الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 9

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

انْقِضَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِنْقِضَاءُ: مُطَاوِعُ الْقَضَاءِ. وَمِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: ذَهَابُ الشَّيْءِ وَفَنَاؤُهُ، وَانْقَضَى الشَّيْءُ: إِذَا تَمَّ. وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْخُرُوجِ مِنَ الشَّيْءِ وَالاِنْفِصَال مِنْهُ. قَال الزُّهْرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ: قَضَى فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ، مَرْجِعُهَا إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ وَالاِنْفِصَال مِنْهُ (١) .

وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - إِمْضَاءٌ:

٢ - يُسْتَعْمَل لَفْظُ الإِْمْضَاءِ بِمَعْنَى الإِْنْهَاءِ، يُقَال: أَمْضَتِ الْمَرْأَةُ عِدَّتَهَا أَيْ أَنْهَتْهَا، وَيُسْتَعْمَل كَذَلِكَ فِي إِنْفَاذِ الشَّيْءِ، يُقَال: أَمْضَى الْقَاضِي حُكْمَهُ: بِمَعْنَى أَنْفَذَهُ (٣) .

ب - انْتِهَاءٌ:

٣ - يُسْتَعْمَل لَفْظُ الاِنْتِهَاءِ بِمَعْنَى الاِنْقِضَاءِ فَيُقَال: انْتَهَتِ الْمُدَّةُ بِمَعْنَى انْقَضَتْ، وَانْتَهَى الْعَقْدُ بِمَعْنَى

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومشارق الأنوار، مادة: (قضى) .

(٢) البدائع ٤ / ٢٢٢، ٢٢٣، ٦ / ١٩٨٤، والحطاب ٢ / ٤٦٨، والمهذب ١ / ٢٩، والمغني ٧ / ٤٧٤، ٤٧٥.

(٣) لسان العرب المحيط (مضى) .

انْقَضَى، وَيُسْتَعْمَل كَذَلِكَ بِمَعْنَى الْكَفِّ عَنِ الشَّيْءِ، وَبِمَعْنَى بُلُوغِ الشَّيْءِ وَالْوُصُول إِلَيْهِ. يُقَال: انْتَهَى عَنِ الشَّيْءِ وَانْتَهَى إِلَيْهِ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

مَا يَتَعَلَّقُ بِالاِنْقِضَاءِ مِنْ أَحْكَامٍ يَكَادُ يَنْحَصِرُ فِي أَسْبَابِهِ وَآثَارِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَسْبَابُ الاِنْقِضَاءِ وَآثَارُهُ:

٤ - تَخْتَلِفُ أَسْبَابُ الاِنْقِضَاءِ وَآثَارُهُ بِاخْتِلاَفِ الْمَوْضُوعَاتِ وَالْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ، فَمَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لاِنْقِضَاءِ شَيْءٍ لاَ يَكُونُ سَبَبًا لاِنْقِضَاءِ غَيْرِهِ، بَل قَدْ تَتَنَوَّعُ الأَْسْبَابُ وَالآْثَارُ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْعُقُودِ، وَعِدَّةِ الْمَرْأَةِ، وَغَيْرِهِمَا. وَلَمَّا كَانَ الاِنْقِضَاءُ هُوَ بُلُوغَ النِّهَايَةِ فِي كُل شَيْءٍ بِحَسَبِهِ؛ لأَِنَّ كُل حَادِثٍ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ نِهَايَةٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الْعَسِيرِ اسْتِقْصَاءُ ذَلِكَ فِي كُل الْمَوْضُوعَاتِ. لِذَلِكَ سَنَكْتَفِي بِذِكْرِ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي تُوَضِّحُ ذَلِكَ.

أَوَّلًا: الْعُقُودُ:

تَنْقَضِي الْعُقُودُ لأَِسْبَابٍ مُتَنَوِّعَةٍ. وَمِنْهَا:

انْتِهَاءُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْعَقْدِ:

٥ - كُل عَقْدٍ لَهُ غَايَةٌ أَوْ غَرَضٌ مِنْ إِنْشَائِهِ، وَيُعْتَبَرُ الْعَقْدُ مُنْقَضِيًا بِتَحَقُّقِ الْغَايَةِ أَوِ الْغَرَضِ مِنْهُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

أ - عَقْدُ الإِْجَارَةِ:

إِذَا كَانَ عَقْدُ الإِْجَارَةِ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ لِمَنْفَعَةٍ مُعَيَّنَةٍ

_________

(١) لسان العرب المحيط، والبدائع ٤ / ٢٢٣، ٦ / ١١٣، ١٨٤.

فَإِنَّ الْعَقْدَ يَنْقَضِي بِانْتِهَاءِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الثَّابِتَ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي عِنْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ.

وَهَكَذَا كُل عَقْدٍ مُقَيَّدٌ بِزَمَنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ يَنْقَضِي بِانْتِهَاءِ ذَلِكَ، مِثْل عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ.

وَإِذَا انْقَضَى الْعَقْدُ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ، وَثُبُوتِ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ، وَاسْتِقْرَارِ الأُْجْرَةِ، أَوِ الْقَدْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَالضَّمَانُ بِالتَّعَدِّي، أَوِ التَّفْرِيطِ، وَإِنْذَارُ الأَْعْدَاءِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْهُدْنَةِ، وَهَكَذَا.

وَالاِنْقِضَاءُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُذْرٌ يَسْتَدْعِي امْتِدَادَهَا فَتْرَةً أُخْرَى دَفْعًا لِلضَّرَرِ (١) . (ر: إِجَارَةٌ. هُدْنَةٌ. مُسَاقَاةٌ) .

ب - عَقْدُ الْوَكَالَةِ:

يَنْقَضِي عَقْدُ الْوَكَالَةِ بِتَمَامِ الْمُوَكَّل فِيهِ. فَالْوَكَالَةُ بِالشِّرَاءِ مَثَلًا تَنْقَضِي بِشِرَاءِ الْوَكِيل مَا وُكِّل فِي شِرَائِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَل فَيَنْقَضِي الْعَقْدُ بِذَلِكَ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنَ انْعِزَال الْوَكِيل وَمَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي الرَّهْنِ يَنْقَضِي بِسَدَادِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ تَنْقَضِي بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ، وَتَتَرَتَّبُ أَحْكَامُ الْعُقُودِ مِنْ سُقُوطِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ، وَرَدِّ الْمَرْهُونِ، وَالضَّمَانُ بِالتَّفْرِيطِ أَوِ التَّعَدِّي وَهَكَذَا (٢) . (ر: وَكَالَةٌ. رَهْنٌ. كَفَالَةٌ) .

_________

(١) البدائع ٤ / ٢٢٣، ٦ / ١٨٤، ١٨٨، ٧ / ١١٠، ومنح الجليل ١ / ٧٦٦، ٣ / ٤٩٦، ٤٩٩، ٧١٣، ٧٢٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٠، ٢٧٣، والمهذب ١ / ٣٩٩ - ٤٠٨، ٢ / ٢٦١، والمغني ٥ / ٢٢٧، ٤٠٦، ٤٣٦، ٤٣٨، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٤٣، ٣٧١، ٣٨٣، ٣٩٥، ٣٩٨.

(٢) البدائع ٦ / ١١، ١١٣، ١٥٣، ومنح الجليل ٣ / ٣٩٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٣١، وكشاف القناع ٣ / ٣٤٢، ٣٦٤.

