الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 10

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

لَفْظَ الْمُنْقَطِعِ عَلَى الصَّغِيرِ الَّذِي فَقَدَ أُمَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ (١) .

وَالاِنْقِطَاعُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: عَدَمُ اتِّصَال سَنَدِ الْحَدِيثِ، سَوَاءٌ سَقَطَ ذِكْرُ الرَّاوِي مِنْ أَوَّل الإِْسْنَادِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّاوِي وَاحِدًا أَمْ أَكْثَرَ، عَلَى التَّوَالِي أَوْ غَيْرِهِ، فَيَشْمَل الْمُرْسَل، وَالْمُعَلَّقَ، وَالْمُعْضَل، وَالْمُدَلَّسَ، إِلاَّ أَنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ كَمَالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢) . وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِيهِ، وَلَهُ بَعْضُ الْمَعَانِي يَتَكَلَّمُ عَنْهَا الأُْصُولِيُّونَ فِي مَبْحَثِ السُّنَّةِ (الْمُرْسَل) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الاِنْقِرَاضُ:

٢ - يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ بِالاِنْقِطَاعِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا كَالْوَقْفِ عَلَى مُنْقَطِعِ الأَْوَّل، أَمَّا الاِنْقِرَاضُ فَيَكُونُ فِي الأَْشْيَاءِ الَّتِي وُجِدَتْ ثُمَّ انْعَدَمَتْ (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي الاِنْقِطَاعِ بِاخْتِلاَفِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، فَفِي انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ يَكُونُ الْحُكْمُ كَالآْتِي:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ

_________

(١) القليوبي ٣ / ١٨٩ ط مصطفى الحلبي، وجواهر الإكليل ١ / ٣، نشر دار الباز، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٨٠ نشر دار الإيمان.

(٢) كشاف اصطلاحات الفنون مادة: (قطع) .

(٣) النظم المستعذب بهامش المهذب ١ / ٤٤٨.

قَبْل انْقِطَاعِ دَمِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا هَل يَكُونُ الْغُسْل شَرْطًا لِحِل الاِسْتِمْتَاعِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، أَوْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ؟ . فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ حَتَّى تَغْتَسِل أَوْ تَتَيَمَّمَ إِنْ كَانَتْ أَهْلًا لَهُ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لأَِكْثَرِ الْحَيْضِ وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عِنْدَهُ حَل الْوَطْءُ فِي الْحَال، وَإِنِ انْقَطَعَ لأَِقَلِّهِ لَمْ يَحِل حَتَّى تَغْتَسِل أَوْ تَتَيَمَّمَ، أَوْ تَصِيرَ الصَّلاَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، بِأَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ يَتَّسِعُ لِلْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ (١)، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.

انْقِطَاعُ الاِقْتِدَاءِ بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ:

٤ - يَنْقَطِعُ الاِقْتِدَاءُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَأْمُومِ إِنْ نَوَى مُفَارَقَةَ إِمَامِهِ، وَفِي كَوْنِ الصَّلاَةِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ صَحِيحَةً أَوْ بَاطِلَةً خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا بَاطِلَةٌ مُطْلَقًا، وَيُفَرِّقُ الْبَعْضُ بَيْنَ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ مَعَ الْعُذْرِ وَبِدُونِهِ، فَهِيَ مَعَ الْعُذْرِ صَحِيحَةٌ، وَبَاطِلَةٌ بِدُونِهِ (٢) . وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ وَالاِقْتِدَاءِ.

وَكَذَلِكَ تَنْقَطِعُ الْقُدْوَةُ بِخُرُوجِ الإِْمَامِ مِنْ صَلاَتِهِ وَمَعَ خُرُوجِهِ تَنْشَأُ بَعْضُ الأَْحْكَامِ، فَقَدْ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَصَلاَةُ الْمَأْمُومِينَ، وَقَدْ يَسْتَخْلِفُ وَتَصِحُّ الصَّلاَةُ (٣) وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي (صَلاَةِ

_________

(١) المجموع ٢ / ٣٧٠ - ٣٧١، ٣٨٠.

