الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

فَلَوْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ وَدَخَل بِهَا ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، عَادَتْ إِلَيْهِ بِالْحِل الأَْوَّل، فَلاَ يَمْلِكُ عَلَيْهَا إِلاَّ مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلاَقِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لَهُ فِي ذَلِكَ الْحِل (١) .

إِيلاَجٌ

انْظُرْ: وَطْءٌ

إِيلاَدٌ

انْظُرِ: اسْتِيلاَدٌ، أُمُّ الْوَلَدِ

إِيلاَمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْيلاَمُ هُوَ: الإِْيجَاعُ، وَالأَْلَمُ: الْوَجَعُ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعَذَابُ:

٢ - الْعَذَابُ: هُوَ الأَْلَمُ الْمُسْتَمِرُّ، وَالأَْلَمُ قَدْ يَكُونُ

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) لسان العرب مادة: " ألم ".

مُسْتَمِرًّا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَمِرٍّ. وَعَلَى هَذَا فَالْعَذَابُ أَخَصُّ مِنَ الأَْلَمِ، فَكُل عَذَابٍ أَلَمٌ، وَلَيْسَ كُل أَلَمٍ عَذَابًا.

ب - الْوَجَعُ:

٣ - الأَْلَمُ: مَا يُلْحِقُهُ بِكَ غَيْرُكَ. وَالْوَجَعُ: مَا تُلْحِقُهُ أَنْتَ بِنَفْسِكَ، أَوْ يُلْحِقُهُ بِكَ غَيْرُكَ مِنَ الأَْلَمِ. وَعَلَى هَذَا فَالْوَجَعُ أَعَمُّ مِنَ الأَْلَمِ (١) .

أَنْوَاعُ الإِْيلاَمِ:

٤ - أ - يَنْقَسِمُ الإِْيلاَمُ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

إِيلاَمٌ جَسَدِيٌّ: وَهُوَ الْوَاقِعُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، كَالإِْيلاَمِ الْحَاصِل مِنَ الضَّرْبِ، أَوْ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ فِي الْحَدِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَإِيلاَمٌ نَفْسِيٌّ: وَهُوَ الْوَاقِعُ عَلَى النَّفْسِ لاَ عَلَى الْبَدَنِ، كَالإِْخَافَةِ وَالْقَلَقِ وَالتَّوْبِيخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَكُلٌّ مِنَ الأَْلَمَيْنِ لَهُ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا سَيَأْتِي.

ب - وَيَنْقَسِمُ الإِْيلاَمُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ مَصْدَرِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

إِيلاَمٌ صَادِرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى كَالأَْمْرَاضِ، وَنَحْوِهَا.

وَإِيلاَمٌ صَادِرٌ عَنِ الْعَبْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.

وَلِكُلٍّ مِنَ الأَْلَمَيْنِ أَحْكَامُهُ فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا سَيَأْتِي.

_________

(١) الفروق لأبي هلال العسكري ص ٢٣٤ طبع دار الآفاق بيروت.

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الإِْيلاَمِ:

أ - الإِْيلاَمُ الصَّادِرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى:

٥ - قَدْ يَبْتَلِي اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالآْلاَمِ الْجَسَدِيَّةِ كَالأَْمْرَاضِ وَالأَْسْقَامِ، أَوْ بِالآْلاَمِ النَّفْسِيَّةِ كَالأَْحْزَانِ وَالْهُمُومِ، وَمَا عَلَى الإِْنْسَانِ إِذَا نَزَل بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ الصَّبْرُ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊ عَجَبًا لأَِمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ (١) . لأَِنَّ فِي هَذَا الصَّبْرِ عَلَى الاِبْتِلاَءِ تَكْفِيرًا لِسَيِّئَاتِهِ، وَإِعْلاَءً لِدَرَجَاتِهِ، قَال ﵊، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمَّ يُهِمَّهُ، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ (٢) وَلاَ يُنَافِي هَذَا الأَْخْذَ بِالأَْسْبَابِ الَّتِي وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِدَفْعِ هَذَا الْبَلاَءِ أَوْ رَفْعِهِ، كَالدَّوَاءِ وَالدُّعَاءِ وَالْوِقَايَةِ.

