الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

وَالشَّافِعِيَّةُ (١) وَالْحَنَابِلَةُ (٢) إِلَى أَنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ أَيْضًا. غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَال: إِنْ أُسِرَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْحَرْبُ لاَ يُقْتَل، وَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلإِْمَامِ قَتْلُهُ، إِذَا خَافَ مِنْهُ الضَّرَرَ (٣) .

وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِل، وَقِيل: يُؤَدَّبُ وَلاَ يُقْتَل (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ؛ لأَِنَّهُ بِالأَْسْرِ صَارَ مَحْقُونَ الدَّمِ، وَقِيل: فِيهِ قِصَاصٌ. وَقِيل: لاَ قِصَاصَ فِيهِ؛ لأَِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجِيزُ قَتْلَهُ فَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً (٥) . وَإِنْ كَانَ أَسِيرٌ بَالِغًا فَدَخَل فِي الطَّاعَةِ أَطْلَقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُل فِي الطَّاعَةِ حَبَسَهُ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْحَرْبُ (٦) . وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يُحْبَسْ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْبَيْعَةِ، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُحْبَسُ لأَِنَّ فِي حَبْسِهِ كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ (٧) . وَهَذَا مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ (٨) .

_________

(١) المهذب ٢ / ١١٩.

(٢) المغني ٨ / ١١٤، كشاف القناع ٦ / ١٦٢ـ١٦٣.

(٣) التاج والإكليل ٦ / ٢٧٨.

(٤) بداية المجتهد٢ / ٤٩٨.

(٥) المهذب ٢ / ٢٢٠.

(٦) المهذب ٢ / ٢٢٠، وكشاف القناع ٦ / ١٦٥.

(٧) المهذب ٢ / ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٧.

(٨) كشاف القناع ٦ / ١٦٥.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَتْ لِلأَْسِيرِ فِئَةٌ، فَالإِْمَامُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ دَفْعًا لِشَرِّهِ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ، وَيَحْكُمُ الإِْمَامُ بِنَظَرِهِ فِيمَا هُوَ أَحْسَنُ فِي كَسْرِ الشَّوْكَةِ (١) .

فِدَاءُ الأَْسْرَى:

٢١ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ فِدَاءِ أُسَارَى أَهْل الْعَدْل بِأُسَارَى الْبُغَاةِ، وَقَالُوا: إِنْ قَتَل أَهْل الْبَغْيِ أَسْرَى أَهْل الْعَدْل لَمْ يَجُزْ لأَِهْل الْعَدْل قَتْل أَسَرَاهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ أَبَى الْبُغَاةُ مُفَادَاةَ الأَْسْرَى الَّذِينَ مَعَهُمْ وَحَبَسُوهُمْ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: احْتُمِل أَنْ يَجُوزَ لأَِهْل الْعَدْل حَبْسُ مَنْ مَعَهُمْ لِيُتَوَصَّلُوا إِلَى تَخْلِيصِ أَسَرَاهُمْ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَل أَلاَّ يَجُوزَ حَبْسُهُمْ، وَيُطْلَقُونَ؛ لأَِنَّ الذَّنْبَ فِي حَبْسِ أُسَارَى أَهْل الْعَدْل لِغَيْرِهِمْ (٢) . وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنْ أَسْرَى الْبُغَاةِ فِي مُصْطَلَحِ (أَسْرَى) .

مُوَادَعَةُ الْبُغَاةِ:

٢٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُوَادَعَةُ الْبُغَاةِ عَلَى مَالٍ. فَإِنْ وَادَعَهُمُ الإِْمَامُ عَلَى مَالٍ بَطَلَتِ الْمُوَادَعَةُ (٣) . وَلَوْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ - أَيْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١.

(٢) المغني ٨ / ١١٥، وكشاف القناع ٦ / ١٦٥.

(٣) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤٠.

الصُّلْحَ عَلَى تَرْكِ الْمُقَاتَلَةِ بِغَيْرِ مَالٍ - أُجِيبُوا إِلَيْهَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا. فَإِنْ بَانَ لَهُ أَنَّ قَصْدَهُمُ الرُّجُوعُ إِلَى الطَّاعَةِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ أَمْهَلَهُمْ. وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُل مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ. فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمُ الاِجْتِمَاعَ عَلَى قِتَالِهِ وَانْتِظَارِ مَدَدٍ، أَوْ لِيَأْخُذُوا الإِْمَامَ عَلَى غِرَّةٍ عَاجَلَهُمْ وَلَمْ يُنْظِرْهُمْ (١) .

وَإِذَا وَقَعَتِ الْمُوَادَعَةُ فَأَعْطَى كُل فَرِيقٍ رَهْنًا عَلَى أَيِّهِمَا غَدَرَ يَقْتُل الآْخَرُونَ الرَّهْنَ، فَغَدَرَ أَهْل الْبَغْيِ وَقَتَلُوا الرَّهْنَ، لاَ يَحِل لأَِهْل الْعَدْل قَتْل الرَّهْنِ، بَل يَحْبِسُونَهُمْ حَتَّى يَهْلِكَ أَهْل الْبَغْيِ أَوْ يَتُوبُوا؛ لأَِنَّهُمْ صَارُوا آمِنِينَ بِالْمُوَادَعَةِ، أَوْ بِإِعْطَائِهِ الأَْمَانَ لَهُمْ حِينَ أَخَذْنَاهُمْ رَهْنًا. وَالْغَدْرُ مِنْ غَيْرِهِمْ لاَ يُؤَاخَذُونَ بِهِ، لَكِنَّهُمْ يُحْبَسُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى فِئَتِهِمْ (٢) فَيَكُونُونَ لَهُمْ قُوَّةً تُغْرِيهِمْ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ.

٢٣ - وَإِنْ بَذَل الْبُغَاةُ لأَِهْل الْعَدْل رَهَائِنَ عَلَى إِنْظَارِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهَا لِذَلِكَ؛ لأَِنَّ الرَّهَائِنَ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِغَدْرِ أَهْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَسْرَى مِنْ أَهْل الْعَدْل، وَأَعْطَوْا بِذَلِكَ رَهَائِنَ مِنْهُمْ قَبِلَهُمُ الإِْمَامُ، وَاسْتَظْهَرَ لأَِهْل الْعَدْل. فَإِنْ أَطْلَقُوا أَسْرَى أَهْل الْعَدْل الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَطْلَقَ

_________

(١) الفتح ٤ / ٤١٥، حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، التاج والإكليل ٦ / ٢٧٨، والمهذب ٢ / ٢١٩، والمغني ٨ / ١٠٨.

(٢) الفتح ٤ / ٤١٥ - ٤١٦.

رَهَائِنَهُمْ. وَإِنْ قَتَلُوا مَنْ عِنْدَهُمْ لَمْ يَجُزْ قَتْل رَهَائِنِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ بِقَتْل غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ صَارُوا آمِنِينَ. فَإِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ خُلِّيَ الرَّهَائِنُ كَمَا تُخَلَّى الأَْسْرَى مِنْهُمْ (١) .

مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنَ الْبُغَاةِ:

٢٤ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَصْل قَاعِدَةٍ: أَنَّ مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ - كَالنِّسَاءِ وَالشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعُمْيَانِ - لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنَ الْبُغَاةِ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا؛ لأَِنَّ قَتْلَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّ قِتَالِهِمْ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَهْل الْقِتَال. وَهَؤُلاَءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقِتَال عَادَةً، فَلاَ يُقْتَلُونَ إِلاَّ إِذَا قَاتَلُوا (٢) وَلَوْ بِالتَّحْرِيضِ؛ لِوُجُودِ الْقِتَال مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ إِلاَّ الصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ. فَالأَْصْل أَنَّهُمَا لاَ يَقْصِدَانِ الْقَتْل. فَيَحِل قَتْلُهُمَا حَال الْقِتَال إِنْ قَاتَلاَ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى (٣) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي تَخْيِيرِ الإِْمَامِ بَيْنَ قَتْل أَسْرَى الْبُغَاةِ أَوْ حَبْسِهِمْ، يَرَوْنَ جَوَازَ قَتْل مَنْ قَاتَل أَوْ حَرَّضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَنَحْوِهِمْ، فَيُقْتَلُونَ حَال الْقِتَال أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ. لَكِنْ لاَ يُقْتَل الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِتَال؛ لأَِنَّ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤١، الفتح ٤ / ٤١٥، والمهذب ٢ / ٢١٩، والمغني ٨ / ١٠٨، ١٠٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، والبدائع ٧ / ١٤١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، والمهذب ٢ / ٢٠٠، والمغني ٨ / ١١٠.

(٣) البدائع ٧ / ١٠١.

الْقَتْل بَعْدَ الْفَرَاغِ وَالأَْسْرَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا قَتْلُهُمَا حَال الْحَرْبِ فَدَفْعًا لِشَرِّهِمْ كَدَفْعِ الصَّائِل (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِينَ، وَتُرِكُوا مُدْبِرِينَ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَْحْرَارِ وَالذُّكُورِ الْبَالِغِينَ؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ هَؤُلاَءِ قَتْل إِنْسَانٍ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ.

وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبُغَاةَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّتِهِمْ تُرِكُوا، إِلاَّ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِمْ تَلَفُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ (٢) .

حُضُورُ مَنْ لاَ يُقَاتِل مِنَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَال مَعَ الْبُغَاةِ:

٢٥ - إِذَا حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ مَنْ لاَ يُقَاتِل - بِرَغْمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِتَال - لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْصَدَ بِالْقَتْل؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنْ قِتَالِهِمْ كَفُّهُمْ، وَهَذَا قَدْ كَفَّ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ قَتْل الْمُؤْمِنِ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤١، ١٠١، وابن عابدين ٣ / ٣١١، والمهذب ٢ / ٢٢٠، حاشية الدسوقي٤ / ٢٩٩، والتاج والإكليل٦ / ٢٧٨.

(٢) كشاف القناع ٦ / ١٦٣، والمغني ٨ / ١١٠، والدسوقي ٤ / ٩٩.

(٣) سورة النساء / ٩٣.

عَمْدًا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَل ضَرُورَةَ دَفْعِ الْبَاغِي وَالصَّائِل، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، فَمَنْ لاَ يُقَاتِل تَوَرُّعًا عَنْهُ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - وَلاَ يُخَافُ مِنْهُ الْقِتَال بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ لاَ يَحْتَاجُ لِدَفْعٍ فَلاَ يَحِل دَمُهُ (١) .

وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ قَتْلُهُ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا نَهَاهُمْ عَنْ قَتْل مُحَمَّدٍ السَّجَّادِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ يُقَاتِل، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْمِل رَايَةَ أَبِيهِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ وَأَنْشَدَ شِعْرًا، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ قَتْلَهُ؛ وَلأَِنَّهُ صَارَ رِدْءًا لَهُمْ (٢) .

حُكْمُ قِتَال الْمَحَارِمِ مِنَ الْبُغَاةِ:

٢٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قَتْل الْعَادِل لِذِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، وَقَصَرَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ عَلَى الأَْبَوَيْنِ فَقَطْ. بَل مِنْهُمْ مَنْ قَال بِجَوَازِ قَتْل أَبَوَيْهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي. وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣) وَلِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ

_________

(١) المغني ٨ / ١٠٩ - ١١٠.

(٢) المهذب٢ / ٢١٩ - ٢٢٠.

(٣) سورة لقمان / ١٥.

عَنْ قَتْل أَبِيهِ. (١) وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ الْحِل؛ لأَِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ (٢) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ وَأَدِلَّةٌ.

يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلْعَادِل أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ مُبَاشَرَةً؛ إِذِ اجْتَمَعَ فِيهِ حُرْمَتَانِ: حُرْمَةُ الإِْسْلاَمِ وَحُرْمَةُ الْقَرَابَةِ. وَإِذَا أَرَادَ الْبَاغِي قَتْل الْعَادِل فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالْقَتْل فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ فِي الأَْصْل عَاصِمٌ: فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. . . (٣) وَالْبَاغِي مُسْلِمٌ، إِلاَّ أَنَّهُ أُبِيحَ قَتْل غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، لاَ لِشِرْكِهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ

_________

(١) حديث: " أن النبي ﷺ كف أبا حذيفة. . . " رواه الشافعي (الأم ٤ / ٢٢٢ ط دار المعرفة) وأخرجه البيهقي في سننه (٨ / ١٨٦ـ ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده محمد بن عمر الواقدي، وهو مهتم بالكذب. التهذيب لابن حجر (٩ / ٣٦٣ - ط دائرة المعارف النظامية) .

(٢) البدائع ٧ / ١٤١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، والفتح ٤ / ٤١٤، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٧٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٠، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٩، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٩، والمهذب ٢ / ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٧، وكشاف القناع ٦ / ١٦٣، والمغني ٨ / ١١٨.

(٣) حديث: " فإذا قالوها عصموا مني دماءهم. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١١٢ـ ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٣ـ ط الحلبي) .

يَحْصُل بِالدَّفْعِ وَالتَّسَبُّبِ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: كُرِهَ لِلرَّجُل قَتْل أَبِيهِ الْبَاغِي، وَمِثْل أَبِيهِ أُمُّهُ، بَل هِيَ أَوْلَى، لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ قَتْل جَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ (٢) . وَقَال ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقْتُل الرَّجُل فِي قِتَال الْبُغَاةِ أَخَاهُ وَقَرَابَتَهُ، فَأَمَّا الأَْبُ وَحْدَهُ فَلاَ أُحِبُّ قَتْلَهُ عَمْدًا، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ جَوَازَ قَتْل الاِبْنِ الْبَاغِي، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُقْصَدَ قَتْل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كَمَا يُكْرَهُ فِي قِتَال الْكُفَّارِ، فَإِنْ قَاتَلَهُ لَمْ يُكْرَهْ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الأَْصَحُّ كَرَاهَةُ قَتْل ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الْبَاغِي، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، فَأَشْبَهَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ (٤) .

إِرْثُ الْعَادِل مِنَ الْبَاغِي الَّذِي قَتَلَهُ وَالْعَكْسُ:

٢٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لأَِبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ الْعَادِل إِذَا قَتَل قَرِيبَهُ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، والفتح٤ / ٤١١، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٧٦.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٠، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٩.

(٣) التاج والإكليل٦ / ٢٧٩.

(٤) المهذب ٢ / ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٧، وكشاف القناع ٦ / ١٦٣، والمغني ٨ / ١١٨.

الْبَاغِيَ وَرِثَهُ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْمِيرَاثَ كَالْقِصَاصِ؛ وَلأَِنَّ قَتْل الْبَاغِي وَاجِبٌ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الْقَاتِل بِقَتْلِهِ، وَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. فَكَذَا لاَ يُحْرَمُ مِنَ الإِْرْثِ. وَكَذَا لَوْ قَتَل الْبَاغِي ذَا رَحِمِهِ الْعَادِل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١)، لِقَوْلِهِمْ " وَمَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةٌ (٢) ".

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ قَتَل الْبَاغِي قَرِيبَهُ الْعَادِل وَقَال: أَنَا عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. وَإِنْ قَال: قَتَلْتُهُ وَأَنَا عَلَى الْبَاطِل لاَ يَرِثُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ. وَاسْتَدَل - أَبُو حَنِيفَةَ - بِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا أَتْلَفَ عَنْ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ مَنَعَةٌ، وَهُوَ إِنْ كَانَ فَاسِدًا فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الضَّمَانُ، فَكَذَا لاَ يُوجِبُ الْحِرْمَانَ، كَمَا أَنَّ التَّأْوِيل فِي اعْتِقَادِهِ هُوَ صَحِيحٌ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرِثُ لِعُمُومِ حَدِيثِ: لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ (٤) وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاغِي إِذَا قَتَل

_________

(١) لمغني ٨ / ١١٨، وكشاف القناع ٦ / ١٦٣.

(&# x٦٦٢ ;) التاج والإكليل ٦ / ٢٧٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٠، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٩.

(٣) الفتح ٤ / ٤١٤ـ ٤١٥، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٩٥ـ ٢٩٦.

(٤) حديث: " ليس لقاتل شيء. . . . " أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٨٦٧ - ط الحلبي) مرسلا. وأخرجه البيهقي بلفظ: " القاتل لا يرث " وفي إسناده مقال. وقال البيهقي: شواهد تقويه (سنن البيهقي (٦ / ٢٢٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

الْعَادِل (١)، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَرِثُ قَاتِلٌ مِنْ مَقْتُولِهِ مُطْلَقًا (٢) .

مَا يَجُوزُ قِتَال الْبُغَاةِ بِهِ:

٢٨ - يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قِتَال الْبُغَاةِ - إِذَا تَحَصَّنُوا - بِكُل مَا يُقَاتَل بِهِ أَهْل الْحَرْبِ، بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيِ بِالنَّبْل وَبِالْمَنْجَنِيقِ وَالْحَرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ، وَقَطْعِ الْمِيرَةِ (الْمُؤَنِ) وَالْمَاءِ عَنْهُمْ، وَكَذَا إِذَا فَعَل الْبُغَاةُ مَعَهُمْ مِثْل ذَلِكَ؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَيُقَاتَلُونَ بِكُل مَا يَحْصُل بِهِ ذَلِكَ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ نِسْوَةٌ أَوْ ذَرَارِيُّ، فَلاَ نَرْمِيهِمْ بِالنَّارِ (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ جَوَازِ قِتَالِهِمْ بِالنَّارِ وَالرَّمْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَلاَ بِكُل عَظِيمٍ يَعُمُّ، كَالتَّغْرِيقِ وَإِرْسَال سُيُولٍ جَارِفَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ مُحَاصَرَتُهُمْ وَقَطْعُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَنْهُمْ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ، أَوْ أَحَاطُوا بِنَّا وَلَمْ يَنْدَفِعُوا إِلاَّ بِهِ، وَيَكُونُ فِعْل ذَلِكَ بِقَصْدِ الْخَلاَصِ مِنْهُمْ

_________

(١) المغني ٨ / ١١٨.

(٢) منهاج الطالبين وحاشية قليوبي ٣ / ١٤٨.

(٣) البدائع ٧ / ١٤١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، والفتح ٤ / ٤١١.

(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٨.