الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
الزَّوَاجِ لَمْ يَكُنْ رِضًا. (١)
ج - وَالْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْبُكَاءَ إِذْنٌ فِي النِّكَاحِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فَإِذَا بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا (٢) وَلأَِنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالاِمْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِ الاِسْتِئْذَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِذْنًا مِنْهَا كَالصُّمَاتِ. وَالْبُكَاءُ يَدُل عَلَى فَرْطِ الْحَيَاءِ لاَ الْكَرَاهَةِ. وَلَوْ كَرِهَتْ لاَمْتَنَعَتْ، فَإِنَّهَا لاَ تَسْتَحِي مِنَ الاِمْتِنَاعِ (٣) .
بُكَاءُ الْمَرْءِ هَل يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ:
١٩ - بُكَاءُ الْمَرْءِ لاَ يَدُل عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ . (٤) فَإِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ تَصَنَّعُوا الْبُكَاءَ لِيُصَدِّقَهُمْ أَبُوهُمْ بِمَا أَخْبَرُوهُ بِهِ، مَعَ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرُوهُ بِهِ كَذِبٌ، هُمُ الَّذِينَ دَبَّرُوهُ وَفَعَلُوهُ.
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي٢ / ٢٢٧ ط دار الفكر.
(٢) حديث: " تستأمر اليتيمة، فإذا بكت أو سكتت. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٧٣ - ٥٧٥ - ط عزت عبيد دعاس) وقال أبو داود: وليس " بكت " بمحفوظ، وهو وهم في الحديث، الوهم من إدريس أو محمد بن العلاء. وأما أصل الحديث دون قوله " بكت " فأخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٩١ - ط السلفية) .
(٣) مطالب أولي النهى ٥ / ٥٦، ٥٧ ط - المكتب الإسلامي.
(٤) سورة يوسف / ١٦.
قَال الْقُرْطُبِيُّ قَال عُلَمَاؤُنَا: هَذِهِ الآْيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بُكَاءَ الْمَرْءِ لاَ يَدُل عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا، فَمِنَ الْخَلْقِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِمْ مَنْ لاَ يَقْدِرُ، وَقَدْ قِيل: إِنَّ الدَّمْعَ الْمَصْنُوعَ لاَ يَخْفَى. كَمَا قَال حَكِيمٌ:
إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ
تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
(١) .
_________
(١) القرطبي ٩ / ١٤٥.
بَكَارَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَكَارَةُ (بِالْفَتْحِ) لُغَةً: عُذْرَةُ الْمَرْأَةِ، وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْقُبُل (١) .
وَالْبِكْرُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تُفْتَضَّ، وَيُقَال لِلرَّجُل: بِكْرٌ، إِذَا لَمْ يَقْرَبِ النِّسَاءَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ. (٢)
وَالْبِكْرُ اصْطِلاَحًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: اسْمٌ لاِمْرَأَةٍ لَمْ تُجَامَعْ بِنِكَاحٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ كَوَثْبَةٍ، أَوْ دُرُورِ حَيْضٍ، أَوْ حُصُول جِرَاحَةٍ، أَوْ تَعْنِيسٍ: بِأَنْ طَال مُكْثُهَا بَعْدَ إِدْرَاكِهَا فِي مَنْزِل أَهْلِهَا حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ عِدَادِ الأَْبْكَارِ فَهِيَ بِكْرٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا (٣) .
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهَا الَّتِي لَمْ تُوطَأْ بِعَقْدٍ
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: " بكر ".
(٢) حديث: " البكر بالبكر جلد مائة. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٦ـ ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٠٢ دار إحياء التراث العربي.
صَحِيحٍ، أَوْ فَاسِدٍ جَرَى مَجْرَى الصَّحِيحِ. وَقِيل: إِنَّهَا الَّتِي لَمْ تُزَل بَكَارَتُهَا أَصْلًا (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعُذْرَةُ:
٢ - الْعُذْرَةُ لُغَةً: الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْمَحَل (٢) . وَمِنْهُ الْعَذْرَاءُ، وَهِيَ: الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تُزَل بَكَارَتُهَا بِمُزِيلٍ (٣) .
فَالْعَذْرَاءُ: تُرَادِفُ الْبِكْرَ لُغَةً وَعُرْفًا، وَقَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، فَيُطْلِقُونَ الْعَذْرَاءَ عَلَى مَنْ لَمْ تُزَل بَكَارَتُهَا أَصْلًا، وَقَال الدَّرْدِيرُ: إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا يُعْتَبَرُ (٤) .
ب - الثُّيُوبَةُ:
٣ - الثُّيُوبَةُ: زَوَال الْبَكَارَةِ بِالْوَطْءِ وَلَوْ حَرَامًا. وَالثَّيِّبُ لُغَةً: ضِدُّ الْبِكْرِ، فَهِيَ الَّتِي تَزَوَّجَتْ فَثَابَتْ، وَفَارَقَتْ زَوْجَهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ بَعْدَ أَنْ مَسَّهَا، وَعَنِ الأَْصْمَعِيِّ أَنَّ الثَّيِّبَ: هُوَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الدُّخُول.