ب - الإِْيلاَمُ الصَّادِرُ عَنِ الْعِبَادِ:

٦ - إِذَا كَانَ الإِْيلاَمُ صَادِرًا عَنِ الْعِبَادِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ نَتِيجَةَ اعْتِدَاءٍ يُقْصَدُ مِنْهُ الإِْضْرَارُ نَفْسِيًّا أَمْ جَسَدِيًّا فَإِنَّ فِي هَذَا الإِْيلاَمِ إِثْمًا، فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣)

_________

(١) حديث: " عجبا لأمر المؤمن. . . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٩٥ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ١٠٣ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١١٩٣ ط الحلبي)

(٣) سورة البقرة / ١٩٠.

وَلِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (١)، كَمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ أَوِ التَّعْوِيضُ الْمَالِيُّ أَوِ التَّعْزِيرُ، بِحَسَبِ الْحَال، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْجِنَايَاتِ وَالتَّعْزِيرِ.

٧ - وَقَدْ يَكُونُ مُوجِبُ الإِْيلاَمِ الضَّمَانَ وَحْدَهُ، أَوْ مَعَ التَّعْزِيرِ كَمَا فِي حَالاَتِ الْجِنَايَةِ خَطَأً عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، عَلَى مَا فَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ. وَقَدْ ضَمَّنَ عُمَرُ إِفْزَاعَ رَجُلٍ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. فَقَدْ رُوِيَ

أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُصُّ شَارِبَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَفْزَعَهُ عُمَرُ. فَضَرَطَ الرَّجُل، فَقَال عُمَرُ: إِنَّا لَمْ نُرِدْ هَذَا، وَلَكِنَّا سَنَعْقِلُهَا لَكَ. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. قَال الرَّاوِي وَأَحْسَبُهُ قَال: وَشَاةٌ أَوْ عِنَاقًا (٢) .

٨ - الإِْيلاَمُ الَّذِي يُجْعَل وَسِيلَةً لِلإِْصْلاَحِ عِنْدَمَا يَجِبُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحُدُودِ، أَوْ عِنْدَمَا يَتَرَجَّحُ لَدَى وَلِيِّ الأَْمْرِ جَدْوَاهُ فِي الإِْصْلاَحِ، كَالتَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيبِ، لاَ يَجُوزُ تَخْفِيفُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِْيلاَمِ، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَزْعِ الْحَشْوِ وَالْفَرْوِ عَنِ الْمَجْلُودِ فِي الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ؛ لِيَصِل الأَْلَمُ إِلَى جِلْدِهِ (٣) .

_________

(١) حديث: " لا ضرر ولا ضرار ". رواه ابن ماجه (٢ / ٧٨٤ ط الحلبي) وغيره عن ابن عباس. وهو صحيح بطرقه (فيض القدير ٦ / ٤٣١ - ٤٣٢ - ط المكتبة التجارية) .

(٢) أثر: " أن عمر بن الخطاب قد ضمن إفزاع رجل بأربعين درهما. . . " أخرجه ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية. قال محمد منير الدمشقي محقق المحلى: إسماعيل هذا لم يدرك عمر، وفي السند رجل مجهول لا يدرى من هو (مصنف عبد الرزاق ١٠ / ٢٤، والمحلى لابن حزم ١٠ / ٤٥٩) .

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٧٠.

إِيمَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْيمَاءُ لُغَةً: الإِْشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْ بِالرَّأْسِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالْحَاجِبِ. وَقَال الشِّرْبِينِيُّ: الإِْيمَاءُ لُغَةً: هُوَ الإِْشَارَةُ الْخَفِيَّةُ. وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الإِْشَارَةُ حِسِّيَّةً أَمْ مَعْنَوِيَّةً (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.

٢ - وَالإِْيمَاءُ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: دَلاَلَةُ النَّصِّ عَلَى التَّعْلِيل بِالْقَرِينَةِ، لاَ بِصَرَاحَةِ اللَّفْظِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْشَارَةُ:

٣ - الإِْشَارَةُ لُغَةً أَعَمُّ مِنَ الإِْيمَاءِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِْيمَاءَ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ. أَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّهُ مُطْلَقُ الإِْشَارَةِ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: الإِْشَارَةُ دَلاَلَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى لَمْ يُسَقِ الْكَلاَمُ لأَِجْلِهِ. نَحْوَ دَلاَلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ (٣) عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ لِلأَْبِ، وَأَنَّ الأَْبَ لاَ يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ، فَالإِْيمَاءُ عِنْدَهُمْ أَخَصُّ مِنَ الإِْيمَاءِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ

_________

(١) تاج العروس، والمصباح.

