الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
أَيْمَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْيْمَانُ: جَمْعُ يَمِينٍ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَتُذَكَّرُ. وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى (أَيْمُنٍ) وَمِنْ مَعَانِي الْيَمِينِ لُغَةً: الْقُوَّةُ وَالْقَسَمُ، وَالْبَرَكَةُ، وَالْيَدُ الْيُمْنَى، وَالْجِهَةُ الْيُمْنَى.
وَيُقَابِلُهَا: الْيَسَارُ، بِمَعْنَى: الْيَدِ الْيُسْرَى، وَالْجِهَةِ الْيُسْرَى (١) .
أَمَّا فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ عَرَّفَهَا صَاحِبُ غَايَةِ الْمُنْتَهَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا: تَوْكِيدُ حُكْمٍ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْرِيفِ تَخْصِيصُ الْيَمِينِ بِالْقَسَمِ، لَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كُتُبِهِمْ تَسْمِيَةُ التَّعْلِيقَاتِ السِّتَّةِ أَيْمَانًا، وَهِيَ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ وَالطَّلاَقِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالْعِتْقِ وَالْتِزَامِ الْقُرْبَةِ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى (٢) .
حِكْمَةُ التَّشْرِيعِ:
٢ - مِنْ أَسَالِيبِ التَّأْكِيدِ الْمُتَعَارِفَةِ فِي جَمِيعِ الْعُصُورِ أُسْلُوبُ التَّأْكِيدِ بِالْيَمِينِ، إِمَّا لِحَمْل الْمُخَاطَبِ عَلَى
_________
(١) المصباح المنير مادة: " يمين ".
(٢) ابن عابدين ٣ / ٤٥، وفتح القدير ٤ / ٣، والدسوقي ٢ / ١٢٦، وتحفة المحتاج ٨ / ١٦٤، والأم ٧ / ٦٢، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٥٧، ٣٥٨، والمغني بأعلى الشرح الكبير ١١ / ٧٤، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٥ / ٢٤٣.
الثِّقَةِ بِكَلاَمِ الْحَالِفِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ فِيهِ إِنْ كَانَ خَبَرًا، وَلاَ يَخْلُفُهُ إِنْ كَانَ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا أَوْ نَحْوَهُمَا، وَإِمَّا لِتَقْوِيَةِ عَزْمِ الْحَالِفِ نَفْسِهِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ يَخْشَى إِحْجَامَهَا عَنْهُ، أَوْ تَرْكِ شَيْءٍ يُخْشَى إِقْدَامُهَا عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِتَقْوِيَةِ الطَّلَبِ مِنَ الْمُخَاطَبِ أَوْ غَيْرِهِ وَحَثِّهِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ أَوْ مَنْعِهِ عَنْهُ.
فَالْغَايَةُ الْعَامَّةُ لِلْيَمِينِ قَصْدُ تَوْكِيدِ الْخَبَرِ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا.
تَقْسِيمَاتُ الْيَمِينِ
(أَوَّلًا) تَقْسِيمُ الْيَمِينِ بِحَسَبِ غَايَتِهَا الْعَامَّةِ
تَنْقَسِمُ الْيَمِينُ بِحَسَبِ غَايَتِهَا الْعَامَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
٣ - الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْيَمِينُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْخَبَرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَاضِيًا أَمْ حَاضِرًا أَمْ مُسْتَقْبَلًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ إِثْبَاتًا أَمْ نَفْيًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ أَمْ مُخَالِفًا.
وَالْيَمِينُ عَلَى مَا طَابَقَ الْوَاقِعَ تُسَمَّى (الْيَمِينُ الصَّادِقَةُ) كَقَوْلِهِ ﵎: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُل بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ (١) فَهَذَا أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْلِفَ بِرَبِّهِ ﷿ عَلَى أَنَّهُمْ سَيُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
وَالْيَمِينُ عَلَى مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ بِهَا كَاذِبًا عَمْدًا تُسَمَّى (الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) لأَِنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِْثْمِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا مَا حَكَاهُ اللَّهُ ﷿ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:
_________
(١) سورة التغابن / ٧.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (١) .
فَهَذَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ حَلِفٌ عَلَى أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِيهِ، وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخَافُونَ غَضَبَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ بِهَا مُتَعَمِّدًا صَدَّقَهَا، غَيْرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي اعْتِقَادِهِ، لَمْ تَكُنْ غَمُوسًا وَلاَ صَادِقَةً، وَإِنَّمَا تَكُونُ (لَغْوًا) عَلَى بَعْضِ الأَْقْوَال.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا أَنْ يَقُول إِنْسَانٌ: وَاللَّهِ إِنَّ الشَّمْسَ طَلَعَتْ، بِنَاءً عَلَى إِشَارَةِ السَّاعَةِ وَالتَّقْوِيمِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ طَلَعَتْ، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ النَّظَرَ، أَوْ كَانَ بِالسَّاعَةِ خَلَلٌ، أَوْ بِالتَّقْوِيمِ خَطَأٌ.
٤ - الْقِسْمُ الثَّانِي: الْيَمِينُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلإِْنْشَاءِ.
وَالإِْنْشَاءُ إِمَّا حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ، وَالْمَقْصُودُ بِالْحَثِّ: حَمْل الْحَالِفِ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى فِعْل شَيْءٍ فِي الْمُسْتَقْبَل.
وَالْمَقْصُودُ بِالْمَنْعِ: حَمْل الْحَالِفِ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ فِي الْمُسْتَقْبَل.
مِثَال الْحَثِّ: وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَيَفْعَلَنَّ فُلاَنٌ كَذَا.
وَمِثَال الْمَنْعِ: وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا، أَوْ لاَ تَفْعَل كَذَا، أَوْ لاَ يَفْعَل فُلاَنٌ كَذَا (٢) .
وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى (مُنْعَقِدَةً) أَوْ (مَعْقُودَةً) مَتَى تَمَّتْ شَرَائِطُهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا.
وَمِمَّا هُوَ جَدِيرٌ بِالْمُلاَحَظَةِ أَنَّ قَوْل الْقَائِل: لأَفْعَلَنَّ، أَوْ لاَ أَفْعَل يَدُل عَلَى حَثِّ نَفْسِهِ عَلَى الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ حَقِيقَةً إِنْ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِي خَلْوَةٍ، نَحْوَ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ غَدًا، أَوْ لاَ أَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَوْ
_________
(١) سورة التوبة / ٥٦.
(٢) بضم اللام في الأفعال الثلاثة، لأن " لا " نافية وليست ناهية.
لأَقْتُلَنَّ فُلاَنًا، أَوْ لاَ أَفْعَل مَا أَمَرَنِي بِهِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِي مُوَاجَهَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى حَثِّ نَفْسِهِ ظَاهِرًا، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الظَّاهِرُ مُوَافِقًا لِلْحَقِيقَةِ، بِأَنْ يَكُونَ عَازِمًا عَلَى الْوَفَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهَا، بِأَنْ يَكُون عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ.
وَقَوْل الْقَائِل: لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لاَ تَفْعَل يَدُل عَلَى حَثِّ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ الأَْمْرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَعْلَى لأَِدْنَى، وَالدُّعَاءِ إِنْ كَانَ مِنْ أَدْنَى لأَِعْلَى، وَالاِلْتِمَاسِ إِنْ كَانَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرِيًّا فَقَطْ بِقَصْدِ الْمُجَامَلَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
٥ - هَذَا، وَتَنْقَسِمُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَل إِلَى: يَمِينِ بِرٍّ، وَيَمِينِ حِنْثٍ.
