الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ الْجِمَاعُ، وَلاَ يَكُونُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ فَيْئًا.
وَيَنْبَنِي عَلَى الْفَيْءِ بِالْفِعْل انْحِلاَل الإِْيلاَءِ، وَلُزُومُ مُقْتَضَى الْيَمِينِ؛ لأَِنَّهُ بِالْجِمَاعِ يَتَحَقَّقُ الْحِنْثُ، وَالْيَمِينُ لاَ يَبْقَى بَعْدَ الْحِنْثِ، إِذِ الْحِنْثُ يَقْتَضِي نَقْضَ الْيَمِينِ، وَالشَّيْءُ لاَ يَبْقَى مَعَ وُجُودِ مَا يَنْقُضُهُ (١) .
٢٢ - فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ قَسَمًا بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا، كَعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ بِتَعْلِيقِ شَيْءٍ عَلَى قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْقُرْبَانِ طَلاَقًا أَوْ عِتْقًا وَقَعَ الطَّلاَقُ وَالْعِتْقُ وَقْتَ حُصُول الْفَيْءِ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ وَالْعِتْقَ مَتَى عُلِّقَ حُصُولُهُ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَوُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَقَعَ الطَّلاَقُ وَثَبَتَ الْعِتْقُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْقُرْبَانِ صَلاَةً أَوْ صِيَامًا أَوْ حَجًّا أَوْ صَدَقَةً، فَإِمَّا أَنْ يُعَيِّنَ لأَِدَائِهِ وَقْتًا أَوْ لاَ يُعَيِّنَ.
فَإِنْ عَيَّنَ لِلأَْدَاءِ وَقْتًا كَأَنْ يَقُول: إِنْ قَرُبْتُ زَوْجَتِي مُدَّةَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ فَعَلَيَّ صَلاَةُ مِائَةِ رَكْعَةٍ فِي يَوْمِ كَذَا (مَثَلًا) لَزِمَتْهُ الصَّلاَةُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ. وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِلأَْدَاءِ وَقْتًا وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْل مَا الْتَزَمَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِيرِ، وَإِنْ كَانَ الأَْفْضَل الأَْدَاءَ فِي أَوَّل وَقْتٍ يُمْكِنُهُ الأَْدَاءُ فِيهِ خَوْفًا مِنَ انْتِهَاءِ الأَْجَل قَبْل أَنْ يُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٣، ١٧٨، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٢٤.
ب - الطَّرِيقُ الاِسْتِثْنَائِيَّة فِي الْفَيْءِ: الْفَيْءُ بِالْقَوْل:
٢٣ - إِذَا آلَى الرَّجُل مِنْ زَوْجَتِهِ كَانَ الْوَاجِبُ شَرْعًا عَلَيْهِ أَنْ يَفِيءَ إِلَيْهَا بِالْفِعْل، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْفَيْءِ بِالْفِعْل لَزِمَهُ الْفَيْءُ بِالْقَوْل. كَأَنْ يَقُول: فِئْتُ إِلَى زَوْجَتِي فُلاَنَةَ، أَوْ رَجَعْتُ عَمَّا قُلْتُ، أَوْ مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُل مَا يَدُل عَلَى رُجُوعِهِ عَمَّا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ بِالْيَمِينِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي تَشْرِيعِ الْفَيْءِ بِالْقَوْل: أَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا آذَى زَوْجَتَهُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ قُرْبَانِهَا، وَعَجَزَ عَنِ الرُّجُوعِ، وَكَانَ فِي إِعْلاَنِهِ الْوَعْدُ بِهِ إِرْضَاءً لَهَا لَزِمَهُ هَذَا الْوَعْدُ؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْفَيْئَةِ تَرْكُ الإِْضْرَارِ الَّذِي قَصَدَهُ الزَّوْجُ بِالإِْيلاَءِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ بِظُهُورِ عَزْمِهِ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى مُعَاشَرَتِهَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ (١) .
شَرَائِطُ صِحَّةِ الْفَيْءِ بِالْقَوْل:
٢٤ - لاَ يَصِحُّ الْفَيْءُ بِالْقَوْل إِلاَّ إِذَا تَوَافَرَتْ فِيهِ الشَّرَائِطُ الآْتِيَةُ:
الشَّرِيطَةُ الأُْولَى: الْعَجْزُ عَنِ الْجِمَاعِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ الْفَيْءُ بِالْقَوْل؛ لأَِنَّ الْفَيْءَ بِالْجِمَاعِ هُوَ الأَْصْل، إِذْ بِهِ يَنْدَفِعُ الظُّلْمُ عَنِ الزَّوْجَةِ حَقِيقَةً، وَالْفَيْءُ بِالْقَوْل خَلَفٌ عَنْهُ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالْخَلَفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الأَْصْل، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ.
وَالْعَجْزُ نَوْعَانِ: عَجْزٌ حَقِيقِيٌّ وَعَجْزٌ حُكْمِيٌّ.
وَالْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ، مِثْل أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا مَرَضًا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجِمَاعُ، أَوْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً لاَ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، أَوْ تَكُونَ رَتْقَاءَ: وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا انْسِدَادُ مَوْضِعِ الْجِمَاعِ مِنَ الْفَرَجِ، بِحَيْثُ
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٤٣٨، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٠، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٢٧.
لاَ يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا، أَوْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَجْبُوبًا: وَهُوَ الَّذِي اسْتُؤْصِل مِنْهُ عُضْوُ التَّنَاسُل، أَوْ يَكُونَ عِنِّينًا: وَهُوَ مَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ مَعَ وُجُودِ عُضْوِ التَّنَاسُل لِضَعْفٍ أَوْ كِبَرِ سِنٍّ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَحْبُوسًا حَبْسًا يَحُول دُونَ الْوُصُول إِلَى الْجِمَاعِ، أَوْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى قَطْعِهَا فِي مُدَّةِ الإِْيلاَءِ (١) .
وَالْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ، هُوَ عِنْدَمَا يَكُونُ الْمَانِعُ عَنِ الْجِمَاعِ شَرْعِيًّا، كَأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَائِضًا عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ (هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْفَيْءِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ) أَوْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ وَقْتَ الإِْيلاَءِ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (وَهَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْفَيْءُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي مُدَّةِ الإِْيلاَءِ) .
فَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ حَقِيقِيًّا انْتَقَل الْفَيْءُ مِنَ الْفِعْل إِلَى الْقَوْل بِالاِتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ حُكْمِيًّا انْتَقَل الْفَيْءُ مِنَ الْفِعْل إِلَى الْقَوْل أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَلاَ يَنْتَقِل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَالشَّافِعِيِّ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُطَالَبُ بِالطَّلاَقِ (٢) .
وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالاِنْتِقَال: أَنَّ الْعَجْزَ الْحُكْمِيَّ كَالْعَجْزِ الْحَقِيقِيِّ فِي أُصُول الشَّرِيعَةِ، كَمَا فِي الْخَلْوَةِ بِالزَّوْجَةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهَا الْمَانِعُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَانِعُ الشَّرْعِيُّ فِي الْمَنْعِ مِنْ صِحَّةِ الْخَلْوَةِ، فَكَذَلِكَ الْفَيْءُ فِي الإِْيلاَءِ يَقُومُ فِيهِ الْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ مَقَامَ الْعَجْزِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٨٥٢.
(٢) البدائع ٣ / ١٧٤، والخرشي على مختصر خليل ٣ / ٢٣٩، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٠، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٢٨.
الْحَقِيقِيِّ فِي صِحَّةِ الْفَيْءِ بِالْقَوْل بَدَلًا مِنَ الْفَيْءِ بِالْفِعْل.
وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الاِنْتِقَال: أَنَّ الزَّوْجَ قَادِرٌ عَلَى الْجِمَاعِ حَقِيقَةً، وَالاِمْتِنَاعُ عَنْهُ إِنَّمَا جَاءَ بِسَبَبٍ مِنْهُ، فَلاَ يُسْقِطُ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الزَّوْجَ هُوَ الْمُتَسَبِّبُ بِاخْتِيَارِهِ فِيمَا لَزِمَهُ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ (١) .
الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: دَوَامُ الْعَجْزِ عَنِ الْجِمَاعِ إِلَى أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ، فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَاجِزًا عَنِ الْجِمَاعِ فِي مَبْدَأِ الأَْمْرِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ بَطَل الْفَيْءُ بِالْقَوْل، وَانْتَقَل إِلَى الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ الزَّوْجَةَ وَلَمْ يَقْرَبْهَا إِلَى أَنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْفَيْءَ بِاللِّسَانِ بَدَلٌ عَنِ الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الأَْصْل قَبْل حُصُول الْمَقْصُودِ بِالْبَدَل بَطَل حُكْمُ الْبَدَل، كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ قَبْل أَدَاءِ الصَّلاَةِ.
وَإِذَا آلَى الرَّجُل مِنْ زَوْجَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ، فَإِنْ مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ فِيهَا، فَلاَ يَصِحُّ فَيْؤُهُ بِالْقَوْل؛ لأَِنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ مُدَّةَ الصِّحَّةِ، فَإِذَا لَمْ يُجَامِعْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ فَرَّطَ فِي إِيفَاءِ حَقِّ زَوْجَتِهِ، فَلاَ يُعْذَرُ بِالْمَرَضِ الْحَادِثِ. أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ - وَهُوَ صَحِيحٌ يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ فِيهَا - فَإِنَّ فَيْئَهُ بِالْقَوْل يَكُونُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجِمَاعِ فِي مُدَّةِ الصِّحَّةِ لِقِصَرِهَا، لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ، فَكَانَ مَعْذُورًا.
_________
(١) فتح القدير ٣ / ١٦٩، والمغني ٧ / ٣٢٨.
هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ (١)، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى.
الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ: قِيَامُ النِّكَاحِ وَقْتَ الْفَيْءِ بِالْقَوْل، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْفَيْءُ حَال قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَقَبْل حُصُول الطَّلاَقِ الْبَائِنِ مِنَ الزَّوْجِ.
أَمَّا لَوْ آلَى الرَّجُل مِنْ زَوْجَتِهِ، ثُمَّ أَوْقَعَ عَلَيْهَا طَلاَقًا بَائِنًا، وَفَاءً بِالْقَوْل لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَيْئًا، وَبَقِيَ الإِْيلاَءُ؛ لأَِنَّ الْفَيْءَ بِالْقَوْل حَال قِيَامِ النِّكَاحِ إِنَّمَا يَرْفَعُ الإِْيلاَءَ فِي حَقِّ حُكْمِ الطَّلاَقِ؛ لإِيفَاءِ حَقِّ الزَّوْجَةِ بِهَذَا الْفَيْءِ، وَالْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا لَيْسَ لَهَا الْحَقُّ فِي الْجِمَاعِ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُل مُضِرًّا بِهَا بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ جِمَاعِهَا، وَوُقُوعُ الطَّلاَقِ بِالإِْيلاَءِ كَانَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلاَ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلاَقٌ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، لَكِنْ يَبْقَى الإِْيلاَءُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَرْفَعُهُ وَهُوَ الْحِنْثُ، وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا وَمَضَتْ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ بَعْدَ الزَّوَاجِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلاَقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأُمِرَ بِالْفَيْءِ إِلَيْهَا أَوْ طَلاَقِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْفَيْءِ بِالْفِعْل، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ زَوَال النِّكَاحِ وَثُبُوتِ الْبَيْنُونَةِ بِسَبَبٍ آخَرَ، كَالْخُلْعِ أَوِ الطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّهُ بِالْفَيْءِ بِالْفِعْل - وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا - يَبْطُل الإِْيلاَءُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا وَطِئَهَا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَبِالْحِنْثِ تَنْحَل الْيَمِينُ وَيَبْطُل الإِْيلاَءُ، وَلَكِنْ لاَ تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ إِلَى عِصْمَتِهِ، وَيُعْتَبَرُ آثِمًا بِالْوَطْءِ فِي عِدَّةِ الْبَيْنُونَةِ (٢) .
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٤، وفتح القدير ٣ / ١٩٥، والدر وحاشية ابن عابدين ٢ / ٨٥٢، والدسوقي ٢ / ٤٣٧، والمغني ٧ / ٣٢٨.
(٢) البدائع ٣ / ١٧٥ - ١٧٩.
وَقْتُ الْفَيْءِ:
٢٥ - تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُولِيَ يَلْزَمُهُ شَرْعًا أَنْ يَرْفَعَ الضَّرَرَ عَنِ الزَّوْجَةِ الَّتِي آلَى مِنْهَا، وَطَرِيقُ رَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا يَكُونُ بِالْفَيْءِ، وَالْفَيْءُ لَهُ طَرِيقَانِ: إِحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةٌ وَهِيَ: الْفِعْل، وَثَانِيَتُهُمَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ وَهِيَ: الْقَوْل.
وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْفَيْءُ بِالْفِعْل أَمْ بِالْقَوْل فَإِنَّ لَهُ وَقْتًا تَخْتَلِفُ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْفَيْءَ يَكُونُ فِي مُدَّةِ الإِْيلاَءِ، وَهِيَ الأَْرْبَعَةُ الأَْشْهُرُ. فَإِنْ حَصَل الْفَيْءُ فِيهَا، وَكَانَ الْفَيْءُ بِالْفِعْل، حَنِثَ الزَّوْجُ فِي يَمِينِهِ، وَانْحَل الإِْيلاَءُ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّلاَقِ، حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لاَ تَبِينُ الزَّوْجَةُ.
وَإِنْ حَصَل الْفَيْءُ بِالْقَوْل انْحَل الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ، وَبَقِيَ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، حَتَّى لَوْ فَاءَ الزَّوْجُ بِالْقَوْل فِي الْمُدَّةِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ بَعْدَ الْمُدَّةِ وَجَامَعَهَا، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ مُعَلَّقٌ بِالْحِنْثِ، وَالْحِنْثُ هُوَ فِعْل الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْجِمَاعُ، فَلاَ يَحْصُل الْحِنْثُ بِدُونِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَحْصُل الْفَيْءُ فِي مُدَّةِ الإِْيلاَءِ بِالْفِعْل وَلاَ بِالْقَوْل، وَقَعَ الطَّلاَقُ بِمُضِيِّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الْفَيْءَ يَكُونُ قَبْل مُضِيِّ الأَْرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ، وَيَكُونُ بَعْدَهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ حَصَل الْفَيْءُ قَبْل مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِي الْكَلاَمِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ حَصَل الْفَيْءُ بَعْدَ مُضِيِّهَا ارْتَفَعَ الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ وَفِي حَقِّ الْحِنْثِ جَمِيعًا. وَكَذَا إِنْ حَدَّدَ مُدَّةً فِي يَمِينِهِ فَفَاءَ بَعْدَ مُضِيِّهَا.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْفَيْءُ قَبْل مُضِيِّهَا، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إِنْ كَانَ الْيَمِينُ قَسَمًا، وَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْيَمِينُ قَسَمًا، عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ الإِْيلاَءِ فِي حَالَتَيِ الْقَسَمِ وَالتَّعْلِيقِ.
وَمَنْشَأُ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي فَهْمِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، هَل الْفَيْئَةُ مَطْلُوبَةٌ خَارِجَ الأَْرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ أَوْ فِيهَا؟ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
حَالَةُ الطَّلاَقِ
أَوَّلًا: الطَّلاَقُ الثَّلاَثُ:
٢٦ - إِذَا آلَى الرَّجُل مِنْ زَوْجَتِهِ، وَكَانَ الإِْيلاَءُ مُطْلَقًا عَنِ التَّقْيِيدِ بِمُدَّةٍ، أَوْ كَانَ مُؤَبَّدًا، وَلَمْ يُجَامِعْهَا، بَل طَلَّقَهَا فِي مُدَّةِ الإِْيلاَءِ ثَلاَثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً - وَكَانَتِ الْمُكَمِّلَةَ لِلثَّلاَثِ - ارْتَفَعَ الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَمَالِكٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ (١) .
وَقَال أَحْمَدُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ثَانٍ مِنْ أَقْوَالِهِ الثَّلاَثَةِ: لاَ يَرْتَفِعُ الإِْيلاَءُ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ رَجُلًا آخَرَ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الزَّوْجِ الأَْوَّل الْمُولِي مِنْهَا، وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ زَوَاجِهَا بِهِ وَلَمْ يُجَامِعْهَا، لاَ يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَلاَ يُطَالَبُ بِالْفَيْءِ
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٨، والهداية وفتح القدير ٣ / ١٨٨، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٨٤٨، والخرشي ٣ / ١٨١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٣٧٥، ٣٧٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٩٣.
أَوِ الطَّلاَقِ إِنْ لَمْ يَفِئْ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْمُوَافِقِ لأَِبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
أَمَّا عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ (فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ) فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي، وَالْقَاضِي يَقِفُ الزَّوْجَ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَقَعُ عَلَيْهَا طَلاَقٌ بَائِنٌ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ زَوَاجِهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ وِقَاعٍ.
وَحُجَّةُ الأَْوَّلِينَ: أَنَّ الْحِل الثَّابِتَ بِالزَّوَاجِ الأَْوَّل قَدْ زَال بِالْكُلِّيَّةِ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ، وَالْحِل الْحَاصِل بِالزَّوَاجِ الثَّانِي حِلٌّ جَدِيدٌ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ فِيهِ الزَّوْجُ ثَلاَثَ طَلْقَاتٍ، فَصَارَ إِيلاَؤُهُ فِي الزَّوَاجِ الأَْوَّل كَإِيلاَئِهِ مِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ.
وَحُجَّةُ الآْخَرِينَ: أَنَّ الْيَمِينَ صَدَرَتْ مُطَلَّقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِالْحِل الَّذِي كَانَ قَائِمًا وَقْتَ صُدُورِهَا، وَعَلَى هَذَا تُوجَدُ الْيَمِينُ عِنْدَمَا يَتَحَقَّقُ حِل الْمَرْأَةِ لِلرَّجُل، بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ الْحِل الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ صُدُورِهَا، وَبَيْنَ الْحِل الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ زَوَال الْحِل الأَْوَّل. فَإِذَا عَادَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الزَّوْجِ الَّذِي آلَى مِنْهَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِمَاعِ امْرَأَتِهِ بِنَاءً عَلَى يَمِينِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الإِْيلاَءِ كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ (١) .
أَمَّا الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، فَإِنَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الطَّلاَقِ الثَّلاَثِ عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا. وَعَلَى هَذَا لَوْ آلَى الرَّجُل مِنْ زَوْجَتِهِ إِيلاَءً مُطْلَقًا عَنِ التَّقْيِيدِ بِمُدَّةٍ، أَوْ مُؤَبَّدًا، وَلَمْ يُجَامِعْهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا، وَعَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا آخَرَ، ثُمَّ جَامَعَهَا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إِنْ كَانَتِ
_________
(١)
) المراجع السابقة، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٣٥.
الْيَمِينُ قَسَمًا، وَلَزِمَهُ مَا عَلَّقَهُ عَلَى جِمَاعِهَا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ قَسَمًا؛ لأَِنَّ الْيَمِينَ إِذَا كَانَتْ لَهَا مُدَّةٌ فَإِنَّهَا تَبْقَى مَا بَقِيَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَلاَ تَبْطُل إِلاَّ بِالْحِنْثِ، وَهُوَ فِعْل الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةِ الْيَمِينِ، أَوْ بِمُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِدُونِ حِنْثٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً لَمْ تُقَيَّدْ بِمُدَّةٍ، أَوْ ذُكِرَتْ فِيهَا كَلِمَةُ الأَْبَدِ، فَإِنَّهَا لاَ تَبْطُل إِلاَّ بِالْحِنْثِ، وَهُوَ فِعْل الشَّيْءِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ (وَهُوَ فِي الإِْيلاَءِ الْجِمَاعُ) فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الْحِنْثُ فَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ (١) .
ثَانِيًا: بَقَاءُ الإِْيلاَءِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ:
٢٧ - إِذَا آلَى الرَّجُل مِنْ زَوْجَتِهِ، وَكَانَ الإِْيلاَءُ مُؤَبَّدًا أَوْ مُطْلَقًا عَنِ التَّوْقِيتِ، بِأَنْ قَال: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُ زَوْجَتِي أَبَدًا، أَوْ قَال: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُ زَوْجَتِي وَلَمْ يَذْكُرْ وَقْتًا، ثُمَّ أَبَانَهَا بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، كَانَ الإِْيلاَءُ بَاقِيًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا، مَا عَدَا الشَّافِعِيَّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنَّ الإِْيلاَءَ يَنْتَهِي عِنْدَهُ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، كَمَا يَنْتَهِي بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ.
وَبِنَاءً عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَقَاءِ الإِْيلاَءِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الزَّوَاجِ وَلَمْ يُجَامِعْهَا، وَقَعَتْ طَلْقَةً بَائِنَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: يُؤْمَرُ بِالْفَيْءِ، فَإِنْ أَبَى وَلَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلاَقُ الثَّانِي، وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهَا مُنْذُ تَزَوَّجَهَا: وَقَعَتْ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ ثَالِثَةٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَيُؤْمَرُ بِالْفَيْءِ أَوِ الطَّلاَقِ،
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٩، والمراجع السابقة.
فَإِنْ لَمْ يَفِئْ أَوْ يُطَلِّقْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، وَبِهَذَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بَائِنَةً بَيْنُونَةً كُبْرَى، وَيَبْقَى الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الْحِنْثِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَنْحَل الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَمَالِكٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَلَوْ أَبَانَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ الَّتِي آلَى مِنْهَا إِيلاَءً مُطْلَقًا أَوْ مُؤَبَّدًا بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، وَتَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ آخَرَ، وَدَخَل بِهَا، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الأَْوَّل عَادَ حُكْمُ الإِْيلاَءِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
إِنَّمَا الاِخْتِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَا تَعُودُ بِهِ إِلَى الزَّوْجِ الأَْوَّل: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ تَعُودُ بِثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ تَعُودُ إِلَيْهِ بِمَا بَقِيَ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَهَذَا الْخِلاَفُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الزَّوَاجَ الثَّانِيَ هَل يَهْدِمُ الطَّلْقَةَ وَالطَّلْقَتَيْنِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلاَثَ، أَوْ لاَ يَهْدِمُ إِلاَّ الثَّلاَثَ؟
فَعِنْدَ الأَْوَّلِينَ يَهْدِمُ الطَّلْقَةَ وَالطَّلْقَتَيْنِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلاَثَ، وَعِنْدَ الآْخِرِينَ لاَ يَهْدِمُ إِلاَّ الثَّلاَثَ.
وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الأَْوَّل: أَنَّ الزَّوَاجَ الثَّانِيَ إِذَا هَدَمَ الطَّلاَقَ الثَّلاَثَ، وَأَنْشَأَ حِلًّا كَامِلًا، فَأَوْلَى أَنْ يَهْدِمَ مَا دُونَ الثَّلاَثِ، وَيُكْمِل الْحِل النَّاقِصَ.
وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ الْحِل الأَْوَّل لاَ يَزُول إِلاَّ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ، فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَحَل لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا،
_________
(١) فتح القدير ٢ / ١٧٩، والبدائع ٣ / ١٢٧، ١٧٨، وبداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٧٢، والخرشي ٣ / ١٨١، ومغني المحتاج ٣ / ٢٩٣، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٦١.