(٢) تقرير على شرح جمع الجوامع وحاشية البناني ٢ / ٢٦٦.

(٣) سورة البقرة / ٢٣٣.

وَاللُّغَوِيِّينَ، سَوَاءٌ أَخَذَ فِي مَفْهُومِ الإِْيمَاءِ الإِْشَارَةُ مُطْلَقًا أَوِ الْخَفِيَّةُ.

وَأَجَازَ الْغَزَالِيُّ تَسْمِيَةَ الإِْيمَاءِ إِشَارَةً (١) .

ب - الدَّلاَلَةُ:

٤ - الدَّلاَلَةُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بِحَالَةٍ يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَقِيل: كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَالأَْوَّل يُسَمَّى الدَّال، وَالثَّانِي يُسَمَّى الْمَدْلُول (٢)

وَالدَّلاَلَةُ اللَّفْظِيَّةُ إِمَّا عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، أَوْ عَلَى جُزْئِهِ، أَوْ عَلَى خَارِجٍ عَنْهُ لاَزِمٍ لَهُ، كَدَلاَلَةِ لَفْظِ " السَّقْفِ " عَلَى الْحَائِطِ أَوِ التَّحَيُّزِ أَوِ الظِّل، وَمِنْ هَذِهِ الدَّلاَلَةِ الاِلْتِزَامِيَّةِ الإِْيمَاءُ؛ لأَِنَّهُ دَلاَلَةُ اللَّفْظِ غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لِلتَّعْلِيل عَلَى التَّعْلِيل (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

٥ - الْمُصَلِّي الْعَاجِزُ عَنِ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، يُصَلِّي بِالإِْيمَاءِ، وَيَجْعَل سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ. وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ صَلاَةِ الْمَرِيضِ، وَأَبْوَابِ صَلاَةِ الْخَوْفِ (٤) .

_________

(١) شرح مسلم الثبوت ١ / ٤٠٧، ٤١٣ ط بولاق، والمستصفى ٢ / ١٨٨، ١٩٠.

(٢) تعريفات الجرجاني.

(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ٤٨٩، والمستصفى ١ / ٣٠.

(٤) انظر مثلا: الاختيار ١ / ٤٦، ٧٦ ط دار المعرفة بلبنان، وجواهر الإكليل ١ / ٥٤، ٥٦، ١٠٠، والقليوبي على شرح المنهاج ١ / ١٣٤، ٣٠١ ط عيسى الحلبي، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٣٢ و٢ / ٤٠٠ ط الرياض.

وَفِي اعْتِبَارِ الإِْيمَاءِ بِالرَّأْسِ وَنَحْوِهِ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ مِنَ النَّاطِقِ وَالأَْخْرَسِ وَالْمُعْتَقَل لِسَانُهُ تَفْصِيلٌ (١) (ر: إِشَارَةٌ. وَعَقْدٌ، وَطَلاَقٌ) .

وَفِي مُفْسِدَاتِ الصَّلاَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال عِنْدَ بَعْضِ الأَْئِمَّةِ (ر: مُفْسِدَاتُ الصَّلاَةِ) .

ثَانِيًا: عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:

٦ - الإِْيمَاءُ عِنْدَ أَكْثَرِ الأُْصُولِيِّينَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنْطُوقِ (٢) . لَكِنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ. وَيَذْكُرُونَهُ فِي الدَّلاَلاَتِ مِنْ مَبَاحِثِ الأَْلْفَاظِ، وَمَسَالِكُ الْعِلَّةِ مِنْ مَبَاحِثِ الْقِيَاسِ.