فَسَادُ الْعَقْدِ:

٦ - إِذَا كَانَ الْعَقْدُ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ كَالْبَيْعِ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا، كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى كُلٍّ مِنْ طَرَفَيْهِ فَسْخُهُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ حَقًّا لِلَّهِ ﷿ لِمَا فِي الْفَسْخِ مِنْ رَفْعِ الْفَسَادِ، وَرَفْعُ الْفَسَادِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ، فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْكُل فَكَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً، فَلاَ تَقِفُ صِحَّتُهُ عَلَى الْقَضَاءِ وَلاَ عَلَى الرِّضَى. وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي فَسْخُهُ جَبْرًا عَلَى الْعَاقِدَيْنِ.

وَيَنْقَضِي الْعَقْدُ بِالْفَسْخِ لِلْفَسَادِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ وُجُوبُ رَدِّ الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ، وَالضَّمَانِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ (١) .

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: بَيْعٌ - فَسَادٌ - عُقُودٌ) .

إِنْهَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ:

٧ - يَنْقَضِي الْعَقْدُ بِإِنْهَاءِ مَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْنْهَاءُ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ أَمْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

أ - الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ غَيْرُ اللاَّزِمَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْعَارِيَّةِ:

هَذِهِ الْعُقُودُ يَجُوزُ فِيهَا لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُ الْعَقْدِ لأَِنَّهُ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَيُعْتَبَرُ الْعَقْدُ مُنْقَضِيًا بِذَلِكَ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْفَسْخِ مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ، وَثُبُوتِ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ، وَمِنَ الضَّمَانِ بِالتَّفْرِيطِ أَوِ التَّعَدِّي، وَمِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الرِّبْحِ. هَذَا مَعَ التَّفْصِيل فِيمَا إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ، أَوْ كَانَ

_________

(١) البدائع ٥ / ٣٠٥، وابن عابدين ٤ / ١١٠، والدسوقي ٣ / ٧١، والمهذب ١ / ٢٦٨، ٢٧٣، ٢٧٥.

رَأْسُ الْمَال فِي الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَنِضَّ وَغَيْرُ ذَلِكَ (١) وَيُنْظَرُ فِي (وَكَالَةٌ - مُضَارَبَةٌ - شَرِكَةٌ) .

ب - الإِْقَالَةُ:

قَدْ يَصْدُرُ الْعَقْدُ مُسْتَكْمِلًا أَرْكَانَهُ وَشُرُوطَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ بِرِضَاهُمَا، وَذَلِكَ مَا يُسَمَّى بِالإِْقَالَةِ، فَإِذَا تَقَايَلاَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّ الإِْقَالَةَ فَسْخٌ، وَانْقَضَى الْعَقْدُ بِذَلِكَ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْقَالَةِ رَدُّ كُل حَقٍّ لِصَاحِبِهِ (٢) . (ر: إِقَالَةٌ) .

ج - عَقْدُ النِّكَاحِ:

يَنْقَضِي عَقْدُ النِّكَاحِ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ بِإِنْهَاءِ الزَّوْجِ لَهُ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ، وَكَذَلِكَ يَمْلِكُ الزَّوْجَانِ إِنْهَاءَهُ بِالْخُلْعِ، وَبِذَلِكَ يَنْقَضِي عَقْدُ النِّكَاحِ وَتَتَرَتَّبُ أَحْكَامُ الْفُرْقَةِ مِنْ عِدَّةٍ وَغَيْرِهَا (٣) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نِكَاحٍ - طَلاَقٍ) .

د - الْعُقُودُ الْمَوْقُوفَةُ:

مِنَ الْعُقُودِ مَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ غَيْرِ الْعَاقِدِ، كَعَقْدِ الْفُضُولِيِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِ الشَّأْنِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى مَشْرُوعِيَّةَ هَذَا الْعَقْدِ، كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلِلْمَالِكِ أَيْضًا إِنْهَاءُ الْعَقْدِ بِعَدَمِ إِجَازَتِهِ، وَبِذَلِكَ يَنْقَضِي الْعَقْدُ (٤) .

