الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

خَانَهُمْ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ، أَوِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إِلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ، أَوْ إِيمَانٍ، رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِمْ؛ لأَِنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، فَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَال مُسْلِمٍ. قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ (١): وَمِمَّا يُوَافِقُ التَّنْزِيل وَالسُّنَّةَ وَيَعْقِلُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، أَنَّ الْحَلاَل فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ حَلاَلٌ فِي بِلاَدِ الْكُفْرِ، وَالْحَرَامَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ حَرَامٌ فِي بِلاَدِ الْكُفْرِ، فَمَنْ أَصَابَ حَرَامًا، فَقَدْ حَدَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُ، وَلاَ تَضَعُ عَنْهُ بِلاَدُ الْكُفْرِ شَيْئًا.

ثَالِثًا: إِتْلاَفُ مُمْتَلَكَاتِ أَهْل الْحَرْبِ:

أ - فِي حَالَةِ الأَْمَانِ أَوِ الْعَهْدِ:

١٤ - الْعَهْدُ يَعْصِمُ الدِّمَاءَ وَالأَْمْوَال، وَيُوجِبُ الْكَفَّ عَنْ أَعْمَال الْقِتَال، قَال بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (٢): إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ تَاجِرًا (بِأَمَانٍ)، فَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلاَ مِنْ دِمَائِهِمْ؛ لأَِنَّهُ ضَمِنَ أَلاَّ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِالاِسْتِئْمَانِ، فَالتَّعَرُّضُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ، إِلاَّ إِذَا غَدَرَ بِهِ مَلِكُهُمْ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ أَوْ حَبَسَهُ، أَوْ فَعَل ذَلِكَ غَيْرُ الْمَلِكِ بِعِلْمِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ؛ لأَِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ، بِخِلاَفِ

_________

(١) الأم ٤ / ١٦٥، ٧ / ٢٢٢، ٣٢٣.

(٢) الهداية وفتح القدير ٤ / ٣٤٧ وما بعدها.

الأَْسِيرِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ، فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِلْمَال وَالدَّمِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ طَوْعًا.

ب - فِي حَالَةِ عَدَمِ الْعَهْدِ وَالأَْمَانِ:

١٥ - فِي حَال الْحَرْبِ يَجُوزُ بِالاِتِّفَاقِ إِتْلاَفُ أَشْجَارِ الْعَدُوِّ، وَذَبْحُ مَوَاشِيهِمْ، وَإِتْلاَفُ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ إِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، كَإِتْلاَفِ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ مِنَ الآْلِيَّاتِ وَالْحُصُونِ وَالسِّلاَحِ وَالْخَيْل، وَإِتْلاَفِ الشَّجَرِ الَّذِي يَسْتَتِرُونَ بِهِ، أَوْ يَعُوقُ الْعَمَلِيَّاتِ الْحَرْبِيَّةَ، أَوْ يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ لِقَطْعِهِ لِتَوْسِيعِ طَرِيقٍ، أَوْ تَمَكُّنٍ مِنْ سَدِّ ثُغْرَةٍ، أَوِ احْتَاجُوا إِلَيْهِ لِلأَْكْل، أَوْ يَكُونُ الْكُفَّارُ يَفْعَلُونَ بِنَا ذَلِكَ، فَنَفْعَل بِهِمْ مِثْلَهُ لِيَنْتَهُوا، فَهَذَا يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلاَفٍ.

وَأَمَّا إِتْلاَفُ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ إِلاَّ لِمُغَايَظَةِ الْكُفَّارِ وَالإِْضْرَارِ بِهِمْ وَالإِْفْسَادِ عَلَيْهِمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ فِي الأَْشْجَارِ وَالزُّرُوعِ: إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١) . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٢)، لَكِنْ قَال ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ، وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ (أَيْ ظَاهِرٌ قَرِيبٌ) كُرِهَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَل الْحَاجَةِ، وَمَا أُبِيحَ إِلاَّ لَهَا.

_________

(١) سورة الحشر / ٥.

(٢) سورة التوبة / ١٢٠.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ مَحْضٌ. (١)

عَمَل مَا يَنْفَعُ أَهْل الْحَرْبِ وَيُقَوِّيهِمْ

أ - الْوَصِيَّةُ لأَِهْل الْحَرْبِ:

١٦ - هُنَاكَ اتِّجَاهَانِ فِي الْوَصِيَّةِ لأَِهْل الْحَرْبِ:

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل (٢): لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ إِذَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ قُوَّةً لَهُمْ، فَالتَّبَرُّعُ بِتَمْلِيكِهِ الْمَال، يَكُونُ إِعَانَةً لَهُ عَلَى الْحَرْبِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) .

فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا لاَ يَحِل بِرُّهُ، وَهَذَا اتِّجَاهُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.

وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي (٤): لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ - يُجِيزُ الْوَصِيَّةَ لِحَرْبِيٍّ مُعَيَّنٍ، لاَ لِعَامَّةِ الْحَرْبِيِّينَ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَمْ بِدَارِنَا؛ لأَِنَّهُ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لَهُ، فَصَحَّتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ

_________

(١) المغني ٨ / ٤٥١ - ٤٥٥ ط الرياض، وفتح القدير ٤ / ٢٨٦ ط بولاق، والشرح الكبير مع الدسوقي ٢ / ١٧٧، والتاج والإكليل ٣ / ٣٥٥، والشرح الصغير ٢ / ٢٨١، وبداية المجتهد ١ / ٣٠٧، والأم ٤ / ٢٨٧، ط الأزهرية، والمهذب ٢ / ٢٥١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٢٣، و٢٢٦ - ٢٢٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٤٩، وجامع الترمذي بشرح ابن العربي ٧ / ٤٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٣ وما بعدها.

(٢) البدائع ٧ / ٣٤١، التاج والإكليل مع مواهب الجليل ٦ / ٢٤.

(٣) سورة الممتحنة / ٩.

(٤) مغني المحتاج ٣ / ٤٣، والمغني ٦ / ١٠٤ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٤ / ٤٦٧.

كَالذِّمِّيِّ، وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عُمَرَ حُلَّةً، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، أَكَسَوْتَنِيهَا: وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْتَ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ (١) .

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَصِلُهَا؟ قَال: نَعَمْ. زَادَ الْبُخَارِيُّ. قَال ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَل اللَّهُ فِيهَا: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ. . .﴾ الآْيَةَ، وَمَعْنَى رَاغِبَةٍ: أَيْ طَامِعَةٌ تَسْأَلُنِي شَيْئًا. (٢)

فَهَذَانِ فِيهِمَا صِلَةُ أَهْل الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ، ثُمَّ قَدْ حَصَل الإِْجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةُ فِي مَعْنَاهَا. وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣) .

ب - الْوَقْفُ عَلَى أَهْل الْحَرْبِ:

١٧ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ، وَالْوَقْفُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ أَمْوَالَهُمْ

_________

(١) حديث: " روي أن النبي ﷺ أعطى عمر حلة. . . . " أخرجه البخاري ومالك واللفظ له (فتح الباري ١٠ / ٢٩٦ ط السلفية) والموطأ ٢ / ٩١٧، ٩١٨ ط الحلبي.

(٢) حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: " أتتني أمي راغبة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤١٣ ط السلفية) .

(٣) سورة لقمان / ١٥.

مُبَاحَةٌ فِي الأَْصْل، وَيَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْهُمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ أَوْلَى، وَالْوَقْفُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الأَْخْذِ؛ لأَِنَّهُ تَحْبِيسُ الأَْصْل؛ وَلأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً فِي ذَاتِهِ، وَعِنْدَ التَّصَرُّفِ، وَالْوَقْفُ عَلَى الْحَرْبِيِّ مَعْصِيَةٌ وَلَيْسَ قُرْبَةً (١) .

ج - الصَّدَقَةُ عَلَى أَهْل الْحَرْبِ:

١٨ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ (٢) عَلَى صِحَّةِ الصَّدَقَةِ أَوِ الْهِبَةِ لِلْحَرْبِيِّ؛ لأَِنَّهُ ثَبَتَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى إِلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْرَ عَجْوَةٍ، حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ مُحَارِبًا، وَاسْتَهْدَاهُ أَدَمًا. وَبَعَثَ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَهْل مَكَّةَ حِينَ قَحَطُوا لِتُوَزَّعَ بَيْنَ فُقَرَائِهِمْ وَمَسَاكِينِهِمْ (٣) .

وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا﴾ (٤) (٥) . قَال الْحَسَنُ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالأَْسِيرِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَقُول: " أَحْسِنْ إِلَيْهِ " فَيَكُونُ عِنْدَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، فَيُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ. وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ الإِْحْسَانُ إِلَى الْكُفَّارِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَعَنْ قَتَادَةَ: كَانَ أَسِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُشْرِكَ (٦) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٩٧، والدر المختار ٣ / ٣٩٥، والتاج والإكليل ٦ / ٢٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، والمغني ٥ / ٥٨٩.

(٢) الفتاوى الهندية ٤ / ٣٨٧ وما بعدها، والشرح الصغير ٤ / ١٤١، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٧، و٤٠٠، والمغني ٦ / ١٠٤.

(٣) المبسوط ١٠ / ٩٢، وشرح السير الكبير ١ / ٧٠.

(٤) سورة الدهر / ٨ - ١٠.

(٥) سورة الدهر / ٨ - ١٠.

(٦) تفسير الكشاف للزمخشري ٣ / ٢٩٦، ط الحلبي.

د - تَوَارُثُ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ:

١٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارَيْنِ لاَ يَمْنَعُ مِنَ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْكُفَّارِ، وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ (١) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ تَقَدَّمَ فِي (إِرْثٍ ج ٣) .

هـ - إِرْثُ الْمُسْلِمِ الْحَرْبِيَّ، وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْلِمَ:

٢٠ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا، وَالْكُفَّارُ مُسْلِمًا (٢)، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: (إِرْثٍ) .

و الاِتِّجَارُ مَعَ أَهْل الْحَرْبِ:

٢١ - تَدُل عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ الاِتِّجَارِ مَعَ الْحَرْبِيِّينَ (٣)، فَلِلْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ دُخُول دَارِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ، وَلِلْحَرْبِيِّ دُخُول دَارِنَا تَاجِرًا بِأَمَانٍ، وَتُؤْخَذُ الْعُشُورُ عَلَى التِّجَارَةِ الْعَابِرَةِ عِنْدَ اجْتِيَازِ حُدُودِ دَارِ الإِْسْلاَمِ. وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ إِمْدَادُ الْمُحَارِبِينَ بِمَا يُقَوِّيهِمْ مِنَ السِّلاَحِ وَالآْلاَتِ وَالْمَوَادِّ الَّتِي يُصْنَعُ مِنْهَا السِّلاَحُ، كَمَا لاَ يَجُوزُ السَّمَاحُ بِالاِتِّجَارِ بِالْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ؛ لأَِنَّهَا مَفَاسِدُ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا، وَيَجِبُ

_________

(١) تبيين الحقائق ٦ / ٢٤٠، والدر المختار ٣ / ٢٤٧، والشرح الصغير ٢ / ٢٩٠، والقوانين الفقهية / ٣٩٤ وما بعدها، والبجيرمي على المنهج ٣ / ٢٣٥، وحاشية الشرقاوي ٢ / ١٨٨، والأم ٤ / ٤، ومطالب أولي النهى ٤ / ٥٤٤.

(٢) شرح السراجية ص ٢١، والقوانين الفقهية / ٣٩٤، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤ وما بعدها، والمغني ٦ / ٢٩٤.

(٣) انظر مثلا المبسوط ١٠ / ٩١، شرح السير الكبير ٣ / ٢٧٣ - ٢٧٦، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٩، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٧، والمغني ٨ / ٤٨٩، ٥٢٢.

مُقَاوَمَتُهَا. وَلَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ شِرَاءُ الأَْسْلِحَةِ مِنْ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ (١) .

وَفِيمَا عَدَا هَذِهِ الْقُيُودِ يَجُوزُ أَنْ تَظَل حُرِّيَّةُ التِّجَارَةِ قَائِمَةً، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ انْفَرَدُوا بِالْقَوْل بِمَنْعِ التَّصْدِيرِ مِنْ بِلاَدِنَا، وَمُتَاجَرَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا كَانَتْ أَحْكَامُهُمْ تَجْرِي عَلَى التُّجَّارِ؛ لأَِنَّ فِي تَصْدِيرِ أَيِّ شَيْءٍ إِلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ وَلأَِنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنَ الإِْقَامَةِ فِي دَارِ الشِّرْكِ، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُل مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ (٢) .

كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَصْدِيرُ الأَْطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ هُدْنَةٌ مَعَ الْعَدُوِّ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلاَ يَجُوزُ (٣) .

وَالأَْدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ التَّصْدِيرِ مِنْ بِلاَدِنَا مِنْهَا: حَدِيثُ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ الْحَنَفِيِّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ، فَإِنَّهُ قَال لأَِهْل مَكَّةَ حِينَ قَالُوا لَهُ: صَبَوْتَ؟ فَقَال: " إِنِّي وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ أَسْلَمْتُ،

_________

(١) الخراج لأبي يوسف ص ١٩٩، شرح السير الكبير ٣ / ١٧٧، وحاشية الطحطاوي ٢ / ٤٤٥، وفتح القدير ٤ / ٣٤٧ وما بعدها، والفتاوى الهندية ٢ / ٢١٥، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٧، والشرح الكبير مع المغني ١٠ / ٤٠٨.

(٢) حديث: " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ١٠٤ ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ١٥٥ ط الحلبي، وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: رجال إسناده ثقات ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، وللحديث شاهد بمعناه (جامع الأصول ٤ / ٤٤٦ نشر مكتبة الحلواني) .

(٣) المدونة ١٠ / ١٠٢، والمقدمات الممهدات ٢ / ٢٨٥، وفتح العلي المالك ١ / ٣٣١، ومواهب الجليل ٣ / ٣٦٤، و٣٧٩.

وَصَدَّقْتُ مُحَمَّدًا ﷺ وَآمَنْتُ بِهِ، وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ ثُمَامَةَ بِيَدِهِ، لاَ تَأْتِيكُمْ حَبَّةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ - وَكَانَتْ رِيفَ مَكَّةَ - حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَانْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ، وَمَنَعَ الْحَمْل إِلَى مَكَّةَ، حَتَّى جَهِدَتْ قُرَيْشٌ، فَكَتَبُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ثُمَامَةَ، يَحْمِل إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ، فَفَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ " (١) . فَهَذَا يَدُل عَلَى جَوَازِ تَصْدِيرِ الأَْطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا إِلَى الأَْعْدَاءِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ حَالَةُ الْحَرْبِ قَائِمَةً مَعَهُمْ.

وَمِنَ الأَْدِلَّةِ أَيْضًا الأَْحَادِيثُ السَّابِقَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي بَحْثِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْل الْحَرْبِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُمْ (قِصَّةُ إِهْدَاءِ التَّمْرِ لأَِبِي سُفْيَانَ، وَصِلَةُ أَسْمَاءَ أُمَّهَا الْمُشْرِكَةَ، وَإِطْعَامُ الْمُسْلِمِينَ الأَْسْرَى) .

أَمَّا الدَّلِيل عَلَى حَظْرِ تَصْدِيرِ الأَْسْلِحَةِ وَنَحْوِهَا، فَمِنْهُ:

حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلاَحِ فِي الْفِتْنَةِ (٢)، وَالْفِتْنَةُ: الْحُرُوبُ الدَّاخِلِيَّةُ، وَفِتْنَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوْلَى أَلاَّ يُبَاعَ لَهُمْ.

وَقَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَحْمِل إِلَى عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ سِلاَحًا يُقَوِّيهِمْ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ كُرَاعًا، وَلاَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى السِّلاَحِ وَالْكُرَاعِ (٣) .

_________

(١) حديث ثمامة بن آثال الحنفي، أخرج القصة بهذا المعنى البخاري (فتح الباري ٨ / ٨٧ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٨٦، ١٣٨٧ ط الحلبي) والبيهقي (٦ / ٣١٩) .

(٢) حديث عمران بن حصين ﵁. قال البيهقي عنه: الصواب أنه موقوف (نصب الراية ٣ / ٣٩١) .

(٣) الخراج لأبي يوسف ص ١٩٠.

هَذَا وَإِنَّ فِي بَيْعِ السِّلاَحِ لِلأَْعْدَاءِ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى قِتَال الْمُسْلِمِينَ، وَبَاعِثًا لَهُمْ عَلَى شَنِّ الْحُرُوبِ، وَمُوَاصَلَةِ الْقِتَال لاِسْتِعَانَتِهِمْ بِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ.

نِكَاحُ الْمُسْلِمِ الْحَرْبِيَّةَ الْكِتَابِيَّةَ:

٢٢ - صَرِيحُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ يَحِل لِلْمُسْلِمِ التَّزَوُّجُ بِالْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الذِّمِّيَّاتُ مِنْهُنَّ، كَمَا تَدْخُل الْحَرْبِيَّاتُ الْكِتَابِيَّاتُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا وَتَفْصِيلًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي بَحْثِ (نِكَاحٍ) (٢) .

النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالأَْقَارِبِ الْحَرْبِيِّينَ:

أَوَّلًا: نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْحَرْبِيَّةِ:

٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ (٣) عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ مُطْلَقًا، فَالْكِتَابِيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوَاجِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الزَّوْجَةُ فِي

_________

(١) سورة المائدة / ٥.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٧، والشرح الكبير للدردير ٢ / ٢٦٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٨٧، والمغني ٦ / ٥٨٩ وما بعدها.

(٣) البدائع ٤ / ١٦، وفتح القدير ٣ / ٣٢١، ومواهب الجليل ٤ / ١٨١، وما بعدها، والشرح الصغير ٢ / ٧٢٩ - ٧٣٠، وبداية المجتهد ٢ / ٥٣، والقوانين الفقهية ص ٢٢٣، والأم ٥ / ٨٧ ط الأزهرية ٥ / ١٩٧ ط الأميرية، ومغني المحتاج ٣ / ١٨٨، المغني ٧ / ٥٦٣ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٦ / ٦١٧، وكشاف القناع ٥ / ٥٣٢ وما بعدها.

أَثْنَاءِ الزَّوَاجِ فِعْلًا، أَمْ فِي الْعِدَّةِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا (أَيِ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا) فِي رَابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَفِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ وَشَرْطِهِ، فَهِيَ مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ يَمْنَعُهَا مِنَ التَّصَرُّفِ وَالاِكْتِسَابِ، فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ لِلزَّوْجَةِ حَقَّ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجِهَا؛ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (١)، وَلَمْ تُفَرِّقِ النُّصُوصُ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ. (ر: نَفَقَةٌ) .

ثَانِيًا: نَفَقَةُ الأَْقَارِبِ الْحَرْبِيِّينَ:

٢٤ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ (٢) أَنَّهُ تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ الْمُعْسِرِينَ، وَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا، أَيْ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ اخْتِلاَفٌ فِي الدِّينِ، لَكِنْ بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الاِتِّجَاهِ يَقْصُرُونَ إِيجَابَ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ فَقَطْ، فَتَجِبُ عِنْدَهُمُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَلَدِ لأَِبَوَيْهِ الْمُعْسِرَيْنِ فَقَطْ، كَمَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الْمُعْسِرِ عَلَى أَبِيهِ الْمُوسِرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَلَدُ كَافِرًا وَالأَْبَوَانِ مُسْلِمَيْنِ، أَمْ كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا وَالأَْبَوَانِ كَافِرَيْنِ.

وَالشَّافِعِيَّةُ يُوجِبُونَ نَفَقَةَ الْوَالِدِ وَإِنْ عَلاَ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَل، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا.

وَدَلِيل الْفَرِيقَيْنِ: وُجُودُ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ، وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ وَالْبَعْضِيَّةُ بَيْنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، كَالْحُكْمِ بِرَدِّ

_________

(١) سورة الطلاق / ٧

(٢) مواهب الجليل ٤ / ٢٠٩، والشرح الصغير ٢ / ٧٥٠، وما بعدها، والأم ٥ / ١٠٠ ط الأزهرية، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٦ وما بعدها.