أَنْوَاعُ الإِْيمَاءِ:

٧ - أَنْوَاعُ الإِْيمَاءِ كَثِيرَةٌ، حَتَّى قَال الْغَزَالِيُّ: وُجُوهُ التَّنْبِيهِ لاَ تَنْضَبِطُ إِلاَّ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا الأَْنْوَاعَ التَّالِيَةَ:

أ - أَنْ يَقَعَ الْحُكْمُ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ. وَمِثَالُهُ قَوْل الرَّجُل الأَْنْصَارِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. فَقَال: أَعْتِقْ رَقَبَةً (٣) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْوِقَاعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عِلَّةٌ لِلإِْعْتَاقِ. وَوَجْهُ فَهْمِ التَّعْلِيل هُنَا: أَنَّ غَرَضَ الأَْنْصَارِيِّ مَعْرِفَةُ حُكْمِ مَا فَعَل، وَمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ جَوَابٌ لَهُ لِيَحْصُل غَرَضُهُ، فَصَارَ الْجَوَابُ مُقَدَّرًا فِيهِ السُّؤَال، كَأَنَّهُ قَال: كَفِّرْ لأَِنَّكَ وَاقَعْتَ. وَهُوَ لَوْ صَرَّحَ بِحَرْفِ التَّعْلِيل بِقَوْلِهِ: كَفِّرْ لأَِنَّكَ وَاقَعْتَ، لَمْ يَكُنْ مُومِئًا لِلْعِلِّيَّةِ، بَل يَكُونُ مُصَرَّحًا بِهَا.

_________

(١) انظر مثلا ابن عابدين ٤ / ٤٥٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣١٢، وتفسير القرطبي ٤ / ٨١.

(٢) دلالة الإيماء التزامية، والالتزام من المنطوق. وبعض الشافعية ومنهم صاحب المنهاج أدرجوه في المفهوم (شرح مسلم الثبوت ١ / ٤١٣، والبناني على جمع الجوامع ٢ / ٢٦٦) .

(٣) حديث: " أعتق رقبة " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٥٢ - ط السلفية) .

وَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّصْرِيحُ بِالْعِلَّةِ وَالإِْيمَاءِ بِهَا، وَمِثَالُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَال: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَلاَ، إِذَنْ (١) فَإِنَّ " إِذَنْ " صَرِيحٌ فِي التَّعْلِيل.

وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ " إِذَنْ " لَفُهِمَ التَّعْلِيل مِنَ الْقَرِينَةِ، فَاجْتَمَعَا.

ب - أَنْ يَقْتَرِنَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ بِالْحُكْمِ فِي كَلاَمِ الْمُتَكَلِّمِ: وَمِثَالُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِرَّةِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ (٢)، فَأَفْهَمَ أَنَّ عِلَّةَ طَهَارَتِهَا الطَّوَافُ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَصْفُ عِلَّةً لَكَانَ لَغْوًا، أَوْ - عَلَى تَعْبِيرِ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ - لَكَانَ بَعِيدًا جِدًّا، فَيُحْمَل الْوَصْفُ عَلَى التَّعْلِيل، صِيَانَةً لِكَلاَمِ الشَّارِعِ عَنِ اللَّغْوِ وَالْعَبَثِ (٣) .

ج - وَمِنْهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِوَصْفَيْنِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا عِلَّةٌ لأَِحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَالآْخَرَ عِلَّةٌ لِلآْخَرِ.

وَالتَّفْرِيقُ يَكُونُ بِطُرُقٍ:

(١) إِمَّا بِصِيغَةِ صِفَةٍ. مِثْل حَدِيثِ لِلْفَارِسِ

_________

(١) حديث: " أينقص الرطب إذا يبس. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٦٥٧ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن المديني والترمذي وغيرهما. (بلوغ المرام لابن حجر ص ١٩٣ - ط عبد الحميد أحمد حنفي) .

(٢) حديث: " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم " أخرجه أبو داود (١ / ٦٠ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (١ / ١٥٤ - ط الحلبي) وصححه البخاري والعقيلي. (التلخيص لابن حجر ١ / ٤١ - ط دار المحاسن)

(٣) الاحتمال البعيد الذي يصان عنه كلام الشارع في مثل هذا، يقع مثله في الكلام. كما لو قال الولد لأبيه طلعت الشمس. فقال له: اسقني ماء. فليس طلوع الشمس سببا لسقي الماء بل هو كلام منقطع عن الأول. (المستصفى) .

سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِل سَهْمٌ (١) وَمِثْل الْقَاتِل لاَ يَرِثُ (٢) وَقَدْ ثَبَتَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ تَوْرِيثُ الْعَصَبَاتِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ.