_________

(١) البدائع ٦ / ٣٧، ٧٧، ١١٢، ٢١٦، والدسوقي ٣ / ٣٩٦، ومنح الجليل ٣ / ٣٩٢، ٤٩٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢١٥، ٢٧٠، ٣١٩، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٠٥.

(٢) البدائع ٥ / ٣٠٦، والدسوقي ٣ / ١٥٦، وأسنى المطالب ٢ / ٧٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ١٩٣.

(٣) البدائع ٢ / ٣٣٦، وجواهر الإكليل ١ / ٣٣٠، ٣٣٧.

(٤) البدائع ٥ / ١٥١، ومنح الجليل ٢ / ٤٨١.

اسْتِحَالَةُ التَّنْفِيذِ:

٨ - قَدْ يَتَعَذَّرُ تَنْفِيذُ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ الْقِيَمِيُّ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْل أَنْ يَتَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي، وَكَذَهَابِ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِي الإِْجَارَةِ، وَكَمَوْتِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل أَوِ الشَّرِيكِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالاَتِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَيَنْقَضِي لاِسْتِحَالَةِ تَنْفِيذِهِ، وَتَتَرَتَّبُ الأَْحْكَامُ الْمُقَرَّرَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ سُقُوطِ الثَّمَنِ وَالأُْجْرَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: هَلاَكٌ - انْفِسَاخٌ) .

هَذِهِ هِيَ أَسْبَابُ انْقِضَاءِ الْعُقُودِ غَالِبًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا كَالْجُنُونِ، وَتَعَدِّي الأَْمِينِ فِي عُقُودِ الأَْمَانَاتِ (١) .

ثَانِيًا: الْعِدَّةُ:

٩ - تَنْقَضِي عِدَّةُ الْمُعْتَدَّةِ، إِمَّا بِوَضْعِ الْحَمْل، أَوْ بِانْتِهَاءِ الأَْشْهُرِ أَوْ بِالأَْقْرَاءِ. وَإِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَحْكَامُهُ، مِنَ انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، وَانْقِطَاعِ الإِْرْثِ، وَانْقِطَاعِ النَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَى، وَانْتِهَاءِ الإِْحْدَادِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَإِبَاحَةِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِل، وَحِلِّهَا لِلأَْزْوَاجِ (٢) . وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (عِدَّةٍ) .

ثَالِثًا: الْحَضَانَةُ وَالْكَفَالَةُ:

١٠ - إِذَا كَانَ الطِّفْل بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَإِنَّ حَضَانَتَهُ تَكُونُ لَهُمَا، وَتَنْقَضِي بِبُلُوغِ الطِّفْل ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى،

_________

(١) البدائع ٥ / ٢٣٨، ٢٣٩، ٦ / ٧٨، والدسوقي ٤ / ٥٨، ٥٩، وبداية المجتهد ٢ / ٢٢٩، والمهذب ١ / ٣٥٥، ٣٦٤، والقواعد لابن رجب ص ٦٤.

(٢) البدائع ٣ / ١٨٧ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨٤ وما بعدها، والمهذب ٢ / ١٤٣، والمغني ٧ / ٤٥٦.

وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَكُونُ حَضَانَةُ الذَّكَرِ لِبُلُوغِهِ، وَالأُْنْثَى لِدُخُول الزَّوْجِ بِهَا.

