَعَ الإِْشَارَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الآْيَاتِ الْقَرِيبَةِ مِنْهَا فِي الْمَعْنَى: وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الآْيَةِ بِالْخَوْفِ وَالْوَجَل عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَذَلِكَ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ وَمُرَاعَاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الآْيَةِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وَقَال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، فَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى كَمَال الْمَعْرِفَةِ وَثِقَةِ الْقَلْبِ، وَالْوَجَل: الْفَزَعُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَلاَ تَنَاقُضَ، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّل أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) أَيْ تَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ مَعَ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ الْيَقِينُ، وَإِنْ كَانُوا يَخَافُونَ اللَّهَ.

_________

(١) سورة الحج ٣٤ - ٣٥.

(٢) سورة الأنفال / ٢.

(٣) سورة الرعد / ٢٨.

(٤) سورة الزمر / ٢٣.

١٠ - فَهَذِهِ حَالَةُ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، الْخَائِفِينَ مِنْ سَطْوَتِهِ وَعُقُوبَتِهِ. لاَ كَمَا يَفْعَلُهُ جُهَّال الْعَوَامِّ وَالْمُبْتَدِعَةُ الطَّغَامُ، مِنَ الزَّعِيقِ وَالزَّئِيرِ وَمِنَ النُّهَاقِ الَّذِي يُشْبِهُ نُهَاقَ الْحَمِيرِ، فَيُقَال لِمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَجْدٌ وَخُشُوعٌ: لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُسَاوِيَ حَال الرَّسُول وَلاَ حَال أَصْحَابِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَالتَّعْظِيمِ لِجَلاَلِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَتْ حَالُهُمْ عِنْدَ الْمَوَاعِظِ الْفَهْمُ عَنِ اللَّهِ وَالْبُكَاءُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ أَحْوَال أَهْل الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ وَتِلاَوَةِ كِتَابِهِ فَقَال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِل إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ . (١) فَهَذَا وَصْفُ حَالِهِمْ وَحِكَايَةُ مَقَالِهِمْ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَى هَدْيِهِمْ وَلاَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ، فَمَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِهِمْ، وَمَنْ تَعَاطَى أَحْوَال الْمَجَانِينِ وَالْجُنُونَ فَهُوَ مِنْ أَخَسِّهِمْ حَالًا، وَالْجُنُونُ فُنُونٌ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَال: سَلُونِي، لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا (٢) وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ، قَال أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُل

_________

(١) سورة المائدة / ٨٣.

(٢) أرم الرجل إرماما: إذا سكت، فهو مرم.