الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ الْوِلاَدَةِ. (ر: نَفَقَةٌ) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١): أَنَّهُ لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِ الدِّينِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْحَرْبِيَّيْنِ، وَلاَ يُجْبَرُ الْحَرْبِيُّ عَلَى الإِْنْفَاقِ عَلَى أَبِيهِ الْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفَقَةِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ وَالْمُوَاسَاةِ، وَلاَ تُسْتَحَقُّ الصِّلَةُ لِلْحَرْبِيِّ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ بِرِّهِمْ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢)؛ وَلأَِنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارَثَيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ.
وَتَخْتَلِفُ عَنْ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ؛ لأَِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ عِوَضٌ تَجِبُ مَعَ الإِْعْسَارِ، فَلَمْ يُنَافِهَا اخْتِلاَفُ الدِّينِ كَالصَّدَاقِ وَالأُْجْرَةِ؛ وَلأَِنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ صِلَةٌ وَمُوَاسَاةٌ كَمَا ذُكِرَ، فَلاَ تَجِبُ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ، كَأَدَاءِ زَكَاتِهِ إِلَيْهِ، وَإِرْثِهِ مِنْهُ.
لَكِنْ يَقُول الْحَنَابِلَةُ، وَالْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: تَجِبُ النَّفَقَةُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ، أَوْ بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي قَرَابَةِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ؛ لأَِنَّ اخْتِلاَفَ الدِّينِ لاَ يَمْنَعُ مِنَ الإِْلْزَامِ بِالنَّفَقَةِ فِي حَقِّ الْوِلاَدَةِ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٤٩٩ - ٥٠٠، وتبيين الحقائق ٣ / ٦٣، والبدائع ٤ / ٣٦ - ٣٧، والمغني ٧ / ٥٨٤ وما بعدها، وكشاف القناع ٥ / ٥٥٩، وغاية المنتهى ٣ / ٢٤٢، ومسائل الإمام أحمد ص ٢١٧.
(٢) سورة الممتحنة / ٩.
أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ
التَّعْرِيفُ:
١ - يُطْلَقُ لَفْظُ " أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ " عَلَى أَهْل الشَّوْكَةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَحْصُل بِهِمْ مَقْصُودُ الْوِلاَيَةِ (١)، وَهُوَ الْقُدْرَةُ وَالتَّمَكُّنُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَل الأُْمُورِ وَعَقْدِهَا (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - أَهْل الاِخْتِيَارِ:
٢ - أَهْل الاِخْتِيَارِ هُمُ الَّذِينَ وُكِّل إِلَيْهِمُ اخْتِيَارُ الإِْمَامِ. وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، وَقَدْ يَكُونُونَ جَمِيعَ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، وَقَدْ يَكُونُونَ بَعْضًا مِنْهُمْ (٣) .
ب - أَهْل الشُّورَى:
٣ - الْمُسْتَقْرِئُ لِحَوَادِثَ التَّارِيخِ يَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا
_________
(١) كلام الفقهاء في هذا الحديث مبني على قواعد المصلحة المرسلة، لتحقيق أفضل الوجوه للسياسة الشرعية، ولا يمنع ذلك من استنباط طرق أخرى إذا كانت تحقق المصلحة ولا تعارض أصول الشريعة (اللجنة) .
(٢) مادة " أهل " في لسان العرب، والمغرب، والصحاح، وتاج العروس، والمنتقى من منهاج الاعتدال ص ٥٨ طبع المطبعة السلفية، وتفسير الرازي ٩ / ١٤٥، في تفسير قوله تعالى / ٣٠ وأولي الأمر منكم / ٣٠، وأسنى المطالب ٤ / ١٠٩، طبع المكتبة الإسلامية، وحاشية القليوبي ٤ / ١٧٣، طبع البابي الحلبي.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨، ولأبي يعلى ص ١٠.
بَيْنَ أَهْل الشُّورَى وَأَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، إِذِ الصِّفَةُ الْبَارِزَةُ فِي أَهْل الشُّورَى " هِيَ الْعِلْمُ " لَكِنِ الصِّفَةُ الْبَارِزَةُ فِي أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ هِيَ " الشَّوْكَةُ ".
فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ اسْتَدْعَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَكُل هَؤُلاَءِ كَانَ يُفْتِي فِي خِلاَفَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَاسْتَشَارَهُمْ (١) فِي حِينِ كَانَ مِنْ بَيْنِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَشِيرٌ مِنْ أَهْل الْفَتْوَى مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَسْمُوعَ الْكَلِمَةِ فِي قَوْمِهِ - الْخَزْرَجِ - وَيُقَال إِنَّهُ أَوَّل مَنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ مِنَ الأَْنْصَارِ (٢) .
صِفَاتُ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ:
٤ - لَمَّا نِيطَ بِأَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ عَمَلٌ مُعَيَّنٌ - وَهُوَ تَعْيِينُ الْخُلَفَاءِ - كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِمُ الصِّفَاتُ التَّالِيَةُ:
أ - الْعَدَالَةُ الْجَامِعَةُ لِشُرُوطِهَا الْوَاجِبَةِ فِي الشَّهَادَاتِ مِنَ الإِْسْلاَمِ وَالْعَقْل وَالْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْفِسْقِ وَاكْتِمَال الْمُرُوءَةِ.
ب - الْعِلْمُ الَّذِي يُوصَل بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الإِْمَامَةَ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا.
ج - الرَّأْيُ وَالْحِكْمَةُ الْمُؤَدِّيَانِ إِلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلإِْمَامَةِ أَصْلَحُ (٣) .
_________
(١) كنز العمال ٥ / ٦٢٧، والمهذب للشيرازي ٢ / ٢٩٧.
(٢) أسد الغابة، ترجمة بشير بن سعد.
(٣) حاشية قليوبي ٤ / ١٧٣، وأسنى المطالب ٤ / ١٠٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦، ولأبي يعلى ص ٢ - ٣.
د - أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الشَّوْكَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُهُمُ النَّاسُ، وَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ؛ لِيَحْصُل بِهِمْ مَقْصُودُ الْوِلاَيَةِ (١) .
هـ - الإِْخْلاَصُ وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ (٢) .
تَعْيِينُ (أَهْل الاِخْتِيَارِ) مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ:
٥ - الأَْصْل أَنَّ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ هُمْ كُل مَنْ تَتَوَافَرُ فِيهِ الصِّفَاتُ السَّابِقَةُ، إِلاَّ أَنَّ مَنْ يُبَاشِرُ الاِخْتِيَارَ مِنْهُمْ هُمْ فِئَةٌ مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَهْل الاِخْتِيَارِ. وَيَتِمُّ تَعْيِينُ أَهْل الاِخْتِيَارِ (وَهُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ) بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ:
أ - تَعَيُّنُ الْخَلِيفَةِ لَهُمْ: كَمَا فَعَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِتَعْيِينِ سِتَّةٍ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ لِيَخْتَارُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ خَلِيفَةً لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ دُونَ نِزَاعٍ.
ب - التَّعْيِينُ بِالْحُضُورِ: إِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْخَلِيفَةُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ فَإِنَّ مَنْ يَتَيَسَّرُ حُضُورُهُ مِنْهُمْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعَةُ، وَيَقُومُ الْحُضُورُ مَقَامَ التَّعْيِينِ (٣) .
أَعْمَال أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ:
٦ - مِنْ ذَلِكَ:
أ - تَوْلِيَةُ الْخَلِيفَةِ: وَهَذَا إِجْمَاعٌ لاَ خِلاَفَ فِيهِ
_________
(١) المنتقى من منهاج الاعتدال ص ٥١.
(٢) حجة الله البالغة للدهلوي ص ٧٣٨، طبع دار الكتب الحديثة بالقاهرة ومكتبة المثنى ببغداد.
(٣) أصول الدين لعبد القاهر البغداي ص ٢٠٨، طبع اسطنبول سنة ١٣٤٦ هـ، وحاشية قليوبي ٤ / ١٧٣.
لأَِحَدٍ مِنْ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (١) .
ب - تَجْدِيدُ الْبَيْعَةِ لِمَنْ عَهِدَ إِلَيْهِ بِالإِْمَامَةِ عِنْدَ وَفَاةِ الإِْمَامِ، إِذَا كَانَ حِينَ عَهِدَ إِلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَجْمِعٍ لِشُرُوطِ انْعِقَادِ الإِْمَامَةِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: تُعْتَبَرُ شُرُوطُ الإِْمَامَةِ فِي الْمُوَلَّى مِنْ وَقْتِ الْعَهْدِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ فَاسِقًا وَقْتَ الْعَهْدِ، ثُمَّ أَصْبَحَ بَالِغًا عَدْلًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَلِّي لَمْ تَصِحَّ خِلاَفَتُهُ، حَتَّى يَسْتَأْنِفَ أَهْل الاِخْتِيَارِ بَيْعَتَهُ (٢) .
ج - اسْتِقْدَامُ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ الْغَائِبِ عِنْدَ مَوْتِ الإِْمَامِ (٣) .
د - تَعْيِينُ نَائِبٍ لِلإِْمَامِ الَّذِي وُلِّيَ غَائِبًا إِلَى أَنْ يَقْدُمَ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا عَهِدَ الإِْمَامُ إِلَى غَائِبٍ، وَمَاتَ الإِْمَامُ وَالْمَعْهُودُ إِلَيْهِ عَلَى غَيْبَتِهِ، اسْتَقْدَمَهُ أَهْل الاِخْتِيَارِ، فَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَاسْتَضَرَّ الْمُسْلِمُونَ بِتَأْخِيرِ النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمُ اسْتَنَابَ أَهْل الاِخْتِيَارِ نَائِبًا عَنْهُ، يُبَايِعُونَهُ بِالنِّيَابَةِ دُونَ الْخِلاَفَةِ (٤) .
هـ - عَزْل الإِْمَامِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ وَيُنْظَرُ فِي إِمَامَتِهِ (٥) .
عَدَدُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الإِْمَامَةُ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ:
٧ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عَدَدِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الإِْمَامَةُ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى فَقَالَتْ
_________
(١) انظر المراجع السابقة، والمواقف للأيجي وشرحه للجرجاني ٨ / ٣٥١، طبع مطبعة السعادة بمصر ١٣٢٥، وقال الشيعة الإمامية: يعرف الإمام بالنص.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١١.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ١١.
(٤) أسنى المطالب ٤ / ١١٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١١.
(٥) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١١، ولأبي يعلى ص ١٠.
طَائِفَةٌ: لاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِأَكْثَرِيَّةِ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ مِنْ كُل بَلَدٍ؛ لِيَكُونَ الرِّضَى بِهِ عَامًّا، وَالتَّسْلِيمُ لإِمَامَتِهِ إِجْمَاعًا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: الإِْمَامُ الَّذِي يُجْتَمَعُ عَلَيْهِ، كُلُّهُمْ يَقُول: هَذَا إِمَامٌ (١) .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: أَقَل مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ، يَجْتَمِعُونَ عَلَى عَقْدِهَا، أَوْ يَعْقِدُهَا أَحَدُهُمْ بِرِضَى الأَْرْبَعَةِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الإِْمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِتَوْلِيَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ دُونَ تَحْدِيدِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ (٢) . وَتَفْصِيل مَا أُجْمِل هُنَا مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى) .
أَهْل الْخِبْرَةِ
انْظُرْ: خِبْرَةً.
أَهْل الْخُطَّةِ
انْظُرْ: أَهْل الْمَحَلَّةِ.
_________
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٠.
(٢) الماوردي ص ٦ - ٧، وأبو يعلى ص ٨، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٦٩، وحاشية قليوبي ٤ / ١٧٣، والشرواني على التحفة ٩ / ٧٦، وأصول الدين للبغدادي ص ٢٠٨.
أَهْل الدِّيوَانِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدِّيوَانُ: لَفْظٌ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَعْنَاهُ: مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ وَالْكِتَابِ، يُكْتَبُ فِيهِ أَهْل الْجَيْشِ وَأَهْل الْعَطِيَّةِ.
وَالدِّيوَانُ: جَرِيدَةُ الْحِسَابِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحِسَابِ. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَوْضِعِ الْحِسَابِ (١) . وَيُسَمَّى مَجْمُوعُ شِعْرِ الشَّاعِرِ دِيوَانًا، قَال صَاحِبُ التَّاجِ: فَمَعَانِيهِ خَمْسَةٌ: الْكَتَبَةُ، وَمَحَلُّهُمْ، وَالدَّفْتَرُ، وَكُل كِتَابٍ، وَمَجْمُوعُ الشِّعْرِ.
وَالدِّيوَانُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الدَّفْتَرُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْعَامِلِينَ فِي الدَّوْلَةِ وَلَهُمْ رِزْقٌ أَوْ عَطَاءٌ فِي بَيْتِ الْمَال، وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا الْمَكَانُ الَّذِي فِيهِ الدَّفْتَرُ الْمَذْكُورُ وَكِتَابُهُ.
وَأَهْل الدِّيوَانِ: هُمْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ رِزْقًا مِنْهُ (٢) . وَوَظِيفَةُ الدِّيوَانِ: حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الدَّوْلَةِ
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس والمصباح المنير مادة " دون ". وكلمة " ديوان " فارسية وهي في الفارسية اسم للشياطين، سمي بها الكتاب لحذقهم بالأمور ومعرفتهم بالجلي والخفي، ثم سمي مكان جلوسهم باسمهم (الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٥) .
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٠٨ ط بولاق، والمحلى على المنهاج بحاشيتي قليوبي وعميرة ٣ / ١٨٩ ط الحلبي، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٩ ط الحلبي.
مِنَ الأَْعْمَال وَالأَْمْوَال وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الْجُيُوشِ وَالْعُمَّال (١) .
أَوَّل مَنْ وَضَعَ الدِّيوَانَ، وَسَبَبُ وَضْعِهِ:
٢ - أَوَّل مَنْ وَضَعَ الدِّيوَانَ فِي الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَذَلِكَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَال لَهُ عُمَرُ: مَاذَا جِئْتَ بِهِ؟ فَقَال: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَاسْتَكْثَرَهُ عُمَرُ، فَقَال: أَتَدْرِي مَا تَقُول؟ قَال: نَعَمْ، مِائَةُ أَلْفٍ خَمْسُ مَرَّاتٍ، فَقَال عُمَرُ: أَطَيِّبٌ هُوَ؟ فَقَال: لاَ أَدْرِي، فَصَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَنَا مَالٌ كَثِيرٌ، فَإِنْ شِئْتُمْ كِلْنَا لَكُمْ كَيْلًا، وَإِنْ شِئْتُمْ عَدَدْنَا لَكُمْ عَدًّا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ رَأَيْتُ الأَْعَاجِمَ يُدَوِّنُونَ دِيوَانًا لَهُمْ، فَدَوِّنْ أَنْتَ لَهُمْ دِيوَانًا.
وَقَال آخَرُونَ: بَل سَبَبُ وَضْعِهِ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بَعْثًا، وَكَانَ عِنْدَهُ الْهُرْمُزَانُ، فَقَال لِعُمَرَ: هَذَا بَعْثٌ قَدْ أَعْطَيْتُ أَهْلَهُ الأَْمْوَال فَإِنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَآجَل بِمَكَانِهِ، فَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ صَاحِبُكَ بِهِ؟ فَأَثْبِتْ لَهُمْ دِيوَانًا، فَسَأَلَهُ عَنِ الدِّيوَانِ حَتَّى فَسَّرَهُ لَهُ (٢) .
أَصْنَافُ أَهْل الدِّيوَانِ:
٣ - سَبَقَ أَنَّ أَهْل الدِّيوَانِ هُمْ مَنْ يُرْزَقُونَ مِنْهُ، وَهُمْ. عِدَّةُ أَصْنَافٍ مِنْهُمْ:
_________
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٢٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٥.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٧٩.
أ - أَفْرَادُ الْجَيْشِ:
لاَ بُدَّ لإِثْبَاتِهِمْ فِي الدِّيوَانِ مِنْ شُرُوطٍ أَوْرَدَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَهِيَ:
(١) الْبُلُوغُ: فَإِنَّ الصَّبِيَّ مِنْ جُمْلَةِ الذَّرَارِيِّ وَالأَْتْبَاعِ، فَكَانَ عَطَاؤُهُ جَارِيًا فِي عَطَاءِ الذَّرَارِيِّ.
(٢) الْحُرِّيَّةُ: لأَِنَّ الْمَمْلُوكَ تَابِعٌ لِسَيِّدِهِ، فَكَانَ دَاخِلًا فِي عَطَائِهِ، وَخَالَفَ فِي هَذَا الشَّرْطِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁
(٣) الإِْسْلاَمُ: لِيَدْفَعَ عَنِ الْمِلَّةِ بِاعْتِقَادِهِ وَيُوثَقَ بِنُصْحِهِ وَاجْتِهَادِهِ.
(٤) السَّلاَمَةُ مِنَ الآْفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِتَال.
(٥) أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِقْدَامٌ عَلَى الْحَرْبِ وَمَعْرِفَةٌ بِالْقِتَال.
(٦) أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنْ كُل عَمَلٍ (١) .
وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تَنْظِيمِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلنَّظَرِ فِيهَا بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ بِمَا يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ.
ب - ذَوُو الْوِلاَيَاتِ، كَالْوُلاَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالسُّعَاةِ عَلَى الْمَال جَمْعًا وَحِفْظًا وَقِسْمَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَئِمَّةِ الصَّلاَةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ (٢) .
ج - ذَوُو الْحَاجَاتِ؛ لأَِثَرِ عُمَرَ ﵁، لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَال مِنْ أَحَدٍ، إِنَّمَا هُوَ الرَّجُل
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٩.
(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص ٤٤.
وَسَابِقَتُهُ، وَالرَّجُل وَغِنَاؤُهُ، وَالرَّجُل وَبَلاَؤُهُ، وَالرَّجُل وَحَاجَتُهُ (١) .
الْقَوْل الضَّابِطُ فِي الْمَصَارِفِ:
٤ - قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مَنْ يَرْعَاهُ الإِْمَامُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَال ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ:
(١) صِنْفٌ مِنْهُمْ مُحْتَاجُونَ، وَالإِْمَامُ يَبْغِي سَدَّ حَاجَاتِهِمْ، وَهَؤُلاَءِ مُعْظَمُ مُسْتَحِقِّي الزَّكَوَاتِ، الَّذِينَ وَرَدَ ذِكْرُهُمْ فِي الآْيَةِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. . .﴾ (٢) .
(٢) أَقْوَامٌ يَبْغِي الإِْمَامُ كِفَايَتَهُمْ وَيَدْرَأُ عَنْهُمْ بِالْمَال الْمُوَظَّفِ لَهُمْ حَاجَتَهُمْ، وَيَتْرُكُهُمْ مَكْفِيِّينَ لِيَكُونُوا مُتَجَرِّدِينَ لِمَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنْ مُهِمِّ الإِْسْلاَمِ، وَهَؤُلاَءِ صِنْفَانِ:
أ - الْمُرْتَزِقَةُ: وَهُمْ نَجْدَةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُدَّتُهُمْ وَوَزَرُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ إِلَيْهِمْ مَا يَرُمُّ خَلَّتَهُمْ وَيَسُدَّ حَاجَتَهُمْ.
ب - الَّذِينَ انْتَصَبُوا لإِقَامَةِ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَانْقَطَعُوا بِسَبَبِ اشْتِغَالِهِمْ وَاسْتِقْلاَلِهِمْ بِهَا عَنِ التَّوَصُّل إِلَى مَا يُقِيمُ أَوَدَهُمْ وَيَسُدُّ خَلَّتَهُمْ، وَلَوْلاَ قِيَامُهُمْ بِمَا لاَبَسُوهُ لَتَعَطَّلَتْ أَرْكَانُ الإِْيمَانِ، فَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَكْفِيَهُمْ مُؤْنَتَهُمْ، حَتَّى يَسْتَرْسِلُوا فِيمَا تَصَدَّوْا لَهُ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ وَالْقُسَّامُ وَالْمُفْتُونَ وَالْمُتَفَقِّهُونَ، وَكُل مَنْ يَقُومُ بِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ يُلْهِيهِ قِيَامُهُ عَمَّا فِيهِ سَدَادُهُ وَقِوَامُهُ.
(٣) قَوْمٌ يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنْ مَال بَيْتِ الْمَال عَلَى غِنَاهُمْ وَاسْتِظْهَارِهِمْ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ اسْتِحْقَاقُهُمْ
_________
(١) انظر السياسة الشرعية ص ٤٥.
(٢) سورة التوبة / ٦٠.