أَمَّا إِذَا افْتَرَقَ الأَْبَوَانِ فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَكُونُ لِلأُْمِّ أَوَّلًا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي وَقْتِ انْقِضَاءِ حَضَانَتِهَا. فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَنْقَضِي حَضَانَةُ الأُْمِّ عِنْدَ سِنِّ التَّمْيِيزِ، وَحَدَّدَهَا الْحَنَابِلَةُ بِسَبْعِ سِنِينَ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ، ثُمَّ تَكُونُ الْحَضَانَةُ لِمَنْ يَخْتَارُهُ الطِّفْل مِنْ أَبَوَيْهِ إِلَى وَقْتِ الْبُلُوغِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الطِّفْل ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَجْعَلُونَ التَّخْيِيرَ لِلذَّكَرِ، أَمَّا الأُْنْثَى فَتَنْتَقِل حَضَانَتُهَا إِلَى الأَْبِ دُونَ تَخْيِيرٍ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَظَل الْحَضَانَةُ لِلأُْمِّ قَائِمَةً بَعْدَ طَلاَقِهَا، وَلاَ تَنْقَضِي حَضَانَتُهَا إِلاَّ بِبُلُوغِ الذَّكَرِ وَدُخُول الأُْنْثَى. وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ. تَنْقَضِي حَضَانَةُ الأُْمِّ بِبَلُوعِ الأُْنْثَى وَبِاسْتِغْنَاءِ الذَّكَرِ، بِأَنْ يَأْكُل وَحْدَهُ، وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ، وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ، دُونَ تَقْدِيرِ سِنٍّ، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ.

وَإِذَا اسْتَغْنَى الذَّكَرُ أَوْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيًا كَمَا يَقُول الْخَصَّافُ انْعَقَلَتْ حَضَانَتُهُ لِلأَْبِ إِلَى بُلُوغِهِ (١) . (ر: حَضَانَةٌ) .

رَابِعًا: الإِْيلاَءُ:

١١ - يَنْقَضِي الإِْيلاَءُ (وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ) بِالآْتِي:

_________

(١) البدائع ٤ / ٤٢، ٤٣، ومنح الجليل ٢ / ٤٥٢، والمهذب ٢ / ١٧٠، ١٧٢، والمغني ٧ / ٦١٤.

أ - تَعْجِيل مُقْتَضِي الْحِنْثِ بِالْفَيْءِ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ (وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) بِأَنْ يَفْعَل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ الْوَطْءُ، وَيَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ.

ب - تَكْفِيرُ الْيَمِينِ وَالْوَطْءُ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا.

ج - مُضِيُّ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ وَهِيَ الأَْرْبَعَةُ الأَْشْهُرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ تَبِينُ الزَّوْجَةُ مِنْهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى انْقِضَاءِ أَجَل الإِْيلاَءِ إِمَّا وُجُوبُ الْفَيْءِ أَوِ الطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ كَمَا يَقُول الْجُمْهُورُ، أَوِ الْبَائِنُ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، إِلاَّ إِذَا رَضِيَتِ الزَّوْجَةُ بِالْمُقَامِ مَعَهُ دُونَ فَيْءٍ كَمَا يَقُول الْجُمْهُورُ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِيلاَءٍ) .

خَامِسًا: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

١٢ - يَنْقَضِي حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالْغُسْل الْوَاجِبِ، وَبِتَخَرُّقِ الْخُفِّ كَثِيرًا، وَبِنَزْعِهِ، وَبِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢) . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بُطْلاَنُ الْمَسْحِ. (ر: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) .

سَادِسًا: صَلاَةُ الْمُسَافِرِ:

١٣ - مِمَّا يَنْقَضِي بِهِ حُكْمُ قَصْرِ الصَّلاَةِ لِلْمُسَافِرِ انْقِضَاءُ مُدَّةِ الإِْقَامَةِ الْمُبِيحَةِ لِلْقَصْرِ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ،

_________

(١) البدائع ٣ / ١٧٥ - ١٧٩، والاختيار ٣ / ١٥٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٩، والمهذب ٢ / ١١٠، والمغني ٧ / ٣٠٤، ٣١٨، ٣٢٢.

(٢) البدائع ١ / ١٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥، والمهذب ١ / ٢٩، والمغني ١ / ٢٨٧.

وَكَذَلِكَ يَنْقَضِي بِنِيَّةِ الإِْتْمَامِ، وَبِدُخُول الْوَطَنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) . (ر: صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) .

