الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

الأَْحَقِّ، عَلَى غَيْرِ بَابِ أَفْعَل التَّفْضِيل أَيْضًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ. (١)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا:

٢ - يُعَبِّرُ الأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ أَحْيَانًا عَنِ النَّدْبِ الْخَفِيفِ بِالأَْوْلَى، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الأَْمْرَ عَلَى سَبِيل الأَْوْلَوِيَّةِ. (٢)

ثَانِيًا:

٣ - الأَْمْرُ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَالأَْمْرُ بِفِعْل الْمَنْدُوبَاتِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ لاَ يَسْتَوْجِبُ إِثْمًا، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ بِأَنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ خِلاَفَ الأَْوْلَى فَقَدْ أَسَاءَ. وَالإِْسَاءَةُ عِنْدَهُمْ دُونَ الْكَرَاهَةِ، أَوْ أَفْحَشُ، أَوْ أَنَّهَا وَسَطٌ بَيْنَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَالتَّحْرِيمِ. (٣)

ثَالِثًا: الدَّلاَلَةُ وَالْفَحْوَى:

٤ - مِنْ أَنْوَاعِ الدَّلاَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ " الدَّلاَلَةُ وَالْفَحْوَى " وَهِيَ: ثُبُوتُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِلْمَسْكُوتِ لِفَهْمِ مَنَاطِ الْحُكْمِ بِاللُّغَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤)

وَيُفْهَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ؛ لأَِجْل أَنَّ مَنَاطَ النَّهْيِ عَنْهُ هُوَ الإِْيذَاءُ، وَهَذَا مَفْهُومٌ لُغَةً، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ، فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَمِنْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣٧٤ ط الأولى، والقليوبي ٣ / ١٢٩، وشرح جمع الجوامع ١ / ٨١ ط مصطفى الحلبي، وفواتح الرحموت ١ / ٤٠٩.

(٢) شرح جمع الجوامع ١ / ٨١، وابن عابدين ١ / ٣٧٤.

(٣) ابن عابدين ١ / ٣٧٥ و٣٨١، والهداية ١ / ٥٥، ١٨٧ ط الحلبي.

(٤) سورة الإسراء / ٢٣.

جُزْئِيَّاتِهِ الضَّرْبُ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَيْضًا، وَلاَ يَجِبُ فِي الدَّلاَلَةِ أَوْلَوِيَّةُ الْمَسْكُوتِ فِي تَحَقُّقِ الْمَنَاطِ فِيهِ.

وَقِيل: إِنَّهُ تَنْبِيهٌ بِالأَْدْنَى عَلَى الأَْعْلَى فَتُشْتَرَطُ الأَْوْلَوِيَّةُ عَلَى هَذَا، وَيَخْرُجُ مَا فِيهِ مُسَاوَاةٌ، وَيُسَمَّى الأَْوَّل عِنْدَئِذٍ فَحْوَى الْخِطَابِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (الْمَفْهُومُ الأَْوَّل) وَيُسَمَّى الثَّانِي (لَحْنُ الْخِطَابِ) . وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ مُتَرَادِفَانِ. (١)

رَابِعًا: قِيَاسُ الأَْوْلَى:

٥ - مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ: الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَهُوَ: مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، أَوْ كَانَ تَأْثِيرُ الْفَارِقِ فِيهِ احْتِمَالًا ضَعِيفًا. فَالأَْوَّل كَقِيَاسِ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ عَلَى شَرِيكِهِ الْمُعْتَقِ الْمُوسِرِ وَعِتْقُهَا عَلَيْهِ. وَمِثَال مَا كَانَ فِيهِ تَأْثِيرُ الْفَارِقِ احْتِمَالًا ضَعِيفًا: قِيَاسُ الْعَمْيَاءِ عَلَى الْعَوْرَاءِ فِي الْمَنْعِ مِنَ التَّضْحِيَةِ، حَيْثُ إِنَّ الْعَمْيَاءَ تُرْشَدُ لِلْمَرْعَى الْحَسَنِ، بِخِلاَفِ الْعَوْرَاءِ، فَإِنَّهَا تُوكَل إِلَى بَصَرِهَا - وَهُوَ نَاقِصٌ - فَلاَ تَسْمَنُ، فَيَكُونُ الْعَوَرُ مَظِنَّةَ الْهُزَال. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَنْظُورَ إِلَيْهِ فِي عَدَمِ الإِْجْزَاءِ نَقْصُ الْجَمَال بِسَبَبِ نَقْصِ تَمَامِ الْخِلْقَةِ، لاَ نَقْصِ السِّمَنِ.

وَقِيل: الْجَلِيُّ: الْقِيَاسُ الأَْوَّل، كَقِيَاسِ الضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي التَّحْرِيمِ، وَعَلَى التَّعْرِيفِ الأَْوَّل يَصْدُقُ بِالأَْوْلَى كَالْمُسَاوِي. (٢)

وَهُنَاكَ خِلاَفٌ فِي كَوْنِ قِيَاسِ الأَْوَّل مِنَ الْقِيَاسِ الأُْصُولِيِّ أَوِ اللُّغَوِيِّ، يُنْظَرُ فِي مَحَلِّهِ. (٣) وَتَمَامُ الْكَلاَمِ عَلَى مَا سَبَقَ مَحَلُّهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

_________

(١) فواتح الرحموت ١ / ٤٠٩، وشرح جمع الجوامع ١ / ٢٤٠، ٢٤١.

(٢) شرح جمع الجوامع ٢ / ٣٤٠.

(٣) شرح جمع الجوامع ١ / ٢٤١.

خَامِسًا:

٦ - مِنَ الأَْلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الأَْوْلَوِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَحْيَانًا كَلِمَةُ (لاَ بَأْسَ)، لَكِنِ الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُسْتَعْمَل فِي الْمَنْدُوبِ أَحْيَانًا، فَإِنْ قَالُوا: لاَ بَأْسَ بِكَذَا دَل عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ غَيْرُهُ غَالِبًا. (١)

مِنْ مَوَاطِنِ الْبَحْثِ:

٧ - يَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ مَبَاحِثَ الأَْوْلَوِيَّةِ وَالأَْوْلَى فِي مَبَاحِثِ الْحُكْمِ وَأَنْوَاعِهِ، وَفِي مَبَاحِثِ الدَّلاَلَةِ وَأَنْوَاعِ الْقِيَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ. كَمَا يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ بِمُنَاسَبَةِ الْكَلاَمِ عَلَى صِيغَةِ " لاَ بَأْسَ " وَفِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ بِحَسَبِ الْمُنَاسَبَاتِ كَالأَْوْلَى بِالإِْمَامَةِ وَبِالصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدَّفْنِ وَالذَّبْحِ فِي الْحَجِّ وَبِالْحَضَانَةِ وَتَرْبِيَةِ اللَّقِيطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

أَوْلِيَاءٌ

انْظُرْ: وِلاَيَةٌ.

إِيَاسٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْيَاسُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالْيَأْسُ مِنْهُ: انْقِطَاعُ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٨١، ٤٤٢.

الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ وَالأَْمَل فِيهِ (وَالْيَأْسُ) مَصْدَرُ يَئِسَ يَيْأَسُ فَهُوَ يَائِسٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ كَثِيرًا: أَيِسَ يَيْأَسُ فَهُوَ آيِسٌ. (١)

هَذَا، وَيُقَال لِلرَّجُل يَائِسٌ وَآيِسٌ، وَلِلْمَرْأَةِ يَائِسَةٌ وَآيِسَةٌ، لَكِنْ إِنْ أُرِيدَ يَأْسُهَا مِنَ الْحَيْضِ خَاصَّةً قِيل: هِيَ آيِسٌ، (٢) بِدُونِ تَاءٍ. وَهُوَ الأَْحْرَى عَلَى قَوَاعِدِ اللُّغَةِ، وَيَرِدُ فِيهَا أَيْضًا فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ كَثِيرًا: آيِسَةٌ. (٣)

هَذَا، وَيَرِدُ الْيَأْسُ وَالإِْيَاسُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَيَيْنِ:

الأَْوَّل، وَهُوَ اصْطِلاَحٌ لَهُمْ: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ الْحَيْضِ عَنِ الْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الْكِبَرِ وَالطَّعْنِ فِي السِّنِّ.

وَالثَّانِي: هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الْمُتَقَدِّمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ: تَوْبَةُ الْيَائِسِ أَيْ تَوْبَةُ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ أَحْكَامِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.

أَوَّلًا:

الإِْيَاسُ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ الْحَيْضِ بِسَبَبِ الْكِبَرِ:

٢ - الإِْيَاسُ دُورٌ مِنْ حَيَاةِ الْمَرْأَةِ، يَنْقَطِعُ فِيهِ الْحَيْضُ

_________

(١) تاج العروس واللسان، مادة: " أيس "، والمطلع على أبواب المقنع ص ٣٤٨، ورد المحتار ١ / ٢٠١، ٢٠٢، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي ص ٥٠٩. ومنه حديث: " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون " أخرجه مسلم (٤ / ٢١٦٦ - ط الحلبي) والترمذي (٤ / ٣٣٠ - ط الحلبي) .

(٢) المغني لابن قدامة ٧ / ٥٠٣، الطبعة الثالثة وما يوافقها.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٤٠، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٣ / ٣٤٨، والمغني ٧ / ٤٥٨، ٤٥٩.

وَالْحَمْل، بِسَبَبِ تَغَيُّرَاتٍ تَطْرَأُ عَلَى جِسْمِهَا.

وَيُرَافِقُ هَذَا الاِنْقِطَاعَ اضْطِرَابٌ فِي وَظَائِفِ الأَْعْضَاءِ، وَاضْطِرَابَاتٌ نَفْسِيَّةٌ. (١)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْقُعُودُ:

٣ - قُعُودُ الْمَرْأَةِ بِمَعْنَى إِيَاسِهَا. فَقَدْ فَسَّرَهُ أَهْل اللُّغَةِ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ عَنْهَا. قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأَةٌ قَاعِدٌ إِذَا قَعَدَتْ عَنِ الْمَحِيضِ. فَإِذَا أَرَدْتَ الْقُعُودَ قُلْتَ: هِيَ قَاعِدَةٌ. وَجَمْعُهَا قَوَاعِدُ. وَقَدْ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) بِمَنِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الْحَيْضُ. وَقَال الزَّجَّاجُ: هُنَّ اللاَّتِي قَعَدْنَ عَنِ الأَْزْوَاجِ. (٣)

ب - الْعُقْرُ وَالْعُقُمُ:

٤ - الْمَرْأَةُ الْعَاقِرُ: هِيَ الَّتِي لاَ تَلِدُ. وَيُقَال لِلرَّجُل أَيْضًا: عَاقِرٌ، إِنْ كَانَ لاَ يُولَدُ لَهُ. وَالْعُقُمُ أَيْضًا فِي الْمَرْأَةِ وَالرَّجُل، يُقَال: قَدْ عَقُمَتِ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى: أَعْقَمَهَا اللَّهُ. فَهِيَ عَقِيمٌ وَمَعْقُومَةٌ. وَيُقَال لِلرَّجُل أَيْضًا: عَقِيمٌ، إِنْ كَانَ لاَ يُولَدُ لَهُ. (٤)

وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ يُقَال لَهَا: عَاقِرٌ وَعَقِيمٌ، إِذَا كَانَتْ لاَ تَحْمِل وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ حَيْضٍ، وَبِهَذَا تُخَالِفُ الآْيِسَةَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَكُونُ آيِسَةً إِلاَّ إِذَا امْتَنَعَ عَنْهَا الْحَيْضُ بِسَبَبِ السِّنِّ، ثُمَّ إِنِ امْتَنَعَ الْحَيْضُ بِسَبَبِ ذَلِكَ امْتَنَعَ الْحَمْل عَادَةً وَلاَ بُدَّ. فَكُل آيِسَةٍ عَقِيمٌ، وَلاَ عَكْسَ.

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) سورة النور / ٦٠.

(٣) لسان العرب، والمصباح، والتاج.

(٤) اللسان.

ج - امْتِدَادُ الطُّهْرِ:

٥ - قَدْ يُمْتَنَعُ الْحَيْضُ عَنِ الْمَرْأَةِ قَبْل سِنِّ الإِْيَاسِ لِعَارِضٍ مِنْ هُزَالٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ، فَلاَ يُسَمَّى ذَلِكَ يَأْسًا. وَقَدْ يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لِسَبَبٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، فَيُقَال لَهَا فِي كُل تِلْكَ الأَْحْوَال (مُمْتَدَّةُ الطُّهْرِ) أَوْ (مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ) . وَفَرَّقَ فِي (الدُّرِّ الْمُنْتَقَى) بَيْنَ هَذَيْنِ الاِصْطِلاَحَيْنِ فَقَال: مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ: هِيَ الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ وَلَمْ تَحِضْ قَطُّ. وَمُرْتَفِعَةُ الْحَيْضِ: هِيَ مَنْ حَاضَتْ وَلَوْ مَرَّةً، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَامْتَدَّ طُهْرُهَا، وَلِذَا تُسَمَّى مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ. (١)

سِنُّ الإِْيَاسِ:

٦ - يُقَرِّرُ الأَْطِبَّاءُ أَنَّ وَظِيفَةَ الْحَمْل لَدَى الْمَرْأَةِ تَسْتَمِرُّ لَدَيْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ ٣٥ عَامًا، تَتَعَطَّل لَدَيْهَا بَعْدَهَا وَظِيفَةُ الْحَمْل وَالإِْنْجَابِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ سِنِّ الإِْيَاسِ عَلَى أَقْوَالٍ:

(١) فَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهِ. وَعَلَيْهِ فَأَيُّ سِنٍّ رَأَتْ فِيهَا الدَّمَ فَهُوَ حَيْضٌ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ السِّتِّينَ. وَهَذَا قَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالُوا: لاَ يُحَدُّ الإِْيَاسُ بِمُدَّةٍ، بَل إِيَاسُهَا أَنْ تَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا لاَ يَحِيضُ مِثْلُهَا فِيهِ. فَإِذَا بَلَغَتْهُ، وَانْقَطَعَ دَمُهَا، حُكِمَ بِإِيَاسِهَا. فَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ الاِنْقِطَاعِ حَيْضٌ، فَيَبْطُل بِهِ الاِعْتِدَادُ بِالأَْشْهُرِ، وَتَفْسُدُ الأَْنْكِحَةُ أَيْ يَظْهَرُ فَسَادُ نِكَاحِهَا إِنْ كَانَتِ اعْتَدَّتْ بِالأَْشْهُرِ وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ. (٢)

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٠ ط بولاق الأولى. وقد عبر بعض الحنفية بدل انقطاع الحيض في هذه الحالة بامتناع الحيض كما في ابن عابدين ٢ / ٦٠٢، ٦٠٦.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٠٦، وفتح القدير ٤ / ١٤٥ ط الميمنية.

(٢) وَقِيل: يُحَدُّ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، قِيل فِيهِ إِنَّ عَلَيْهِ الاِعْتِمَادَ، وَإِنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ، فَمَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ بَعْدَهَا فَلَيْسَ بِحَيْضٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ دَمًا خَالِصًا فَحَيْضٌ، حَتَّى يَبْطُل بِهِ الاِعْتِدَادُ بِالأَْشْهُرِ، إِنْ جَاءَهَا قَبْل تَمَامِ الأَْشْهُرِ لاَ بَعْدَهَا، حَتَّى لاَ تَفْسُدَ الأَْنْكِحَةُ، قَالُوا: وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ فَالنِّكَاحُ إِنْ وَقَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الأَْشْهُرِ ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ جَائِزٌ. (١)

(٣) وَقِيل يُحَدُّ بِخَمْسِينَ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: عَلَيْهِ الْمُعَوَّل وَالْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا.

وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. (٢) وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ ".

(٤) وَقِيل يُحَدُّ سِنُّ الْيَأْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُل امْرَأَةٍ بِيَأْسِ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا مِنَ الأَْبَوَيْنِ؛ لِتَقَارُبِهِنَّ فِي الطَّبْعِ. فَإِذَا بَلَغَتِ السِّنَّ الَّذِي يَنْقَطِعُ فِيهِ حَيْضُهُنَّ فَقَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. (٣)

(٥) وَالْقَوْل الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ: الْمُعْتَبَرُ سِنُّ الْيَأْسِ لِجَمِيعِ النِّسَاءِ بِحَسَبِ مَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ عَنْهُنَّ. وَأَقْصَاهُ فِيمَا عُلِمَ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَقِيل: سِتُّونَ. وَقِيل خَمْسُونَ. (٤)

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٠٦، وفتح القدير ٤ / ٤٥.

(٢) الدر وحاشيته ٢ / ٦٠٦، والمغني ١ / ٤٦٠.

(٣) شرح المنهاج للمحلي بحاشية القليوبي ٣ / ٤٣، والجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٤٥.

(٤) شرح المنهاج ٣ / ٤٣، والجمل ٤ / ٤٤٥.

(٦) وَقِيل بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ بَعْضِ الأَْجْنَاسِ وَبَعْضٍ، فَهُوَ لِلْعَرَبِيَّاتِ سِتُّونَ عَامًا، وَلِلْعَجَمِيَّاتِ خَمْسُونَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ الْعَرَبِيَّةَ أَقْوَى طَبِيعَةً. (١)

(٧) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِيمَا نَقَلَهُ الْخِرَقِيُّ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الإِْيَاسَ لَهُ حَدَّانِ: أَعْلَى وَأَدْنَى. فَأَقَلُّهُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا خَمْسُونَ سَنَةً. وَأَعْلاَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سَبْعُونَ. قَالُوا: فَمَنْ بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَدَمُهَا غَيْرُ حَيْضٍ قَطْعًا. وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسِينَ فَدَمُهَا حَيْضٌ قَطْعًا. وَلاَ يُسْأَل النِّسَاءُ - أَيْ ذَوَاتُ الْخِبْرَةِ - فِيهِمَا. وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ لِلنِّسَاءِ؛ لأَِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. (٢)

وَأَعْلاَهُ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سِتُّونَ سَنَةً، تَيْأَسُ بَعْدَهَا يَقِينًا. وَمَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ مِنَ الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لاَ تَتْرُكْ لَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ. وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ احْتِيَاطًا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ مَتَى بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ فَانْقَطَعَ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ لِغَيْرِ سَبَبٍ فَقَدْ صَارَتْ آيِسَةً؛ لأَِنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ فِي حَقِّ هَذِهِ نَادِرٌ، بِدَلِيل قِلَّةِ وُجُودِهِ، وَقَوْل عَائِشَةَ: لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى هَذَا انْقِطَاعُهُ عَنِ الْعَادَةِ مَرَّاتٍ حَصَل الْيَأْسُ مِنْ وُجُودِهِ، فَلَهَا حِينَئِذٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِالأَْشْهُرِ، وَإِنِ انْقَطَعَ قَبْل ذَلِكَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لاَ تَدْرِي مَا رَفَعَهُ - أَيْ فَتَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لاِسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ، وَثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ لِلْعِدَّةِ - وَإِنْ رَأَتِ

_________

(١) المغني ١ / ٣٦٣ و٧ / ٤٦٠، ٤٦١.

(٢) الزرقاني على خليل في أبواب العدة ٤ / ٢٠٤، والشرح الكبير ٢ / ٢٧٣.

الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا فَهُوَ حَيْضٌ فِي الصَّحِيح؛ لأَِنَّ دَلِيل الْحَيْضِ الْوُجُودُ فِي زَمَنِ الإِْمْكَانِ، وَهَذَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَادِرًا. وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ. (١)

اشْتِرَاطُ انْقِطَاعِ الدَّمِ مُدَّةً قَبْل الْحُكْمِ بِالإِْيَاسِ:

٧ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي سِيَاقِ الْقَوْل بِأَنَّ سِنَّ الإِْيَاسِ ٥٠ أَوْ ٥٥ عَامًا، قَالُوا: يُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ بِالإِْيَاسِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ عَنْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فِي الأَْصَحِّ. قَالُوا: وَالأَْصَحُّ أَلاَّ يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ مُدَّةِ الإِْيَاسِ. بَل لَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا قَبْل مُدَّةِ الإِْيَاسِ، ثُمَّ تَمَّتْ مُدَّةُ الإِْيَاسِ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا وَتَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ. (٢) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الشَّرْطِ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ.

إِيَاسُ مَنْ لَمْ تَحِضْ:

٨ - لَمْ يَعْرِضْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالنَّصِّ عَلَيْهَا فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ. فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ بِالسِّنِّ، وَاسْتَمَرَّ امْتِنَاعُ الْحَيْضِ، فَإِنَّهَا يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا مَتَى بَلَغَتْ ثَلاَثِينَ عَامًا. نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْجَامِعِ. (٣)

وَمُقْتَضَى إِطْلاَقِ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا إِلاَّ مَتَى بَلَغَتْ سِنَّ الإِْيَاسِ الْمُعْتَبَرِ، كَغَيْرِهَا.

_________

(١) المغني ٧ / ٤٦١.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٠٧.

(٣) ابن عابدين ٢ / ٦٠٢، ٦٠٦.

السُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ فِي تَطْلِيقِ الآْيِسَةِ:

٩ - السُّنَّةُ فِي طَلاَقِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَأْتِهَا فِيهِ زَوْجُهَا، أَوْ أَثْنَاءَ الْحَمْل. أَمَّا طَلاَقُهَا أَثْنَاءَ الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، فَإِنَّهُ طَلاَقٌ بِدْعِيٌّ. وَأَمَّا الآْيِسَةُ مِنَ الْحَيْضِ فَقَدْ قِيل: لاَ سُنَّةَ لِطَلاَقِهَا وَلاَ بِدْعَةَ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ فِي طَلاَقِهَا أَنْ تَطْلُقَ عَلَى رَأْسِ كُل شَهْرٍ طَلْقَةً.

وَقِيل: طَلاَقُهَا طَلاَقٌ سُنِّيٌّ وَلَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ. (١)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (طَلاَقٍ) .

عِدَّةُ طَلاَقِ الآْيِسَةِ:

١٠ - تَعْتَدُّ ذَاتُ الأَْقْرَاءِ مِنَ الطَّلاَقِ بِثَلاَثَةِ أَقْرَاءٍ. وَالْحَامِل عِدَّتُهَا إِلَى وَضْعِ حَمْلِهَا، أَمَّا الَّتِي أَيِسَتْ مِنَ الْحَيْضِ، إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعِدَّتُهَا مِنَ الطَّلاَقِ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الطَّلاَقِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ . (٣)

وَالتَّفْصِيل فِي (عِدَّةٍ) .

مَنْ تَأْخُذُ حُكْمَ الآْيِسَةِ مِنَ النِّسَاءِ:

١١ - إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، وَعَرَفَتْ مَا رَفَعَهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نِفَاسٍ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ زَوَال الْعَارِضِ وَعَوْدَ الدَّمِ وَإِنْ طَال، إِلاَّ أَنْ تَصِيرَ فِي سِنِّ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٤١٩، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ٣ / ٣٤٨، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٣٤ مطبعة أنصار السنة.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٠٢، وشرح المنتهى ٣ / ٢٢٠، والمغني ٧ / ٤٢٥، ٤٥٨، ٤٥٩، ٥٠٣.

(٣) سورة الطلاق / ٤.