الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

إِجَارَةٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ، وَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ السِّلاَحِ فِي الْفِتْنَةِ. (١)

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ بَيْعِ السِّلاَحِ لَهُمْ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؛ (٢) وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ أَخْذُ سِلاَحِهِمْ بِمَا أَمْكَنَ، حَتَّى لاَ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي الْفِتْنَةِ، فَمَنْعُ بَيْعِهِ لَهُمْ أَوْلَى.

وَالَّذِي يُكْرَهُ هُوَ بَيْعُ السِّلاَحِ نَفْسِهِ الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَال. وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّ طَالِبَ السِّلاَحِ مِنْ أَهْل الْفِتْنَةِ لاَ يُكْرَهُ الْبَيْعُ لَهُ؛ لأَِنَّ الْغَلَبَةَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لأَِهْل الصَّلاَحِ، وَالأَْحْكَامُ تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ.

وَأَمَّا مَا لاَ يُقَاتَل بِهِ إِلاَّ بِصَنْعَةٍ كَالْحَدِيدِ، فَلاَ يُكْرَهُ بَيْعُهُ؛ لأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقَعُ بِعَيْنِ السِّلاَحِ، بِخِلاَفِ الْحَدِيدِ، وَقَاسُوهُ عَلَى الْخَشَبِ الَّذِي

_________

(١) الحطاب ٤ / ٢٥٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٥٥، المغني ٤ / ٢٤٦، وإعلام الموقعين ٣ / ١٥٨. وحديث: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة " أخرجه البيهقي من حديث عمران بن حصين بإسنادين، أما الإسناد الأول فقد قال عنه البيهقي: رفعه وهم الموقوف أصح. . . . أما الإسناد الثاني ففيه (بحر السقاء) وقد قال عنه: ضعيف لا يحتج به (السنن الكبرى للبيهقي ٥ / ٣٢٧) .

(٢) سورة المائدة / ٢.

يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمَعَازِفُ، فَإِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ بَيْعُهُ؛ لأَِنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ مُنْكَرًا، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْمَحْظُورِ.

وَالْحَدِيدُ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا بَيْعُهُ لأَِهْل الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لأَِهْل الْبَغْيِ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَتَفَرَّغُونَ لاِسْتِعْمَال الْحَدِيدِ سِلاَحًا؛ لأَِنَّ فَسَادَهُمْ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَال بِالتَّوْبَةِ، أَوْ بِتَفْرِيقِ جَمْعِهِمْ، بِخِلاَفِ أَهْل الْحَرْبِ. (١)

وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ، وَقَال: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا. (٢)

وَاجِبُ الإِْمَامِ نَحْوَ الْبُغَاةِ:

أ - قَبْل الْقِتَال:

١٠ - يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَدْعُوَ الْبُغَاةِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَالدُّخُول فِي طَاعَتِهِ رَجَاءَ الإِْجَابَةِ، وَقَبُول الدَّعْوَةِ، لَعَل الشَّرَّ يَنْدَفِعُ بِالتَّذْكِرَةِ؛ لأَِنَّهُ تُرْجَى تَوْبَتُهُمْ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِظُلْمٍ مِنْهُ أَزَالَهُ، وَإِنْ ذَكَرُوا عِلَّةً يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا أَزَالَهَا، وَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً كَشَفَهَا؛ (٣) لأَِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَدَأَ الأَْمْرَ

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٦ـ ٢٩٧، والفتح والعناية٤ / ٤١٥، والبدائع ٧ / ١٤٠.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٣.

(٣) تبيين الحقائق٣ / ٢٩٤، والدر وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، وفتح القدير ٤ / ٤١٠، والبدائع ٧ / ١٤٠، والشرح الكبير ٤ / ٢٩٩، الشرح الصغير ٤ / ٤٠٨، والمهذب ٢ / ٢١٩، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٥ـ ٣٨٦، والمغني ٨ / ١٠٨، وكشاف القناع ٦ / ١٦٢.

بِالإِْصْلاَحِ قَبْل الْقِتَال فَقَال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ . (١) وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ وَدَفْعُ شَرِّهِمْ، لاَ قَتْلُهُمْ. فَإِذَا أَمْكَنَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل كَانَ أَوْلَى مِنَ الْقِتَال؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْفَرِيقَيْنِ. وَلاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْل ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يُخَافَ شَرُّهُمْ. (٢) وَإِنْ طَلَبُوا الإِْنْظَارَ - وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ قَصْدِهِمُ الرُّجُوعَ إِلَى الطَّاعَةِ - أَمْهَلَهُمْ.

قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُل مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ. (٣) وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: يُنْظِرُهُمْ إِلَى مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ كَيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. (٤)

وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى بَغْيِهِمْ، بَعْدَ أَنْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَمِينًا نَاصِحًا لِدَعْوَتِهِمْ، نَصَحَهُمْ نَدْبًا بِوَعْظٍ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، وَحَسَّنَ لَهُمُ اتِّحَادَ كَلِمَةِ الدِّينِ وَعَدَمَ شَمَاتَةِ الْكَافِرِينَ، فَإِنْ أَصَرُّوا آذَنَهُمْ بِالْقِتَال. (٥)

وَإِنْ قَاتَلَهُمْ بِلاَ دَعْوَةٍ جَازَ؛ لأَِنَّ الدَّعْوَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. (٦)

_________

(١) سورة الحجرات / ٩.

(٢) المغني ٨ / ١٠٨، وكشاف القناع٦ / ١٦٢.

(٣) المغني ٨ / ١٠٨.

(٤) المهذب ٢ / ٢١٩.

(٥) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٦.

(٦) تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٤، والدر وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ إِنْذَارُهُمْ وَدَعْوَتُهُمْ مَا لَمْ يُعَاجِلُوهُ. (١)

وَكَوْنُ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ عَارِفًا فَطِنًا وَاجِبٌ، إِنْ بُعِثَ لِلْمُنَاظَرَةِ وَكَشْفِ الشُّبْهَةِ، وَإِلاَّ فَمُسْتَحَبٌّ. (٢)

وَفَصَّل الْكَاسَانِيُّ فَقَال: إِنْ عَلِمَ الإِْمَامُ أَنَّهُمْ يُجَهِّزُونَ السِّلاَحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَال، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ، وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى تَعَسْكَرُوا وَتَأَهَّبُوا لِلْقِتَال، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى رَأْيِ الْجَمَاعَةِ أَوَّلًا، فَإِنَّ الإِْمَامَ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْل حَرُورَاءَ، نَدَبَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الْعَدْل، فَإِنْ أَجَابُوا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ. . . وَإِنْ قَاتَلَهُمْ قَبْل الدَّعْوَةِ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، فَهُمْ مُسْلِمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. (٣)

وَقَدْ أَسْنَدَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ اعْتَزَلُوا فِي دَارٍ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلاَفٍ، فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: لَعَلِّي أُكَلِّمُ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ. قَال إِنِّي أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ. قُلْتُ: كَلاَّ. فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، وَمَضَيْتُ إِلَيْهِمْ، حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ.

_________

(١) الشرح الصغير٤ / ٤٢٨.

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٥.

(٣) البدائع ٧ / ١٤٠.

وَقُلْتُ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ وَصِهْرِهِ وَعَلَيْهِمْ نَزَل الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْكُمْ. وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَقُلْتُ: هَاتُوا مَا نَقَمْتُمْ عَلَى أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ وَخَتَنِهِ. قَالُوا: ثَلاَثٌ. أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَال فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (١) وَأَنَّهُ قَاتَل وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَقَدْ حَلَّتْ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ. وَأَنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَمِيرَ الْكَافِرِينَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا يَرُدُّ قَوْلَكُمْ هَذَا، تَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَال فِي دِينِ اللَّهِ، فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ أَنْ قَدْ صَيَّرَ اللَّهُ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَال فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَقَال اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ

_________

(١) سورة الأنعام / ٥٧.

(٢) أي رضي بحذف عبارة:) أمير المؤمنين) في صك التحكيم بينه وبين معاوية.

(٣) سورة المائدة / ٩٥.

وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَال فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ أَحَقُّ، أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ؟ . وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَل وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ، فَتَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا، وَهِيَ أُمُّكُمْ؟ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ. فَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ أُمَّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ . (٢) وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَقَال لِكَاتِبِهِ: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُول اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلاَ قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَال: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُول اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي. يَا عَلِيُّ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَرَسُول اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ مَحَا نَفْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُ ذَلِكَ مَحْوًا مِنَ النُّبُوَّةِ. فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَبَقِيَ سَائِرُهُمْ، فَقُوتِلُوا. (٣)

_________

(١) سورة النساء / ٣٥.

(٢) الأحزاب / ٦.

(٣) الفتح ٤ / ٤١٠، وانظر البدائع ٧ / ١٤٠، والمغني ٨ / ١١٦، والمهذب ٢ / ٢١٩، ونيل الأوطار ٧ / ١٦٨.

وَيُصَرِّحُ الأَْلُوسِيُّ أَنَّهُ يَجِبُ قَبْل الْقِتَال إِزَالَةُ الشُّبْهَةِ بِالْحُجَجِ النَّيِّرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، وَدَعْوَةِ الْبُغَاةِ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالدُّخُول فِي طَاعَةِ الإِْمَامِ. (١)

ب - قِتَال الْبُغَاةِ:

١١ - إِذَا مَا دَعَا الإِْمَامُ الْبُغَاةَ إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ، وَكَشَفَ شُبْهَتَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا وَتَحَيَّزُوا مُجْتَمِعِينَ، وَكَانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِلْقِتَال فَإِنَّهُ يَحِل قِتَالُهُمْ. وَلَكِنْ هَل نَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَال، أَمْ لاَ نُقَاتِلُهُمْ إِلاَّ إِذَا أَظْهَرُوا الْمُغَالَبَةَ؟ هُنَاكَ اتِّجَاهَانِ:

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: جَوَازُ الْبَدْءِ بِالْقِتَال؛ لأَِنَّهُ لَوِ انْتَظَرْنَا قِتَالَهُمْ رُبَّمَا لاَ يُمْكِنُ الدَّفْعُ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ خُوَاهَرْ زَادَهْ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ النَّصَّ جَاءَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْبُدَاءَةِ مِنْهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي. . .﴾ (٢) وَقَوْل عَلِيٍّ ﵁: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حِدَاثُ الأَْسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَْحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْل خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣)؛

_________

(١) روح المعاني ١٦ / ١٥١

(٢) الحجرات / ٩.

(٣) حديث: " سيخرج قوم في آخر الزمان. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٨٣ـ ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٤٦ـ ٧٤٧ - ط الحلبي) .

وَلأَِنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى عَلاَمَتِهِ، وَهِيَ هُنَا التَّحَيُّزُ وَالتَّهَيُّؤُ، فَلَوِ انْتَظَرْنَا حَقِيقَةَ قِتَالِهِمْ لَصَارَ ذَرِيعَةً لِتَقْوِيَتِهِمْ. فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الإِْمَارَةِ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّهِمْ؛ وَلأَِنَّهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ صَارُوا عُصَاةً فَجَازَ قِتَالُهُمْ، إِلَى أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ. وَمَا نُقِل عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْخَوَارِجِ لَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا مَعْنَاهُ: حَتَّى تَعْزِمُوا عَلَى قِتَالِنَا. وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَمَا تَأَهَّبُوا فَعَل ذَلِكَ، وَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِأَهْوَنَ مِنْهُ (١) .

وَإِلَى الْقَوْل بِحِل بَدْئِهِمْ بِالْقِتَال اتَّجَهَ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ، جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: إِنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِالْقِتَال، فَإِنْ رَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ تَرَكَهُمْ، وَإِلاَّ لَزِمَهُ قِتَالُهُمْ إِنْ كَانَ قَادِرًا؛ لإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ (٢) .

الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: نَقَل الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لاَ يَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَال حَتَّى يَبْدَءُوهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْكَاسَانِيُّ وَالْكَمَال. قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، لاَ لِشَرِّ شِرْكِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَمَا لَمْ يَتَوَجَّهِ الشَّرُّ مِنْهُمْ لاَ يُقَاتِلُهُمُ الإِْمَامُ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ قِتَال الْمُسْلِمِ إِلاَّ دَفْعًا، بِخِلاَفِ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّ

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٤، والفتح ٤ / ٤١١.

(٢) كشاف القناع ٦ / ١٦٢، وانظر المغني ٨ / ١٠٨.

نَفْسَ الْكُفْرِ قَبِيحٌ (١) . وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَلاَّ يَبْدَءُوا مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِالْقِتَال، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُمْ دُونَ الْقَتْل لَمْ يَجُزِ الْقَتْل. وَلاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْل ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يُخَافَ شَرُّهُمْ كَالصَّائِل. وَقَال ابْنُ تَيْمِيَةَ: " الأَْفْضَل تَرْكُهُ حَتَّى يَبْدَءُوهُ " أَيِ الْقِتَال (٢) .

الْمُعَاوَنَةُ فِي مُقَاتَلَةِ الْبُغَاةِ:

١٢ - مَنْ دَعَاهُ الإِْمَامُ إِلَى مُقَاتَلَةِ الْبُغَاةِ افْتُرِضَ عَلَيْهِ إِجَابَتُهُ؛ لأَِنَّ طَاعَةَ الإِْمَامِ فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَرْضٌ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَجِبُ عَلَى كُل مَنْ أَطَاقَ الدَّفْعَ أَنْ يُقَاتِل مَعَ الإِْمَامِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ سَبَبُ الْخُرُوجِ ظُلْمَ الإِْمَامِ بِمَا لاَ شُبْهَةَ فِيهِ؛ إِذْ يَجِبُ مَعُونَتُهُمْ لإِنْصَافِهِمْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَزِمَ بَيْتَهُ. وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَعَدُوا فِي الْفِتْنَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي تَرَدُّدٍ مِنْ حِل الْقِتَال.

وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ قَوْلِهِ: " إِذَا

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤٠، والفتح ٤ / ٤١٠.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، كشاف القناع ٦ / ١٦٢، والمغني ٨ / ١٠٨، والمهذب ٢ / ٢١٩، ٢٢٢، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٣.

وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَزِل الْفِتْنَةَ، وَيَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ " فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ. أَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّارِ (١) فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اقْتِتَالِهِمَا حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً، أَوْ لأَِجْل الدُّنْيَا وَالْمُلْكِ. وَلَوْ كَانَ السُّلْطَانُ ظَالِمًا، وَبَغَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ لِرَفْعِ الظُّلْمِ، وَطُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَجِبْ، فَلاَ يَنْبَغِي لِلنَّاسِ مُعَاوَنَةُ السُّلْطَانِ وَلاَ مُعَاوَنَةُ الْبُغَاةِ (٢)؛ إِذْ غَيْرُ الْعَدْل لاَ تَجِبُ مُعَاوَنَتُهُ. قَال مَالِكٌ: دَعْهُ وَمَا يُرَادُ مِنْهُ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنَ الظَّالِمِ بِظَالِمٍ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا (٣) . وَيَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَنْ خَرَجُوا عَلَى الإِْمَامِ - وَلَوْ جَائِرًا - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِعَانَتُهُ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْهُمْ، حَتَّى تَبْطُل شَوْكَتُهُمْ (٤) .

وَيَدُل عَلَى وُجُوبِ مَعُونَةِ الإِْمَامِ لِدَفْعِ الْبُغَاةِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ أَعْطَى إِمَامًا

_________

(١) حديث: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٣١ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٢١٤ - ط الحلبي) .

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، وفتح القدير ٤ / ٤١١، والبدائع ٧ / ١٤٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٩٩، وحاشية الشبراملسي مع نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٥، والمغني ٨ / ١٠٧، كشاف القناع ٦ / ١٦٢.

(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩.

(٤) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٥.