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٨١ ط عيسى الحلبي بمصر.
(٢) لسان العرب مادة: " عذر ".
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٠٢ وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٨١.
(٤) نهاية المحتاج ٦ / ٢٢٣ ط المكتبة الإسلامية، والدسوقي ٢ / ٢٨١.
وَالثَّيِّبُ اصْطِلاَحًا: مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِالْوَطْءِ وَلَوْ حَرَامًا (١) .
وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ ضِدَّانِ.
مَا تَثْبُتُ بِهِ الْبَكَارَةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ:
٤ - أَجَازَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَبُول شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْبَكَارَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَالثِّنْتَانِ أَحْوَطُ وَأَوْثَقُ.
وَأَجَازَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ شَهَادَةَ الرَّجُل فِي ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ خَلِيلٌ وَالدَّرْدِيرُ فِي شَرْحَيْهِ - إِلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ.
لَكِنْ قَال الدُّسُوقِيُّ فِي بَابِ النِّكَاحِ: إِنْ أَتَى الرَّجُل بِامْرَأَتَيْنِ، أَوِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلَى مَا تُصَدَّقُ فِيهِ الزَّوْجَةُ قُبِلَتْ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَثْبُتُ الْبَكَارَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (٢) .
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " ثيب " وكشاف القناع ٥ / ٤٦ ط الرياض.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٩٦، ٤ / ٨٩، ٣٧١ ط دار إحياء التراث العربي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٨٥، ٤ / ١٨٨، وشرح المنهاج ٤ / ٣٢٥، والإقناع للخطيب الشربيني ٢ / ٦٩، وكشاف القناع٥ / ١٣ ط الرياض، المغني لابن قدامة٩ / ١٥٥، ١٥٧.
وَمَنَاطُ قَوْل شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ فِي إِثْبَاتِ الْبَكَارَةِ أَنَّ مَوْضِعَهَا عَوْرَةٌ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ، مِنْ وِلاَدَةِ النِّسَاءِ وَعُيُوبِهِنَّ. (١) وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ الْبَكَارَةُ وَالثُّيُوبَةُ.
وَتَثْبُتُ الْبَكَارَةُ كَذَلِكَ بِالْيَمِينِ حَسَبَ التَّفْصِيل الَّذِي سَيَأْتِي.
أَثَرُ الْبَكَارَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ:
مَا يَكُونُ بِهِ إِذْنُ الْبِكْرِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ إِذْنٌ مِنْهَا، لِحَدِيثِ: الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا. (٢)
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا. (٣)
_________
(١) الأثر عن الزهري أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كما في نصب الراية (٤ / ٨٠ ط المجلس العلمي) وعبد الرزاق في مصنفه (٨ / ٣٣٣ ط المجلس العلمي) مطولا.
(٢) حديث: " البكر تستأذن في نفسها. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٣٧ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٣) حديث: " الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٣٧ـ ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
وَمِثْل السُّكُوتِ: الضَّحِكُ بِغَيْرِ اسْتِهْزَاءٍ؛ لأَِنَّهُ أَدَل عَلَى الرِّضَا مِنَ السُّكُوتِ، وَكَذَا التَّبَسُّمُ وَالْبُكَاءُ بِلاَ صَوْتٍ؛ لِدَلاَلَةِ بُكَاهَا عَلَى الرِّضَا ضِمْنًا. وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ اعْتِبَارُ قَرَائِنِ الأَْحْوَال فِي الْبُكَاءِ وَالضَّحِكِ، فَإِنْ تَعَارَضَتْ أَوْ أَشْكَل احْتِيطَ (١) .
وَاسْتِئْمَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّ لِوَلِيِّهَا الْحَقَّ فِي إِجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ. وَسُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا حَقُّ الإِْجْبَارِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) .
٦ - وَقَدْ ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَبْكَارًا لاَ يُكْتَفَى بِصَمْتِهِنَّ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِهِنَّ بِالْقَوْل عِنْدَ اسْتِئْذَانِهِنَّ فِي النِّكَاحِ:
أ - بِكْرٌ رَشَّدَهَا أَبُوهَا أَوْ وَصِيُّهُ بَعْدَ بُلُوغِهَا؛ لأَِنَّهُ لاَ جَبْرَ لأَِبِيهَا عَلَيْهَا؛ لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ حُسْنِ التَّصَرُّفِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٢٤، ٢٢٧ ط دار الفكر، والقليوبي على الشرح المنهاج ٣ / ٢٢٣ ط عيسى الحلبي بمصر، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٩٣، ٤٩٤ ط الرياض، وكشاف القناع ٥ / ٤٣، ٤٦ ط الرياض.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٢٤، ٢٢٧، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٤، وكشاف القناع ٥ / ٤٣، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٩١ط الرياض، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٨ وما بعدها، وفتح القدير ٣ / ١٦٤.
ب - بِكْرٌ مُجْبَرَةٌ عَضَلَهَا أَبُوهَا، أَيْ مَنَعَهَا مِنَ النِّكَاحِ لاَ لِمَصْلَحَتِهَا، بَل لِلإِْضْرَارِ بِهَا، فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ، فَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا لاِمْتِنَاعِ أَبِيهَا، وَزَوَّجَهَا.
ج - بِكْرٌ يَتِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ لاَ أَبَ لَهَا وَلاَ وَصِيَّ، خِيفَ فَسَادُهَا بِفَقْرٍ أَوْ زِنًى أَوْ عَدَمِ حَاضِنٍ شَرْعِيٍّ فِي قَوْلٍ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تُجْبَرُ.
د - بِكْرٌ غَيْرُ مُجْبَرَةٍ، افْتِيتَ عَلَيْهَا، زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا غَيْرُ الْمُجْبِرِ - وَهُوَ غَيْرُ الأَْبِ وَوَصِيُّهُ - بِغَيْرِ إِذْنِهَا، ثُمَّ أَنْهَى إِلَيْهَا الْخَبَرَ فَرَضِيَتْ.
هـ - بِكْرٌ أُرِيدَ تَزْوِيجُهَا لِذِي عَيْبٍ مُوجِبٍ لِخِيَارِهَا، كَجُنُونٍ وَجُذَامٍ وَبَرَصٍ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) .
اشْتِرَاطُ الْوَلِيِّ وَعَدَمُهُ:
٧ - الْبِكْرُ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَالإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، بَل يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: وَلَوْ كَانَتْ عَانِسًا
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٢٨، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي٢ / ٣٦٧، ٣٦٨ ط دار المعارف بمصر.
بَلَغَتِ السِّتِّينَ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا حَقُّ إِجْبَارِهَا، وَلَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ، أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْل، فَلِوَلِيِّهَا حَقُّ طَلَبِ الْفَسْخِ مَا لَمْ تَحْمِل. (٢)
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ نِكَاحَ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح) .
مَتَى يَرْتَفِعُ الإِْجْبَارُ مَعَ وُجُودِ الْبَكَارَةِ:
٨ - أ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الأَْبَ لاَ يُجْبِرُ بِكْرًا رَشَّدَهَا - إِنْ بَلَغَتْ - بِأَنْ قَال لَهَا: رَشَّدْتُكِ، أَوْ أَطْلَقْتُ يَدَكِ، أَوْ رَفَعْتُ الْحَجْرَ عَنْكِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَثَبَتَ تَرْشِيدُهَا بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ إِنْ أَنْكَرَ، وَحَيْثُ كَانَتْ لاَ تُجْبَرُ فَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا وَإِذْنِهَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ،
وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَهُ جَبْرُهَا.
ب - إِذَا عَضَل وَالِدُ الْبِكْرِ الْمُجْبَرَةِ، وَمَنَعَهَا
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٢٦٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٢٢ـ ٢٢٤، ونهاية المحتاج٢ / ٢٢٣ ط مصطفى الحلبي بمصر، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٤٩ ط الرياض.
(٢) رد المحتار على الدر المختار٢ / ٢٩٦، ٢٩٨ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير والعناية ١ / ١٥٧، ١٦٣.
مِنْ نِكَاحِ مَنْ تَرْغَبُ فِيهِ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْقَضَاءِ، وَثَبَتَ كَفَاءَةُ مَنْ تَرْغَبُ فِي زَوَاجِهِ يَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِتَزْوِيجِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ ارْتَفَعَ إِجْبَارُهُ، وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِرِضَاهَا بِالزَّوْجِ وَبِالصَّدَاقِ. (١)
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَنْ هَذَا إِلاَّ فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ، كَتَكْرَارِ امْتِنَاعِ الْوَلِيِّ الْعَاضِل مِرَارًا. (٢)
ج - وَالْبِكْرُ الْيَتِيمَةُ الصَّغِيرَةُ إِذَا خِيفَ فَسَادُهَا، يُجْبِرُهَا وَلِيُّهَا عَلَى التَّزْوِيجِ، وَتَجِبُ مُشَاوَرَةُ الْقَاضِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (٣)
وَلاَ خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ مُطْلَقَ الصَّغِيرَةِ - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا - لِوَلِيِّهَا إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ وَكَانَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ غَيْرَ الأَْبِ أَوِ الْجَدِّ ثَبَتَ لَهَا خِيَارُ الْبُلُوغِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - فِي رِوَايَةٍ - إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُجْبِرَ هُوَ الأَْبُ فَقَطْ، وَلاَ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ جَدًّا. وَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ وِلاَيَةَ الإِْجْبَارِ فِي تَزْوِيجِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٣١، وشرح الزرقاني ٢ / ١٧٨.
(٢) منهاج الطالبين وحاشية قليوبي ٣ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٥ / ٤٤، ٥٤، ٥٥ ط الرياض.
(٣) شرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٢٢٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٦، والمغني ٦ / ٤٨٩، والقليوبي ٣ / ٢٢٣ ط عيسى الحلبي.