(٢) المغني ٢ / ٢٣٣، والحطاب ٢ / ١٢٢، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٨٤.

(٣) مغني المحتاج ١ / ٢٥٩ ط مصطفى الحلبي، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٦٩.

الْجَمَاعَةِ، وَاسْتِخْلاَفٌ) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ الاِنْقِطَاعَ فِي الْمَوَاضِعِ الآْتِيَةِ: فِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا التَّتَابُعُ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْل وَالظِّهَارِ وَالإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ.

وَفِي الْوَقْفِ فِي شَرْطِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَهَل يَصِحُّ الْوَقْفُ إِنْ كَانَ عَلَى مُنْقَطِعِ الأَْوَّل أَوِ الآْخَرِ أَوِ الْوَسَطِ (١)؟ .

وَفِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ أَوِ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ: أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَنْ بَذْل مِيَاهِ الآْبَارِ إِذَا كَانَتْ تَنْقَطِعُ أَوْ تَسْتَخْلِفُ، وَعَمَّا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فَانْقَطَعَ بِهِ مَاءُ بِئْرِ جَارِهِ (٢) .

وَفِي النِّكَاحِ: عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ، وَنَقَل الْوِلاَيَةُ بِسَبَبِهَا.

وَفِي الْقَضَاءِ: عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى انْقِطَاعِ الإِْنْسَانِ لِلْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا، وَرِزْقُ الْقَاضِي لِلْمُنْقَطِعِ لَهُمَا، وَعِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ انْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ بِالْيَمِينِ (٣) .

انْقِلاَبُ الْعَيْنِ

انْظُرْ: تَحَوُّلٌ.

_________

(١) المجموع ٦ / ٣٩٤، والقليوبي ٣ / ١٠٢، ١٨٩.

(٢) الكافي لابن عبد البر ٢ / ٩٤٤.

(٣) الروضة ١٢ / ٤٠ ط المكتب الإسلامي، وكشاف القناع ٦ / ٢٩١ ط الرياض.

إِنْكَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْنْكَارُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَنْكَرَ وَيَأْتِي فِي اللُّغَةِ لِثَلاَثَةِ مَعَانٍ:

الأَْوَّل: الْجَهْل بِالشَّخْصِ أَوِ الشَّيْءِ أَوِ الأَْمْرِ. تَقُول: أَنْكَرْتُ زَيْدًا وَأَنْكَرْتُ الْخَبَرَ إِنْكَارًا، وَنَكَّرْتُهُ، إِذَا لَمْ تَعْرِفْهُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (١) .

وَقَدْ يَكُونُ فِي الإِْنْكَارِ مَعَ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالشَّيْءِ النَّفْرَةُ مِنْهُ وَالتَّخَوُّفُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آل لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٢) أَيْ تُنْكِرُكُمْ نَفْسِي وَتَنْفِرُ مِنْكُمْ، فَأَخَافُ أَنْ تَطْرُقُونِي بِشَرٍّ.

الثَّانِي: نَفْيُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، أَوِ الْمَسْئُول عَنْهُ.

وَالثَّالِثُ: تَغْيِيرُ الأَْمْرِ الْمُنْكَرِ وَعَيْبُهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ. وَالْمُنْكَرُ هُوَ الأَْمْرُ الْقَبِيحُ، خِلاَفُ الْمَعْرُوفِ. وَاسْمُ الْمَصْدَرِ هُنَا (النَّكِيرُ)، وَمَعْنَاهُ (الإِْنْكَارُ) (٣) أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فَيَرِدُ اسْتِعْمَال (الإِْنْكَارِ) بِمَعْنَى الْجَحْدِ، وَبِمَعْنَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يُسْتَدَل عَلَى وُرُودِهِ بِمَعْنَى الْجَهْل بِالشَّيْءِ فِي كَلاَمِهِمْ.

_________

(١) سورة يوسف / ٥٨.

(٢) سورة الحجر / ٦٢.

(٣) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (نكر) .

أَوَّلًا: الإِْنْكَارُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ

الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الإِْنْكَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَالْجَحْدِ وَالْجُحُودِ:

٢ - سَاوَى بَعْضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الإِْنْكَارِ وَبَيْنَ الْجَحْدِ وَالْجُحُودِ. قَال فِي اللِّسَانِ: الْجَحْدُ وَالْجُحُودُ نَقِيضُ الإِْقْرَارِ، كَالإِْنْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَقَال الْجَوْهَرِيُّ: الْجُحُودُ الإِْنْكَارُ مَعَ الْعِلْمِ. يُقَال: جَحَدَهُ حَقَّهُ وَبِحَقِّهِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - النَّفْيُ:

٣ - النَّفْيُ يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْنْكَارِ أَوِ الْجَحْدِ، وَهُوَ مُقَابِل الإِْيجَابِ: وَقِيل الْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْيِ وَبَيْنَ الْجَحْدِ أَنَّ النَّافِيَ إِنْ كَانَ صَادِقًا سُمِّيَ كَلاَمُهُ نَفْيًا وَلاَ يُسَمَّى جَحْدًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا سُمِّيَ جَحْدًا وَنَفْيًا أَيْضًا، فَكُل جَحْدٍ نَفْيٌ. وَلَيْسَ كُل نَفْيٍ جَحْدًا. ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ. قَالُوا: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢) .

ب - النُّكُول:

٤ - النُّكُول أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْحَلِفِ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الدَّعْوَى، بِقَوْلِهِ: أَنَا نَاكِلٌ، أَوْ يَقُول لَهُ الْقَاضِي: احْلِفْ، فَيَقُول: لاَ أَحْلِفُ. أَوْ سَكَتَ سُكُوتًا يَدُل عَلَى الاِمْتِنَاعِ.

ج - الرُّجُوعُ:

٥ - الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكُهُ بَعْدَ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ.

_________

(١) لسان العرب (جحد) .

(٢) سورة النمل / ١٤، وانظر كشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ١٩٢، ٦ / ١٤٣٧ ط الهند.

فَالرُّجُوعُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُول الشَّاهِدُ أَبْطَلْتُ شَهَادَتِي، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا. وَقَدْ يَكُونُ الرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ بِادِّعَاءِ الْغَلَطِ وَنَحْوِهِ (١) .

د - الاِسْتِنْكَارُ:

٦ - الاِسْتِنْكَارُ يَأْتِي بِمَعْنَى عَدِّ الشَّيْءِ مُنْكَرًا، وَبِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ عَمَّا تُنْكِرُهُ، وَبِمَعْنَى جَهَالَةِ الشَّيْءِ مَعَ حُصُول الاِشْتِبَاهِ (٢) .

وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الاِسْتِنْكَارَ يُوَافِقُ الإِْنْكَارَ فِي مَجِيئِهِمَا بِمَعْنَى الْجَهَالَةِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْنْكَارُ بِمَجِيئِهِ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، وَيَنْفَرِدُ الاِسْتِنْكَارُ بِمَجِيئِهِ بِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ عَمَّا يُنْكَرُ.

الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالإِْنْكَارِ فِي الدَّعْوَى.

٧ - يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي لإِثْبَاتِ حَقِّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ دَعْوَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ عَمَّا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُقِرَّ، وَإِمَّا أَنْ يُنْكِرَ.

فَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ الْحَقُّ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَضَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا وَطَلَبَ الْيَمِينَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ نَكَل حَكَمَ عَلَيْهِ. وَقِيل: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي. هَذَا طَرِيقُ الْحُكْمِ إِجْمَالًا، لِقَوْل النَّبِيِّ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (٣)

_________

(١) القليوبي ٤ / ٣٣٢، ٣ / ٥.

(٢) لسان العرب، ومعجم اللغة، والمرجع في اللغة.

