الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 65

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، بِأَلاَّ يَحْصُل مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا، أَوْ لاَ يَفِي بِمَئُونَتِهِ، كَأَوْقَافِ الْمَسْجِدِ إِذَا تَعَطَّلَتْ وَتَعَذَّرَ اسْتِغْلاَلُهَا. فِي هَذِهِ الصُّورَةِ جَوَّزَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ الاِسْتِبْدَال عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَرَأْيِهِ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ.

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ أَجَازَ جُمْهُورُهُمُ اسْتِبْدَال الْوَقْفِ الْمَنْقُول فَقَطْ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ مَالِكٍ. قَال الْخَرَشِيُّ: إِنَّ الْمَوْقُوفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَقَارًا - إِذَا صَارَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي وُقِفَ فِيهِ كَالثَّوْبِ يَخْلَقُ، وَالْفَرَسِ يَمْرَضُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى مِثْلُهُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ.

وَأَمَّا الْعَقَارُ فَقَدْ مَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ اسْتِبْدَالَهُ مَعَ شَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيل.

فَفِي الْمَسَاجِدِ: أَجْمَعَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهَا.

وَفِي الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ إِذَا كَانَتْ قَائِمَةَ الْمَنْفَعَةِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَاسْتَثْنَوْا تَوْسِيعَ الْمَسْجِدِ أَوِ الْمَقْبَرَةِ أَوِ الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَأَجَازُوا بَيْعَهُ، لأَِنَّ هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلأُْمَّةِ، وَإذَا لَمْ تُبَعِ الأَْحْبَاسُ لأَِجْلِهَا تَعَطَّلَتْ، وَأَصَابَ النَّاسَ ضِيقٌ، وَمِنَ الْوَاجِبِ التَّيْسِيرُ عَلَى النَّاسِ فِي عِبَادَتِهِمْ وَسَيْرِهِمْ وَدَفْنِ مَوْتَاهُمْ.

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ شَدَّدُوا كَثِيرًا فِي اسْتِبْدَال الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ، حَتَّى أَوْشَكُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ مُطْلَقًا خَشْيَةَ ضَيَاعِ الْوَقْفِ أَوِ التَّفْرِيطِ فِيهِ.

قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْصَحُّ جَوَازُ بَيْعِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ، وَجُذُوعِهِ إِذَا انْكَسَرَتْ، وَلَمْ تَصْلُحْ إِلاَّ لِلإِْحْرَاقِ. وَلَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَ إِعَادَتُهُ لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ، وَتُصْرَفُ غَلَّةُ وَقْفِهِ إِلَى أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ

إِلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَسْجِدَ الْمُنْهَدِمَ لاَ يُنْقَضُ إِلاَّ إِذَا خِيفَ عَلَى نَقْضِهِ، فَيُنْقَضُ وَيُحْفَظُ أَوْ يُعَمَّرُ بِهِ مَسْجِدٌ آخَرُ إِنْ رَآهُ الْحَاكِمُ، وَالأَْقْرَبُ إِلَيْهِ أَوْلَى، وَلاَ يُصْرَفُ نَقْضُهُ لِنَحْوِ بِئْرٍ وَقَنْطَرَةٍ وَرِبَاطٍ.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ تُبْتَاعُ وَلاَ تُوهَبُ وَلاَ تُورَثُ. (١)

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ فِي جَوَازِ الاِسْتِبْدَال وَعَدَمِهِ، وَأَخَذُوا حُكْمَ الْعَقَارِ مِنْ حُكْمِ الْمَنْقُول، فَكَمَا أَنَّ الْفَرَسَ الْحَبِيسَةَ عَلَى الْغَزْوِ إِذَا كَبِرَتْ وَلَمْ تَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، وَصَلُحَتْ لِشَيْءٍ آخَرَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَكَذَلِكَ يُقَاسُ الْمَنْقُول الآْخَرُ وَغَيْرُ الْمَنْقُول عَلَيْهَا. فَبَيْعُ الْمَسْجِدِ لِلْحَنَابِلَةِ لَهُمْ فِيهِ رِوَايَتَانِ:

