الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
حَالًا مِنَ النَّائِمِ، إِذِ النَّائِمُ يَنْتَبِهُ بِالتَّنْبِيهِ، أَمَّا السَّكْرَانُ فَلاَ يَنْتَبِهُ إِلاَّ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ مِنَ السُّكْرِ، فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرِ الإِْيلاَءُ الصَّادِرُ مِنَ النَّائِمِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ الإِْيلاَءُ الصَّادِرُ مِنَ السَّكْرَانِ بِالطَّرِيقِ الأَْوْلَى.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ السُّكْرُ بِطَرِيقٍ مُحَرَّمٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْرَبَ الْمُسْكِرَ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ حَتَّى يَسْكَرَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: يُعْتَبَرُ إِيلاَؤُهُ، وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا تَنَاوَل الْمُحَرَّمَ بِاخْتِيَارِهِ يَكُونُ قَدْ تَسَبَّبَ فِي زَوَال عَقْلِهِ، فَيُجْعَل مَوْجُودًا عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ (١) .
وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُعْتَبَرُ إِيلاَؤُهُ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْل أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ تَعْتَمِدُ عَلَى الْقَصْدِ وَالإِْرَادَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالسَّكْرَانُ قَدْ غَلَبَ السُّكْرُ عَلَى عَقْلِهِ، فَلاَ يَكُونُ عِنْدَهُ قَصْدٌ وَلاَ إِرَادَةٌ صَحِيحَةٌ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ، كَمَا لاَ يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
وَالشَّارِعُ لَمْ يَتْرُكِ السَّكْرَانَ بِدُونِ عُقُوبَةٍ عَلَى سُكْرِهِ، حَتَّى نَحْتَاجَ إِلَى عُقُوبَةٍ أُخْرَى نُنْزِلُهَا بِهِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ الأُْخْرَى لاَ تَقْتَصِرُ عَلَى الْجَانِي، بَل تَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ.
_________
(١) الهداية وفتح القدير ٣ / ٤٠، والبدائع ٣ / ٩٩، والخرشي ٣ / ١٧١، ١٧٢، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ١١٤.
وَأَسَاسُ هَذَا الاِخْتِلاَفِ هُوَ الاِخْتِلاَفُ فِي اعْتِبَارِ طَلاَقِهِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ: فَمَنْ قَال بِاعْتِبَارِ طَلاَقِهِ قَال بِاعْتِبَارِ إِيلاَئِهِ، وَمَنْ قَال بِعَدَمِ اعْتِبَارِ طَلاَقِهِ قَال بِعَدَمِ اعْتِبَارِ إِيلاَئِهِ؛ لأَِنَّ الإِْيلاَءَ كَطَلاَقٍ مُعَلَّقٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَسَبَبٌ لِلطَّلاَقِ عِنْدَ آخَرِينَ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُهُ (١) .
د - مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُدَّةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا:
١٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الإِْيلاَءَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُدَّةٍ يَحْلِفُ الزَّوْجُ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ فِيهَا.
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الْمُدَّةِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مُدَّةَ الإِْيلاَءِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
فَلَوْ حَلَفَ الرَّجُل عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لاَ يَكُونُ إِيلاَءً، بَل يَكُونُ يَمِينًا. فَإِذَا حَنِثَ بِالْوَطْءِ قَبْل مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ الزَّوْجُ: أَلاَّ يَطَأَ زَوْجَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ إِيلاَءً بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ: أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً، أَوْ قَال: أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ إِيلاَءً بِالاِتِّفَاقِ أَيْضًا. أَمَّا لَوْ حَلَفَ أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ إِيلاَءً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ يَكُونُ إِيلاَءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَلَوْ حَلَفَ: أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِيلاَءً عِنْدَ الْجَمِيعِ (٢) .
_________
(١) نفس المراجع.
(٢) البدائع ٣ / ١٧١، والهداية وفتح القدير ٣ / ١٨٣، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٨٥، والخرشي ٣ / ٢٣٠، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٣، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٠٠.
