الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

إِغْلاَقٍ (١) وَالإِْغْلاَقُ: الإِْكْرَاهُ؛ لأَِنَّ الْمُكْرَهَ يُغْلَقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَيُقْفَل عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَقَصْدُهُ، وَإِلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ يُحْمَل عَلَى النُّطْقِ بِالْعِبَارَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ، كَنُطْقِهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا (٢) .

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِيلاَءُ الْمُكْرَهِ مُعْتَبَرٌ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ الَّتِي سَيَأْتِي بَيَانُهَا؛ لأَِنَّ الإِْيلاَءَ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَ الإِْكْرَاهِ، نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الأَْيْمَانِ وَالطَّلاَقِ، وَأَنَّ الإِْيلاَءَ يَمِينٌ فِي أَوَّل الأَْمْرِ، وَطَلاَقٌ بِاعْتِبَارِ الْمَال، فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَا يُقَرَّرُ فِي بَابَيِ الأَْيْمَانِ وَالطَّلاَقِ.

وَقَدِ اسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إِلَى قِيَاسِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْهَازِل؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَصْدُرُ عَنْهُ صِيغَةُ التَّصَرُّفِ عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ، لَكِنَّهُ لاَ يُرِيدُ حُكْمَهَا، وَطَلاَقُ الْهَازِل وَيَمِينُهُ مُعْتَبَرَانِ، فَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ (٣) .

٨ - وَلَوْ صَدَرَتْ صِيغَةُ الإِْيلاَءِ مِنَ الزَّوْجِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُوجَبَهَا، بَل أَرَادَ اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ - وَهَذَا هُوَ الْهَازِل - فَإِنَّ الإِْيلاَءَ يَكُونُ مُعْتَبَرًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ (٤)،

_________

(١) حديث: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٦٠ - ط الحلبي) والحاكم (٢ / ١٩٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ورده الذهبي بقوله: محمد بن عبيدي لم يحتج به مسلم، وقال أبو حاتم: ضعيف.

(٢) الخرشي ٣ / ١٧٣، والشرح الكبير ٢ / ٣٦٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ١١٨.

(٣) فتح القدير ٣ / ٣٩، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٥٠، ٦٥٢، والبدائع ٣ / ١٠٠.

(٤) البدائع ٣ / ١٠٠، والشرح الكبير ٢ / ٣٦٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٣٥.

لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (١) وَلأَِنَّ الْهَازِل قَاصِدٌ لِلسَّبَبِ، وَهُوَ الصِّيغَةُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِحُكْمِهِ، وَأَنَّ تَرَتُّبَ الأَْحْكَامِ عَلَى أَسْبَابِهَا مَوْكُولٌ إِلَى الشَّارِعِ لاَ إِلَى الْمُتَصَرِّفِ.

٩ - وَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ الإِْيلاَءِ، فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الإِْيلاَءُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَصْلًا - وَهُوَ الْمُخْطِئُ - فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَدَمُ اعْتِبَارِ إِيلاَءِ الْمُخْطِئِ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ إِذَا قَصَدَ اللَّفْظَ الَّذِي يَدُل عَلَيْهِ وَأُرِيدَ حُكْمُهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أَوْ قَصَدَ اللَّفْظَ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ حُكْمَهُ، وَالْمُخْطِئُ. لَمْ يَقْصِدِ اللَّفْظَ الدَّال عَلَى الإِْيلاَءِ وَلاَ حُكْمَهُ، فَلاَ يَكُونُ الإِْيلاَءُ الصَّادِرُ مِنْهُ مُعْتَبَرًا (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْطِئِ إِلَى أَنَّ إِيلاَءَهُ لاَ يُعْتَبَرُ دِيَانَةً، وَيُعْتَبَرُ قَضَاءً. وَمَعْنَى اعْتِبَارِهِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الدِّيَانَةِ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالإِْيلاَءِ إِلاَّ الزَّوْجُ، كَانَ لَهُ أَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ، وَإِذَا سَأَل فَقِيهًا عَمَّا صَدَرَ مِنْهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِأَنْ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، مَتَى عَلِمَ صِدْقَهُ فِيمَا يَقُول. فَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ وَرُفِعَ الأَْمْرُ إِلَى الْقَاضِي حَكَمَ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ إِذَا اتَّصَل بِزَوْجَتِهِ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَبِوُقُوعِ الطَّلاَقِ إِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ بِدُونِ مُعَاشَرَةٍ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ يَبْنِي

_________

(١) منتقي الأخبار مع شرح نيل الأوطار ٦ / ٢٤٩. وحديث: " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٤٤ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في التلخيص (٣ / ٢١٠ - ط دار المحاسن) .