الرِّوَايَةُ الأُْولَى: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَسْجِدِ إِذَا صَارَ الْمَسْجِدُ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، كَأَنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ، أَوْ خَرِبَتِ النَّاحِيَةُ، وَحِينَئِذٍ يُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي إِنْشَاءِ مَسْجِدٍ آخَرَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مَكَانٍ آخَرَ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّ الْوَقْفَ إِذَا خَرِبَ وَتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ، كَدَارٍ انْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضٍ خَرِبَتْ وَعَادَتْ مَوَاتًا وَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهَا، أَوْ مَسْجِدٍ انْتَقَل أَهْل الْقَرْيَةِ عَنْهُ وَصَارَ فِي مَوْضِعٍ لاَ يُصَلَّى فِيهِ، أَوْ ضَاقَ بِأَهْلِهِ وَلَمْ يُمْكِنْ تَوْسِيعُهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ تَشَعَّبَ جَمِيعُهُ، وَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهُ، وَلاَ عِمَارَةُ بَعْضِهِ إِلاَّ بِبَيْعِ بَعْضِهِ، جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ لِتُعَمَّرَ بِهِ بَقِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاِنْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِيعَ جَمِيعُهُ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَسَاجِدِ. رَوَى عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لاَ تُبَاعُ وَإِنَّمَا تُنْقَل آلَتُهَا.

_________

(١) حديث " لا يباع أصلها. . . " أخرجه البخاري (٥ / ٣٩٢ - ط السلفية ومسلم (٣ / ١٢٥٥ - ط الحلبي) .

وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ الرِّوَايَةَ الأُْولَى. (١)

ج - انْدِرَاسُ قُبُورِ الْمَوْتَى:

٥ - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ الْمُسْلِمَ إِذَا بَلِيَ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ نَبْشُ قَبْرِهِ وَدَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، أَمَّا إِذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ عِظَامِهِ - غَيْرَ عَجْبِ الذَّنَبِ - فَلاَ يَجُوزُ نَبْشُهُ وَلاَ الدَّفْنُ فِيهِ لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ، وَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْل الْخِبْرَةِ.

إِلاَّ أَنَّ صَاحِبَ التَّتَارْخَانِيَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَرَى أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا صَارَ تُرَابًا فِي الْقَبْرِ يُكْرَهُ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ؛ لأَِنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ مُعَقِّبًا عَلَى هَذَا: لَكِنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، فَالأَْوْلَى إِنَاطَةُ الْجَوَازِ بِالْبِلَى، إِذْ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ لِكُل مَيِّتٍ قَبْرٌ لاَ يُدْفَنُ فِيهِ غَيْرُهُ وَإِنْ صَارَ الأَْوَّل تُرَابًا لاَ سِيَّمَا فِي الأَْمْصَارِ الْكَبِيرَةِ الْجَامِعَةِ، وَإِلاَّ لَزِمَ أَنْ تَعُمَّ الْقُبُورُ السَّهْل وَالْوَعِرَ.

عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْحَفْرِ إِلَى أَلاَّ يَبْقَى عَظْمٌ عَسِرٌ جِدًّا، وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ، لَكِنَّ الْكَلاَمَ فِي جَعْلِهِ حُكْمًا عَامًّا لِكُل أَحَدٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْحَرْثِ وَالزِّرَاعَةِ وَالْبِنَاءِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُنْدَرِسَةِ، فَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ، وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى نَصٍّ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ.

وَأَمَّا قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ فَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ نَبْشِهَا، لِيُتَّخَذَ مَكَانُهَا مَسْجِدًا؛ لأَِنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ كَانَ قُبُورًا لِلْمُشْرِكِينَ. (٢)

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٥٣٥، والبحر الرائق ٥ / ٢٣٩، ٢٤٠، وأنفع الوسائل ص ١٠٩ - ١١٠، الخرشي ٧ / ٩٤ - ٩٥، والدسوقي ٤ / ٩٢، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٢، والجمل ٣ / ٥٩٠، والمغني مع الشرح ٦ / ٢٢٥، وما بعدها.

(٢) ابن عابدين ١ / ١٩٩، والدسوقي ١ / ٤٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٢، والجمل ٢ / ٢٠١، وأسنى المطالب ١ / ٣٣١، وكشاف القناع ٢ / ١٤٤.

إِحْيَاءُ الْمُنْدَرِسِ

٦ - سَبَقَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ - مِنْ أَبْحَاثِ الْمَوْسُوعَةِ - أَنَّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى، انْدَرَسَتْ، فَهَل تَصِيرُ مَوَاتًا إِذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ مَلَكَهَا، أَوْ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الأَْوَّل؟

ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الأَْوَّل، وَلاَ يَمْلِكُهَا الثَّانِي بِالإِْحْيَاءِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً لَيْسَتْ لأَِحَدٍ فَهِيَ لَهُ. (١) وَلأَِنَّ هَذِهِ أَرْضٌ يُعْرَفُ مَالِكُهَا فَلَمْ تُمْلَكْ بِالإِْحْيَاءِ، كَاَلَّتِي مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ. وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الثَّانِيَ يَمْلِكُهَا، قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ، إِذَا أَفْلَتَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ وَطَال زَمَانُهُ، فَهُوَ لِلثَّانِي. وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الأَْوَّل أَحْيَاهُ أَوِ اخْتَطَّهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ كَانَ الأَْوَّل أَحْيَاهُ كَانَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الأَْوَّل اخْتَطَّهُ أَوِ اشْتَرَاهُ كَانَ الأَْوَّل أَحَقَّ بِهِ. (٢)

_________

(١) حديث: " من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق " أخرجه أبو داود (٣ / ٤٥٤ - ط عزت عبيد دعاس) . وقال ابن حجر بعد أن ذكر طرق الحديث: وفي أسانيدها مقال، لكن يقوي بعضها ببعض. (الفتح ٥ / ١٩ - السلفية) .

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٨٦، وقليوبي وعميرة ٣ / ٨٨ط الحلبي، والمغني ٥ / ٥٦٤ ط الرياض، وهامش الحطاب ٦ / ٣، والرهوني ٧ / ٩٧ دار الفكر.

إِنْذَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْنْذَارُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَنْذَرَهُ الأَْمْرَ، إِذَا أَبْلَغَهُ وَأَعْلَمَهُ بِهِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل فِي التَّخْوِيفِ، يُقَال: أَنْذَرَهُ إِذَا خَوَّفَهُ وَحَذَّرَ بِالزَّجْرِ عَنِ الْقَبِيحِ (١) .

وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ: لاَ يَكَادُ الإِْنْذَارُ يَكُونُ إِلاَّ فِي تَخْوِيفٍ يَتَّسِعُ مَعَ زَمَانِهِ لِلاِحْتِرَازِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ زَمَانُهُ لِلاِحْتِرَازِ كَانَ إِشْعَارًا، وَلَمْ يَكُنْ إِنْذَارًا (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْعْذَارُ:

٢ - الْعُذْرُ: الْحُجَّةُ الَّتِي يُعْتَذَرُ بِهَا، وَالْجَمْعُ أَعْذَارٌ، وَأَعْذَرَ إِعْذَارًا: أَبْدَى عُذْرًا، وَيَكُونُ أَعْذَرَ بِمَعْنَى اعْتَذَرَ، وَأَعْذَرَ ثَبَتَ لَهُ عُذْرٌ (٣) .

وَفِي التَّبْصِرَةِ: الإِْعْذَارُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُذْرِ، وَمِنْهُ: قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، أَيْ قَدْ بَالَغَ فِي الإِْعْذَارِ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَيْكَ فَأَنْذَرَكَ (٤) .

وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: الإِْعْذَارُ سُؤَال الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ: هَل لَهُ مَا يُسْقِطُهُ (٥)؟ وَإِذًا، فَالإِْنْذَارُ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للراغب، والكليات للكفوي ١ / ٣٣٨، وترتيب القاموس المحيط

(٢) القرطبي ١ / ١٨٤ ط دار الكتب

(٣) لسان العرب وترتيب القاموس المحيط والمفردات

(٤) التبصرة بهامش فتع العلي المالك ١ / ١٦٦ ط دار المعرفة

(٥) جواهر الإكليل ٢ / ٢٢٧ ط دار المعرفة

يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِعْذَارًا إِنْ كَانَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْحُجَّةِ لِلْمُنْذِرِ، وَدَحْضُ حُجَّةِ الْمُنْذَرِ إِذَا مَا وَقَعَ بِهِ الضَّرَرُ.

ب - النَّبْذُ:

٣ - النَّبْذُ: طَرْحُ الشَّيْءِ، وَالنَّبْذُ: إِعْلاَمُ الْعَدُوِّ بِتَرْكِ الْمُوَادَعَةِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ (١) أَيْ قُل لَهُمْ: قَدْ نَبَذْتُ إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ، وَأَنَا مُقَاتِلُكُمْ، لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ (٢) .

فَالنَّبْذُ مَقْصُودٌ بِهِ طَرْحُ الْعَهْدِ وَعَدَمُ الاِلْتِزَامِ بِهِ. وَالأَْمْرُ بِالنَّبْذِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ: طَرْحِ الْعَهْدِ، وَإِعْلاَمِهِمْ بِذَلِكَ. فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الإِْنْذَارِ.

