الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
النِّصْفِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ. وَإِنْ وَجَدَهَا أَكْثَرَ عَدَدًا كَانَ الْبَائِعُ شَرِيكًا مَعَهُ بِنِسْبَةِ الزَّائِدِ. وَقِيل: يَرُدُّ مَا زَادَ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالأَْوَّل أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَغَابَ عَلَيْهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَدْنَى أَوْ أَنْقَصُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْبَرْنَامَجِ. فَالْقَوْل لِلْبَائِعِ بِيَمِينِهِ: أَنَّ مَا فِي الْعِدْل مُوَافِقٌ لِلْمَكْتُوبِ. حَيْثُ أَنْكَرَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ نَكَل وَلَمْ يَحْلِفْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي، وَرَدَّ الْمَبِيعَ، وَحَلَفَ: أَنَّهُ مَا بَدَّل فِيهِ، وَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُبْتَاعُ بِعَيْنِهِ. فَإِنْ نَكَل كَالْبَائِعِ لَزِمَهُ. (١)
_________
(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٣ / ٤١ـ ٤٢ والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٢٤ـ ٢٥ وجواهر الإكليل ٢ / ٩.
بَرِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْبَرِيدِ فِي اللُّغَةِ: الرَّسُول، وَمِنْهُ قَوْل بَعْضِ الْعَرَبِ: الْحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ. وَأَبْرَدَ بَرِيدًا: أَرْسَلَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ قَال: إِذَا أَبْرَدْتُمْ إِلَيَّ بَرِيدًا فَاجْعَلُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الاِسْمِ (١) وَإِبْرَادُهُ: إِرْسَالُهُ.
وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ: الْبَرِيدُ: كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ، كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى بِغَال الْبَرِيدِ، ثُمَّ سُمِّيَ الرَّسُول الَّذِي يَرْكَبُهَا بَرِيدًا، وَسُمِّيَتِ الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ بَرِيدًا، وَالسِّكَّةُ: مَوْضِعٌ كَانَ يَسْكُنُهُ الأَْشْخَاصُ الْمُعَيَّنُونَ لِهَذَا الْغَرَضِ مِنْ بَيْتٍ أَوْ قُبَّةٍ أَوْ رِبَاطٍ. وَكَانَ يُرَتَّبُ فِي كُل سِكَّةٍ بِغَالٌ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ فَرْسَخَانِ أَوْ أَرْبَعَةٌ. أ. هـ. وَالْفَرْسَخُ ثَلاَثَةُ أَمْيَالٍ، وَالْمِيل
_________
(١) حديث: " إذا أبردتم إلي بريدا، فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم " أخرجه البزار في الزوائد (٢ / ٤١٢ ط مؤسسة الرسالة) عن بريدة، وأخرجه البغوي في شرح السنة (١٢ / ٣٢٧) ط دار المكتب الإسلامي. عنه وعن أبي هريرة. قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٨٢) ط دار الكتب العلمية: وأحدها يقوي الآخر. أي طريق بريدة وطريق أبي هريرة.
أَرْبَعَةُ آلاَفِ ذِرَاعٍ. وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ: السَّفَرُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، وَهِيَ ٤٨ مِيلًا بِالأَْمْيَال الْهَاشِمِيَّةِ. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - الْبَرِيدُ مُصْطَلَحٌ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ الَّتِي يُرَخَّصُ فِيهَا الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ السَّفَرِ (ر: قَصْر، فِطْر، سَفَر، صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) وَانْظُرْ أَيْضًا (مَقَادِير) .
بَرِّيَّةٌ
انْظُرْ: طَلاَق.
بُزَاقٌ
انْظُرْ: بُصَاق.
_________
(١) تاج العروس ولسان العرب والمصباح المنير مادة " برد " والميل مقياس للطول قدر قديما بأربعة آلاف ذراع، وحد بستين وسبعمائة وألف ياردة (المعجم الوسيط ٢ / ٩٠١) .
بِسَاطُ الْيَمِينِ
التَّعْرِيفُ:
١ - رُكِّبَ هَذَا الْمُصْطَلَحُ مِنْ لَفْظَيْنِ. أَوَّلُهُمَا: لَفْظُ بِسَاطٍ. وَثَانِيهِمَا: لَفْظُ الْيَمِينِ. وَأَوَّلُهُمَا مُضَافٌ إِلَى ثَانِيهِمَا. وَهُمَا يُسْتَعْمَلاَنِ فِي الْحَلِفِ. وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُمَا بِهَذِهِ الصُّورَةِ سِوَى فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُتَضَايِفَيْنِ لِلْوُصُول إِلَى تَعْرِيفِ الْمُرَكَّبِ الإِْضَافِيِّ.
مِنْ مَعَانِي الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ: الْقَسَمُ وَالْحَلِفُ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. (٢) وَهَذَا أَدَقُّ تَعْرِيفٍ وَأَوْجَزُهُ، وَهُنَاكَ تَعَارِيفُ أُخْرَى لِلْيَمِينِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
٢ - أَمَّا الْبِسَاطُ فَهُوَ: السَّبَبُ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ إِذْ هُوَ مَظِنَّتُهَا فَلَيْسَ فِيهِ انْتِفَاعُ النِّيَّةِ، بَل هُوَ مُتَضَمِّنٌ لَهَا. وَضَابِطُهُ: صِحَّةُ تَقْيِيدِ يَمِينِهِ بِقَوْلِهِ: مَا دَامَ
_________
(١) الصحاح، ولسان العرب.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٢٤.
هَذَا الشَّيْءُ أَيِ الْحَامِل عَلَى الْيَمِينِ مَوْجُودًا. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - بِسَاطُ الْيَمِينِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ انْفَرَدُوا بِهَذَا التَّعْبِيرِ: هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الْيَمِينِ، وَالْحَامِل عَلَيْهَا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُقَيِّدًا لِمُطْلَقِ الْيَمِينِ، أَوْ مُخَصِّصًا لِعُمُومِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ ظَالِمٌ فِي السُّوقِ فَقَال: وَاللَّهِ لاَ أَشْتَرِي لَحْمًا مِنْ هَذَا السُّوقِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيِّدَ يَمِينَهُ بِوُجُودِ هَذَا الظَّالِمِ، فَإِذَا زَال هَذَا الظَّالِمُ جَازَ لَهُ شِرَاءُ اللَّحْمِ مِنْ هَذَا السُّوقِ، وَلاَ يَكُونُ حَانِثًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ خَادِمُ الْمَسْجِدِ سَيِّئَ الْخُلُقِ، فَقَال: وَاللَّهِ لاَ أَدْخُل هَذَا الْمَسْجِدَ، ثُمَّ زَال هَذَا الْخَادِمُ، فَلَوْ دَخَل هَذَا الْمَسْجِدَ لاَ يَحْنَثُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَيِّدَ الْيَمِينَ بِقَوْلِهِ: مَا دَامَ هَذَا الْخَادِمُ مَوْجُودًا.
وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْبِسَاطِ أَلاَّ تَكُونَ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ، وَأَلاَّ يَكُونَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْبَاعِثِ، وَالتَّقْيِيدُ بِهِ أَوِ التَّخْصِيصُ بِهِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ زَوَال هَذَا الْبَاعِثِ.
وَيُقَابِل بِسَاطَ الْيَمِينِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، مَا يُسَمَّى يَمِينَ الْعُذْرِ، كَمَنْ قَال لِزَوْجَتِهِ عِنْدَمَا تَهَيَّأَتْ لِلْخُرُوجِ: وَاللَّهِ لاَ تَخْرُجِي، فَإِذَا جَلَسَتْ سَاعَةً
_________
(١) الشرح الكبير ٢ / ١٣٩، ١٤٠.
ثُمَّ خَرَجَتْ لاَ يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِزُفَرَ الَّذِي أَخَذَ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ الْحِنْثُ.
وَلَيْسَ هُنَاكَ دَخْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِلْبَاعِثِ عَلَى الْيَمِينِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، إِنْ عَامًّا فَعَامٌّ، أَوْ مُطْلَقًا فَمُطْلَقٌ، أَوْ خَاصًّا فَخَاصٌّ.
وَسَمَّى الْحَنَابِلَةُ بِسَاطَ الْيَمِينِ: سَبَبَ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا، وَاعْتَبَرُوا مُطْلَقَ الْيَمِينِ، إِذَا لَمْ يَنْوِ الْحَالِفُ شَيْئًا. (١) وَمَنْ أَرَادَ تَفْصِيل ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُصْطَلَحِ (أَيْمَان) .
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٢٩٣، وبدائع الصنائع ٣ / ١٣، والشرح الكبير للدردير ٢ / ١٢٦ـ ١٤٠، والشرح الصغير ٢ / ١٨٩ـ ٢٢٨، وأسنى المطالب ٤ / ٢٥٠ - ٢٥٢ ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٨١ـ٣٩٠.
بَسْمَلَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَسْمَلَةُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: قَوْل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يُقَال: بَسْمَل بَسْمَلَةً: إِذَا قَال أَوْ كَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ. وَيُقَال: أَكْثِرْ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، أَيْ أَكْثِرْ مِنْ قَوْل: بِسْمِ اللَّهِ. (١) قَال الطَّبَرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ - أَدَّبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِتَعْلِيمِهِ ذِكْرَ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى أَمَامَ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَجَعَل ذَلِكَ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِهَا، وَسَبِيلًا يَتَّبِعُونَهُ عَلَيْهَا، فَقَوْل الْقَائِل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِذَا افْتَتَحَ تَالِيًا سُورَةً، يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ مُرَادَهُ أَقْرَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَْفْعَال. (٢)
الْبَسْمَلَةُ جُزْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ جُزْءٌ مِنْ آيَةٍ
_________
(١) لسان العرب، المصباح المنير مادة " بسمل "، وتفسير القرطبي ١ / ٩٧.
(٢) القرطبي ١ / ٩١، ٩٧.
فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا أَيَّةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَمِنْ كُل سُورَةٍ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمَا قَال بِهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ هُوَ: إِنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ، وَإِنَّهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، أُنْزِلَتْ لِلْفَصْل بَيْنَ السُّوَرِ، وَذُكِرَتْ فِي أَوَّل الْفَاتِحَةِ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَال الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَال اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَال اللَّهُ تَعَالَى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَال اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَال اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَل (٢) فَالْبَدَاءَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أَوَّل الْفَاتِحَةِ. إِذْ لَوْ كَانَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ لَبَدَأَ بِهَا، وَأَيْضًا: لَوْ كَانَتِ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْهَا لَمْ تَتَحَقَّقِ الْمُنَاصَفَةُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي النِّصْفِ الأَْوَّل أَرْبَعُ آيَاتٍ إِلاَّ نِصْفًا،
_________
(١) سورة النمل / ٣٠.
(٢) حديث: يقول الله تعالى: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٩٦ ط عيسى البابي الحلبي)
وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ؛ وَلأَِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ ثَلاَثُ آيَاتٍ. وَهِيَ ثَلاَثُ آيَاتٍ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ. وَوَرَدَ فِي كُل مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ غَيْرُ مَا سَبَقَ.
فَفِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ أَنَّ الْمُعَلَّى قَال: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: التَّسْمِيَةُ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ لاَ؟ قَال: مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كُلُّهُ قُرْآنٌ، فَهَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ بَيَانُ أَنَّهَا آيَةٌ لِلْفَصْل بَيْنَ السُّوَرِ، وَلِهَذَا كُتِبَتْ بِخَطٍّ عَلَى حِدَةٍ. وَقَال مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ قِرَاءَةُ التَّسْمِيَةِ عَلَى وَجْهِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ لأَِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا قُرْآنًا حُرْمَةَ قِرَاءَتِهَا عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا قُرْآنًا الْجَهْرُ بِهَا كَالْفَاتِحَةِ. . . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال لِعُثْمَانِ: لِمَ لَمْ تُكْتَبِ التَّسْمِيَةُ بَيْنَ التَّوْبَةِ وَالأَْنْفَال، قَال: لأَِنَّ التَّوْبَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَل، فَرَسُول اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا شَأْنَهَا، فَرَأَيْتُ أَوَّلَهَا يُشْبِهُ أَوَاخِرَ الأَْنْفَال، فَأَلْحَقْتُهَا بِهَا، فَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْل بَيْنَ السُّوَرِ. (١)
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٩ - ٣٣٠ ط بيروت، وبدائع الصنائع ١ / ٢٠٣ شركة المطبوعات العلمية، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٥٢ ط دار الفكر بيروت، وشرح الزرقاني ١ / ٢١٦ - ٢١٧ ط دار الفكر بيروت، وكشاف القناع ١ / ٣٣٥ - ٣٣٦ مكتبة النصر الحديثة بالرياض، والمغني ١ / ٤٧٦، وتفسير الجصاص ١ / ٨ ط المكتبة البهية المصرية، وتفسير ابن كثير ١ / / ٣٠ ط أندلس، والمبسوط للسرخسي ١ / ١٦ ط دار المعرفة بيروت.
آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ فِي سُورَةِ النَّمْل، فَإِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ آيَةٍ، وَيُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا بِصَلاَةِ فَرْضٍ - لِلإِْمَامِ وَغَيْرِهِ - قَبْل فَاتِحَةٍ أَوْ سُورَةٍ بَعْدَهَا، وَقِيل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِإِبَاحَتِهَا، وَنَدْبِهَا، وَوُجُوبِهَا فِي الْفَاتِحَةِ. (١)
وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْفَاتِحَةِ؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَرَأْتُمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَاقْرَءُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْهَا (٢) وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ بِخَطِّهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ سِوَى الْقُرْآنِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَال: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ. وَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الصَّلاَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَعَدَّهَا آيَةً، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيَتَيْنِ (٣) . وَقَال ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ تَرَكَ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٥١، وشرح الزرقاني ١ / ٢١٦، ٢١٧.
(٢) حديث: " إذا قرأتم: الحمد لله رب العالمين فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم " أخرجه الدارقطني (١ / ٣١٢ ط عبد الله هاشم يماني) وصححه ابن حجر في تلخيص الحبير (١ / ٢٣٢ ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) حديث: " أن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم فعدها آية، والحمد لله رب العالمين آيتين " أخرجه الحاكم (١ / ٢٣٢ نشر دار الكتاب العربي) . وفي إسناده عمر بن هارون. قال الحاكم: أصل في السنة. قال الذهبي: أجمعوا على ضعفه. ووضعفه الزيلعي في نصب الراية (١ / ٣٥٠ نشر المكتب الإسلامي)