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٨٧، والمغني لابن قدامة ٦ / ٢٣٥.

أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ. وَلَوْ قَبِل فِي الْقَضَاءِ دَعْوَى أَنَّ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ شَيْءٌ آخَرُ لاَ نَفْتَحُ الْبَابَ أَمَامَ الْمُحْتَالِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ النُّطْقَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الإِْيلاَءِ، ثُمَّ يَدَّعُونَ أَنَّهُ سَبْقُ لِسَانٍ (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ - كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِهِمْ فِي الطَّلاَقِ - أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَقْصِدِ النُّطْقَ بِصِيغَةِ الإِْيلاَءِ، بَل قَصَدَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ الإِْيلاَءِ، فَزَل لِسَانُهُ، وَتَكَلَّمَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الإِْيلاَءِ لاَ يَكُونُ إِيلاَءً فِي الْقَضَاءِ، كَمَا لاَ يَكُونُ إِيلاَءً فِي الدِّيَانَةِ وَالْفَتْوَى (٢) .

وَيَتَّضِحُ مِمَّا تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَطَأِ: وَالْهَزْل وَالإِْكْرَاهِ، وَهُوَ أَنَّهُ فِي الْخَطَأِ لاَ تَكُونُ الْعِبَارَةُ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الزَّوْجُ مَقْصُودَةً أَصْلًا، بَل الْمَقْصُودُ عِبَارَةٌ أُخْرَى، وَصَدَرَتْ هَذِهِ بَدَلًا عَنْهَا. وَفِي الْهَزْل: تَكُونُ الْعِبَارَةُ مَقْصُودَةً؛ لأَِنَّهَا بِرِضَى الزَّوْجِ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنْ حُكْمُهَا لاَ يَكُونُ مَقْصُودًا؛ لأَِنَّ الزَّوْجَ لاَ يُرِيدُ هَذَا الْحُكْمَ، بَل يُرِيدُ شَيْئًا آخَرَ هُوَ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ. وَفِي الإِْكْرَاهِ: تَكُونُ الْعِبَارَةُ صَادِرَةً عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ، وَلَكِنَّهُ اخْتِيَارٌ غَيْرُ سَلِيمٍ؛ لِوُجُودِ الإِْكْرَاهِ، وَهُوَ يُؤَثِّرُ فِي الإِْرَادَةِ، وَيَجْعَلُهَا لاَ تَخْتَارُ مَا تَرْغَبُ فِيهِ وَتَرْتَاحُ إِلَيْهِ، بَل تَخْتَارُ مَا يَدْفَعُ الأَْذَى وَالضَّرَرَ.

أَحْوَال صِيغَةِ الإِْيلاَءِ:

١٠ - الصِّيغَةُ الَّتِي يُنْشِئُ الزَّوْجُ الإِْيلاَءَ بِهَا تَارَةً

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٥٦، ٦٥٧، والفتاوى الهندية ١ / ٣٣٠.

(٢) الشرح الكبير ٢ / ٣٦٦.

تَصْدُرُ خَالِيَةً مِنَ التَّعْلِيقِ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَمِنَ الإِْضَافَةِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَتَارَةً تَصْدُرُ مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّعْلِيقِ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، أَوِ الإِْضَافَةُ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ.

فَإِذَا صَدَرَتِ الصِّيغَةُ، وَكَانَتْ خَالِيَةً مِنَ التَّعْلِيقِ وَالإِْضَافَةِ، كَانَ الإِْيلاَءُ مُنَجَّزًا. وَإِنْ صَدَرَتْ، وَكَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّعْلِيقِ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، كَانَ الإِْيلاَءُ مُعَلَّقًا. وَإِنْ صَدَرَتْ وَكَانَتْ مُضَافَةً إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، كَانَ الإِْيلاَءُ مُضَافًا.

وَعَلَى هَذَا فَالإِْيلاَءُ الْمُنَجَّزُ هُوَ: مَا كَانَتْ صِيغَتُهُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُضَافَةٍ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَلاَ مُعَلَّقَةً عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَمِنْ أَمْثِلَةِ التَّنْجِيزِ أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَهَذَا يُعْتَبَرُ إِيلاَءً فِي الْحَال، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ بِمُجَرَّدِ صُدُورِهِ.

وَالإِْيلاَءُ الْمُعَلَّقُ هُوَ: مَا رُتِّبَ فِيهِ الاِمْتِنَاعُ عَنْ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل بِأَدَاةٍ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، مِثْل (إِنْ) (وَإِذَا) (وَلَوْ) (وَمَتَى) وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: إِنْ أَهْمَلْتِ شُئُونَ الْبَيْتِ، أَوْ يَقُول لَهَا: لَوْ كَلَّمْتِ فُلاَنًا فَوَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ.

وَفِي هَذِهِ الْحَال، لاَ يُعْتَبَرُ مَا صَدَرَ عَنِ الرَّجُل إِيلاَءً قَبْل وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ التَّعْلِيقَ يَجْعَل وُجُودَ التَّصَرُّفِ الْمُعَلَّقِ مُرْتَبِطًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، فَفِي الْمِثَال الْمُتَقَدِّمِ لاَ يَكُونُ الزَّوْجُ مُولِيًا قَبْل أَنْ تُهْمِل الْمَرْأَةُ فِي شُئُونِ الْبَيْتِ، أَوْ تُكَلِّمَ ذَلِكَ الشَّخْصَ، فَإِذَا أَهْمَلَتْ شُئُونَ الْبَيْتِ أَوْ كَلَّمَتْهُ صَارَ مُولِيًا، وَاحْتُسِبَتْ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ مِنْ وَقْتِ الإِْهْمَال أَوِ التَّكْلِيمِ فَقَطْ، لاَ مِنْ وَقْتِ قَوْل الزَّوْجِ.

وَالإِْيلاَءُ الْمُضَافُ هُوَ: مَا كَانَتْ صِيغَتُهُ مَقْرُونَةً بِوَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ يَقْصِدُ الزَّوْجُ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ عِنْدَ حُلُول هَذَا الْوَقْتِ، وَمِثَالُهُ: أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ مِنْ أَوَّل الشَّهْرِ الآْتِي، أَوْ يَقُول لَهَا: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ مِنْ غَدٍ.

وَفِي هَذِهِ الْحَال، يُعْتَبَرُ مَا صَدَرَ عَنِ الرِّجَال إِيلاَءً مِنْ وَقْتِ صُدُورِ الْيَمِينِ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ وُجُودِ الْوَقْتِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ الإِْيلاَءُ؛ لأَِنَّ الإِْضَافَةَ لاَ تَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ سَبَبًا لِحُكْمِهِ، وَلَكِنَّهَا تُؤَخِّرُ حُكْمَهُ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ، فَفِي قَوْل الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ مِنْ أَوَّل الشَّهْرِ الْقَادِمِ يُعْتَبَرُ الزَّوْجُ مُولِيًا مِنْ زَوْجَتِهِ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي صَدَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّيغَةُ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الرَّجُل قَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَلاَّ يُوَلِّيَ مِنْ زَوْجَتِهِ حُكِمَ بِحِنْثِهِ فِي هَذِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحِنِ الْوَقْتُ الَّذِي أُضِيفَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الصِّيغَةِ الْمُضَافَةِ، لَكِنْ لَوِ اتَّصَل بِزَوْجَتِهِ قَبْل مَجِيءِ الشَّهْرِ الَّذِي أَضَافَ الإِْيلاَءَ إِلَيْهِ لاَ يُحْكَمُ بِحِنْثِهِ وَوُجُوبِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ مُدَّةَ الإِْيلاَءِ لاَ تُحْتَسَبُ إِلاَّ مِنْ أَوَّل الشَّهْرِ الَّذِي أَضَافَ الإِْيلاَءَ إِلَيْهِ.

وَإِنَّمَا صَحَّ تَعْلِيقُ الإِْيلاَءِ وَإِضَافَتُهُ لأَِنَّهُ يَمِينٌ، وَالْيَمِينُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقْبَل الإِْضَافَةَ وَالتَّعْلِيقَ (١) .

وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى كَلاَمٍ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَبُول الإِْيلاَءِ لِلإِْضَافَةِ (٢) .

_________

(١) البدائع ٣ / ١٦٥.

(٢) الروضة ٨ / ٢٤٤، الخرشي ٤ / ٩٠.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَوْرَدُوا مِنْ تَطْبِيقَاتِ الإِْيلاَءِ مَا يَدُل عَلَى قَبُول الإِْيلاَءِ لِلإِْضَافَةِ (١) .

ب - مَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ مَعًا:

١١ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْيلاَءِ فِي الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ مَعًا قِيَامُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا عِنْدَ حُصُول الإِْيلاَءِ أَوْ إِضَافَتِهِ إِلَى النِّكَاحِ.

أَمَّا قِيَامُ النِّكَاحِ حَقِيقَةً، فَيَتَحَقَّقُ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ، وَقَبْل حُصُول الْفُرْقَةِ بَيْنَ الرَّجُل وَزَوْجَتِهِ، سَوَاءٌ أَدَخَل الرَّجُل بِزَوْجَتِهِ أَمْ لَمْ يَدْخُل.

وَأَمَّا قِيَامُهُ حُكْمًا، فَيَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ بَعْدَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ تَكُونُ زَوْجَةً مِنْ كُل وَجْهٍ مَا دَامَتِ الْعِدَّةُ، فَتَكُونُ مَحَلًّا لِلإِْيلاَءِ، كَمَا تَكُونُ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ، فَإِذَا أَقْسَمَ الزَّوْجُ أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ الَّتِي طَلَّقَهَا طَلاَقًا رَجْعِيًّا مُدَّةً تَسْتَغْرِقُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ كَانَ مُولِيًا، فَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَالْمَرْأَةُ لاَ تَزَال فِي الْعِدَّةِ، بِأَنْ كَانَتْ حَامِلًا، أَوْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ وَكَانَ طُهْرُهَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ يَمْتَدُّ طَوِيلًا، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُؤْمَرُ الرَّجُل بِالْفَيْءِ، فَإِنْ لَمْ يَفِئْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي إِنِ امْتَنَعَ عَنِ الطَّلاَقِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْكَلاَمِ عَنْ أَثَرِ الإِْيلاَءِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَقَعُ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ أُخْرَى (٢) .

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ٣٥٩ ط النصر، ومطالب أولي النهى ٥ / ٤٩٩ - ط المكتب الإسلامي، والإنصاف ٩ / ١٧٦ ط التراث، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٢٠ ط دار العروبة.

(٢) الهداية وفتح القدير ٣ / ١٩٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٨٤٢، والبدائع ٣ / ١٧١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٤٢٧، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣١٣.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعِدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِي أَثْنَائِهَا لاَ تَكُونُ مَحَلًّا لِلإِْيلاَءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى، أَمْ بَائِنًا بَيْنُونَةً كُبْرَى؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ الْبَائِنَ بِنَوْعَيْهِ يُزِيل رَابِطَةَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلاَ يُبْقِي مِنْ آثَارِ الزَّوَاجِ شَيْئًا سِوَى الْعِدَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُطَلِّقِ قُرْبَانُ الْمُطَلَّقَةِ طَلاَقًا بَائِنًا وَلَوْ كَانَتِ الْعِدَّةُ قَائِمَةً، فَإِذَا حَلَفَ الرَّجُل أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ الَّتِي طَلَّقَهَا طَلاَقًا بَائِنًا كَانَتْ يَمِينُهُ لَغْوًا فِي حُكْمِ الْبِرِّ، حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ وَلَمْ يَقْرَبْهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلاَقٌ ثَانٍ.

أَمَّا فِي حُكْمِ الْحِنْثِ فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ، وَلِهَذَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ وَطِئَهَا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ؛ لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِمُوجِبِهَا، وَهُوَ عَدَمُ قُرْبَانِهَا، أَيْ أَنَّ حَلِفَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ إِيلاَءً، وَلَكِنَّهُ انْعَقَدَ يَمِينًا.