(٢) وَإِمَّا بِصِيغَةِ الْغَايَةِ، نَحْوَ ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣) .

(٣) وَإِمَّا بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، نَحْوَ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٤) نَاطَ الْجَوَازَ بِاخْتِلاَفِ الْجِنْسِ.

(٤) أَوْ بِصِيغَةِ اسْتِدْرَاكٍ. نَحْوَ ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ﴾ (٥) فَدَل عَلَى أَنَّ الاِنْعِقَادَ عِلَّةُ الْكَفَّارَةِ.

(٥) أَوْ بِصِيغَةِ اسْتِثْنَاءٍ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٦) يُفِيدُ عِلِّيَّةَ الْعَفْوِ لِسُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ.

الإِْيمَاءُ بِذِكْرِ النَّظِيرِ:

٨ - قَدْ يَكُونُ الإِْيمَاءُ إِلَى الْعِلَّةِ بِذِكْرِ نَظِيرٍ لِمَحَل السُّؤَال.

وَمِثَالُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا،

_________

(١) حديث: " للفارس سهمان وللراجل سهم " أخرجه البخاري بلفظ " قسم رسول الله ﷺ للفرس سهمين وللراجل سهما " (فتح الباري ٧ / ٤٨٤ ط السلفية) .

(٢) حديث: " القاتل لا يرث " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٨٣ ط الحلبي) والبيهقي (٦ / ٢٢٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: إسحاق بن عبد الله لا يحتج به، إلا أن شواهده تقويه.

(٣) سورة البقرة / ٢٢٢.

(٤) حديث: " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١ - ط الحلبي) .

(٥) سورة البقرة / ٢٢٥.

(٦) سورة البقرة / ٢٣٧.

أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ (١) .

سَأَلَتْهُ عَنْ دَيْنِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَظِيرَهُ، وَهُوَ دَيْنُ الآْدَمِيِّ. فَنَبَّهَ عَلَى التَّعْلِيل بِهِ، وَإِلاَّ لَزِمَ الْعَبَثُ.

فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ نَظِيرَهُ - وَهُوَ دِينُ اللَّهِ - كَذَلِكَ عِلَّةٌ لِمِثْل ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ.

مَرَاتِبُ الإِْيمَاءِ:

٩ - أ - قَدْ يُذْكَرُ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَرِيحًا، نَحْوَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ (٢) فَهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْغَضَبَ عِلَّةُ عَدَمِ جَوَازِ الْحُكْمِ، وَمِثْل: أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ وَأَهِنِ الْجُهَّال فَهُوَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الإِْكْرَامِ الْعِلْمُ، وَعِلَّةَ الإِْهَانَةِ الْجَهْل. فَهَذَا النَّوْعُ إِيمَاءٌ بِالاِتِّفَاقِ.

ب - وَقَدْ يُذْكَرُ الْوَصْفُ صَرِيحًا وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ.

نَحْوَ ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) فَالْوَصْفُ إِحْلاَل الْبَيْعِ، وَالْحُكْمُ الصِّحَّةُ، أَوْ يُذْكَرُ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ، نَحْوَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَلاَ تُذْكَرُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَهِيَ الْوَصْفُ. فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَقِيل: هُمَا مِنَ الإِْيمَاءِ، وَقِيل: لاَ لِعَدَمِ الاِقْتِرَانِ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ لَفْظًا (٤) .

_________

(١) حديث: " إن أمي نذرت أن تحج. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٦٤ ط السلفية) .

(٢) حديث: " لا يقضي القاضي وهو غضبان " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ١٣٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٤٣ - ط الحلبي) . واللفظ للبخاري.

(٣) سورة البقرة / ٢٧٥.

(٤) كشاف اصطلاحات الفنون ٦ / ١٤٣٤، وشرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٩٦ - ٢٩٨ ط بولاق، والمستصفى ٢ / ٢٨٩، ٢٩٠ ط بولاق، وحاشية التفتازاني على شرح العضد على ابن الحاجب ٢ / ٢٣٤ - ٢٣٦ نشر الجامعة الإسلامية بالبيضاء - ليبيا، وشرح جمع الجوامع حاشية البناني ٢ / ٢٦٦ - ٢٧٠ ط مصطفى الحلبي ١٣٥٦ هـ.