(فَيَمِينُ الْبِرِّ) هِيَ مَا كَانَتْ عَلَى النَّفْيِ، نَحْوَ: وَاللَّهِ لاَ فَعَلْتُ كَذَا، بِمَعْنَى: لاَ أَفْعَل كَذَا، وَسُمِّيَتْ يَمِينَ بِرٍّ لأَِنَّ الْحَالِفَ بَارٌّ حِينَ حَلِفِهِ، وَمُسْتَمِرٌّ عَلَى الْبِرِّ مَا لَمْ يَفْعَل.
(وَيَمِينُ الْحِنْثِ) مَا كَانَتْ عَلَى الإِْثْبَاتِ، نَحْوَ: وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ يَمِينَ حِنْثٍ لأَِنَّ الْحَالِفَ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى حَالَتِهِ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ أَوْ حَصَل الْيَأْسُ حَنِثَ (١) .
(ثَانِيًا) تَقْسِيمُ الْيَمِينِ بِحَسَبِ صِيغَتِهَا الْعَامَّةِ
٦ - الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْقِسْمُ الْمُنَجَّزُ بِالصِّيغَةِ الأَْصْلِيَّةِ لِلْيَمِينِ، وَتَكُونُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، مِثْل (وَاللَّهِ) (وَالرَّحْمَنِ) أَوْ صِفَةً لَهُ مِثْل (وَعِزَّةِ اللَّهِ) (وَجَلاَلِهِ) .
_________
(١) أقرب المسالك مع الشرح الصغير وحاشية الصاوي ١ / ٣٣٢.
وَكَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ وَبِمَعْبُودَاتِهِمْ كَاللاَّتِ وَالْعُزَّى، وَبِمَا يُعَظِّمُونَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مِمَّا لاَ يَعْبُدُونَ كَالآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ وَالْكَعْبَةِ، وَبِمَا يَحْمَدُونَهُ مِنَ الأَْخْلاَقِ كَالأَْمَانَةِ.
وَفِي صَدْرِ الإِْسْلاَمِ بَطَل تَعْظِيمُهُمْ لِلأَْصْنَامِ وَنَحْوِهَا مِمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَبَطَل حَلِفُهُمْ بِهَا إِلاَّ مَا كَانَ سَبْقَ لِسَانٍ، وَاسْتَمَرَّ حَلِفُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَنَهَاهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالاِقْتِصَارِ عَلَى الْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ تَفْصِيلًا.
٧ - الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّعْلِيقُ، وَيُمْكِنُ تَحْصِيل الْغَايَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْيَمِينِ - وَهِيَ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ أَوِ الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ - بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ تَرْتِيبُ الْمُتَكَلِّمِ جَزَاءً مَكْرُوهًا لَهُ فِي حَالَةِ مُخَالَفَةِ الْوَاقِعِ أَوْ تَخَلُّفِ الْمَقْصُودِ.
وَلِهَذَا الْجَزَاءِ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، لَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْفُقَهَاءُ مِنْهَا إِلاَّ سِتَّةَ أَنْوَاعٍ وَهِيَ: الْكُفْرُ، وَالطَّلاَقُ، وَالظِّهَارُ، وَالْحَرَامُ، وَالْعِتْقُ، وَالْتِزَامُ الْقُرْبَةِ.
وَأَمْثِلَتُهَا: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، أَوْ: إِنْ لَمْ أَفْعَل كَذَا، أَوْ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الأَْمْرُ كَمَا قُلْتُ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الإِْسْلاَمِ. أَوْ: فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، أَوْ: فَامْرَأَتُهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، أَوْ: فَحَلاَل اللَّهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ، أَوْ: فَعَبْدُهُ حُرٌّ، أَوْ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ (١) .
_________
(١) يلاحظ أن التعبير بضمائر الغائب جريا على ما اعتاده المؤلفون في كتبهم الفقهية، حذرا من بشاعة الحكاية بضمائر المتكلم، ولأن الشيطان قد يوسوس للحاكي فينوي ما يحكيه فيقع في المحذور، ومن أراد معرفة ما يقوله الحالف نصا فليستبدل بضمائر الغائب ضمائر المتكلم، ول
وَقَدْ يَكُونُ الطَّرِيقُ الْمُحَصِّل لِلْغَايَةِ تَرْتِيبَ جَزَاءٍ مَحْبُوبٍ لِلْمُخَاطِبِ عَلَى فِعْل أَمْرٍ مَحْبُوبٍ لِلْمُتَكَلِّمِ، كَمَا لَوْ قَال إِنْسَانٌ لِعَبْدِهِ: إِنْ بَشَّرْتَنِي (١) فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهَذَا الْجَزَاءُ مَحْبُوبٌ لِلْمُخَاطَبِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ تَخَلُّصًا مِنَ الرِّقِّ، وَإِنْ كَانَ شَاقًّا عَلَى الْمُتَكَلِّمِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ إِزَالَةً لِلْمِلْكِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَسْتَسْهِلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُكَافَأَةٍ عَلَى فِعْل مَا يُحِبُّهُ وَشُكْرٍ لِلَّهِ ﷿ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْجَزَاءُ الْمَحْبُوبُ لاَ يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ ظِهَارًا وَلاَ كُفْرًا، فَهُوَ مُنْحَصِرٌ فِي الْعِتْقِ وَالْتِزَامِ الْقُرْبَةِ وَالطَّلاَقِ وَالْحَرَامِ، كَتَطْلِيقِ ضَرَّةِ الْمُخَاطَبَةِ وَتَحْرِيمِهَا.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ.
التَّعْلِيقُ بِصُورَةِ الْقَسَمِ:
٨ - قَدْ يَعْدِل الْحَالِفُ عَنْ أَدَاءِ الشَّرْطِ وَالْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وَيَأْتِي بِالْجَزَاءِ بِدُونِ الْفَاءِ، وَيَذْكُرُ بَعْدَهُ جُمْلَةً شَبِيهَةً بِجَوَابِ الْقَسَمِ، فَيَقُول: هُوَ يَهُودِيٌّ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لاَ يَفْعَل كَذَا، أَوِ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ لاَ يَفْعَل كَذَا، أَوْ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، فَالْجُمْلَةُ الَّتِي بُدِئَ الْكَلاَمُ بِهَا جَزَاءٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَدُل عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
الْجَوَابُ الإِْنْشَائِيُّ يَتَضَمَّنُ الْخَبَرَ:
٩ - الْقَسَمُ حِينَمَا يَكُونُ إِنْشَائِيًّا لِلْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ، فَالْحَلِفُ عَلَيْهِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَلِفًا عَلَى الإِْنْشَاءِ الْمَحْضِ، فَإِنَّ هَذَا الإِْنْشَاءَ يَحْصُل مَعْنَاهُ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى حَلِفٍ. فَإِنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ
_________
(١) البشارة: الإخبار بنبأ سار لم يعلم به المتكلم من قبل.
إِلَى الْحَلِفِ، هُوَ الأَْمْرُ الَّذِي يُخْشَى تَخَلُّفُهُ، وَهُوَ الْوَفَاءُ بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الإِْنْشَائِيَّةِ.
فَمَنْ حَلَفَ فَقَال: وَاللَّهِ لأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا، وَقَدْ حَثَّ نَفْسَهُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَهَذَا الْحَثُّ قَدْ حَصَل بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ، فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى الْقَسَمِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، فَالْقَسَمُ إِذَنْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْحَثِّ الْمُسْتَتْبِعِ لأَِثَرِهِ، وَهُوَ حُصُول الْقَضَاءِ بِالْفِعْل فِي غَدٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى خَبَرِيٌّ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَقْضِهِ حَقَّهُ لَكَانَ حَانِثًا.
فَمَنْ قَال: لأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ. أَثْبَتَ مَعْنَيَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) إِنْشَائِيٌّ، وَهُوَ حَثُّ نَفْسِهِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الصَّرِيحُ.
(وَثَانِيهِمَا) خَبَرِيٌّ، وَهُوَ الإِْخْبَارُ بِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ سَيَحْصُل فِي الْغَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى ضِمْنِيٌّ، وَالْيَمِينُ إِنَّمَا أُتِيَ بِهَا مِنْ أَجْل هَذَا الْمَعْنَى الضِّمْنِيِّ.
وَلِهَذَا لاَ يَصِحُّ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُجَابَ الْقَسَمُ بِفِعْل الأَْمْرِ، وَلاَ بِفِعْل النَّهْيِ، فَلاَ يُقَال: وَاللَّهِ قُمْ، أَوْ لاَ تَقُمْ.
مُرَادِفَاتُ الْيَمِينِ:
١٠ - قَال الْكَمَال: أَسْمَاءُ هَذَا الْمَعْنَى التَّوْكِيدِيِّ سِتَّةٌ: الْحَلِفُ وَالْقَسَمُ وَالْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ وَالإِْيلاَءُ وَالْيَمِينُ (١) .
فَالْيَمِينُ مُرَادِفَةٌ لِلأَْلْفَاظِ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ مَعَهَا.
وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ أُخْرَى، فَقَدْ أَفَادَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَوْ قَال إِنْسَانٌ: أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ أَوْ شَهِدْتُ أَوْ عَزَمْتُ بِاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا. كَانَ يَمِينًا؛ لأَِنَّ الْعَزْمَ
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٣.
مَعْنَاهُ الإِْيجَابُ؛ وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ وَرَدَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّك لَرَسُول اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّك لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) فَالآْيَةُ الثَّانِيَةُ أَفَادَتْ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ يَمِينٌ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ وَالْعَزْمَ مِنْ مُرَادِفَاتِ الْيَمِينِ عُرْفًا، وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ الذِّمَّةَ كَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، فَمَنْ قَال: عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَانَ يَمِينًا.
١١ - وَأَفَادَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الإِْنْسَانُ صَوْمًا، كَأَنْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَلَمْ يَخْطِرِ الْيَمِينُ بِبَالِهِ، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَفَى الْيَمِينَ كَانَ نَذْرًا فَقَطْ. وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَفَى النَّذْرَ كَانَ يَمِينًا فَقَطْ. وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ أَفْطَرَ. وَإِنْ نَوَاهُمَا مَعًا، أَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ النَّذْرُ كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا، حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ قَضَى وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ صِيغَةَ النَّذْرِ تَكُونُ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَتَكُونُ مِنْ قَبِيل الْكِنَايَةِ، بِخِلاَفِ الأَْلْفَاظِ السَّابِقَةِ، فَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهَا صَرِيحَةٌ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا كِنَايَةً عِنْدَ غَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي. وَسَيَأْتِي الْخِلاَفُ فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ مِثْل عَلَيَّ نَذْرٌ. وَسَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّ الْكَفَالَةَ وَالأَْمَانَةَ الْمُضَافَيْنِ لِلَّهِ كَالْعَهْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: مَنْ قَال: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، أَوْ مِيثَاقُهُ، أَوْ ذِمَّتُهُ، أَوْ كَفَالَتُهُ، أَوْ أَمَانَتُهُ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لاَ أَفْعَل كَذَا، كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ.
١٢ - هَذَا مَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ يَجِدُ الْبَاحِثُ فِي
_________
(١) سورة المنافقون ١ - ٢.
كُتُبِ اللُّغَةِ أَلْفَاظًا أُخْرَى كَالنَّفْل. فَفِي الْقَامُوسِ الْمُحِيطِ: نَفَل: حَلَفَ. وَهُوَ مِنْ بَابِ نَصَرَ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ (نَفَل) (وَانْتَفَل) وَ(أَنْفَل) مَعْنَاهَا حَلَفَ، وَيُقَال: نَفَّلْتُهُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: حَلَّفْتُهُ.
أَيْمَانٌ خَاصَّةٌ
أ - الإِْيلاَءُ:
١٣ - هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَمْ بِتَعْلِيقِ الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ أَوْ نَحْوِهِمَا. وَلِهَذَا الإِْيلاَءِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وَلِتَفْصِيلِهَا (ر: إِيلاَءٌ) .
ب - اللِّعَانُ:
١٤ - اللِّعَانُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ لاَعَنَ، بِمَعْنَى شَاتَمَ، فَإِذَا تَشَاتَمَ اثْنَانِ، فَشَتَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآْخَرَ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَلْعَنَهُ اللَّهُ، قِيل لَهُمَا: تَلاَعَنَا، وَلاَعَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.
وَاللِّعَانُ فِي الشَّرْعِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ أَمَامَ الْقَاضِي، وَهُوَ: قَوْل الزَّوْجِ لاِمْرَأَتِهِ مُشِيرًا إِلَيْهَا: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَى.
وَإِذَا كَانَتْ حَامِلًا أَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ زَادَ: وَأَنَّ هَذَا الْحَمْل أَوِ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنِّي. وَيُكَرِّرُ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٦، ٢٢٧.
ذَلِكَ كُلَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيَزِيدُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ: وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (١) .
وَلِعَانُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا إِذَا لَمْ تُصَدِّقْهُ أَنْ تَقُول بَعْدَ لِعَانِهِ إِيَّاهَا: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّ زَوْجِي هَذَا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى، وَتَزِيدُ لإِثْبَاتِ نِسْبَةِ الْحَمْل أَوِ الْوَلَدِ: وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْهُ. وَتُكَرِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَتَزِيدُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ: وَعَلَيْهَا غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢) .
وَلِعَانُ الْحَاكِمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ هُوَ: أَنْ يُحْضِرَهُمَا، وَيَأْمُرَ الزَّوْجَ بِمُلاَعَنَةِ زَوْجَتِهِ إِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى قَذْفِهَا، وَلَيْسَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ عُدُولٍ، وَلَمْ تَعْتَرِفِ الزَّوْجَةُ بِمَا قَالَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ الزَّوْجَةَ - بَعْدَ انْتِهَاءِ الزَّوْجِ مِنَ الْمُلاَعَنَةِ - أَنْ تُلاَعِنَهُ، فَإِذَا لاَعَنَتْهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْل كُلٍّ مِنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَعْنَاهُ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اللِّعَانُ يَمِينًا خَاصَّةً لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا، وَلِتَفْصِيلِهَا (ر: لِعَانٌ) .
ج - الْقَسَامَةُ:
١٥ - الْقَسَامَةُ فِي اللُّغَةِ لَهَا مَعَانٍ: مِنْهَا الْيَمِينُ.
وَفِي الشَّرْعِ: أَنْ يُقْسِمَ خَمْسُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيل عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ دِيَةَ قَتِيلِهِمْ، إِذَا وَجَدُوهُ قَتِيلًا بَيْنَ قَوْمٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا خَمْسِينَ رَجُلًا أَقْسَمَ الْمَوْجُودُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا. فَإِنِ امْتَنَعُوا وَطَلَبُوا الْيَمِينَ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ رَدَّهَا الْقَاضِي عَلَيْهِمْ، فَأَقْسَمُوا بِهَا عَلَى نَفْيِ الْقَتْل عَنْهُمْ. فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ
_________
(١) يلاحظ أن الزوج يأتي بضميري المتكلم فيقول " علي " بتشديد الياء بدل " عليه " ويقول " كنت " بدل " كان ".
(٢) يلاحظ هنا أيضا أن الزوجة تأتي بضمير المتكلم فتقول " علي " بدل " عليها " وأما " كان " فتبقى كما هي.