وَقَدِ احْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ الإِْيلاَءَ لَهُ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: الْحِنْثُ إِذَا وَطِئَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ قَبْل مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ،
وَثَانِيهِمَا: وُقُوعُ الطَّلاَقِ إِنْ لَمْ يَطَأْ زَوْجَتَهُ قَبْل مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الأَْرْبَعَةَ الأَْشْهُرَ هِيَ الْمُدَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الإِْيلاَءِ، فَلاَ يَكُونُ الْحَلِفُ عَلَى مَا دُونَهَا إِيلاَءً، كَمَا لاَ يَتَوَقَّفُ الإِْيلاَءُ عَلَى الْحَلِفِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا، وَبِأَنَّ الإِْيلاَءَ هُوَ الْيَمِينُ الَّتِي تَمْنَعُ قُرْبَانَ الزَّوْجَةِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْحِنْثِ، فَلَوْ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لأَمْكَنَ الزَّوْجُ بَعْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ، فَلاَ يَكُونُ هَذَا إِيلاَءً (١) .
وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِأَنَّ الْمُولِيَ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْءِ (وَهُوَ الرُّجُوعُ عَنِ الْيَمِينِ بِالْفِعْل أَوِ الْقَوْل) وَالتَّطْلِيقِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَوْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَل مِنْهَا لاَنْقَضَى الإِْيلاَءُ بِانْقِضَائِهَا، وَلاَ تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ مِنْ غَيْرِ الإِْيلاَءِ (٢) .
١٥ - إِذَا فَقَدَ الإِْيلاَءُ شَرْطًا مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا، فَهَل يَكُونُ لِلْيَمِينِ مَفْعُولُهَا الَّذِي وُضِعَتْ لإِفَادَتِهِ شَرْعًا؟ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ، فَإِنْ كَانَ مِنْ شَرَائِطِ الصِّيغَةِ تَرَتَّبَ عَلَى فَقْدِهِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْيَمِينِ أَصْلًا، بِحَيْثُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى مُخَالَفَةِ مُوجِبِهَا الْحِنْثُ وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ أَوْ لُزُومُ مَا رَتَّبَهُ عَلَيْهَا.
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧١، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٠٠.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٣٦٨.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الشَّرْطُ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي تَعُودُ إِلَى الرَّجُل كَالْبُلُوغِ أَوِ الْعَقْل؛ لأَِنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ لِمَا يَصْدُرُ عَنِ الصَّبِيِّ قَبْل الْبُلُوغِ، وَلاَ لِمَا يَصْدُرُ عَنِ الْمَجْنُونِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي تَعُودُ إِلَى الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ مَعًا، وَهُوَ قِيَامُ النِّكَاحِ حِينَ الإِْيلاَءِ، فَإِنَّ فَقْدَهُ لاَ يُعَطِّل مَفْعُول الْيَمِينِ، بَل تَبْقَى فِي حَقِّ الْحِنْثِ، فَلَوْ قَال رَجُلٌ لاِمْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ: وَاللَّهِ لاَ أَطَؤُكِ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ وَطِئَهَا قَبْل مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ الْمُبَيَّنَةُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَطْءُ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا.
أَمَّا فِي حَقِّ الطَّلاَقِ، فَإِنَّ فَقْدَ الشَّرْطِ يُبْطِل الْيَمِينَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ، وَلِهَذَا لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الإِْيلاَءِ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ لاِنْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ.
وَمِثْل هَذَا يُقَال فِي حَال عَدَمِ تَوَافُرِ شَرَائِطِ الْمُدَّةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مَفْعُول الْيَمِينِ يَبْقَى. وَلَوْ نَقَصَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي حَلَفَ الرَّجُل عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ فِيهَا عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهَا لاَ تَكُونُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ - وَحَتَّى لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِهَا فِيهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (١) .
أَثَرُ الإِْيلاَءِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ
١٦ - إِذَا تَحَقَّقَ رُكْنُ الإِْيلاَءِ وَتَوَافَرَتْ شَرَائِطُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحَدُ أَثَرَيْنِ:
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧١، والهداية وفتح القدير ٣ / ١٩٤، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢ / ٨٥١، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٤.
أَوَّلُهُمَا: يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ إِصْرَارِ الزَّوْجِ عَلَى عَدَمِ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ الَّتِي آلَى مِنْهَا، حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ تَارِيخِ الإِْيلاَءِ.
وَثَانِيهِمَا: يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ حِنْثِهِ فِي الْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَهَا (١) .