ج - الْمُنَاشَدَةُ:

٤ - نَشَدَ الضَّالَّةَ: طَلَبَهَا وَعَرَّفَهَا، وَنَشَدْتُكَ اللَّهَ: أَيْ سَأَلْتُكَ بِاَللَّهِ، وَالْمُنَاشَدَةُ: الْمُطَالَبَةُ بِاسْتِعْطَافٍ، وَنَاشَدَهُ مُنَاشَدَةً: حَلَّفَهُ، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي أُنْشِدُكَ عَهْدَكَ. . . (٣) أَيْ أُذَكِّرُكَ مَا عَاهَدْتَنِي بِهِ وَوَعَدْتَنِي وَأَطْلُبُهُ مِنْكَ (٤) . وَالْمُنَاشَدَةُ أَيْضًا تَكُونُ بِمَعْنَى الإِْنْذَارِ، لَكِنْ مَعَ الاِسْتِعْطَافِ، وَهُوَ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْل الْقَبِيحِ، يَقُول الْفُقَهَاءُ (٥): يُقَاتَل الْمُحَارِبُ (أَيْ قَاطِعُ

_________

(١) سورة الأنفال / ٥٨

(٢) لسان العرب، والمفردات، والقرطبي ٨ / ٣٢، والاختيار ٤ / ١٢١ ط دار المعرفة

(٣) حديث: " إني أنشدك عهدك " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٩٩ - ط السلفية)

(٤) لسان العرب والمغرب وترتيب القاموس المحيط

(٥) الشرح الصغير ٤ / ٤٩٣، دار المعارف

الطَّرِيقِ) جَوَازًا، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ قِتَالُهُ بَعْدَ الْمُنَاشَدَةِ، بِأَنْ يُقَال لَهُ (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ): نَاشَدْتُكَ اللَّهَ إِلاَّ مَا خَلَّيْتَ سَبِيلِي.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْنْذَارِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهِ:

فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا: وَذَلِكَ كَإِنْذَارِ الأَْعْمَى مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْذُورٍ، كَخَوْفِ وُقُوعِهِ فِي بِئْرٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ - وَلَوْ كَانَ فِي صَلاَةٍ - أَنْ يُحَذِّرَهُ خَشْيَةَ الضَّرَرِ (١) .

وَكَإِنْذَارِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ، فَيَحْرُمُ الإِْقْدَامُ عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْل إِبْلاَغِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ (٢) .

وَكَإِنْذَارِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِالْوُجُوبِ كَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ (٣) .

وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا: كَإِنْذَارِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ مُبَالَغَةً فِي الإِْنْذَارِ (٤) .

وَكَإِنْذَارِ الْمُرْتَدِّ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَتَابَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يُوعَظُ فِيهَا وَيُخَوَّفُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ وَيَتُوبُ (٥) .

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٩٨ ط الحلبي، والمعراق بهامش الحطاب ٢ / ٣٦ ط النجاح، وابن عابدين ١ / ٥٧٥ ط بولاق ثالثة

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٨، والاختيار ٤ / ١١٩، والدسوقي ٢ / ١٧٦

(٣) المغني ٨ / ١٢٤ ط الرياض

(٤) الاختيار ٤ / ١١٩، والمهذب ٢ / ٢٣٢ ط دار المعرفة

(٥) ابن عابدين ٣ / ٢٩٤، والكافي ٢ / ١٠٨٩ ط الرياض، والمهذب ٢ / ٢٢٣

وَكَتَنْبِيهِ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ إِذَا هَمَّ بِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ (١) .

وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا: كَإِنْذَارِ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ بِالْوَعْظِ أَوْ بِغَيْرِهِ (٢) كَمَا وَرَدَ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَاَللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ. . .﴾ (٣) الآْيَةَ.

وَكَإِنْذَارِ صَاحِبِ الْحَائِطِ الْمَائِل (٤) .

وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا: كَمَا إِذَا كَانَ فِي الإِْنْذَارِ ضَرَرٌ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمُنْكَرِ الْوَاقِعِ (٥) .

مَا يَكُونُ بِهِ الإِْنْذَارُ:

٦ - الإِْنْذَارُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْل، وَذَلِكَ كَوَعْظِ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ، وَعَرْضِ الدَّعْوَةِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَوَعْظِ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ.

وَقَدْ يَكُونُ الإِْنْذَارُ بِالْفِعْل فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا:

أ - أَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ غَيْرَ جَائِزٍ، كَمَنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ وَرَأَى رَجُلًا عِنْدَ بِئْرٍ، أَوْ رَأَى عَقْرَبًا تَدِبُّ إِلَى إِنْسَانٍ، وَأَمْكَنَ تَحْذِيرُهُ بِغَمْزِهِ أَوْ لَكْزِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْكَلاَمُ حِينَئِذٍ (٦) .

وَهُنَاكَ صُورَةٌ أُخْرَى لِلتَّحْذِيرِ بَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ - لِمَنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ وَرَأَى مَا يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ - أَنْ يُسَبِّحَ الرَّجُل وَتُصَفِّقَ الْمَرْأَةُ، فَفِي

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٩٨

(٢) المهذب ٢ / ٧٠، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٠٥ ط، دار الفكر

(٣) سورة النساء / ٣٤

(٤) الاختيار ٥ / ٤٦، ومنح الجليل ٤ / ٥٥٩ ط النجاح ليبيا

(٥) شرح إحياء علوم الدين ٧ / ٤٣، والآداب الشرعية ١ / ١٨١، والأشباه للسيوطي ص ٣٠٩ ط مصطفى محمد، ومنح الجليل ١ / ٧١٠

(٦) ابن عابدين ١ / ٥٧٥

الْبُخَارِيِّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ (١)، وَفِي هَذَا صُورَةُ التَّحْذِيرِ بِالْفِعْل بَدَل الْقَوْل بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي فِي الصَّلاَةِ.

ب - أَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ غَيْرَ مُجْدٍ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ تُفْلِحْ طَرِيقَةُ الْوَعْظِ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ النَّاشِزِ، فَلِلزَّوْجِ بَعْدَ الْوَعْظِ أَنْ يَهْجُرَهَا، فَإِنْ لَمْ يُفْلِحِ الْهَجْرُ ضَرَبَهَا ضَرْبًا خَفِيفًا.

وَكَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ، عَمَلًا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٢) .

مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْنْذَارِ:

٧ - الإِْنْذَارُ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ تَحْذِيرًا مِنْ شَيْءٍ ضَارٍّ أَوْ عَمَلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَكُل مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ حَقِّ كُل مُسْلِمٍ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٤)

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٩٧. وحديث: " يا أيها الناس: مالكم حين نابكم. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٠٧ ط السلفية)

(٢) حديث: " من رأى منكم منكرا فليغير بيده. . . . " أخرجه مسلم في الإيمان ١ / ٤٩ / ٦٩ ط البابي الحلبي)

(٣) سورة آل عمران / ١٠٤

(٤) حديث: " من رأى منكم منكرا فليغير بيده. . . " سبق تخريجه ف / ٦

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ تَحْتَ عِنْوَانِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِشُرُوطِهِ الْخَاصَّةِ (١) . ر: (أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ) .

وَيَتَعَيَّنُ الإِْنْذَارُ بِالنِّسْبَةِ لِوَالِي الْحِسْبَةِ، لأَِنَّهُ خُصِّصَ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ لِذَلِكَ (٢) . ر: (حِسْبَة) . وَتَثْبُتُ وِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ لِلزَّوْجِ وَالْمُعَلِّمِ وَالأَْبِ. ر: (حِسْبَة - وِلاَيَة) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

يَأْتِي الإِْنْذَارُ فِي كُل مَا هُوَ ضَارٌّ أَوْ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَمَسَائِلُهُ مُتَعَدِّدَةٌ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ: إِنْذَارُ تَارِكِ الصَّلاَةِ (٣)، فِي بَابِ الصَّلاَةِ وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ. وَفِي الْجِنَايَاتِ فِي الصِّيَال (٤)، وَالْحَائِطِ الْمَائِل (٥)، وَفِعْل مَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ. وَفِي بَابِ الأَْذَانِ، وَهَل يَجُوزُ قَطْعُهُ لإِنْذَارِ غَيْرِهِ. فِي بَابِ الْجُمُعَةِ حُكْمُ قَطْعِ الْخُطْبَةِ لِلإِْنْذَارِ وَحُكْمُ إِنْذَارِ الْمُسْتَمِعِ لِغَيْرِهِ (٦) .

وَفِي حُكْمِ الْجِوَارِ (٧)، وَفِي الْقَضَاءِ بِالنِّسْبَةِ

_________

(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ١٨١ ط الرياض، ومنح الجليل ١ / ٧١٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤٠ - ٢٤٧، والفروق للقرافي ٤ / ٢٥٥ ط دار المعرفة، وشرح الإحياء ٧ / ٣

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤٠، وشرح إحياء علوم الدين ٧ / ١٧ - ١٨، والتبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢ / ١٨٧

(٣) التبصرة ٢ / ١٨٩

(٤) جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٧

(٥) منح الجليل ٤ / ٥٥٩

(٦) قليوبي ١ / ٢٨٠

(٧) التبصرة ٢ / ١٨٧