(٣) حديث: " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ". أخرجه البيهقي في سننه (١٠ / ٢٥٢ - ط حيدر آباد) وحسنه ابن الصلاح كما في جامع العلوم والحكم (ص ٢٩٤ - ط الحلبي) .

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي (إِثْبَاتٍ، وَدَعْوَى، حَلِفٍ، إِقْرَارٍ، نُكُولٍ) .

مَا بِهِ يَتَحَقَّقُ الإِْنْكَارُ:

أَوَّلًا: النُّطْقُ:

٨ - يَتَحَقَّقُ الإِْنْكَارُ بِالنُّطْقِ. وَيُشْتَرَطُ فِي النُّطْقِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا بِحَيْثُ لاَ يُحْتَمَل إِلاَّ الإِْنْكَارَ، كَأَنْ يَقُول لَمْ تُسَلِّفْنِي مَا تَدَّعِيهِ. وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِهَا صَرِيحَةً أَوْ غَيْرَ صَرِيحَةٍ، كَأَنْ يَقُول: لاَ حَقَّ لَهُ عِنْدِي. فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِنْكَارًا، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارًا؛ لأَِنَّ نَفْيَ الْمُطْلَقِ يَشْمَل نَفْيَ الْمُقَيَّدِ، فَقَوْلُهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ نَفْيٌ مُطْلَقٌ لِحَقِّ الْمُدَّعِي، أَيًّا كَانَ سَبَبُهُ، فَيُعْتَبَرُ جَوَابًا كَافِيًا وَإِنْكَارًا مُوجِبًا لِلْحَلِفِ بِشُرُوطِهِ (١) .

ثَانِيًا: الاِمْتِنَاعُ مِنَ الإِْقْرَارِ وَالإِْنْكَارِ:

٩ - لَوْ قَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ امْتِنَاعِهِ هَذَا. فَقَال صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ ﵏: هُوَ إِنْكَارٌ، فَيُسْتَحْلَفُ بَعْدَهُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِنَّ قَوْلَهُ لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ بِمَنْزِلَةِ النُّكُول، فَيَقْضِي بِلاَ اسْتِحْلاَفٍ، كَمَا يَقْضِي عَلَى النَّاكِل عَنِ الْيَمِينِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ

_________

(١) معين الحكام ص ٧٤، وتبصرة الحكام ١ / ١٦٢. والقليوبي ٤ / ٣٣٨، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٨٥

يُعْلِمَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ حَكَمَ عَلَيْهِ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ الْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ: إِنْ قَال لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ لاَ يُسْتَحْلَفُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُظْهِرِ الإِْنْكَارَ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ وَيُنْكِرَ. وَفِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يُؤَدِّبُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى امْتِنَاعِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ.

وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ إِقْرَارٌ (١) . وَلَمْ نَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

ثَالِثًا: السُّكُوتُ:

١٠ - مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَمَامَ الْقَضَاءِ فَسَكَتَ، فَفِي اعْتِبَارِ سُكُوتِهِ إِنْكَارًا أَقْوَالٌ:

الأَْوَّل: إِنَّ سُكُوتَهُ إِنْكَارٌ، وَهَذَا قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: لأَِنَّ الدَّعْوَى أَوْجَبَتِ الْجَوَابَ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ إِمَّا إِقْرَارٌ وَإِمَّا إِنْكَارٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَمْل السُّكُوتِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْحَمْل عَلَى الإِْنْكَارِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْعَاقِل الْمُتَدَيِّنَ لاَ يَسْكُتُ عَنْ إِظْهَارِ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ لِغَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ حَمْل السُّكُوتِ عَلَى الإِْنْكَارِ أَوْلَى، فَكَانَ السُّكُوتُ إِنْكَارًا دَلاَلَةً.

وَهَذَا إِنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا لَوْ كَانَ فِي لِسَانِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ عَنِ التَّكَلُّمِ، أَوْ فِي

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٤٢٣، ومعين الحكام ص ٧٥، ولسان الحكام ١ / ٦٠، وتبصرة الحكام ١ / ١٦٣، ٢٩٩، ٣٠١، وشرح المنتهى ٣ / ٩٥، والبدائع ٨ / ٣٩٢٥.

سَمْعِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ سَمَاعِ الْكَلاَمِ، فَلاَ يُعَدُّ سُكُوتُهُ إِنْكَارًا.

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ أَيْضًا أَنْ يَسْكُتَ لِدَهْشَةٍ أَوْ غَبَاوَةٍ. أَمَّا الأَْخْرَسُ فَقَالُوا: إِنَّ تَرْكَهُ الإِْشَارَةَ بِمَنْزِلِهِ السُّكُوتِ (١) . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَطْلُبُ الْقَاضِي مِنَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي دُرَرِ الْحُكَّامِ (٢) .

١١ - الْقَوْل الثَّانِي مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ثَانِي قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ سُكُوتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ النُّكُول، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِالسُّكُوتِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْمُنْكِرِ النَّاكِل عَنِ الْيَمِينِ، بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ الْقَاضِي بِحُكْمِ سُكُوتِهِ، فَيَقُول لَهُ: إِنْ أَجَبْتَ عَنْ دَعْوَاهُ وَإِلاَّ جَعَلْتُك نَاكِلًا وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

١٢ - الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَيْضًا: يَحْبِسُهُ الْقَاضِي حَتَّى يُجِيبَ عَنِ الدَّعْوَى (٣) .

غَيْبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ:

١٣ - إِذَا حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي، فَأَنْكَرَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، ثُمَّ غَابَ قَبْل إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ

_________

(١) شرح المجلة للأتاسي ٦ / ١١٨، والبدائع ٨ / ٣٩٢٥، مطبعة الإمام، وابن عابدين والدر المختار ٤ / ٤٢٣، ومعين الحكام ص ٧٥، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي وعميرة ٤ / ٣٣٨.

(٢) درر الحكام ٤ / ٥٧٤.

(٣) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٤ / ٣٣٨، والمقنع ٣ / ٦١٩ ط السلفية، وشرح المقنع بهامش المغني ١١ / ٤٣٠، والتبصرة ١ / ٣٠١.

عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَكَذَا إِذَا سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ غَابَ قَبْل الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ الإِْنْكَارِ وَقْتَ الْقَضَاءِ.

وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀، فَقَال بِصِحَّةِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الْحَال؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُ الإِْصْرَارُ عَلَى الإِْنْكَارِ إِلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، وَالإِْصْرَارُ ثَابِتٌ بَعْدَ غَيْبَتِهِ بِالاِسْتِصْحَابِ.

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَصْلًا.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْمُدَايَنَاتِ وَالْوَكَالاَتِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ إِلاَّ الْعَقَارَ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيهِ إِلاَّ أَنْ تَطُول غَيْبَتُهُ وَيَضُرَّ ذَلِكَ بِخَصْمِهِ (١) .

حُكْمُ الْمُنْكِرِ:

١٤ - إِذَا ادُّعِيَ عَلَى إِنْسَانٍ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُطْلَبُ مِنْ خَصْمِهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا حُكِمَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِقَامَتِهَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَحْلِفُ الْمُنْكِرَ إِذَا طَلَبَ خَصْمُهُ تَحْلِيفَهُ، فَإِنْ حَلَفَ حَكَمَ بِبَرَاءَتِهِ مِنَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ نَكَل قَضَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَلاَ يَقْضِي عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ، فَإِنْ حَلَفَ الطَّالِبُ حِينَئِذٍ قَضَى لَهُ (٢) .

وَدَلِيل اسْتِحْلاَفِ الْمُنْكِرِ حَدِيثُ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (٣) السَّابِقُ،

_________

(١) فتح القدير ٦ / ٤٠١، قليوبي ٤ / ٣٠٨، والكافي ٢ / ٩٣١.

(٢) الطرق الحكمية ١١٦.

(٣) حديث: " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " سبق تخريجه (ف ٧) .