الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
إِيفَاءٌ
انْظُرْ: وَفَاءٌ
إِيقَاظٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيقَاظُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ أَيْقَظَهُ: إِذَا نَبَّهَهُ مِنْ نَوْمِهِ (١) وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ فِي الْفِقْهِ عَنْهُ فِي اللُّغَةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَرِدُ عَلَى الإِْيقَاظِ الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ التَّالِيَةُ: - فَيَكُونُ فَرْضًا، إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى نَوْمِهِ تَرْكُ فَرْضٍ. أَوْ كَانَ فِي تَرْكِهِ تَعْرِيضُ حَيَاتِهِ لِخَطَرٍ مُحَقَّقٍ.
- وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، إِذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ تَرْكَهُ نَائِمًا قَدْ يُعَرِّضُهُ لِخَطَرٍ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ تَرْكَهُ يُفَوِّتُ فَرْضًا عَلَيْهِ إِنْ نَامَ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ.
- وَقَدْ يَكُونُ سِنَةً، كَإِيقَاظِ مَنْ نَامَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ؛ لِوُرُودِ أَخْبَارٍ بِالنَّهْيِ عَنِ النَّوْمِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (٢) .
-
_________
(١) المصباح ومعجم متن اللغة مادة: " يقظ ".
(٢) حديث النوم بعد صلاة العصر، وحديث ذم النوم بعد صلاة الصبح. أخرجهما ابن الجوزي في الموضوعات (٣ / ٦٨ - ٦٩ ط السلفية) وحكم عليهما بعدم الصحة، وذكرهما كذلك ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢ / ٢٩٠ ط مكتبة القاهرة) .
وَكَذَلِكَ يُنْدَبُ الإِْيقَاظُ لِغَسْل يَدَيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ - لاَ سِيَّمَا اللَّحْمَ - لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ النَّوْمِ عَلَى تِلْكَ الْحَال. قَال: مَنْ بَاتَ، وَفِي يَدِهِ غَمْرٌ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ (١) .
- وَكَذَلِكَ إِيقَاظُ مَنْ نَامَ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّينَ فِي الصَّفِّ الأَْوَّل.
- وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي إِيقَاظِهِ ضَرَرٌ مُحَقَّقٌ، كَالْمَرِيضِ إِذَا نَهَى الطَّبِيبُ عَنْ إِيقَاظِهِ.
هَذَا وَلاَ بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ الأَْكْبَرِ بِارْتِكَابِ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ يَرْتَكِبُ أَهْوَن الضَّرَرَيْنِ.
عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَفَى سَبَبٌ مِمَّا سَبَقَ، فَإِنَّ الأَْصْل كَرَاهَةُ إِيقَاظِ النَّائِمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ، وَلِمَا وَرَدَ مِنْ أَخْبَارٍ تُرَاعَى فِيهَا حَال النَّائِمِ، كَمَنْعِ السَّلاَمِ عَلَى النَّائِمِ، وَخَفْضِ الصَّوْتِ لِمَنْ يُصَلِّي جَهْرًا بِحَضْرَةِ نَائِمٍ (٢) .
مِنْ مَوَاطِنِ الْبَحْثِ:
٣ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ الإِْيقَاظِ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ، حِينَ الْكَلاَمِ عَلَى أَوْقَاتِهَا، بِمُنَاسَبَةِ التَّعَرُّضِ لِكَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْل الصَّلاَةِ خَوْفَ تَضْيِيعِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ.
_________
(١) حديث: " من بات. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٢٨٩ ط الحلبي) وصححه ابن حجر في الفتح (٩ / ٥٧٩ ط السلفية) .
(٢) الجمل على المنهج ١ / ٢٧٤ ط الميمنية، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤ ط الحلبي، والزرقاني على متن خليل ١ / ١٤٨ ط بولاق، والإنصاف شرح المقنع ١ / ٣٨٩ ط مطبعة السنة المحمدية، وابن عابدين ٢ / ٩٧ ط الأولى مع التصرف.
إِيقَافٌ
انْظُرْ: وَقْفٌ
إِيلاَءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيلاَءُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ: الْحَلِفُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ أَمْ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، مَأْخُوذٌ مِنْ آلَى عَلَى كَذَا يُولِي إِيلاَءً وَأَلْيَةً: إِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْل شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ.
كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا غَضِبَ مِنْ زَوْجَتِهِ حَلَفَ أَلاَّ يَطَأَهَا السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، أَوْ أَلاَّ يَطَأَهَا أَبَدًا، وَيَمْضِي فِي يَمِينِهِ مِنْ غَيْرِ لَوْمٍ أَوْ حَرَجٍ، وَقَدْ تَقْضِي الْمَرْأَةُ عُمْرَهَا كَالْمُعَلَّقَةِ، فَلاَ هِيَ زَوْجَةٌ تَتَمَتَّعُ بِحُقُوقِ الزَّوْجَةِ، وَلاَ هِيَ مُطَلَّقَةٌ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِرَجُلٍ آخَرَ، فَيُغْنِيهَا اللَّهُ مِنْ سَعَتِهِ.
فَلَمَّا جَاءَ الإِْسْلاَمُ أَنْصَفَ الْمَرْأَةَ، وَوَضَعَ لِلإِْيلاَءِ أَحْكَامًا خَفَّفَتْ مِنْ أَضْرَارِهِ، وَحَدَّدَ لِلْمُولِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَلْزَمَهُ إِمَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى مُعَاشَرَةِ زَوْجَتِهِ، وَإِمَّا بِالطَّلاَقِ عَلَيْهِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) .
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٦، ٢٢٧.
وَالإِْيلاَءُ فِي الاِصْطِلاَحِ - يُعَرِّفُهُ الْحَنَفِيَّةُ - أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا، أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى قُرْبَانِهَا أَمْرًا فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، أَوْ سِتَّةً، أَوْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ أَبَدًا، أَوْ مُدَّةَ حَيَاتِي، أَوْ وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ وَلاَ يَذْكُرُ مُدَّةً، وَهَذِهِ صُورَةُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا صُورَةُ التَّعْلِيقِ، فَهُوَ أَنْ يَقُول: إِنْ قَرُبْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ شَهْرٍ، أَوْ حَجٌّ، أَوْ إِطْعَامُ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ، فَإِذَا قَال الزَّوْجُ شَيْئًا مِنْ هَذَا اعْتُبِرَ قَوْلُهُ إِيلاَءً. أَمَّا إِذَا امْتَنَعَ الرَّجُل مِنْ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ بِدُونِ يَمِينٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِيلاَءً، وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ الاِمْتِنَاعِ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ، بَل يُعْتَبَرُ سُوءُ مُعَاشَرَةٍ يُتِيحُ لِزَوْجَتِهِ طَلَبَ الْفُرْقَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ قُرْبَانِهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ الزَّوْجُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَالنَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِيلاَءً؛ لأَِنَّ الإِْيلاَءَ يَمِينٌ، وَالْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ يَمِينًا شَرْعًا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ (١) .
وَمِثْل هَذَا لَوْ عَلَّقَ الرَّجُل عَلَى قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ أَمْرًا لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ، كَصَلاَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ مِسْكِينٍ، لاَ يَكُونُ إِيلاَءً.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ فِيهَا أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لاَ يُعْتَبَرُ
_________
(١) حديث: " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٥٣٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٦٧ - ط الحلبي) .
إِيلاَءً، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ لِلإِْيلاَءِ فِي حُكْمِ الطَّلاَقِ مُدَّةً مُقَدَّرَةً هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَلاَ يَكُونُ الْحَلِفُ عَلَى مَا دُونَهَا إِيلاَءً فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ.
وَقَدْ وَافَقَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي أَنَّ الإِْيلاَءَ يَكُونُ بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِالتَّعْلِيقِ - الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، فَقَالُوا: الإِْيلاَءُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ أَوِ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِيلاَءً؛ لأَِنَّ الإِْيلاَءَ قَسَمٌ، وَالتَّعْلِيقَ لاَ يُسَمَّى قَسَمًا شَرْعًا وَلاَ لُغَةً، وَلِهَذَا لاَ يُؤْتَى فِيهِ بِحَرْفِ الْقَسَمِ، وَلاَ يُجَابُ بِجَوَابِهِ، وَلاَ يَذْكُرُهُ أَهْل الْعَرَبِيَّةِ فِي بَابِ الْقَسَمِ، وَعَلَى هَذَا لاَ يَكُونُ إِيلاَءً (١) .
وَحُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: أَنَّ تَعْلِيقَ مَا يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ يَمْنَعُ مِنْ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ خَوْفًا مِنْ وُجُوبِهِ، فَيَكُونُ إِيلاَءً كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْلِيقُ - وَإِنْ كَانَ لاَ يُسَمَّى قَسَمًا شَرْعًا وَلُغَةً - وَلَكِنَّهُ يُسَمَّى حَلِفًا عُرْفًا (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الإِْيلاَءَ يَكُونُ بِالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) (٣)
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٧١، والخرشي ٣ / ٢٣٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٢٧، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٩٨.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) الخرشي ٣ / ٢٣٠، والشرح الكبير ٢ / ٤٢٨، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٣، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٠٠.
إِلَى أَنَّ الإِْيلاَءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذِهِ الآْرَاءِ وَأَدِلَّتُهَا فِي الْكَلاَمِ عَنْ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ.
٢ - وَالْحِكْمَةُ فِي مَوْقِفِ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ مِنَ الإِْيلاَءِ هَذَا الْمَوْقِفَ: أَنَّ هَجْرَ الزَّوْجَةِ قَدْ يَكُونُ مِنْ وَسَائِل تَأْدِيبِهَا، كَمَا إِذَا أَهْمَلَتْ فِي شَأْنِ بَيْتِهَا أَوْ مُعَامَلَةِ زَوْجِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تَسْتَدْعِي هَجْرَهَا، عَلَّهَا تَثُوبَ إِلَى رُشْدِهَا وَيَسْتَقِيمَ حَالُهَا، فَيَحْتَاجُ الرَّجُل فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالاَتِ إِلَى الإِْيلاَءِ، يُقَوِّي بِهِ عَزْمَهُ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ تَأْدِيبًا لَهَا وَرَغْبَةً فِي إِصْلاَحِهَا، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْغْرَاضِ الْمَشْرُوعَةِ.
فَلِهَذَا لَمْ تُبْطِل الشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ الإِْيلاَءَ جُمْلَةً، بَل أَبْقَتْهُ مَشْرُوعًا فِي أَصْلِهِ؛ لِيُمْكِنَ الاِلْتِجَاءُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
رُكْنُ الإِْيلاَءِ:
٣ - رُكْنُ الإِْيلاَءِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُ الإِْيلاَءِ عَلَى وُجُودِهِ هُوَ: اللَّفْظُ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَالَّذِي يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ: الْكِتَابَةُ الْمُسْتَبِينَةُ، وَهِيَ الْكِتَابَةُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي يَبْقَى أَثَرُهَا، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْوَرَقِ وَنَحْوِهِ. أَمَّا الْكِتَابَةُ غَيْرُ الْمُسْتَبِينَةِ، وَهِيَ الَّتِي لاَ يَبْقَى أَثَرُهَا، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ، أَوْ عَلَى الْمَاءِ فَلاَ تَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَصِحُّ بِهَا الإِْيلاَءُ.
وَمِثْل الْكِتَابَةِ فِي ذَلِكَ الإِْشَارَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ النُّطْقِ بِالْعِبَارَةِ، كَالأَْخْرَسِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ. فَإِذَا كَانَ لِلأَْخْرَسِ إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ، يَعْرِفُ الْمُتَّصِلُونَ بِهِ أَنَّ
الْمُرَادَ بِهَا الْحَلِفُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ، صَحَّ الإِْيلاَءُ بِهَا، كَمَا يَصِحُّ طَلاَقُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ (١) .
شَرَائِطُ الإِْيلاَءِ:
٤ - شَرَائِطُ الإِْيلاَءِ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، مِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي رُكْنِ الإِْيلاَءِ، وَمِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ مَعًا، وَمِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّجُل الْمُولِي، وَمِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُدَّةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا.
وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ كُل نَوْعٍ مِنْهَا:
أ - شَرَائِطُ الرُّكْنِ:
يُشْتَرَطُ فِي رُكْنِ الإِْيلاَءِ، وَهُوَ صِيغَتُهُ، ثَلاَثَ شَرَائِطَ:
الشَّرِيطَةُ الأُْولَى:
٥ - أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ صَالِحًا لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَعْنَى الإِْيلاَءِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ مَادَّةُ اللَّفْظِ دَالَّةً عَلَى مَنْعِ الزَّوْجِ مِنْ قُرْبَانِ زَوْجَتِهِ دَلاَلَةً وَاضِحَةً عُرْفًا، مِثْل قَوْل الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ أُوَاقِعُكِ، أَوْ لاَ أُجَامِعُكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَيَنْقَسِمُ اللَّفْظُ الصَّالِحُ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى الإِْيلاَءِ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ:
الأَْوَّل: صَرِيحٌ، وَهُوَ مَا دَل عَلَى الْوَطْءِ لُغَةً وَعُرْفًا.
وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إِيلاَءً مَتَى صَدَرَ عَنْ قَصْدٍ إِلَى التَّلَفُّظِ بِهِ بِدُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى النِّيَّةِ، وَلَوْ قَال الزَّوْجُ: إِنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإِْيلاَءَ لاَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ لاَ دِيَانَةً
_________
(١) الخرشي ٣ / ٢٢٩.
وَلاَ قَضَاءً؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ لاَ يَحْتَمِل غَيْرَ الإِْيلاَءِ، فَإِرَادَةُ مَعْنًى آخَرَ خِلاَفَهُ تَكُونُ إِرَادَةً مَحْضَةً بِدُونِ لَفْظٍ يَدُل عَلَيْهَا، فَلاَ تُعْتَبَرُ.
الثَّانِي: مَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ، وَهُوَ مَا يُسْتَعْمَل فِي الْجِمَاعِ عُرْفًا، كَلَفْظِ الْقُرْبَانِ وَالاِغْتِسَال، وَذَلِكَ كَأَنْ يَحْلِفَ الرَّجُل أَلاَّ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ، وَبِهِ وَرَدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١) .
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَلاَّ يَغْتَسِل مِنْهَا؛ لأَِنَّ الاِغْتِسَال مِنْهَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنِ الْجِمَاعِ عَادَةً.
وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إِيلاَءً فِي الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى النِّيَّةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَال الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ الْجِمَاعَ، لاَ يُقْبَل مِنْهُ هَذَا الاِدِّعَاءُ فِي الْقَضَاءِ، وَيُقْبَل مِنْهُ دِيَانَةً، أَيْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي وَرَدَ فِي عِبَارَتِهِ يَحْتَمِل الْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَاهُ، وَإِنْ كَانَ خِلاَفَ الظَّاهِرِ، فَإِذَا نَوَاهُ فَقَدْ نَوَى مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، فَتَكُونُ إِرَادَتُهُ صَحِيحَةً، إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ يُخَالِفُ الْمَعْنَى الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ لَمْ يُقْبَل مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ قَضَاءً، وَقُبِل مِنْهُ دِيَانَةً.
الثَّالِثُ: الْكِنَايَةُ، وَهُوَ مَا يَحْتَمِل الْجِمَاعَ وَغَيْرَهُ، وَلَمْ يَغْلِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِمَاعِ عُرْفًا، كَمَا إِذَا حَلَفَ الرَّجُل: أَلاَّ يَمَسَّ جِلْدُهُ جِلْدَ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَلاَّ يَقْرَبَ فِرَاشَهَا، أَوْ أَلاَّ يَجْمَعَ رَأْسَهُ وَرَأْسَهَا وِسَادَةٌ.
وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ: أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ إِيلاَءً إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، فَإِذَا قَال الزَّوْجُ: أَرَدْتُ تَرْكَ الْجِمَاعِ كَانَ مُولِيًا، وَإِنْ قَال: لَمْ أُرِدْ تَرْكَ الْجِمَاعِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لأَِنَّ هَذِهِ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٢.
الأَْلْفَاظَ تُسْتَعْمَل فِي الْجِمَاعِ وَفِي غَيْرِهِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا فَلاَ يَتَعَيَّنُ الْجِمَاعُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ الأَْلْفَاظَ فِي ذَلِكَ تَنْقَسِمُ إِلَى صَرِيحَةٍ وَكِنَايَةٍ فَقَطْ (١) .
الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ:
٦ - أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ دَالَّةً عَلَى الإِْرَادَةِ الْجَازِمَةِ لِلْحَال، وَيَتَحَقَّقُ هَذَا الشَّرْطُ بِخُلُوِّ الصِّيغَةِ مِنْ كُل كَلِمَةٍ تَدُل عَلَى التَّرَدُّدِ أَوِ الشَّكِّ. وَأَلاَّ تَكُونَ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَدَاةٍ مِنَ الأَْدَوَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّأْخِيرِ وَالتَّسْوِيفِ، كَحَرْفِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ؛ لأَِنَّ التَّرَدُّدَ كَالرَّفْضِ مِنْ حَيْثُ الْحَكَمُ، وَالتَّأْخِيرُ وَعْدٌ بِإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَلَيْسَ إِنْشَاءً لَهُ فِي الْحَال، فَالإِْرَادَةُ فِي التَّصَرُّفِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْحَال، وَلاَ يُوجَدُ التَّصَرُّفُ إِلاَّ بِإِرَادَةِ إِنْشَائِهِ فِي الْحَال.
فَمَنْ يَقُول لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ سَأَمْنَعُ نَفْسِي مِنْ مُوَاقَعَتِكِ، أَوْ سَوْفَ أَمْنَعُ نَفْسِي مِنْ مُعَاشَرَتِكِ، لاَ يَكُونُ مُولِيًا لأَِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لاَ تَدُل عَلَى إِرَادَةِ مَنْعِ نَفْسِهِ مِنَ الْمُوَاقَعَةِ فِي الْحَال، وَإِنَّمَا تَدُل عَلَى أَنَّهُ سَيَفْعَل ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَل.
هَذَا، وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ هُنَا أَنَّ اشْتِرَاطَ الْجَزْمِ فِي الإِْرَادَةِ لِلْحَال لاَ يُنَافِي جَوَازَ أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ مُعَلَّقَةً عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، أَوْ مُضَافَةً إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْرَادَةَ فِي الإِْيلاَءِ الْمُعَلَّقِ وَالْمُضَافِ مَقْطُوعٌ بِهَا، لاَ تَرَدُّدَ فِيهَا، غَايَةُ الأَْمْرِ أَنَّ
_________
(١» البدائع ٣ / ١٦٢، وابن عابدين ٢ / ٨٤٥، والمغني ٧ / ٣١٥، ٣١٦، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٢٧، وشرح المنهاج ٤ / ١٠.
الإِْيلاَءَ الْمُعَلَّقَ لَمْ يَحْصُل الْجَزْمُ بِهِ مِنْ قِبَل الْمُولِي فِي الْحَال، بَل عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَالإِْيلاَءُ الْمُضَافُ مَجْزُومٌ بِهِ فِي الْحَال، غَيْرَ أَنَّ ابْتِدَاءَ حُكْمِهِ مُؤَخَّرٌ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالإِْضَافَةَ قَدْ صَدَرَا بِإِرَادَةٍ جَازِمَةٍ فِي الْحَال.
الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ: صُدُورُ التَّعْبِيرِ عَنْ قَصْدٍ:
٧ - يَتَحَقَّقُ هَذَا الشَّرْطُ بِإِرَادَةِ الزَّوْجِ النُّطْقَ بِالْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الإِْيلاَءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ هَذِهِ الإِْرَادَةِ رَغْبَةٌ فِي الإِْيلاَءِ وَارْتِيَاحٌ إِلَيْهِ كَانَ الإِْيلاَءُ صَادِرًا عَنْ رِضًى وَاخْتِيَارٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ وُجِدَتِ الإِْرَادَةُ فَقَطْ، وَانْتَفَتِ الرَّغْبَةُ فِي الإِْيلاَءِ وَالاِرْتِيَاحِ إِلَيْهِ لَمْ يَتَحَقَّقِ الرِّضَى، وَذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُكْرَهًا عَلَى الإِْيلاَءِ مِنْ زَوْجَتِهِ بِتَهْدِيدِهِ بِالْقَتْل أَوِ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوِ الْحَبْسِ الْمَدِيدِ، فَيَصْدُرُ عَنْهُ الإِْيلاَءُ خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ مَا هُدِّدَ بِهِ لَوِ امْتَنَعَ، فَإِنَّ صُدُورَ الصِّيغَةِ مِنَ الزَّوْجِ فِي هَذِهِ الْحَال يَكُونُ عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ، لَكِنْ لَيْسَ عَنْ رِضًى وَاخْتِيَارٍ صَحِيحٍ. وَالإِْيلاَءُ فِي هَذِهِ الْحَال - حَال الإِْكْرَاهِ - غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١)، وَإِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي
_________
(١) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩ - ط الحلبي) وغيره من طرق كثيرة ذكرها السخاوي في المقاصد ص ٢٢٩ - ٢٣٠ ط السعادة. ثم قال: مجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلا.