الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

بُغَاةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - يُقَال فِي اللُّغَةِ: بَغَى عَلَى النَّاسِ بَغْيًا: أَيْ ظَلَمَ وَاعْتَدَى، فَهُوَ بَاغٍ وَالْجَمْعُ بُغَاةٌ، وَبَغَى: سَعَى بِالْفَسَادِ، وَمِنْهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. (١)

وَالْفُقَهَاءُ لاَ يَخْرُجُونَ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى إِلاَّ بِوَضْعِ بَعْضِ قُيُودٍ فِي التَّعْرِيفِ فَقَدْ عَرَّفُوا الْبُغَاةَ بِأَنَّهُمُ: الْخَارِجُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ طَاعَةِ الإِْمَامِ الْحَقِّ بِتَأْوِيلٍ، وَلَهُمْ شَوْكَةٌ.

وَيُعْتَبَرُ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ: الاِمْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ الَّذِي يَطْلُبُهُ الإِْمَامُ، كَالزَّكَاةِ.

وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ سِوَى الْبُغَاةِ اسْمُ (أَهْل الْعَدْل) وَهُمُ الثَّابِتُونَ عَلَى مُوَالاَةِ الإِْمَامِ. (٢)

_________

(١) المصباح ولسان العرب، مادة: " بغي ".

(٢) القرطبي ٦ / ٣١٦، وروح المعاني ٢٦ / ١٥٠، ومعالم التنزيل بهامش ابن كثير ٨ / ١٥، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٨، الهداية والفتح ٤ / ٤٠٨، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٣، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٦، ومواهب الجليل ٦ / ٢٧٨، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٦، ومنهاج الطالبين وحاشية قليوبي ٤ / ١٧٠، وكشاف القناع ٦ / ١٥٨.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْخَوَارِجُ:

٢ - يَقُول الْجُرْجَانِيُّ: هُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْعُشْرَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ. (١) وَهُمْ فِي الأَْصْل كَانُوا فِي صَفِّ الإِْمَامِ عَلِيٍّ ﵁ فِي الْقِتَال، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ لَمَّا قَبِل التَّحْكِيمَ. قَالُوا: لِمَ تُحَكِّمْ وَأَنْتَ عَلَى حَقٍّ.

وَيَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى بَاطِلٍ بِقَبُولِهِ التَّحْكِيمَ، وَيُوجِبُونَ قِتَالَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ أَهْل الْعَدْل، وَيَسْبُونَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ فِي نَظَرِهِمْ كُفَّارٌ. (٢)

وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ بُغَاةٌ، وَلاَ يَرَوْنَ تَكْفِيرَهُمْ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ. وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْل الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ أَنَّ الإِْمَامَ عَلِيًّا ﵁ سُئِل عَنْهُمْ: أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَال: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا. قِيل: فَمُنَافِقُونَ؟ قَال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا. قِيل فَمَا هُمْ؟ قَال: هُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ، فَعَمُوا وَصَمُّوا، وَبَغَوْا عَلَيْنَا، وَقَاتَلُوا فَقَاتَلْنَاهُمْ. وَقَال لَهُمْ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلاَثٌ: لاَ نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلاَ نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ، وَلاَ نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ

_________

(١) التعريفات للجرجاني ص ٩١.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٠، والبدائع ٧ / ١٤٠.

أَيْدِيكُمْ مَعَنَا. (١)

وَيَقُول الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ تَظَاهَرَ الْخَوَارِجُ بِاعْتِقَادِهِمْ، وَهُمْ عَلَى اخْتِلاَطٍ بِأَهْل الْعَدْل، جَازَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ. (٢)

وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي مُصْطَلَحِ (فِرَق) .

ب - الْمُحَارِبُونَ:

٣ - الْمُحَارِبُونَ: لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحِرَابَةِ مَصْدَرُ حَرَبَ، وَحَرَبَهُ يَحْرُبُهُ: إِذَا أَخَذَ مَالَهُ، وَالْحَارِبُ: الْغَاصِبُ النَّاهِبُ. (٣)

وَعَبَّرَ عَنْهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ الْخُرُوجُ عَلَى الْمَارَّةِ لأَِخْذِ الْمَال عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ، عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ الْمَارَّةَ مِنَ الْمُرُورِ، فَيَنْقَطِعُ الطَّرِيقُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَطْعُ مِنْ جَمَاعَةٍ أَمْ وَاحِدٍ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةُ الْقَطْعِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَطْعُ بِسِلاَحٍ أَمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعَصَا وَالْحَجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتُسَمَّى الْحِرَابَةُ بِالسَّرِقَةِ الْكُبْرَى.

أَمَّا كَوْنُهَا سَرِقَةً؛ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ يَأْخُذُ الْمَال خُفْيَةً عَنْ عَيْنِ الإِْمَامِ الَّذِي عَلَيْهِ حِفْظُ الأَْمْنِ. وَأَمَّا كَوْنُهَا كُبْرَى؛ فَلأَِنَّ ضَرَرَهُ يَعُمُّ، حَيْثُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِزَوَال الأَْمْنِ. (٤)

_________

(١) المغني ٨ / ١٠٥ - ١٠٧.

(٢) الأحكام السلطانية ص ١٥٨.

(٣) لسان العرب مادة: " حرب ".

(٤) البحر الرائق ٥ / ٧٢، والبدائع ٧ / ٩٠، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٣ / ٢٣٥، ومواهب الجليل، ٦ / ٩١٤، والشرح الصغير ٤ / ٤٩١.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِرَابَةِ وَالْبَغْيِ هُوَ أَنَّ الْبَغْيَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ تَأْوِيلٍ، أَمَّا الْحِرَابَةُ فَالْغَرَضُ مِنْهَا الإِْفْسَادُ فِي الأَْرْضِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْبَغْيِ:

٤ - الْبَغْيُ حَرَامٌ، وَالْبُغَاةُ آثِمُونَ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْبَغْيُ خُرُوجًا عَنِ الإِْيمَانِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ سَمَّى الْبُغَاةَ مُؤْمِنِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. . .﴾ إِلَى أَنْ قَال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، (١) وَيَحِل قِتَالُهُمْ، وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ مَعُونَةُ الإِْمَامِ فِي قِتَالِهِمْ. وَمَنْ قُتِل مِنْ أَهْل الْعَدْل أَثْنَاءَ قِتَالِهِمْ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَيَسْقُطُ قِتَالُهُمْ إِذَا فَاءُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَيَقُول الصَّنْعَانِيُّ: إِذَا فَارَقَ أَحَدٌ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ وَلاَ قَاتَلَهُمْ يُخَلَّى وَشَأْنَهُ؛ إِذْ مُجَرَّدُ الْخِلاَفِ عَلَى الإِْمَامِ لاَ يُوجِبُ قِتَال الْمُخَالِفِ. (٢)

وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ قَال النَّبِيُّ ﵊ لاِبْنِ مَسْعُودٍ: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ: أَتَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ؟ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ أَلاَّ يُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ،

_________

(١) سورة الحجرات / ٩، ١٠.

(٢) روح المعاني ٢٦ / ١٥١، وسبل ٣ / ٤٠٧.

وَلاَ يُقْتَل أَسِيرُهُمْ، وَلاَ يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ. (١)

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْبَغْيَ لَيْسَ اسْمَ ذَمٍّ؛ لأَِنَّ الْبُغَاةَ خَالَفُوا بِتَأْوِيلٍ جَائِزٍ فِي اعْتِقَادِهِمْ، لَكِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيهِ، فَلَهُمْ نَوْعُ عُذْرٍ؛ لِمَا فِيهِمْ مِنْ أَهْلِيَّةِ الاِجْتِهَادِ.

وَقَالُوا: إِنَّ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّهِمْ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ وَصْفِهِمْ بِالْعِصْيَانِ أَوِ الْفِسْقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لاَ أَهْلِيَّةَ فِيهِ لِلاِجْتِهَادِ، أَوْ لاَ تَأْوِيل لَهُ. (٢) وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ قَطْعِيَّ الْبُطْلاَنِ.

٥ - وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ الْبُغَاةِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ فِعْلِهِمْ، أَوْ كَوْنُهُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً كَمَا يَلِي:

أ - الْبُغَاةُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْبِدَعِ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُخْطِئُونَ فِي تَأْوِيلِهِمْ، كَالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي قَبُول شَهَادَتِهِمْ. (٣) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَكَذَا إِنْ تَكَلَّمُوا بِالْخُرُوجِ لَكِنْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْخُرُوجِ بَعْدُ، فَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَتَعَرَّضَ

_________

(١) سبل السلام ٣ / ٤٠٩، وروح المعاني ٢٦ / ١٥١ وحديث: " أتدري ما حكم الله فيمن بغي. . . " أخرجه الحاكم (٢ / ١٥٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) والبيهقي (٨ / ١٨٢ - دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: تفرد به كوثر بن حكيم وهو ضعيف.

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٢.

(٣) المغني ٨ / ١١٧.

لَهُمْ؛ لأَِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْجِنَايَةِ لَمْ يُوجَدْ. وَمِثَال ذَلِكَ: مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ عَصَى الإِْمَامَ لاَ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ، مِنْ أَنَّهُ مَكَثَ أَشْهُرًا لَمْ يُبَايِعِ الْخَلِيفَةَ ثُمَّ بَايَعَهُ. يَقُول الْقُرْطُبِيُّ: وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ لَعْنَ الْبُغَاةِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَتَفْسِيقَهُمْ. (١)

ب - إِنْ خَالَطَ الْبُغَاةَ أَهْل الْعَدْل، وَتَظَاهَرُوا بِاعْتِقَادِهِمْ، دُونَ مُقَاتَلَتِهِمْ جَازَ لِلإِْمَامِ تَعْزِيرُهُمْ؛ إِذِ التَّظَاهُرُ بِاعْتِقَادِهِمْ، وَنَشْرُهُ بَيْنَ أَهْل الْعَدْل دُونَ قِتَالٍ يُعْتَبَرُ مِنَ الصَّغَائِرِ. (٢)

ج - إِذَا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامٍ، وَصَارُوا آمَنِينَ بِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِظُلْمٍ ظَلَمَهُمْ إِيَّاهُ، وَلَكِنْ لِدَعْوَى الْحَقِّ وَالْوِلاَيَةِ. فَقَالُوا: الْحَقُّ مَعَنَا، وَيَدَّعُونَ الْوِلاَيَةَ، وَلَهُمْ تَأْوِيلٌ وَمَنَعَةٌ، فَهُمْ أَهْل بَغْيٍ، فَعَلَى كُل مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِتَال مُنَاصَرَةُ الإِْمَامِ عَلَيْهِمْ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمِنَ الْبُغَاةِ الْخَوَارِجُ.

وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا خَرَجُوا عَلَى الإِْمَامِ فَهُمْ فُسَّاقٌ. (٣)

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٩، ومواهب الجليل ٦ / ٢٧٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٨، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٢١.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥٨.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٩، وحاشية الشلبي ٣ / ٢٩٤، والمغني ٨ / ١١٨.

شُرُوطُ تَحَقُّقِ الْبَغْيِ:

٦ - يَتَحَقَّقُ الْبَغْيُ بِمَا يَلِي:

أ - أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُونَ عَلَى الإِْمَامِ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لإِرَادَةِ خَلْعِهِ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ. فَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْل الذِّمَّةِ لَكَانُوا حَرْبِيِّينَ لاَ بُغَاةً. وَلَوْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلاَ طَلَبِ إِمْرَةٍ لَكَانُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ وَمَنَعَةٌ، وَلاَ يُخْشَى قِتَالُهُمْ، وَلَوْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ. وَلَوْ خَرَجُوا عَلَى الإِْمَامِ بِحَقٍّ - كَدَفْعِ ظُلْمٍ - فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ، وَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَتْرُكَ الظُّلْمَ وَيُنْصِفَهُمْ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلنَّاسِ مَعُونَةُ الإِْمَامِ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى الظُّلْمِ، وَلاَ أَنْ يُعِينُوا تِلْكَ الطَّائِفَةَ الْخَارِجَةَ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى خُرُوجِهِمْ، وَاتِّسَاعِ الْفِتْنَةِ، وَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَ الْفِتْنَةَ.

وَأَمَّا مَنْ خَرَجُوا عَلَى الإِْمَامِ بِمَنَعَةٍ، بِتَأْوِيلٍ يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ، مُسْتَحِلِّينَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، مِمَّا كَانَ قَطْعِيَّ التَّحْرِيمِ، كَتَأْوِيل الْمُرْتَدِّينَ، فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ؛ لأَِنَّ الْبَاغِيَ تَأْوِيلُهُ مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَلَكِنَّ فَسَادَهُ هُوَ الأَْظْهَرُ، وَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّرْعِ فِي زَعْمِهِ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ، إِذَا ضُمَّتْ إِلَيْهِ الْمَنَعَةُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ. (١)

ب - أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى إِمَامٍ

_________

(١) التاج والإكليل ٦ / ٢٧٧ - ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٢ـ ٣٨٣، وفتح القدير ٤ / ٤١٤.

وَصَارُوا بِهِ آمَنِينَ، وَالطُّرُقَاتُ بِهِ آمِنَةٌ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُونُ عَاجِزًا، أَوْ جَائِرًا ظَالِمًا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَعَزْلُهُ، إِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ فِتْنَةٌ، وَإِلاَّ فَالصَّبْرُ أَوْلَى مِنَ التَّعَرُّضِ لإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ.

ج - أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ، أَيْ بِإِظْهَارِ الْقَهْرِ. وَقِيل: بِالْمُقَاتَلَةِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ مَنْ يَعْصِي الإِْمَامَ لاَ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ لاَ يَكُونُ مِنَ الْبُغَاةِ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الإِْمَامِ مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ الْقَهْرِ لاَ يَكُونُ بَاغِيًا. (١)

د - وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ لِلْخَارِجِينَ مُطَاعٌ فِيهِمْ، يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا مَنْصُوبًا؛ إِذْ لاَ شَوْكَةَ لِمَنْ لاَ مُطَاعَ لَهُمْ.

وَقِيل: بَل يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ مَنْصُوبٌ مِنْهُمْ،

هَذَا وَلاَ يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الْبَغْيِ انْفِرَادُهُمْ بِنَحْوِ بَلَدٍ (٢) وَلَكِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِمُقَاتَلَتِهِمْ. (٣)

_________

(١) الشرح الصغير ٤ / ٤٢٧.

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٢ـ ٣٨٣.

(٣) راجع ما قلناه في الشروط جميعها: حاشية ابن عابدين (٣ / ٣٠٩ـ ٣١٠)، وفتح القدير ٤ / ٤٠٨، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٤، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٧، ومواهب الجليل ٦ / ٢٧٧ - ٢٧٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٧، المهذب ٢ / ٢١٩، ومنهاج الطالبين وحاشية قليوبي ١ / ١٧٠ـ ١٧١، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٢ - ٣٨٣، كشاف القناع ٦ / ١٦١، والمغني ٨ / ١٠٧.

الإِْمَامُ الَّذِي يُعْتَبَرُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بَغْيًا:

٧ - مَنِ اتَّفَقَ، الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ، وَثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَمَعُونَتُهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ بِعَهْدِ إِمَامٍ قَبْلَهُ إِلَيْهِ؛ إِذِ الإِْمَامُ يَصِيرُ إِمَامًا بِالْمُبَايَعَةِ أَوْ بِالاِسْتِخْلاَفِ مِمَّنْ قَبْلَهُ. وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الإِْمَامِ فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، حَتَّى أَذْعَنُوا لَهُ وَتَابَعُوهُ، صَارَ إِمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ. (١) وَيُنْظَرُ لِلتَّفْصِيل بَحْثُ (الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى) .

أَمَارَاتُ الْبَغْيِ:

٨ - إِذَا تَكَلَّمَ جَمَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ وَمُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ، وَأَظْهَرُوا الاِمْتِنَاعَ، وَكَانُوا مُتَحَيِّزِينَ مُتَهَيِّئِينَ لِقَصْدِ الْقِتَال، لِخَلْعِ الإِْمَامِ وَطَلَبِ الإِْمْرَةِ لَهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ يُبَرِّرُ فِي نَظَرِهِمْ مَسْلَكَهُمْ دُونَ الْمُقَاتَلَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَمَارَةَ بَغْيِهِمْ.

وَيَنْبَغِي إِذَا مَا بَلَغَ الإِْمَامَ أَمْرُهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ السِّلاَحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَال، أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً؛ دَفْعًا لِلشَّرِّ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ؛ لأَِنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ أَنْ يَبْدَءُوهُ بِالْقِتَال، فَرُبَّمَا لاَ يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ، لِتَقَوِّي شَوْكَتِهِمْ

_________

(١) المغني ٨ / ١٠٧، الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٠، التاج والإكليل ٦ / ٢٧٧، منهاج الطالبين وحاشية قليوبي ٤ / ١٧٣ـ ١٧٤.

وَتَكَثُّرِ جَمْعِهِمْ، خُصُوصًا وَالْفِتْنَةُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا أَهْل الْفَسَادِ. (١) وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي بَدْئِهِمْ بِالْقِتَال عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

وَكَذَلِكَ فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُمْ لِلإِْمَامِ لِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ، أَوْ لآِدَمِيٍّ كَزَكَاةٍ، وَكَأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِمَّا جَبَوْهُ لِبَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ كَخَرَاجِ الأَْرْضِ، مَعَ التَّحَيُّزِ وَالتَّهَيُّؤِ لِلْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ عَلَى وَجْهِ الْمُغَالَبَةِ، وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَمَارَةَ بَغْيِهِمْ. (٢)

أَمَّا لَوْ أَظْهَرُوا رَأْيَ الْخَوَارِجِ، كَتَكْفِيرِ فَاعِل الْكَبِيرَةِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْتَكِبُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْصِدُوا الْقِتَال، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِْمَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ أَمَارَةَ الْبَغْيِ، حَتَّى لَوِ امْتَازُوا بِمَوْضِعٍ يَتَجَمَّعُونَ فِيهِ، لَكِنْ إِنْ حَصَل مِنْهُمْ ضَرَرٌ تَعَرَّضْنَا لَهُمْ إِلَى زَوَال الضَّرَرِ. (٣)

بَيْعُ السِّلاَحِ لأَِهْل الْفِتْنَةِ

٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ السِّلاَحِ لِلْبُغَاةِ وَأَهْل الْفِتْنَةِ؛ لأَِنَّ هَذَا سَدٌّ لِذَرِيعَةِ الإِْعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ مِنْ

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤١١، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٣ / ١٩٤، والبدائع ٧ / ١٤٠.

(٢) الشرح الكبير، حاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩.

(٣) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٣، كشاف القناع ٦ / ١٦٦، والمغني ٨ / ١١١.