وَمِثْل هَذَا لَوْ قَال لاِمْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ، وَأَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ، أَوْ قَال: أَبَدًا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مُولِيًا فِي حُكْمِ الْبِرِّ؛ لِعَدَمِ قِيَامِ النِّكَاحِ حَقِيقَةً وَلاَ حُكْمًا عِنْدَ الْحَلِفِ، حَتَّى لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ الزَّوَاجِ، وَلَمْ يَقْرَبْهَا لاَ يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا عِنْدَ حُصُول الْيَمِينِ، لَكِنْ لَوْ قَرَبَهَا بَعْدَ الزَّوَاجِ أَوْ قَبْلَهُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لاِنْعِقَادِ الْيَمِينِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِهِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ قِيَامُ النِّكَاحِ، بِخِلاَفِ انْعِقَادِهِ فِي حَقِّ الْبِرِّ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ قِيَامُ النِّكَاحِ (١) .

وَأَمَّا إِضَافَةُ الإِْيلاَءِ إِلَى النِّكَاحِ، فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول الرَّجُل لاِمْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَوَاللَّهِ لاَ

_________

(١) البدائع ٣ / ٨٧١.

أَقْرَبُكِ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ أَجَازُوا إِضَافَةَ الطَّلاَقِ أَوْ تَعْلِيقَهُ عَلَى النِّكَاحِ (١)، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَالْمَرْأَةُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ زَوْجَةٌ، فَتَكُونُ مَحَلًّا لِلإِْيلاَءِ الْمُضَافِ إِلَى النِّكَاحِ، كَمَا تَكُونُ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَصِحُّ الإِْيلاَءُ الْمُضَافُ إِلَى النِّكَاحِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَل الإِْيلاَءَ مِنَ الزَّوْجَةِ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي يُضَافُ الإِْيلاَءُ مِنْهَا إِلَى نِكَاحِهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً عِنْدَ حُصُول الإِْيلاَءِ، فَلاَ يَكُونُ الإِْيلاَءُ مِنْهَا صَحِيحًا؛ وَلأَِنَّ الإِْيلاَءَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَحُكْمُ الشَّيْءِ لاَ يَتَقَدَّمُهُ، كَالطَّلاَقِ وَالْقَسَمِ؛ وَلأَِنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِلْمُولِي لِقَصْدِهِ الإِْضْرَارَ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ قَبْل النِّكَاحِ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الْقَصْدُ، فَأَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ بِغَيْرِ يَمِينٍ (٢) .

١٢ - وَالْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ وَالإِْيلاَءِ بِالنِّكَاحِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي التَّعْلِيقِ وَأَثَرِهِ فِي التَّصَرُّفِ الْمُعَلَّقِ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: التَّعْلِيقُ يُؤَخِّرُ انْعِقَادَ التَّصَرُّفِ الْمُعَلَّقِ سَبَبًا لِحُكْمِهِ حَتَّى يُوجَدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ. فَالتَّصَرُّفُ الْمُعَلَّقُ لاَ وُجُودَ لَهُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ بِالصِّيغَةِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمُ: التَّعْلِيقُ لاَ يُؤَخِّرُ انْعِقَادَ التَّصَرُّفِ سَبَبًا لِحُكْمِهِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ تَرَتُّبَ

_________

(١) البدائع ٣ / ١٧١، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٨٤٣، والشرح الكبير ٢ / ٣٧٠، والخرشي ٣ / ١٧٦.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٩٢، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣١٢.

الْحُكْمِ عَلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ.

فَعِنْدَهُمُ التَّصَرُّفُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ مَوْجُودٌ عِنْدَ التَّكَلُّمِ بِالصِّيغَةِ، غَيْرَ أَنَّ حُكْمَهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا: مَنْ قَال لاِمْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَقَعَ الطَّلاَقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَالطَّلاَقُ الْمُعَلَّقُ لاَ يُوجَدُ فِي رَأْيِهِمْ إِلاَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وَعِنْدَ تَحْقِيقِ الشَّرْطِ تَكُونُ الْمَرْأَةُ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ، إِذْ هِيَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ زَوْجَةٌ، فَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلاَقُ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ الْمُعَلَّقَ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِحُكْمِهِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ بِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً، فَلَمْ تَتَحَقَّقِ الْمَحَلِّيَّةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ، فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ. وَأَنَّ الإِْيلاَءَ كَالطَّلاَقِ فِي هَذَا الْحُكْمِ (١) .

ج - مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُولِي:

١٣ - يُشْتَرَطُ فِي الرَّجُل لِكَيْ يَكُونَ إِيلاَؤُهُ صَحِيحًا مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: الْبُلُوغُ، بِظُهُورِ الْعَلاَمَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ أَوْ بِالسِّنِّ، فَإِيلاَءُ الصَّبِيِّ لاَ يَنْعَقِدُ (٢) (ر: مُصْطَلَحُ: بُلُوغٍ) .

ثَانِيًا: الْعَقْل، فَلاَ يَصِحُّ الإِْيلاَءُ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل، وَلاَ مِنَ الْمَعْتُوهِ؛ لأَِنَّ الْمَعْتُوهَ

_________

(١) التحرير مع شرح التيسير ١ / ١٧٨ وما بعدها.

(٢) البدائع ٣ / ١٠٠، والخرشي ٣ / ٢٢٩، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٣، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣١٤.

قَدْ لاَ يَكُونُ عِنْدَهُ إِدْرَاكٌ وَلاَ تَمْيِيزٌ فَيَكُونُ كَالْمَجْنُونِ، وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ إِدْرَاكٌ وَتَمْيِيزٌ وَلَكِنَّهُ لاَ يَصِل إِلَى دَرَجَةِ الإِْدْرَاكِ عِنْدَ الرَّاشِدِينَ الْعَادِيِّينَ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ الإِْيلاَءُ، فَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ (١) .

وَمِثْل الْمَجْنُونِ فِي الْحُكْمِ الأَْشْخَاصُ التَّالِي ذِكْرُهُمُ:

(١) الْمَدْهُوشُ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَرَتْهُ حَالَةُ انْفِعَالٍ لاَ يَدْرِي فِيهَا مَا يَقُول أَوْ يَفْعَل، أَوْ يَصِل بِهِ الاِنْفِعَال إِلَى دَرَجَةٍ يَغْلِبُ مَعَهَا الْخَلَل فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.

فَإِذَا صَدَرَ الإِْيلاَءُ مِنَ الزَّوْجِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَال لاَ يُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُهُ وَيُرِيدُهُ؛ لأَِنَّ هَذَا الْعِلْمَ وَهَذِهِ الإِْرَادَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَيْنِ؛ لِعَدَمِ حُصُولِهِمَا عَنْ إِدْرَاكٍ صَحِيحٍ، كَمَا لاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ (٢) .

(٢) الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ، فَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْمَجْنُونِ، وَمِثْلُهُ النَّائِمُ؛ لأَِنَّهُ لاَ إِدْرَاكَ عِنْدَهُ وَلاَ وَعْيَ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِالإِْيلاَءِ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ كَمَا لاَ يُعْتَدُّ بِطَلاَقِهِ.

(٣) السَّكْرَانُ، وَهُوَ الَّذِي صَارَ عَقْلُهُ مَغْلُوبًا مِنْ تَأْثِيرِ الْمُسْكِرِ، حَتَّى صَارَ يَهْذِي وَيَخْلِطُ فِي كَلاَمِهِ، وَلاَ يَعِي بَعْدَ إِفَاقَتِهِ مَا كَانَ مِنْهُ فِي حَال سُكْرِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِيلاَءَ السَّكْرَانِ لاَ يُعْتَبَرُ إِذَا كَانَ سُكْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، كَمَا لَوْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لِلضَّرُورَةِ، أَوْ تَحْتَ ضَغْطِ الإِْكْرَاهِ؛ لأَِنَّ السَّكْرَانَ لاَ وَعْيَ عِنْدَهُ وَلاَ إِدْرَاكَ كَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ، بَل أَشَدُّ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٥٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣١٤.

(٢) البدائع ٣ / ١٠٠، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٥٩.