أ - حَالَةُ الإِْصْرَارِ:
١٧ - إِذَا أَصَرَّ الْمُولِي عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ الَّتِي حَلَفَ أَلاَّ يَقْرَبَهَا كَانَ إِصْرَارُهُ هَذَا دَاعِيًا إِلَى الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ؛ لأَِنَّ فِي هَذَا الاِمْتِنَاعِ إِضْرَارًا بِالزَّوْجَةِ، فَحِمَايَةً لَهَا مِنْ هَذَا الضَّرَرِ، يَكُونُ لَهَا الْحَقُّ فِي مُطَالَبَتِهِ بِالْعَوْدَةِ إِلَى مُعَاشَرَتِهَا. فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَى مُعَاشَرَتِهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهَل يَقَعُ الطَّلاَقُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّهَا؟
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، بَل لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي، فَيَأْمُرُ الزَّوْجُ بِالْفَيْءِ، أَيِ الرُّجُوعِ عَنْ مُوجِبِ يَمِينِهِ، فَإِنْ أَبَى الْفَيْءَ أَمَرَهُ بِتَطْلِيقِهَا، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ طَلَّقَهَا عَلَيْهِ الْقَاضِي (٢) .
وَيَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِ الأَْمْرِ إِلَى الْقَاضِي، وَلاَ حُكْمٍ مِنْهُ بِتَطْلِيقِهَا. وَذَلِكَ جَزَاءً لِلزَّوْجِ عَلَى الإِْضْرَارِ بِزَوْجَتِهِ وَإِيذَائِهَا بِمَنْعِ حَقِّهَا الْمَشْرُوعِ.
وَالْحِكْمَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي إِمْهَالِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ الْمُحَافَظَةُ
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٦.
(٢) الخرشي ٣ / ٢٣٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٤٣٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٨ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣١٨ وما بعدها.
عَلَى عَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَمُعَالَجَةُ بَقَائِهَا بِمَا هُوَ غَالِبٌ عَلَى طَبَائِعِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْبُعْدَ عَنِ الزَّوْجَةِ مِثْل هَذَا الزَّمَنِ فِيهِ تَشْوِيقٌ لِلزَّوْجِ إِلَيْهَا، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى وَزْنِ حَالِهِ مَعَهَا وَزْنًا صَحِيحًا، فَإِذَا لَمْ تَتَأَثَّرْ نَفْسُهُ بِالْبُعْدِ عَنْهَا، وَلَمْ يُبَال بِهَا سَهُل عَلَيْهِ فِرَاقُهَا، وَإِلاَّ عَادَ إِلَى مُعَاشَرَتِهَا نَادِمًا عَلَى إِسَاءَتِهِ مُصِرًّا عَلَى حُسْنِ مُعَاشَرَتِهَا. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَإِنَّ هَجْرَهَا مِنْ وَسَائِل تَأْدِيبِهَا، فَقَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي انْصِرَافِ الزَّوْجِ عَنْهَا بِإِهْمَالِهَا فِي شَأْنِ زِينَتِهَا، أَوْ بِمُعَامَلَتِهَا إِيَّاهُ مُعَامَلَةً تُوجِبُ النَّفْرَةَ مِنْهَا، فَإِذَا هَجَرَهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ كَانَ هَذَا زَاجِرًا لَهَا عَمَّا فَرَطَ مِنْهَا (١) .
وَسَبَبُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمُرَادِ مِنَ التَّرْتِيبِ الَّذِي تَدُل عَلَيْهِ " الْفَاءُ " فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) أَهُوَ التَّرْتِيبُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ التَّرْتِيبُ الزَّمَانِيُّ. أَيْ أَنَّ زَمَنَ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَيْءِ أَوِ الطَّلاَقِ عَقِبَ مُضِيِّ الأَْجَل الْمَضْرُوبِ، وَهُوَ الأَْرْبَعَةُ الأَْشْهُرُ أَوْ هُوَ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لاَ الزَّمَنِيُّ، فَتُفِيدُ تَرْتِيبَ الْمُفَصَّل عَلَى الْمُجْمَل، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْفَيْءُ بَعْدَ الإِْيلاَءِ خِلاَل الأَْجَل الْمَضْرُوبِ لاَ بَعْدَهُ، فَإِذَا انْقَضَى الأَْجَل بِدُونِ فَيْءٍ فِيهِ وَقَعَ الطَّلاَقُ بِمُضِيِّهِ؟ فَبِالأَْوَّل قَال الْجُمْهُورُ، وَبِالثَّانِي قَال الْحَنَفِيَّةُ.
فَمَعْنَى الآْيَةِ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ لِلأَْزْوَاجِ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَاتِهِمُ انْتِظَارُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ فَاءُوا قَبْل مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَعَادُوا إِلَى وَطْئِهِنَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَوْبَةً مِنْهُمْ عَنْ ذَلِكَ
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٦.
(٢) سورة البقرة / ٢٢٨.
الذَّنْبِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ، وَالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإِْضْرَارُ بِزَوْجَاتِهِمْ وَإِيقَاعُ الأَْذَى بِهِنَّ، وَاللَّهُ يَغْفِرُهُ لَهُمْ بِالْكَفَّارَةِ عَنْهُ، وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى تَنْفِيذِ يَمِينِهِمْ وَهَجْرِ زَوْجَاتِهِمْ، فَلَمْ يَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ إِصْرَارًا مِنْهُمْ عَلَى الطَّلاَقِ، فَيَكُونُ إِيلاَؤُهُمْ طَلاَقًا، فَتَطْلُقُ مِنْهُمْ زَوْجَاتُهُمْ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَطْلِيقٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الْقَاضِي، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى ضَرَرِ زَوْجَاتِهِمْ.
وَمَعْنَى الآْيَةِ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الأَْزْوَاجَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ زَوْجَاتِهِمْ يُمْهَلُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ فَاءُوا وَرَجَعُوا عَمَّا مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْهُ بَعْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَا حَدَثَ مِنْهُمْ مِنَ الْيَمِينِ وَالْعَزْمِ عَلَى ذَلِكَ الضَّرَرِ، وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى الطَّلاَقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِمَا يَقَعُ مِنْهُمْ مِنَ الطَّلاَقِ، عَلِيمٌ بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ. وَمِمَّا اسْتَدَل بِهِ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ سُهَيْل بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: سَأَلْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ قَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَيُوقَفُ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلاَّ طَلَّقَ (١) .
_________
(١) منتقى الأخبار مع شرح نيل الأوطار ٦ / ٢٧٢، الطبعة الثالثة (١٣٨٠ هـ) - (١٩٦١) مصطفى البابي الحلبي. وحديث أبي صالح: " سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ. . . ". أخرجه الدارقطني (٤ / ٦١ - ط دار المحاسن) وإسناده صحيح. (فتح الباري ٩ / ٤٢٩ - ط السلفية) .
نَوْعُ الطَّلاَقِ الَّذِي يَقَعُ نَتِيجَةً لِلإِْيلاَءِ:
١٨ - إِذَا وَقَعَ الطَّلاَقُ نَتِيجَةً لِلإِْيلاَءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ وُقُوعُهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، أَمْ كَانَ وُقُوعُهُ بِإِيقَاعِ الزَّوْجِ، بِنَاءً عَلَى أَمْرِ الْقَاضِي لَهُ بِالطَّلاَقِ، أَوْ بِإِيقَاعِ الْقَاضِي عِنْدَ امْتِنَاعِ الزَّوْجِ مِنَ الطَّلاَقِ عِنْدَ مَنْ لاَ يَقُول بِوُقُوعِ الطَّلاَقِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ طَلاَقًا بَائِنًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي فُرْقَةِ الْحَاكِمِ (١) . لأَِنَّهُ طَلاَقٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الزَّوْجَةِ، وَلاَ يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهَا إِلاَّ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ، إِذْ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لاَسْتَطَاعَ الزَّوْجُ إِعَادَتَهَا فَلاَ تَتَخَلَّصُ مِنَ الضَّرَرِ؛ وَلأَِنَّ الْقَوْل بِوُقُوعِ الطَّلاَقِ رَجْعِيًّا يُؤَدِّي إِلَى الْعَبَثِ؛ لأَِنَّ الزَّوْجَ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الْفَيْءِ وَالتَّطْلِيقِ يُقَدَّمُ إِلَى الْقَاضِي لِيُطَلِّقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي يُرَاجِعُهَا ثَانِيًا، فَيَكُونُ مَا فَعَلَهُ الْقَاضِي عَبَثًا، وَالْعَبَثُ لاَ يَجُوزُ.
وَقَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّ الطَّلاَقَ الْوَاقِعَ بِالإِْيلاَءِ طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ مَا دَامَتِ الْمَرْأَةُ قَدْ دَخَل بِهَا الزَّوْجُ قَبْل ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ طَلاَقٌ لاِمْرَأَةٍ مَدْخُولٍ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلاَ اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ، فَيَكُونُ رَجْعِيًّا كَالطَّلاَقِ فِي غَيْرِ الإِْيلاَءِ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ شَيْئًا لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ مِنَ الْمُولِي، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا - وَقَدْ بَقِيَتْ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ - ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةٌ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَفِئْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي لِرَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمَرْأَةِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ انْحِلاَل الْيَمِينِ عَنْهُ فِي الْعِدَّةِ بِالْوَطْءِ فِيهَا، أَوْ بِتَكْفِيرِ مَا يُكَفِّرُ، أَوْ
_________
(١) البدائع ٣ / ١٧٧، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٣١.
بِتَعْجِيل الْحِنْثِ فِي الْعِدَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَنْحَل الإِْيلاَءُ بِوَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ تَكُونُ بَاطِلَةً لاَ أَثَرَ لَهَا (١) .
ب - حَالَةُ الْحِنْثِ أَوِ الْفَيْءِ:
١٩ - الْمَقْصُودُ بِالْحِنْثِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِمُوجِبِ الْيَمِينِ، وَهُوَ ذَلِكَ الْوَفَاءُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِامْتِنَاعِ الزَّوْجِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ الَّتِي آلَى مِنْهَا قَبْل أَنْ تَمْضِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي حَلَفَ أَلاَّ يَقْرَبَهَا فِيهَا، فَإِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي حَلَفَ أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ (مَثَلًا) ثُمَّ قَرَبَهَا قَبْل أَنْ تَمْضِيَ هَذِهِ الْمُدَّةُ، كَانَ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَل بِمُقْتَضَاهَا، وَهُوَ الاِمْتِنَاعُ مِنْ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ مُدَّةَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ. وَالْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهِ شَرْعًا، لَكِنَّهُ فِي الإِْيلاَءِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأَِنَّ فِيهِ رُجُوعًا عَنْ إِيذَاءِ الزَّوْجَةِ وَالإِْضْرَارِ بِهَا، فَهُوَ مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ (٢) .
أَمَّا الْفَيْءُ فَمَعْنَاهُ فِي الأَْصْل: الرُّجُوعُ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الظِّل الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَال فَيْئًا؛ لأَِنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا: رُجُوعُ الزَّوْجِ إِلَى جِمَاعِ زَوْجَتِهِ الَّذِي مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أَوِ الْوَعْدِ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ. وَوُجُودُ الْفَيْءِ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٣٥١، والخرشي ٣ / ٢٣٨، ٢٤٠، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٣١.
(٢) حديث: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٧٢ - ط الحلبي) .
إِلاَّ إِذَا كَانَ بِالْجِمَاعِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَى تَرْكِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْفَيْءُ بِالْقَوْل - كَمَا سَيَأْتِي - فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ، بَل تَبْقَى الْيَمِينُ قَائِمَةً مُنْعَقِدَةً حَتَّى يُوجَدَ الْجِمَاعُ، فَإِنْ حَصَل مِنْهُ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي حَلَفَ الزَّوْجُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِيهَا حَنِثَ وَانْحَلَّتِ الْيَمِينُ، وَمِنْ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْفَيْءَ يَكُونُ وُجُودُهُ سَبَبًا فِي انْحِلاَل الإِْيلاَءِ وَارْتِفَاعِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ بِالْفِعْل انْحَل الإِْيلاَءُ وَارْتَفَعَ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ وَالْحِنْثِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ بِالْقَوْل انْحَل الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ، وَبَقِيَ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ الْجِمَاعُ فِي الزَّمَنِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ فِيهِ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ وَانْحَل الإِْيلاَءُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحِنْثِ أَيْضًا.
انْحِلاَل الإِْيلاَءِ
لاِنْحِلاَل الإِْيلاَءِ سَبَبَانِ: الْفَيْءُ، وَالطَّلاَقُ.
حَالَةُ الْفَيْءِ:
٢٠ - الْفَيْءُ - كَمَا تَقَدَّمَ - هُوَ أَنْ يَرْجِعَ الزَّوْجُ إِلَى مُعَاشَرَةِ الزَّوْجَةِ الَّتِي آلَى مِنْهَا، بِحَيْثُ تَعُودُ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْل الإِْيلاَءِ. وَلِلْفَيْءِ طَرِيقَانِ: إِحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةٌ، وَالأُْخْرَى اسْتِثْنَائِيَّةٌ.
أَمَّا الأَْصْلِيَّةُ: فَهِيَ الْفَيْءُ بِالْفِعْل. وَأَمَّا الاِسْتِثْنَائِيَّة: فَهِيَ الْفَيْءُ بِالْقَوْل.
أ - الطَّرِيقُ الأَْصْلِيَّةُ فِي الْفَيْءِ: الْفَيْءُ بِالْفِعْل:
٢١ - الْمُرَادُ بِالْفِعْل الَّذِي يَكُونُ فَيْئًا وَيَنْحَل بِهِ الإِْيلاَءُ: إِنَّمَا هُوَ الْجِمَاعُ، وَلاَ خِلاَفَ فِي هَذَا لأَِحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ.