الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآْخَرِ (١) وَلأَِنَّ كُل مَنْ ثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. . . . (٢)
شُرُوطُ قِتَال الْبُغَاةِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ:
١٣ - إِذَا لَمْ يُجْدِ مَعَ الْبُغَاةِ النُّصْحُ، وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلرُّجُوعِ إِلَى طَاعَةِ الإِْمَامِ وَالدُّخُول فِي الْجَمَاعَةِ، أَوْ لَمْ يَقْبَلُوا الاِسْتِتَابَةَ - إِنْ كَانُوا فِي قَبْضَةِ الإِْمَامِ - وَرَأَوْا مُقَاتَلَتَنَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ (٣) . بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِحُرُمَاتِ أَهْل الْعَدْل، أَوْ يَتَعَطَّل جِهَادُ الْمُشْرِكِينَ بِهِمْ، أَوْ يَأْخُذُوا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال مَا لَيْسَ لَهُمْ، أَوْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَتَظَاهَرُوا عَلَى خَلْعِ الإِْمَامِ الَّذِي انْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ. عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَال الرَّمْلِيُّ: الأَْوْجَهُ وُجُوبُ قِتَالِهِمْ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ بِبَقَائِهِمْ - وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا ذُكِرَ - تَتَوَلَّدُ مَفَاسِدُ، قَدْ لاَ تُتَدَارَكُ مَا دَامُوا قَدْ خَرَجُوا عَنْ قَبْضَةِ الإِْمَامِ وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَال (٤) .
وَلَوِ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَجَبَ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ؛ إِذْ يُشْتَرَطُ لِمُقَاتَلَتِهِمْ أَنْ يَتَعَيَّنَ الْقِتَال
_________
(١) حديث: " من أعطي إماما صفقة يده. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٧٣ - ط الحلبي) .
(٢) المغني ٨ / ١٠٤، ١٠٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٠، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٨، والمغني ٨ / ١٠٥.
(٤) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٦، والمهذب ٢ / ٢٢٢.
لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل كَانَ أَوْلَى مِنَ الْقِتَال (١) .
كَيْفِيَّةُ قِتَال الْبُغَاةِ:
١٤ - الأَْصْل أَنَّ قِتَالَهُمْ إِنَّمَا يَكُونُ دَرْءًا لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ، مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ؛ لأَِنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ، وَلِذَا فَإِنَّ قِتَالَهُمْ يَفْتَرِقُ عَنْ قِتَال الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا: أَنْ يَقْصِدَ بِالْقِتَال رَدْعَهُمْ لاَ قَتْلَهُمْ، وَأَنْ يَكُفَّ عَنْ مُدْبِرِهِمْ، وَلاَ يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ (٢)، وَلاَ تُقْتَل أَسْرَاهُمْ، وَلاَ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، وَلاَ تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَلاَ يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِمُشْرِكٍ، وَلاَ يُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ، وَلاَ تُنْصَبُ عَلَيْهِمُ الْعَرَّادَاتُ (الْمَجَانِيقُ وَنَحْوُهَا)، وَلاَ تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ، وَلاَ يُقْطَعُ شَجَرُهُمْ (٣) .
وَإِذَا تَحَيَّزَ الْبُغَاةُ إِلَى جِهَةٍ مُجْتَمَعِينَ، أَوْ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ شَرِّهِمْ إِلاَّ بِالْقِتَال، حَل قِتَالُهُمْ حَتَّى يَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ، وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَمَا تَأَهَّبُوا فَعَل ذَلِكَ؛ إِذِ الْجِهَادُ مَعَهُمْ وَاجِبٌ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ شَرُّهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ. وَقَدْ قَاتَل عَلِيٌّ ﵁ أَهْل حَرُورَاءَ بِالنَّهْرَوَانِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ﵊ لَهُ أَنَا أُقَاتِل عَلَى
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٠، والمغني ٨ / ١٠٨، ١٠٩.
(٢) وللحنفية تفصيل، وهذا سيذكر بعد.
(٣) التاج والإكليل ٦ / ٢٧٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٤٢٩.
