الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
لِلشُّهُودِ (١)، وَفِي إِنْذَارِ الزَّوْجِ الْغَائِبِ قَبْل التَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
إِنْزَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْنْزَاءُ لُغَةً: حَمْل الْحَيَوَانِ عَلَى النَّزْوِ، وَهُوَ الْوَثْبُ، وَلاَ يُقَال إِلاَّ لِلشَّاءِ، وَالدَّوَابِّ، وَالْبَقَرِ، فِي مَعْنَى السِّفَادِ (٢) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - عَسَبُ الْفَحْل:
٢ - قِيل: هُوَ الْكِرَاءُ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْل، وَقِيل: هُوَ ضِرَابُهُ، وَقِيل: مَاؤُهُ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الإِْنْزَاءُ الَّذِي لاَ يَضُرُّ - كَالإِْنْزَاءِ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ مُقَارِبِهِ - جَائِزٌ، كَخَيْلٍ بِمِثْلِهَا أَوْ بِحَمِيرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ يَضُرُّ - كَإِنْزَاءِ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْل - فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ كَرِهَهُ، أَخْذًا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁
_________
(١) التبصرة ٢ / ٢٢١
(٢) لسان العرب، والمحيط، تاج العروس مادة: (نزا) .
(٣) النظم المستعذب ١ / ٤٠١ ط مصطفى الحلبي، طلبة الطلبة ص ١٢٦، والمغني ٥ / ٣٤.
قَال: أُهْدِيَتْ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا، فَقُلْتُ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْل فَكَانَتْ لَنَا مِثْل هَذِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا يَفْعَل ذَلِكَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (١) . وَقَالُوا: وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِقِلَّةِ الْخَيْل وَضَعْفِهَا (٢) .
قَال الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحُمُرَ إِذَا حَمَلَتْ عَلَى الْخَيْل تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْخَيْل، وَقَل عَدَدُهَا، وَانْقَطَعَ نَمَاؤُهَا. وَالْخَيْل يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِلرُّكُوبِ وَالطَّلَبِ، وَعَلَيْهَا يُجَاهَدُ الْعَدُوُّ، وَبِهَا تُحْرَزُ الْغَنَائِمُ، وَلَحْمُهَا مَأْكُولٌ، وَيُسْهَمُ لِلْفَرَسِ كَمَا يُسْهَمُ لِلْفَارِسِ، وَلَيْسَ لِلْبَغْل شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفَضَائِل، فَأَحَبَّ ﷺ أَنْ يَنْمُوَ عَدَدُ الْخَيْل وَيَكْثُرَ نَسْلُهَا لِمَا فِيهَا مِنَ النَّفْعِ وَالصَّلاَحِ. وَلَكِنْ قَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ حَمْل الْخَيْل عَلَى الْحُمُرِ جَائِزًا؛ لأَِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا جَاءَتْ فِي حَمْل الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْل، لِئَلاَّ تُشْغَل أَرْحَامُهَا بِنَسْل الْحُمُرِ، فَيَقْطَعَهَا ذَلِكَ عَنْ نَسْل الْخَيْل، فَإِذَا كَانَتِ الْفُحُولَةُ خَيْلًا وَالأُْمَّهَاتُ حُمُرًا فَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ لاَ يَكُونَ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ، إِلاَّ أَنْ يَتَأَوَّل مُتَأَوِّلٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ صِيَانَةُ الْخَيْل عَنْ مُزَاوَجَةِ الْحُمُرِ، وَكَرَاهَةُ اخْتِلاَطِ مَائِهَا، لِئَلاَّ يَضِيعَ طُرُقُهَا، وَلِئَلاَّ يَكُونَ مِنْهُ الْحَيَوَانُ الْمُرَكَّبُ مِنْ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُرَكَّبَاتِ الْمُتَوَلِّدَةِ بَيْنَ جِنْسَيْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ أَخْبَثُ طَبْعًا مِنْ أُصُولِهَا الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْهَا وَأَشَدُّ شَرَاسَةً كَالسِّمْعِ،
_________
(١) حديث: " إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون ". أخرجه أبو داود في الجهاد (٣ / ٥٨ / ٢٥٦٥) ط الدعاس، وأحمد (٧٦٦، ٧٨٥) بتحقيق أحمد شاكر. وقال: إسناده صحيح.
(٢) المجموع ٦ / ١٧٨ ط السلفية، القليوبي ٣ / ٢٠٣ ط عيسى الحلبي.
وَالْعِسْبَارِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ الْبَغْل لِمَا يَعْتَرِيهِ مِنَ الشِّمَاسِ وَالْحِرَانِ وَالْعِضَاضِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْعُيُوبِ وَالآْفَاتِ، ثُمَّ هُوَ حَيَوَانٌ عَقِيمٌ لَيْسَ لَهُ نَسْلٌ وَلاَ نَمَاءٌ وَلاَ يُذَكَّى وَلاَ يُزَكَّى.
قُلْتُ: وَمَا أَرَى هَذَا الرَّأْيَ طَائِلًا، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَال: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ فَذَكَرَ الْبِغَال وَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِهَا كَامْتِنَانِهِ بِالْخَيْل وَالْحَمِيرِ، وَأَفْرَدَ ذِكْرَهَا بِالاِسْمِ الْخَاصِّ الْمَوْضُوعِ لَهَا، وَنَبَّهَ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الإِْرَبِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمَكْرُوهُ مِنَ الأَْشْيَاءِ مَذْمُومٌ لاَ يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ وَلاَ يَقَعُ بِهَا الاِمْتِنَانُ، وَقَدِ اسْتَعْمَل رَسُول اللَّهِ ﷺ الْبَغْل وَاقْتَنَاهُ، وَرَكِبَهُ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَكَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَى بَغْلَتِهِ رَمَى الْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ. وَقَال: شَاهَتِ الْوُجُوهُ فَانْهَزَمُوا، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَقْتَنِهِ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (١) .
وَالْحَنَفِيَّةُ أَجَازُوا إِنْزَاءَ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْل وَعَكْسَهُ (٢) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ تَكَلَّمَ الشَّافِعِيَّةُ فِي امْتِنَاعِ الإِْنْزَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ، إِلاَّ إِنْ ظَنَّ أَنَّهَا تَلِدُ قَبْل حُلُول الدَّيْنِ (٣) . وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي بَابِ (الرَّهْنِ)، وَيُنْظَرُ حُكْمُ الإِْجَارَةِ عَلَى الإِْنْزَاءِ فِي مُصْطَلَحِ (عَسَبُ الْفَحْل) .
_________
(١) معالم السنن ٢ / ٢٥١، ٢٥٢ ط محمد راغب الطباخ سنة ١٣٥١ هـ.
(٢) الدر وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٩ ط بولاق الأولى.
(٣) القليوبي ٢ / ٢٧١ ط عيسى الحلبي.
إِنْزَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْنْزَال لُغَةً: مَصْدَرُ أَنْزَل، وَهُوَ مِنَ النُّزُول، وَمِنْ مَعْنَاهُ الاِنْحِدَارُ مِنْ عُلْوٍ إِلَى سُفْلٍ، وَمِنْهُ إِنْزَال الرَّجُل مَاءَهُ إِذَا أَمْنَى بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ الإِْنْزَال عَلَى خُرُوجِ مَاءِ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ بِجِمَاعٍ أَوِ احْتِلاَمٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) . .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِسْتِمْنَاءُ:
٢ - الاِسْتِمْنَاءُ لُغَةً: طَلَبُ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَاصْطِلاَحًا: إِخْرَاجُ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، مُحَرَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ (٢) .
فَالاِسْتِمْنَاءُ عَلَى هَذَا أَخَصُّ مِنَ الإِْنْزَال؛ لأَِنَّ الإِْنْزَال خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِالْجِمَاعِ أَوْ غَيْرِهِ.
أَسْبَابُ الإِْنْزَال:
٣ - يَكُونُ الإِْنْزَال بِالْجِمَاعِ، أَوْ بِالْيَدِ، أَوْ بِالْمُدَاعَبَةِ، أَوِ النَّظَرِ، أَوِ الْفِكْرِ، أَوِ الاِحْتِلاَمِ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الإِْنْزَال بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهِ،
_________
(١) لسان العرب مادة: (نزل) .
(٢) القاموس المحيط مادة: (مني)، ابن عابدين ٢ / ١٠٠، ٣ / ١٥٦، والشرواني ٣ / ٤١٠.
(٣) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٥٢.
فَيَكُونُ حَلاَلًا لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ. وَيَكُونُ حَرَامًا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكِلاَ الإِْنْزَالَيْنِ يَكُونُ حَرَامًا فِي الْجُمْلَةِ إِذَا كَانَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. وَيَكُونُ حَرَامًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ (١) .
وَيَحْرُمُ فِي الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ - الإِْنْزَال، أَوْ فِعْل مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ (٢) .
الإِْنْزَال بِالاِسْتِمْنَاءِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الإِْنْزَال بِالاِسْتِمْنَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ مَا بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، وَالْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ فِي حَال الضَّرُورَةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِمْنَاء ج ٤ ٩٩)
وَالإِْنْزَال بِالاِسْتِمْنَاءِ يُبْطِل الصَّوْمَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الإِْسْكَافِ وَأَبُو الْقَاسِمِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالاَ بِعَدَمِ إِبْطَال الصَّوْمِ (٣) .
وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (صَوْم) .
وَيُبْطِل الإِْنْزَال بِالْيَدِ الاِعْتِكَافَ، وَفِي هَذَا تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِمْنَاء) .
وَالإِْنْزَال بِالاِسْتِمْنَاءِ لاَ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِنْدَ
_________
(١) قليوبي ٢ / ١٢٠، ١٣٥، ١٣٦.
(٢) قليوبي ٢ / ٧٧، المغني / ١٩٦، الثالثة، كشاف القناع ٢ / ٣٦١، بدائع ٢ / ١١٥، الكافي ١ / ٣٥٤.
(٣) ابن عابدين ٢ / ١٠٠، والزيلعي ٢ / ٣٢٣، والدسوقي ٢ / ٦٠، ٦٨، والمهذب ٢ / ٢٧٠، والبيجوري ١ / ٣٠٣، كشاف القناع ٦ / ١٠٢، الإنصاف ٤ / ٢٥١، ٢٥٢، الجمل ١ / ٢٤١، والشبراملسي ١ / ٣١٢.
الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لَكِنْ يَجِبُ فِيهِ دَمٌ، لأَِنَّهُ كَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّعْزِيرِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْجَزَاءِ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا بِفَسَادِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِهِ، وَأَوْجَبُوا الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ، وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا، لأَِنَّهُ أَنْزَل بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (الاِسْتِمْنَاء) أَيْضًا.
وَفِي الإِْنْزَال بِالنَّظَرِ أَوِ الْفِكْرِ وَأَثَرِهِ عَلَى الصَّوْمِ أَوِ الاِعْتِكَافِ أَوِ الْحَجِّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَبْحَثِ (الاِسْتِمْنَاءِ) .
وَالإِْنْزَال بِالتَّفَكُّرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الإِْنْزَال بِالنَّظَرِ عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ.
الإِْنْزَال بِالاِحْتِلاَمِ:
٦ - الإِْنْزَال بِالاِحْتِلاَمِ لاَ يُبْطِل الصَّوْمَ، وَلاَ يُوجِبُ قَضَاءً أَوْ كَفَّارَةً (١)، وَلاَ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَلاَ يَلْزَمُ بِهِ فِدْيَةٌ، وَلاَ يُبْطِل الاِعْتِكَافَ (٢) . وَيُعْرَفُ الإِْنْزَال فِي الاِحْتِلاَمِ بِعَلاَمَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، بِوُجُودِ مَنِيٍّ فِي ثَوْبِ نَوْمِهِ أَوْ فِرَاشِهِ، أَوْ بَلَلٍ مِنْ أَثَرِهِ.
فَإِذَا احْتَلَمَ وَلَمْ يُنْزِل فَلاَ غُسْل عَلَيْهِ، أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ، وَإِذَا أَنْزَل فَعَلَيْهِ الْغُسْل. وَإِنْ وَجَدَ مَنِيًّا وَلَمْ يَذْكُرِ احْتِلاَمًا فَعَلَيْهِ الْغُسْل (٣)، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (احْتِلاَمٌ) .
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٥٠، والدسوقي١ / ٥٢٣، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٠ ط الحلبي.
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٣٢، والهندية ١ / ٢٤٤، والحطاب ٢ / ٤٢٣، والشرح الصغير ١ / ٧٢٨، جواهر الإكليل ١ / ١٥٩، الجمل ٢ / ٥١٧، ٣٦٣، ونهاية المحتاج ٣ / ٢١٩، والمغني مع الشرح الكبير ٣ / ٣٣٠.
(٣) الفتاوى الخانية ١ / ٢٤٤، وابن عابدين ١ / ١١١، والحطاب ١ / ٣٠٦، ٣٠٧، والمجموع ٢ / ١٤٢، وشرح الروض وحاشية الرملي عليه ١ / ٦٥، ٦٦ ط الميمنية، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٠٢.
حُكْمُ الاِغْتِسَال مِنَ الإِْنْزَال:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَنِيَّ إِذَا نَزَل عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ يَجِبُ مِنْهُ الْغُسْل، أَمَّا إِذَا نَزَل لاَ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ فَلاَ يَجِبُ مِنْهُ الْغُسْل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ الْغُسْل بِذَلِكَ، فَإِذَا سَكَنَتِ الشَّهْوَةُ قَبْل خُرُوجِ الْمَنِيِّ إِلَى الظَّاهِرِ ثُمَّ نَزَل فَفِيهِ خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (غُسْل) .
إِنْزَال الْمَرْأَةِ:
٨ - الْمَرْأَةُ كَالرَّجُل فِي الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى إِنْزَال الْمَنِيِّ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ أَنَّهَا سَأَلْتِ النَّبِيَّ ﷺ: الْمَرْأَةُ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُل؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِل.
وَفِي لَفْظٍ أَنَّهَا قَالَتْ: هَل عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ (١) . فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ بِشَهْوَةٍ فِي يَقَظَةٍ أَوْ نَوْمٍ يُوجِبُ الْغُسْل عَلَى الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ.
وَمِثْل ذَلِكَ سَائِرُ الأَْحْكَامِ فِي الصِّيَامِ وَالاِعْتِكَافِ وَالْحَجِّ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ نُزُول الْمَنِيِّ مِنَ الْمَرْأَةِ لِتَرَتُّبِ الأَْحْكَامِ عَلَيْهِ.
وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِوُصُول الْمَنِيِّ إِلَى الْمَحَل الَّذِي تَغْسِلُهُ فِي الاِسْتِنْجَاءِ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ
_________
(١) حديث: " إذا رأت ذلك المرأة فلتغسل، أخرجه مسلم (١ / ٢٥٠ ط الحلبي) .
الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ عَدَا سَنَدٍ، وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّيِّبِ. وَقَال سَنَدٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ بُرُوزَ الْمَنِيِّ مِنَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ شَرْطًا، بَل مُجَرَّدُ الاِنْفِصَال عَنْ مَحَلِّهِ يُوجِبُ الْغُسْل؛ لأَِنَّ عَادَةَ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ يَنْعَكِسُ إِلَى الرَّحِمِ لِيَتَخَلَّقَ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَهَذَا مَا يُقَابِل ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْبِكْرِ: لاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْل حَتَّى يَخْرُجَ الْمَنِيُّ مِنْ فَرْجِهَا؛ لأَِنَّ دَاخِل فَرْجِهَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ (١) ر: (انْظُرْ: احْتِلاَم) .
إِنْزَال الْمَنِيِّ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ:
٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ لِغَيْرِ لَذَّةٍ وَشَهْوَةٍ، بِأَنْ كَانَ بِسَبَبِ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ ضَرْبَةٍ عَلَى الظَّهْرِ، أَوْ سُقُوطٍ مِنْ عُلْوٍ، أَوْ لَدْغَةِ عَقْرَبٍ، أَوْ مَا شَابَهُ ذَلِكَ، لاَ يُوجِبُ الْغُسْل، وَلَكِنْ يُوجِبُ الْوُضُوءَ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْل عِنْدَهُمْ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِشَهْوَةٍ وَلَذَّةٍ، أَمْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا سَبَقَ، وَهَذَا إِذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنَ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ الْمُعْتَادِ وَكَانَ مُسْتَحْكَمًا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْكَمًا مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ فَلاَ يَجِبُ الْغُسْل (٢) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٠٨، والفتاوى الهندية ١ / ١٤، ١٥ والدسوقي ١ / ١٢٦، ١٢٧، والخرشي ١ / ١٦٢، والمجموع ٢ / ١٤٠، ونهاية المحتاج ١ / ١٩٩، والمغني ١ / ١٩٩ وكشاف القناع ١ / ١٤٢.
(٢) ابن عابدين ١ / ١٠٨، والاختيار ١ / ١٢، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢٧، ١٢٨، والشرح الصغير ١ / ٦١ ط الحلبي، والخرشي ١ / ١٦٣، ومغني المحتاج ١ / ٧٠، والقليوبي ١ / ٦٣، والمجموع ٢ / ١٤٠، ١٤١، وكشاف القناع ١ / ١٣٩، ١٤٢.
انْسِحَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْسِحَابُ لُغَةً: مَصْدَرُ انْسَحَبَ، مُطَاوِعُ سَحَبَ، أَيْ جَرَّ (١) .
وَيُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ امْتِدَادُ الْفِعْل فِي أَوْقَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ امْتِدَادًا اعْتِبَارِيًّا، كَحُكْمِنَا عَلَى نِيَّةِ الْمُتَوَضِّئِ بِالاِنْسِحَابِ فِي جَمِيعِ أَرْكَانِ الْوُضُوءِ، إِذَا نَوَى فِي أَوَّل الرُّكْنِ الأَْوَّل، ثُمَّ ذَهِل عَنْهَا بَعْدُ فِي بَقِيَّةِ الأَْرْكَانِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْعَزْمِ عَلَى امْتِثَال الْمَأْمُورِ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فِي أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ الأَْوَّل (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِصْحَابُ:
٢ - الاِسْتِصْحَابُ فِي اللُّغَةِ: مُلاَزَمَةُ الشَّيْءِ شَيْئًا آخَرَ. تَقُول: اسْتَصْحَبْتُ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ؛ إِذَا حَمَلْتَهُ بِصُحْبَتِكَ. وَمِنْ هُنَا قِيل: اسْتَصْحَبْتُ الْحَال؛ إِذَا تَمَسَّكْتُ بِمَا كَانَ ثَابِتًا، كَأَنَّكَ جَعَلْتَ تِلْكَ الْحَالَةَ مُصَاحِبَةً غَيْرَ مُفَارِقَةٍ (٣) .
وَاسْتِصْحَابُ الْحَال عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَعْنَاهُ: إِبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لاِنْعِدَامِ الْمُغَيِّرِ (٤) .
_________
(١) المصباح (سحب) .
(٢) فواتح الرحموت ١ / ٧٣ ط بولاق.
(٣) المصباح (صحب) .
(٤) التعريفات للجرجاني ص ١٧، وحاشية الشربيني على شرح جمع الجوامع ٣٤٨ ط الحلبي.
وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الاِسْتِصْحَابَ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الذُّهُول عَنِ اسْتِمْرَارِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَ اسْتِحْضَارِهَا مُغْتَفَرٌ لِمَشَقَّةِ اسْتِصْحَابِهَا (١) .
ب - الاِنْجِرَارُ:
٣ - الاِنْجِرَارُ: مَصْدَرُ انْجَرَّ، مُطَاوِعُ جَرَّ. وَهُوَ بِمَعْنَى الاِنْسِحَابِ فِي اللُّغَةِ، وَالْفُقَهَاءُ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالتَّعْبِيرِ بِالاِنْجِرَارِ فِي بَابِ الْوَلاَءِ، وَمُرَادُهُمْ بِهِ: انْتِقَال الْوَلاَءِ مِنْ مَوْلًى إِلَى آخَرَ بَعْدَ بُطْلاَنِ وَلاَءِ الأَْوَّل، وَعَبَّرُوا بِالاِنْسِحَابِ أَوِ الاِسْتِصْحَابِ فِي مَبَاحِثِ النِّيَّةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - الاِنْسِحَابُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٤ - إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ مُوَسَّعًا فَجَمِيعُ الْوَقْتِ وَقْتٌ لأَِدَائِهِ، فَيَتَخَيَّرُ الْمُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِنْ وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا. وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي كُل وَقْتٍ إِمَّا الْفِعْل أَوِ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْل، وَلاَ يَجِبُ تَجْدِيدُ الْعَزْمِ فِي كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ، بَل يَكْفِي الْعَزْمُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، ثُمَّ يَنْسَحِبُ هَذَا الْعَزْمُ عَلَى بَقِيَّةِ الأَْجْزَاءِ إِلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ (٣)، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَحَلُّهُمَا الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
_________
(١) الزرقاني ١ / ٦٦ ط بولاق، وشرح المنهج بحاشية الجمل ١ / ٣٣٥ ط الميمنية، وكشاف القناع ١ / ٣١٦ ط الرياض.
(٢) شرح المنهاج بحاشية القليوبي ٤ / ٣٥٨، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥ / ٤٥١ ط الميمنية، وفواتح الرحموت ١ / ٧٣.
(٣) فواتح الرحموت ١ / ٧٣.