سَابِعًا: انْقِضَاءُ الأَْجَل:

١٤ - يَنْقَضِي الأَْجَل إِمَّا بِالإِْسْقَاطِ أَوْ بِالسُّقُوطِ. وَمِثَالُهُ فِي الإِْسْقَاطِ: إِسْقَاطُ الْمَدِينِ حَقَّهُ مِنَ الأَْجَل. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُصْبِحَ الدَّيْنُ حَالًّا. وَمِثَالُهُ فِي السُّقُوطِ: انْتِهَاءُ مُدَّتِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِمَّا بَدْءُ تَنْفِيذِ الاِلْتِزَامِ، كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ بِانْقِضَاءِ الْحَوْل عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ، وَإِمَّا إِنْهَاءُ الاِلْتِزَامِ كَالإِْجَارَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِزَمَنٍ، فَإِنَّهَا تَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ الأَْجَل. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَجَلٍ) .

هَذِهِ بَعْضُ أَمْثِلَةٍ لِلاِنْقِضَاءِ، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ، كَانْقِضَاءِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَانْقِضَاءِ الْحَجْرِ بِالرُّشْدِ، وَانْقِضَاءِ خِيَارِ الشَّرْطِ بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.

الاِخْتِلاَفُ فِي الاِنْقِضَاءِ:

١٥ - إِذَا تَنَازَعَ طَرَفَانِ فِي انْقِضَاءِ شَيْءٍ أَوْ بَقَائِهِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالاِنْقِضَاءِ وَعَدَمِهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ التَّصَرُّفَاتِ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

أ - فِي الْهِدَايَةِ: إِذَا قَالَتِ الْمُعْتَدَّةُ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهَا مَعَ الْيَمِينِ؛ لأَِنَّهَا

_________

(١) البدائع ١ / ٩٧، والدسوقي ١ / ٣٦٤، ومنتهى الإرادات ١ / ٢٧٨.

أَمِينَةٌ فِي ذَلِكَ، وَقَدِ اتُّهِمَتْ فِي ذَلِكَ فَتَحْلِفُ كَالْمُودَعِ (١) .

ب - فِي جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل: إِنِ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي انْقِضَاءِ الأَْجَل (بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَنِ) لاِخْتِلاَفِهِمَا فِي مَبْدَئِهِ بِأَنْ قَال الْبَائِعُ: أَوَّل الشَّهْرِ وَقَال الْمُبْتَاعُ مُنْتَصَفُهُ، وَلاَ بَيِّنَةَ لأَِحَدِهِمَا، وَفَاتَتِ السِّلْعَةُ فَالْقَوْل لِمُنْكِرِ التَّقَضِّي، أَيِ انْقِضَاءِ الأَْجَل مُشْتَرِيًا كَانَ أَوْ بَائِعًا، بِيَمِينِهِ إِنْ أَشْبَهَ سَوَاءٌ أَشْبَهَ الآْخَرَ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ انْقِضَائِهِ، فَإِنْ لَمْ تَفُتِ السِّلْعَةُ حَلَفَا وَفُسِخَ الْبَيْعُ (٢) . ج - فِي الْمُهَذَّبِ: إِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ فَادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَهَا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَالْقَوْل قَوْل الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّهَا لَمْ تَنْقَضِ؛ وَلأَِنَّ هَذَا اخْتِلاَفٌ فِي وَقْتِ الإِْيلاَءِ فَكَانَ الْقَوْل فِيهِ قَوْلَهُ (٣) .

انْقِطَاعٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - يَأْتِي الاِنْقِطَاعُ فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ عِدَّةٍ مِنْهَا: التَّوَقُّفُ وَالتَّفَرُّقُ (٤) .

وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي، كَمَا يُطْلِقُونَ

_________

(١) الهداية ٢ / ٣٠.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٦٥.

(٣) المهذب ٢ / ١١٢.

(٤) تاج العروس، وترتيب القاموس مادة: (قطع) .