تَنْزِيل الْقُرْآنِ، وَعَلِيٌّ يُقَاتِل عَلَى تَأْوِيلِهِ (١) وَالْقِتَال مَعَ التَّأْوِيل هُوَ الْقِتَال مَعَ الْبُغَاةِ، وَذَلِكَ كَقِتَال أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَانِعِي الزَّكَاةِ (٢) .
وَإِذَا قَاتَلَهُمْ الإِْمَامُ فَهَزَمَهُمْ، وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَأُمِنَ جَانِبُهُمْ، أَوْ تَرَكُوا الْقِتَال بِإِلْقَاءِ السِّلاَحِ أَوْ بِالْهَزِيمَةِ أَوْ بِالْعَجْزِ، لِجِرَاحٍ أَوْ أَسِيرٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِهْل الْعَدْل أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ، وَلاَ يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلاَ يَقْتُلُوا أَسِيرَهُمْ؛ لِوُقُوعِ الأَْمْنِ عَنْ شَرِّهِمْ، وَلاَ تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ، وَلاَ يُقْسَمُ لَهُ مَالٌ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ لاَ يُقْتَل بَعْدَ الْهَزِيمَةِ مُقْبِلٌ وَلاَ مُدْبِرٌ، وَلاَ يُفْتَحُ بَابٌ، وَلاَ يُسْتَحَل فَرْجٌ وَلاَ مَالٌ بَل قَال لَهُمْ: مَنِ اعْتَرَفَ شَيْئًا فَلْيَأْخُذْهُ، أَيْ مَنْ عَرَفَ مِنَ الْبُغَاةِ مَتَاعَهُ اسْتَرَدَّهُ، وَقَال يَوْمَ الْجَمَل: لاَ تَتَّبِعُوا مُدْبِرًا، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلاَ تَقْتُلُوا أَسِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَالنِّسَاءَ (٣)؛ وَلأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ وَالرَّدِّ إِلَى الطَّاعَةِ
_________
(١) حديث: " أنا أقاتل على تنزيل القرآن وعلي يقاتل. . . " أخرجه الدارقطني في الأفراد، وقال: تفرد به جابر الجعفي وهو رافضي (كنز العمال ١١ / ٦١٣ - ط الرسالة) .
(٢) البدائع ٧ / ١٤٠، والفتح ٤ / ٤١١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٩٤، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٨، والمهذب ٢ / ٢١٩، المغني ٨ / ١٠٨.
(٣) الفتح ٤ / ٤١١، والبدائع ٧ / ١٤٠ - ١٤١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩ـ ٣٠٠، التاج الإكليل ٦ / ٢٧٨، والمهذب ٢ / ٢١٩، نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٦، والمغني ٨ / ١١٤، ١١٦ - ١١٧، كشاف القناع ٦ / ١٦٤.
دُونَ الْقَتْل (١) . وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: أَمَّا غَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيُ ذُرِّيَّتِهِمْ فَلاَ نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ خِلاَفًا؛ لأَِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا حَصَل مِنْ ضَرُورَةِ دَفْعِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْل التَّحْرِيمِ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ بَعِيدَةٌ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا، وَلاَ يُتَوَقَّعُ فِي الْعَادَةِ مَجِيئُهَا إِلَيْهِمْ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ وُصُولِهَا لَهُمْ، فَإِنَّهُ لاَ يُقَاتَل مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ؛ لأَِمْنِ غَائِلَتِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ قَرِيبَةٌ تُسْعِفُهُمْ عَادَةً، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ وَالإِْجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ. أَوْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ بَعِيدَةٌ يُتَوَقَّعُ فِي الْعَادَةِ مَجِيئُهَا إِلَيْهِمْ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَالْمُتَّجَهُ أَنْ يُقَاتَل (٣) .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا أُمِنَ جَانِبُهُمْ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُتْبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ، وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ (٤) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ أَهْل الْبَغْيِ إِذَا
_________
(١) المهذب ٢ / ٢١٩، والمغني ٨ / ١١٥.
(٢) المغني ٨ / ١١٥ـ ١١٦.
(٣) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٦.
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩ - ٣٠٠، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٨
تَرَكُوا الْقِتَال، بِالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ بِإِلْقَاءِ السِّلاَحِ، أَوْ بِالْهَزِيمَةِ إِلَى فِئَةٍ، أَوْ إِلَى غَيْرِ فِئَةٍ، أَوْ بِالْعَجْزِ لِجِرَاحٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ أَسْرٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ. وَسَاقَ ابْنُ قُدَامَةَ الآْثَارَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْل الْمُدْبِرِ وَالإِْجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ وَقَتْل الأَْسِيرِ، وَهِيَ عَامَّةٌ. ثُمَّ قَال: لأَِنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ وَقَدْ حَصَل، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ كَالصَّائِل، وَلاَ يُقْتَلُونَ لِمَا يُخَافُ فِي التَّالِي - إِنْ كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ - كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ (١) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا - مُطْلَقًا - فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لأَِهْل الْعَدْل أَنْ يَقْتُلُوا مُدْبِرَهُمْ، وَيُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ؛ لِئَلاَّ يَنْحَازُوا إِلَى الْفِئَةِ، فَيَمْتَنِعُوا بِهَا، فَيَكُرُّوا عَلَى أَهْل الْعَدْل. وَالْمُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ الْقَتْل أَمَارَةُ قِتَالِهِمْ لاَ حَقِيقَتُهُ؛ وَلأَِنَّ قَتْلَهُمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ، لاَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ دَفْعًا؛ لأَِنَّهُ يَتَحَيَّزُ إِلَى الْفِئَةِ وَيَعُودُ شَرُّهُ كَمَا كَانَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى تَأْوِيل إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ (٢) .
الْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلَةُ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ:
١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنَ الْبُغَاةِ - إِنْ كَانَتْ
_________
(١) المغني ٨ / ١١٥.
(٢) البدائع ٧ / ١٤٠ - ١٤١، والفتح ٤ / ٤١١.
تُقَاتِل - فَإِنَّهَا تُحْبَسُ، وَلاَ تُقْتَل إِلاَّ فِي حَال مُقَاتَلَتِهَا، وَإِنَّمَا تُحْبَسُ لِلْمَعْصِيَةِ، وَلِمَنْعِهَا مِنَ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُنَّ إِلاَّ بِالتَّحْرِيضِ وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنَّهُنَّ لاَ يُقْتَلْنَ (٢) .
أَمْوَالُهُمْ بِالنِّسْبَةِ لاِغْتِنَامِهَا وَإِتْلاَفِهَا وَضَمَانِهَا:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَمْوَال الْبُغَاةِ لاَ تُغْنَمُ، وَلاَ تُقَسَّمُ، وَلاَ يَجُوزُ إِتْلاَفُهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تُرَدَّ إِلَيْهِمْ. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْبِسَ الإِْمَامُ أَمْوَالَهُمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ بِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ حَتَّى يَتُوبُوا، فَيَرُدَّهَا إِلَيْهَا لاِنْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ؛ وَلأَِنَّهَا لاَ اسْتِغْنَامَ فِيهَا، وَإِذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ خَيْلٌ وَنَحْوُهَا - مِمَّا يُحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إِلَى إِنْفَاقٍ - كَانَ الأَْفْضَل بَيْعَهُ وَحَبْسَ ثَمَنِهِ.
وَفِي ضَمَانِ إِتْلاَفِ مَالِهِمْ كَلاَمٌ. فَإِنَّ الْعَادِل إِذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ حَال الْقِتَال بِسَبَبِ الْقِتَال أَوْ ضَرُورَتِهِ لاَ يَضْمَنُ؛ إِذْ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ إِلاَّ بِإِتْلاَفِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَالْخَيْل،
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٤١٢، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٩٥، والبحر الرائق ٥ / ١٥٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، المهذب ٢ / ٢٢١، المغني ٨ / ١١٥.
(٢) التاج والإكليل ٦ / ٢٧٩، والشرح الصغير ٤ / ٤٣٠.
فَيَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ إِذَا قَاتَلُوا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانُوا لاَ يَضْمَنُونَ الأَْنْفُسَ فَالأَْمْوَال أَوْلَى.
أَمَّا فِي غَيْرِ حَال الْقِتَال وَضَرُورَتِهِ فَلاَ تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ، وَلاَ يُقْطَعُ شَجَرُهُمْ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ إِذَا ظَفِرَ لَهُمْ بِمَالٍ حَال الْمُقَاتَلَةِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُرَدَّ إِلَيْهِمْ، فَلاَ تُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ؛ لأَِنَّ مَوَارِيثَهُمْ قَائِمَةٌ، وَإِنَّمَا قُوتِلُوا بِمَا أَحْدَثُوا مِنَ الْبِدَعِ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالْحَدِّ يُقَامُ عَلَيْهِمْ (١) .
وَقَيَّدَ الْمَاوَرْدِيُّ الضَّمَانَ بِمَا إِذَا كَانَ الإِْتْلاَفُ خَارِجَ الْقِتَال بِقَصْدِ التَّشَفِّي وَالاِنْتِقَامِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لإِضْعَافِهِمْ أَوْ هَزِيمَتِهِمْ فَلاَ ضَمَانَ (٢) .
وَاسْتَظْهَرَ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ حَمْل الضَّمَانِ عَلَى مَا قَبْل تَحَيُّزِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ، أَوْ بَعْدَ كَسْرِهِمْ وَتَفَرُّقِ جَمْعِهِمْ (٣) .
مَا أَتْلَفَهُ أَهْل الْعَدْل لِلْبُغَاةِ:
١٧ - نَقَل الزَّيْلَعِيُّ عَنِ الْمَرْغِينَانِيِّ: أَنَّ الْعَادِل إِذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ لاَ يَضْمَنُ وَلاَ يَأْثَمُ؛ لأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ. وَفِي الْمُحِيطِ: إِذَا أَتْلَفَ مَال الْبَاغِي يُؤْخَذُ بِالضَّمَانِ؛ لأَِنَّ مَال الْبَاغِي مَعْصُومٌ فِي حَقِّنَا، وَأَمْكَنَ إِلْزَامُ الضَّمَانِ، فَكَانَ فِي إِيجَابِهِ فَائِدَةٌ (٤)
_________
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٠، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٨ـ ٢٧٩.
(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٢، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٩٦.
(٤) تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٦.
مَا أَتْلَفَهُ الْبُغَاةُ لأَِهْل الْعَدْل:
١٨ - إِذَا أَتْلَفَ أَهْل الْبَغْيِ لأَِهْل الْعَدْل مَالًا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ طَائِفَةٌ مُتَأَوِّلَةٌ فَلاَ تَضْمَنُ كَأَهْل الْعَدْل؛ وَلأَِنَّهُ ذُو مَنَعَةٍ فِي حَقِّنَا، وَأَمَّا الإِْثْمُ فَإِنَّهُ لاَ مَنَعَةَ لَهُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ؛ وَلأَِنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إِلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنِ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا، وَشَهِدَتْ عَلَى قَوْمِهَا بِالشِّرْكِ، وَلَحِقَتْ بِالْحَرُورِيَّةِ فَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ إِنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى أَهْلِهَا تَائِبَةً، قَال فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ الأُْولَى ثَارَتْ، وَأَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - كَثِيرٌ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَلاَّ يُقِيمُوا عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فِي فَرْجٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيل الْقُرْآنِ، وَلاَ قِصَاصًا فِي دَمٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيل الْقُرْآنِ، وَلاَ يُرَدُّ مَالٌ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيل الْقُرْآنِ، إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ فَيُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُرَدَّ إِلَى زَوْجِهَا، وَأَنْ يُحَدَّ مَنِ افْتَرَى عَلَيْهَا.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: يَضْمَنُونَ؛ لِقَوْل أَبِي بَكْرٍ تَدُونَ قَتَلاَنَا، وَلاَ نَدِي - مِنَ الدِّيَةِ - قَتْلاَكُمْ (١) وَلأَِنَّهَا نُفُوسٌ وَأَمْوَالٌ مَعْصُومَةٌ أُتْلِفَتْ
_________
(١) المغني ٨ / ١١٣. وقد نقل ابن قدامة عن أبي بكر رجوعه عن ذلك ولم يمضه، ولم ينقل أنه غرم أحدا شيئا من ذلك. ولو وجب التغريم في حق المرتدين لم يلزم مثله هنا، وإذا البغاة مسلمون متأولون.
بِغَيْرِ حَقٍّ وَلاَ ضَرُورَةِ دَفْعِ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَالَّتِي أُتْلِفَتْ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ (١) .
وَإِذَا تَابَ الْبُغَاةُ وَرَجَعُوا أَخَذَ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَال أَهْل الْحَقِّ، وَمَا اسْتَهْلَكُوهُ لَمْ يُتْبَعُوا بِهِ، وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ؛ لأَِنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ (٢) .
وَإِذَا قَتَل الْبَاغِي أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعَدْل فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ يُقْتَل بِهِ؛ لأَِنَّهُ قُتِل بِإِشْهَارِ السِّلاَحِ وَالسَّعْيِ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَقِيل: لاَ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: إِنْ شِئْتُ أَنْ أَعْفُوَ، وَإِنْ شِئْتُ اسْتَقَدْتُ (٣) .
التَّمْثِيل بِقَتْلَى الْبُغَاةِ:
١٩ - التَّمْثِيل بِقَتْلَى الْبُغَاةِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَرَامٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَمَّا نَقْل رُءُوسِهِمْ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ أَخْذُ رُءُوسِهِمْ، فَيُطَافُ بِهَا فِي الآْفَاقِ؛ لأَِنَّهُ مُثْلَةٌ. وَجَوَّزَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، إِذَا كَانَ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ قُلُوبِ أَهْل
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٢، والبدائع ٧ / ١٤١، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٩٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩ـ ٣٠٠، والتاج والإكليل ٦ - ٢٧٨ـ ٢٧٩، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٥، المغني ٨ / ١١٢، ١١٣.
(٢) التاج والإكليل ٦ / ٢٧٨ـ ٢٧٩.
(٣) المغني ٨ / ١١٤.
الْعَدْل، أَوْ كَسْرُ شَوْكَةِ الْبُغَاةِ. وَجَوَّزَ الْمَالِكِيَّةُ رَفْعَ رُءُوسِ قَتْلَى الْبُغَاةِ فِي مَحَل قَتْلِهِمْ (١) .
أَسْرَى الْبُغَاةِ:
٢٠ - أَسْرَى الْبُغَاةِ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةً خَاصَّةً؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ شَرِّهِمْ، فَلاَ يُسْتَبَاحُ دَمُهُمْ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الْقِتَال، وَلِذَا فَإِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ اتِّفَاقًا، لِلتَّعْلِيل السَّابِقِ؛ وَلِذَا لاَ يُسْتَرَقُّونَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ أَمْ لاَ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ، وَلاَ تُسْبَى لَهُمْ نِسَاءٌ وَلاَ ذُرِّيَّةٌ (٢) .
أَمَّا إِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (٣)
_________
(١) الفتح ٤ / ٤١٦، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٢، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٩٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٧ـ ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٦، والمغني ٨ / ١١٤ـ ١١٦، وكشاف القناع ٦ / ١٦٤.
(٢) تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٥، والشرح الصغير وبلغة السالك ٢ / ٤١٥، حاشية الجمل ٥ / ١١٧، ١١٨، الفروع ٣ / ٥٤. قال الكمال: ولولا أنه فيه إجماعا لأمكن التمسك ببعض الظواهر في تملكه، فإن ابن أبي شيبة (١٥ / ٢٦٤) أسند عن أبي البختري لما انهزم أهل الجمل قال علي: لا تطلبوا من كان خارجا من العسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم، وليس لكم أم ولد، وأ (الفتح ٤ / ٤١٣) .
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩.