الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
الْيَأْسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآْيِسَاتِ. (١)
أَمَّا إِنْ كَانَ ارْتِفَاعُ حَيْضِهَا لِسَبَبٍ لاَ تَعْلَمُهُ، وَكَانَتْ حُرَّةً، فَقَدْ قِيل: تَتَرَبَّصُ سَنَةً: تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِلْحَمْل، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ كَالآْيِسَةِ. وَقِيل فِي مُدَّةِ تَرَبُّصِهَا غَيْرُ ذَلِكَ (٢) (ر: عِدَّةٌ) .
أَحْكَامُ اللِّبَاسِ وَالنَّظَرِ وَنَحْوِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِلآْيِسَةِ:
١٢ - إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اجْتَمَعَ لَهَا مَعَ الإِْيَاسِ انْقِطَاعُ رَجَائِهَا فِي النِّكَاحِ ثَبَتَ لَهَا نَوْعٌ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي كَمَال الاِسْتِتَارِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٣)، قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا: هُنَّ الْعُجَّزُ اللَّوَاتِي قَعَدْنَ عَنِ التَّصَرُّفِ مِنِ السِّنِّ، وَقَعَدْنَ عَنِ الْوَلَدِ وَالْمَحِيضِ. هَذَا قَوْل أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: هُنَّ اللاَّتِي قَعَدْنَ عَنِ الْوَلَدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْعُدُ عَنِ الْوَلَدِ، وَفِيهَا مُسْتَمْتَعٌ. وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَوَاعِدَ بِهَذَا الْحُكْمِ - وَهُوَ جَوَازُ وَضْعِ الْجِلْبَابِ أَوِ الرِّدَاءِ عَنْهُنَّ، إِذَا كَانَ مَا تَحْتَهُ مِنَ الثِّيَابِ سَاتِرًا لِمَا يَجِبُ سِتْرُهُ - لاِنْصِرَافِ الأَْنْفُسِ
_________
(١) المغني ٧ / ٤٦٥.
(٢) واللجنة ترى أن المرأة التي لم تبلغ سن الإياس، ولكن تحقق بما لا يبقى معه مجال للشك امتناع الحيض والحمل في حقها، لا شك أن حكمها في الاعتداد ونحوه حكم الآيسة ولا فرق، لأن حكم الآيسة ينطبق عليها أنها ممن (يئسن من المحيض) ومثال ذلك أن تكون قد استؤصل منها
(٣) سورة النور / ٦٠.
عَنْهُنَّ، وَقِيل: لاَ بَأْسَ بِالنَّظَرِ مِنْهَا إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، إِذْ لاَ مَذْهَبَ لِلرِّجَال فِيهِنَّ، فَأُبِيحَ لَهُنَّ مَا لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِنَّ، وَأُزِيل عَنْهُنَّ كُلْفَةُ التَّحَفُّظِ الْمُتْعِبَةِ لَهُنَّ. (١)
ثَانِيًا:
الإِْيَاسُ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ الرَّجَاءِ
١٣ - الإِْيَاسُ مِنْ حُصُول بَعْضِ الأَْشْيَاءِ جَائِزٌ وَلاَ بَأْسَ بِهِ. بَل اسْتِحْضَارُ الإِْيَاسِ مِنْ بَعْضِ الأَْشْيَاءِ الْبَعِيدَةِ الْحُصُول قَدْ يَكُونُ رَاحَةً لِلنَّفْسِ مِنْ تَطَلُّبِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ أَجْمَعُ الإِْيَاسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ. (٢)
وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الإِْيَاسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الإِْيَاسُ مِنَ الرِّزْقِ أَوْ نَحْوِهِ كَالْوَلَدِ، أَوْ وُجُودِ الْمَفْقُودِ، أَوْ يَأْسِ الْمَرِيضِ مِنَ الْعَافِيَةِ، أَوْ يَأْسِ الْمُذْنِبِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ.
وَالإِْيَاسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَقَدْ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَال ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ: عَدُّ ذَلِكَ كَبِيرَةً هُوَ مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ؛ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ
_________
(١) تفسير القرطبي ١٢ / ٣٠٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٣ / ١٣٨٨ ط عيسى الحلبي، وشرح المنتهى ٣ / ٥، وابن عابدين ٥ / ٢٣٥، والهندية ٥ / ٣٢٩، والمغني ٦ / ٥٥٩.
(٢) حديث: " أجمع الأياس مما في أيدي الناس " أخرجه أحمد (٥ / ٤١٢ - ط الميمنية) من حديث أبي أيوب الأنصاري وضعفه البوصيري في الزوائد كما في التعليق على ابن ماجه (٢ / ١٣٩٦ - ط الحلبي)، ولكن له شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه الحاكم (٤ / ٣٢٦ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ . (٢)
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالإِْيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالأَْمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ (٣) قِيل: وَالأَْشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا، وَبِكَوْنِهِ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّبَرَانِيُّ. ثُمَّ قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا كَانَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنَ الْكَبَائِرِ لأَِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ. ثُمَّ هَذَا الْيَأْسُ قَدْ يَنْضَمُّ إِلَيْهِ حَالَةٌ هِيَ أَشَدُّ مِنْهُ، وَهِيَ التَّصْمِيمُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ الرَّحْمَةِ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْقُنُوطُ، بِحَسَبِ مَا دَل عَلَيْهِ سِيَاقُ الآْيَةِ: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (٤) وَتَارَةً يَنْضَمُّ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ عَدَمَ وُقُوعِ الرَّحْمَةِ لَهُ يَرَى أَنَّهُ سَيُشَدِّدُ عَذَابَهُ كَالْكُفَّارِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى. (٥)
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْيَأْسِ مِنَ الرِّزْقِ فِي مِثْل قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِحَبَّةٍ وَسَوَاءٍ ابْنَيْ خَالِدِ لاَ تَيْأَسَا مِنَ الرِّزْقِ مَا تَهَزْهَزَتْ رُءُوسُكُمَا. (٦)
وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقَنُوطِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ أَوْ
_________
(١) سورة يوسف / ٨٧.
(٢) سورة الحجر / ٥٦.
(٣) حديث: " الكبائر. . . " أخرجه البزار والطبراني كما في المجمع (٤ / ١٠٤ - ط المقدسي) وقال: ورجاله موثقون.
(٤) سورة فصلت / ٤٩.
(٥) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر بتصرف قليل ١ / ٨٢ - ٨٣.
(٦) حديث: " لا تيأس من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما " أخرجه أحمد (٣ / ٤٦٩ - ط الميمنية) وابن ماجه (٢ / ١٣٩٤ - ط الحلبي) وقال البوصيري: إسناده صحيح.
حُلُول الْمُصِيبَةِ فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآِيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . (١)
وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْيَأْسِ مِنْ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (٢)
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، فَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُل شَيْءٍ. وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ فَالإِْنَابَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَطْلُوبَةٌ، وَبَابُ التَّوْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ جَمِيعًا مَفْتُوحٌ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، أَيْ حِينَ يَيْأَسُ مِنَ الْحَيَاةِ.
فَتَوْبَةُ الْيَائِسِ - وَهِيَ تَوْبَةُ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ كَالْمُحْتَضَرِ - الْمَشْهُورُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، كَإِيمَانِ الْيَائِسِ. وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ. وَفَرَّقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ تَوْبَةِ الْيَائِسِ وَإِيمَانِ الْيَائِسِ، فَقَالُوا بِقَبُول الأَْوَّل دُونَ الثَّانِي (٣) (ر: احْتِضَارٌ. تَوْبَةٌ) .
أَمَّا مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْيَائِسُ حَقًّا مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، (٤) بِخِلاَفِ مَنْ مَاتَ عَلَى الإِْيمَانِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُرْجَى لَهُ.
_________
(١) سورة الروم / ٣٦، ٣٧.
(٢) سورة الزمر / ٥٣.
(٣) وانظر حاشية ابن عابدين ١ / ٥٧١ و٣ / ٢٨٩.
(٤) سورة العنكبوت / ٢٣.
أَيَامَى
انْظُرْ نِكَاحٌ.
إِيتَارٌ
انْظُرْ وَتْرٌ.
إِيتِمَانٌ
انْظُرْ أَمَانَةٌ.
إِيجَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيجَابُ: لُغَةً مَصْدَرُ أَوْجَبَ. يُقَال أَوْجَبَ الأَْمْرَ عَلَى النَّاسِ إِيجَابًا: أَيْ أَلْزَمَهُمْ بِهِ إِلْزَامًا، وَيُقَال: وَجَبَ الْبَيْعُ يَجِبُ وُجُوبًا أَيْ: لَزِمَ وَثَبَتَ، وَأَوْجَبَهُ إِيجَابًا: أَلْزَمَهُ إِلْزَامًا. (١)
وَاصْطِلاَحًا: يُطْلَقُ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ، مِنْهَا:
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير في مادة: " وجب ".
طَلَبُ الشَّارِعِ الْفِعْل عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ، وَهُوَ بِهَذَا يُخَالِفُ الاِخْتِيَارَ.
وَمِنْهَا: التَّلَفُّظُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الإِْيجَابُ: هُوَ مَا صَدَرَ أَوَّلًا مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بِصِيغَةٍ صَالِحَةٍ لإِفَادَةِ الْعَقْدِ، وَالْقَبُول: مَا صَدَرَ ثَانِيًا مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ.
وَيَرَى غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الإِْيجَابَ: مَا صَدَرَ مِنَ الْبَائِعِ، وَالْمُؤَجِّرِ، وَالزَّوْجَةِ، أَوْ وَلِيِّهَا، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، سَوَاءٌ صَدَرَ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا؛ لأَِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ سَيُمَلِّكُونَ: الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَأْجِرَ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ، وَالزَّوْجَ الْعِصْمَةَ، وَهَكَذَا. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفَرْضُ:
٢ - يَأْتِي الْفَرْضُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا بِمَعْنَى: الإِْيجَابِ يُقَال: فَرَضَ اللَّهُ الأَْحْكَامَ فَرْضًا أَيْ أَوْجَبَهَا، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالإِْيجَابِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالْفَرْضُ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ إِذَا كَانَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. وَالْوَاجِبُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالْقِيَاسِ. (٢)
_________
(١) التهانوي ٤٧٢، ١٢٠٤، ١٤٤٨، وفتح القدير ٢ / ٣٤٤، والمغني ٣ / ٥٦١ ط الرياض، والمجموع ٧ / ١٦٥ ط السعودية.
(٢) المصباح المنير في المادة، والتعريفات للجرجاني، والمستصفى للغزالي ١ / ٦٦، ومسلم الثبوت ١ / ٥٩.
ب - الْوُجُوبُ:
وَهُوَ أَثَرُ الإِْيجَابِ، فَالإِْيجَابُ مِنَ الْحَاكِمِ بِهِ، وَالْوُجُوبُ صِفَةُ الْفِعْل الْمَحْكُومِ فِيهِ، فَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ صَارَ بِإِيجَابِهِ وَاجِبًا.
ج - النَّدْبُ: وَهُوَ طَلَبُ الشَّارِعِ الْفِعْل لاَ عَلَى وَجْهِ الإِْلْزَامِ بِهِ، كَصَلاَةِ النَّافِلَةِ.
مَصْدَرُ الإِْيجَابِ الشَّرْعِيِّ:
٣ - الإِْيجَابُ الشَّرْعِيُّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ خِطَابُ الشَّرْعِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِمَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ يُوجِبُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ فِعْل طَاعَةٍ بِالنَّذْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ شَرْعًا؛ لإِيجَابِ اللَّهِ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ، كَأَنْ يَنْذُرَ شَخْصٌ صَوْمَ أَيَّامٍ، أَوْ حَجَّ الْبَيْتِ، أَوْ صَدَقَةً مُعَيَّنَةً.
وَيُنْظَرُ لِتَفَاصِيل أَحْكَامِ الْوَاجِبِ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
الإِْيجَابُ فِي الْمُعَامَلاَتِ:
٤ - يَكُونُ الإِْيجَابُ بِاللَّفْظِ، وَهُوَ الأَْكْثَرُ. وَيَكُونُ بِالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ مِنَ الأَْبْكَمِ وَنَحْوِهِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْل كَمَا فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْكِتَابَةِ. وَيَكُونُ الإِْيجَابُ بِالرِّسَالَةِ أَوِ الرَّسُول، إِذْ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَوِ الرَّسُول، وَعِلْمُهُ بِمَا فِيهَا، هُوَ مَجْلِسُ الإِْيجَابِ. (١)
_________
(١) الهداية ٣ / ١٧، وفتح القدير ٥ / ٧٩، والبدائع ٥ / ١٣٨، وابن عابدين ٢ / ٤٢٥، ٤ / ٣٧٩، ٥ / ٤٢١، وقليوبي وعميرة ٢ / ١٥٣، ٣٢٩، ٣ / ١٣٠، ٢١٩، ٣٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٣٣، ٣٤٨.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ، وَالْخِلاَفُ فِيهِ، فِي أَبْوَابِ الْمُعَامَلاَتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَخَاصَّةً الْبُيُوعُ، وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ (إِرْسَالٍ. إِشَارَةٍ. عَقْدٍ) .
شُرُوطُ صِحَّةِ الإِْيجَابِ فِي الْعُقُودِ:
٥ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْيجَابِ فِي الْعُقُودِ شُرُوطٌ أَهَمُّهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُوجِبِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صِيغَةٌ، وَعَقْدٌ) .
خِيَارُ الإِْيجَابِ:
٦ - يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مِثْل الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ لِلْمُوجِبِ حَقَّ الرُّجُوعِ قَبْل الْقَبُول، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْمُوجِبَ لَوْ رَجَعَ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْل أَنْ يُجِيبَهُ الآْخَرُ، لاَ يُفِيدُهُ رُجُوعُهُ إِذَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بِالْقَبُول، وَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ رُجُوعِ الْمُوجِبِ عَنْ إِيجَابِهِ حَتَّى بَعْدَ قَبُول الْعَاقِدِ الآْخَرِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى يَصِحُّ رُجُوعُهُ قَبْل اتِّصَال الْقَبُول بِهِ. (١)
إِيجَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيجَارُ: مَصْدَرُ آجَرَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ أَجَرَ.
_________
(١) مواهب الجليل ٤ / ٢٤١، وفتح القدير ٥ / ٧٨ - ٨٠، والمغني مع الشرح ٤ / ٤، وشرح الروض ٢ / ٥، والشرواني على التحفة ٤ / ٢٢٣، والبدائع ٥ / ١٣٤ ط المكتبة الإسلامية، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ١٥٥.
يُقَال: آجَرَ الشَّيْءُ يُؤَجِّرُهُ إِيجَارًا. وَيُقَال: آجَرَ فُلاَنٌ فُلاَنًا دَارَهُ أَيْ: عَاقَدَهُ عَلَيْهَا.
وَالْمُؤَاجَرَةُ: الإِْثَابَةُ وَإِعْطَاءُ الأَْجْرِ.
وَآجَرْتُ الدَّارَ أُوجِرُهَا إِيجَارًا، فَهِيَ مُؤَجَّرَةٌ.
وَالاِسْمُ: الإِْجَارَةُ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِجَارَةٌ ج ١ ٢٥٢)
وَالإِْيجَارُ (أَيْضًا) مَصْدَرٌ لِلْفِعْل أَوْجَرَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ (وَجَرَ)، يُقَال: أَوْجَرَهُ: إِذَا أَلْقَى الْوُجُورَ فِي حَلْقِهِ. (١)
هَذَا فِي اللُّغَةِ، وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الإِْيجَارَ بِمَعْنَى: صَبِّ اللَّبَنِ أَوِ الدَّوَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا فِي الْحَلْقِ. (٢)
وَاشْتَهَرَ عِنْدَهُمُ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ بِمَعْنَى: بَيْعِ الْمَنْفَعَةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ إِيجَارَ لَبَنِ امْرَأَةٍ فِي حَلْقِ طِفْلٍ رَضِيعٍ فِيمَا بَيْنَ الْحَوْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَارْتِضَاعِهِ مِنْ ثَدْيِهَا؛ لأَِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي التَّحْرِيمِ هُوَ حُصُول الْغِذَاءِ بِاللَّبَنِ وَإِنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ (٣) وَذَلِكَ يَحْصُل بِالإِْيجَارِ؛ لأَِنَّهُ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ، وَبِذَلِكَ يُسَاوِي الاِرْتِضَاعَ
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير وتاج العروس وتهذيب الأسماء واللغات مادة: " وجر ".
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٠٤، ١٠٥، ٤١٣ ط بولاق ثالثة، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦٨ ط المكتبة الإسلامية.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٤١٣، ٤١٩، والدسوقي ٢ / ٥٠٢ ط دار الفكر، والمهذب ٢ / ١٥٧، ١٥٨ ط دار المعرفة، والمغني ٧ / ٥٣٧، ٥٣٨ ط الرياض، وكشاف القناع ٥ / ٤٤٦ ط الرياض. وحديث: " لا رضاع. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٤٩ - ط عزت عبيد دعاس) وقال ابن حجر: أبو موسى الهلالي وأبوه، قال أبو حاتم: مجهولان (التلخيص الحبير ٢ / ٤ - ط شركة الطباعة الفنية)
مِنَ الثَّدْيِ فِي التَّحْرِيمِ.
وَفِي هَذَا خِلاَفٌ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ أَيْضًا فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ الَّتِي تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: رَضَاعٌ) .
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي وُصُول شَيْءٍ لِجَوْفِ الصَّائِمِ بِالإِْيجَارِ مُكْرَهًا، هَل يَصِيرُ بِهِ مُفْطِرًا أَمْ لاَ؟ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَوْجَرَ الصَّائِمُ مُكْرَهًا، أَوْ كَانَ نَائِمًا وَصُبَّ فِي حَلْقِهِ شَيْءٌ، كَانَ مُفْطِرًا بِذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: مَنْ أُوجِرَ مُكْرَهًا لَمْ يَكُنْ مُفْطِرًا بِذَلِكَ؛ لاِنْتِفَاءِ الْفِعْل وَالْقَصْدِ مِنْهُ، وَلِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يَأْتِي تَفْصِيل الإِْيجَارِ بِمَعْنَى صَبِّ شَيْءٍ فِي الْحَلْقِ فِي الرَّضَاعِ وَالصَّوْمِ، كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ، وَذَلِكَ بِإِيجَارِ سُمٍّ فِي فَمِ إِنْسَانٍ.
إِيدَاعٌ
انْظُرْ وَدِيعَةً
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٠٤، ١٠٥، والدسوقي ١ / ٥٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٢٠. وحديث: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . ". أخرجه الحاكم (٢ / ١٩٨ ط دار الكتاب العربي) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.