الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 17

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وَثَلاَثَ عَشْرَةَ آيَةً وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مُفْرَدَةٌ، كَانَتْ تَنْزِل بَيْنَ كُل سُورَتَيْنِ فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ. وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْل، وَمَا أُنْزِلَتْ إِلاَّ فِيهَا. (١) وَعَنْهُ أَيْضًا: الْبَسْمَلَةُ لَيْسَتْ بِآيَةٍ إِلاَّ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا.

٣ - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الصَّلاَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَعَدَّهَا آيَةً مِنْهَا (٢)، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ سَبْعُ آيَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) . وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ السُّورَةَ فِي الصَّلاَةِ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا قَرَأْتُمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَاقْرَءُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي،

_________

(١) المغني لابن قدامة ١ / ٣٤٦ ط مكتبة القاهرة.

(٢) حديث أن رسول الله ﷺ " قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، فعدها آية " سبق تخريجه (ف٢) .

(٣) حديث: " سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم " أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢ / ٤٥ ط دار المعرفة) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ١٠٩ نشر مكتبة القدسي): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَى آيَاتِهَا (١)، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا فِيمَا جَمَعُوا مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ، وَأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَكُل مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلاَمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَسْمَلَةُ مَوْجُودَةٌ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ جَعْلُهَا مِنْهُ. (٢) وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهَا آيَةٌ فِي أَوَائِل السُّوَرِ لاَ يُعَدُّ كَافِرًا. (٣) لِلْخِلاَفِ السَّابِقِ فِي الْمَذَاهِبِ.

حُكْمُ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ:

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى حُرْمَةِ قِرَاءَتِهَا عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِقَصْدِ التِّلاَوَةِ؛ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: لاَ يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلاَ الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ (٤) . وَرُوِيَتْ كَرَاهَةُ

_________

(١) حديث: " إذا قرأتم: الحمد لله رب العالمين فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم " سبق تخريجه (ف / ٢) .

(٢) المهذب ١ / ٧٩ ط دار المعرفة. ونهاية المحتاج١ / ٤٥٧ـ ٤٦٠ ط المكتبة الإسلامية بالرياض، وتفسير القرطبي ١ / ٩٣ ط المكتبة البهية المصرية.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) حديث: " لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن ". أخرجه الترمذي (١ / ٢٣٦ ط مصطفى البابي الحلبي) قال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة للبغوي (٢ / ٤٣ ط المكتب الإسلامي): رواه الترمذي وابن ماجه رقم (٢٥٩٥) وفيه إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها وله طريقان آخران عند الدارقطني (ص٤٣) أحدهما عن المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن والثاني عن محمد بن إسماعيل الحاني عن رجل عن أبي معشر عن موسى بن عقبة، قال الحافظ الزيلعي: وهذا مع أن فيه رجلا مجهولا، فأبو معشر رجل مستضعف، إلا أنه يتابع عليه، وقد صحح هذا الحديث أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي، فانظره.

ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَحْجُبُهُ - وَرُبَّمَا قَال لاَ يَحْجِزُهُ - مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ (١) . وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ. فَلَوْ قَصَدَ الدُّعَاءَ أَوِ الثَّنَاءَ أَوِ افْتِتَاحَ أَمْرٍ تَبَرُّكًا، وَلَمْ يَقْصِدِ الْقِرَاءَةَ، فَلاَ بَأْسَ. وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَحْرُمُ قِرَاءَةُ آيَةٍ لِلتَّعَوُّذِ أَوِ الرُّقْيَةِ، وَلَوْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ.

كَمَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، مَا دَامَتِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ بِقَصْدِ التَّعَلُّمِ أَوِ التَّعْلِيمِ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ قَادِرَةٍ عَلَى إِزَالَةِ الْمَانِعِ، أَمَّا إِذَا انْقَطَعَ وَلَمْ تَتَطَهَّرْ، فَلاَ تَحِل لَهَا قِرَاءَتُهُ كَمَا لاَ تَحِل لِلْجُنُبِ.

وَالدَّلِيل عَلَى اسْتِثْنَاءِ التَّسْمِيَةِ مِنَ التَّحْرِيمِ: أَنَّ لَهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ

_________

(١) حديث: " كان لا يحجبه، أو ربما قال: لا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة " أخرجه أحمد (١ / ٨٤ ط المكتب الإسلامي) وأبو داود (١ / ١٥٥ ط عزت عبيد دعاس) وضعفه الزيلعي. انظر نصب الراية (١ / ١٩٦)

اغْتِسَالِهِمْ، وَلاَ يُمْكِنُهُمُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي كُل أَحْيَانِهِ (١) . وَإِنْ قَصَدُوا بِهَا الْقِرَاءَةَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لاَ يَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سُئِل عَنِ الْجُنُبِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقَال: لاَ وَلَوْ حَرْفًا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِي النَّهْيِ، وَالثَّانِيَةُ: لاَ يُمْنَعُ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل بِهِ الإِْعْجَازُ، وَيَجُوزُ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْآنَ. (٢)

(ر: الْجَنَابَة، وَالْحَيْض، وَالْغُسْل، وَالنِّفَاس) .

الْبَسْمَلَةُ فِي الصَّلاَةِ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، فِي رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ، لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ.

وَحَاصِل مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ يُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ سِرًّا لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي أَوَّل الْفَاتِحَةِ مِنْ كُل رَكْعَةٍ، وَلاَ يُسَنُّ قِرَاءَتُهَا بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ

_________

(١) حديث: " كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه " أخرجه مسلم (١ / ٢٨٢ ط عيسى البابي الحلبي) .

(٢) حاشية ابن عابدين١ / ١١٦، ١٩٥، وبدائع الصنائع ١ / ٢٠٣، وشرح الزرقاني ١ / ١٠٤، ١٠٥، ١٣٨ وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٣٨، ١٣٩، ١٧٤، ١٧٥، وقليوبي وعميرة ١ / ٦٢، ٦٥، ١٩٩، ونهاية المحتاج ١ / ٢٠١، ٢٠٤، ٣٣٩، والمغني ١ / ١٤١، ١٤٤.

؛ لأَِنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَذُكِرَتْ فِي أَوَّلِهَا لِلتَّبَرُّكِ. قَال الْمُعَلَّى: إِنَّ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى الاِحْتِيَاطِ لاِخْتِلاَفِ الْعُلَمَاءِ وَالآْثَارِ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَال: يُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ سِرًّا بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ؛ لأَِنَّ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى مُتَابَعَةِ الْمُصْحَفِ، وَإِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جَهْرًا فَلاَ يُؤْتَى بِالْبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ فَعَل لأَخْفَى، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَكْتَةً فِي وَسَطِ الْقِرَاءَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَأْثُورًا.

وَفِي قَوْلٍ آخَرَ فِي الْمَذْهَبِ: تَجِبُ بِدَايَةُ الْقِرَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ.

وَحُكْمُ الْمُقْتَدِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَقْرَأُ لِحَمْل إِمَامِهِ عَنْهُ، وَلاَ تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ الْمَقْرُوءَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا. (١) وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ، فَلاَ تُقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا مِنَ الإِْمَامِ أَوِ الْمَأْمُومِ أَوِ الْمُنْفَرِدِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَال: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلاَ يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّل قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِهَا (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٠، ٣٢٩، ٣٣٠، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ١ / ١٣٤، ١٣٥ ط المكتبة العثمانية.

(٢) حديث: " صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان. . . " أخرجه البخاري (٢ / ٢٢٦ - ٢٢٧ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٩٩ـ ط عيسى البابي الحلبي) واللفظ له.

وَيُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا بِفَرْضٍ قَبْل الْفَاتِحَةِ أَوِ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ.

وَفِي رِوَايَةٍ فِي مَذْهَبِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي صَلاَةِ النَّفْل قَبْل الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ سِرًّا أَوْ جَهْرًا. وَلِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ فِي حُكْمِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلاَةِ، قَال الْقَرَافِيُّ: الْوَرَعُ الْبَسْمَلَةُ أَوَّل الْفَاتِحَةِ، وَقَال: مَحَل كَرَاهَةِ الإِْتْيَانِ بِالْبَسْمَلَةِ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْخُرُوجَ مِنَ الْخِلاَفِ الْوَارِدِ فِي الْمَذْهَبِ، فَإِنْ قَصَدَهُ فَلاَ كَرَاهَةَ. (١)

وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ فِي قِيَامِهَا قَبْل فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّلاَةُ فَرْضًا أَمْ نَفْلًا، سِرِّيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً، لِحَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٥١، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ٢١٦، ٢١٧ ط دار الفكر، وجواهر الإكليل ١ / ٥٣ ط دار المعرفة.

(٢) حديث: " الحمد لله سبع آيات إحداهن: بسم الله الرحمن الرحيم " سبق تخريجه (ف٣) .

وَلِلْخَبَرِ: لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (١) وَيَدُل عَلَى دُخُول الْمَأْمُومِينَ فِي الْعُمُومِ مَا صَحَّ عَنْ عُبَادَةَ: كُنَّا نَخْلُفُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَال: لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَال: لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا (٢) وَتُقْرَأُ الْبَسْمَلَةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُل سُورَةٍ فِي رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ، وَيُجْهَرُ بِهَا فِي حَالَةِ الْجَهْرِ بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَكَذَا يُسَرُّ بِهَا مَعَهُمَا، عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ. (٣)

وَعَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجِبُ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَمَعَ كُل سُورَةٍ فِي رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ؛ لِحَدِيثِ قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ. . . (٤) وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا فِي

_________

(١) حديث: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " أخرجه البخاري (٢ / ٢٣٦ـ ٢٣٧ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٩٥ ط عيسى البابي الحلبي) .

(٢) حديث: " لعلكم تقرءون خلف إمامكم. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٥١٥) ط عزت عبيد دعاس. والترمذي (٢ / ٢٧ ط مصطفى البابي) وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) المهذب ١ / ٧٩، ونهاية المحتاج١ / ٤٥٧، وتفسير الجصاص ١ / ١٣ ط المكتبة البهية.

(٤) نيل المآرب شرح دليل الطالب ١ / ١٤١ ط الفلاح - الكويت، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٨٠ ط عالم الكتب. وحديث: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي. . . " سبق تخريجه (ف / ٢) .

الْمَصَاحِفِ بِخَطِّهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ سِوَى الْقُرْآنِ.

وَعَلَى الأَْصَحِّ: يُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ مِنْ كُل صَلاَةٍ، وَيُسْتَفْتَحُ بِهَا السُّورَةُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَيُسَرُّ بِهَا؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسِرُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلاَةِ. (١)

وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ فِي قُرْآنِيَّةِ الْبَسْمَلَةِ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ. (٢)

هَذَا، وَتُقْرَأُ الْبَسْمَلَةُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَالاِسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، أَمَّا فِيمَا بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا بَعْدَ تَكْبِيرِ الْقِيَامِ إِلَى تِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَتُقْرَأُ الْبَسْمَلَةُ فِي حَال الْقِيَامِ، إِلاَّ إِذَا صَلَّى قَاعِدًا لِعُذْرٍ، فَيَقْرَؤُهَا قَاعِدًا (٣) وَلِلتَّفْصِيل ر: (الصَّلاَة)

مَوَاطِنُ أُخْرَى لِلْبَسْمَلَةِ:

أ - التَّسْمِيَةُ عِنْدَ دُخُول الْخَلاَءِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ عَلَى

_________

(١) حديث: " كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة " قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ١٠٨نشر مكتبة القدسي): رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون.

(٢) المغني ١ / ٤٧٧، ٤٨٠، ٤٩١، ٤٩٢، ٢ / ٧، وكشاف القناع١ / ٣٣٤، ٣٤٢ ط مكتبة النصر الحديثة بالرياض.

(٣) المبسوط للسرخسي ١ / ١٠ - ١٤، وبدائع الصنائع ١ / ٢٠٢، ٢٠٣، وشرح الزرقاني ١ / ١٩٣ - ١٩٤، ١٩٩، ٢١٦، ٢١٧، والمهذب ١ / ٧٩، وكشاف القناع ١ / ٣٣٠ - ٣٣٦، ٣٤٢، والمغني ١ / ٢٩١، ٢٩٢، ٤٦٠، ٤٧٣، ٤٧٨.

سَبِيل النَّدْبِ، وَذَلِكَ قَبْل دُخُول الْخَلاَءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُول إِذَا دَخَل الْخَلاَءَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (١) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ: (قَضَاءُ الْحَاجَةِ) .

ب - التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْوُضُوءِ:

٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، وَسَنَدُهُمْ فِيمَا قَالُوا: أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ مُطْلَقَةٌ عَنْ شَرْطِ التَّسْمِيَةِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ الطَّهَارَةُ، وَتَرْكُ التَّسْمِيَةِ لاَ يَقْدَحُ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْمَاءَ خُلِقَ طَهُورًا فِي الأَْصْل، فَلاَ تَتَوَقَّفُ طَهُورِيَّتُهُ عَلَى صُنْعِ الْعَبْدِ، وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ كَانَ طَهُورًا لِمَا أَصَابَ مِنْ بَدَنِهِ (٢)

_________

(١) حديث: " كان إذا دخل الخلاء قال: بسم الله اللهم إني أعوذ بالله من الخبث والخبائث " أخرجه البخاري في صحيحه (١ / ٢٤٢ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٨٣ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري. وانظر حاشية ابن عابدين ١ / ٧٤، ٣٢٩، ٢٣٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٠٠، ١٠٦، والمهذب ١ / ٣٢ - ٣٣، حاشية قليوبي وعميرة ١ / ٣١، ٣٨، وكشاف القناع ١ / ٥٨.

(٢) حديث: " من توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لما أصاب من بدنه. . . . " أخرجه الترمذي - تلخيص الحبير (ص ٧٢) .

وَإِنْ نَسِيَ الْمُتَوَضِّئُ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ، وَذَكَرَهَا فِي أَثْنَائِهِ، أَتَى بِهَا، حَتَّى لاَ يَخْلُوَ الْوُضُوءُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. (١)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ قَوْل (بِاسْمِ اللَّهِ) لاَ يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَاسْتَدَلُّوا لِوُجُوبِهَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (٢) وَتَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ حَالَةَ السَّهْوِ تَجَاوُزًا؛ لِحَدِيثِ: تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٣) .

فَإِنْ ذَكَرَ الْمُتَوَضِّئُ التَّسْمِيَةَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٠ - ٧١، ٧٤، وبدائع الصنائع ١ / ٢٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٠٣، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ٧٢، والمهذب ١ / ٢٢، وقليوبي وعميرة١ / ٥٢، ونهاية المحتاج ١ / ١٦٨.

(٢) حديث: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " أخرجه الترمذي (١ / ٣٧ - ٣٨ ط مصطفى البابي الحلبي)، وابن ماجه ١ / ١٤٠ ط عيسى البابي الحلبي) . قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (١ / ١٧٣ط المطبعة العربية) بعد تخريجه لهذا الحديث: والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا. وأخرجه الحاكم (١ / ١٤٦) ط دار الكتاب العربي. وقال: حديث صحيح الإسناد.

(٣) حديث: " تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه الحاكم (٢ / ١٩٨ ط دار الكتاب العربي) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.