الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - أ - الأُْنْثَيَانِ مِنَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ فَتَأْخُذُ حُكْمَهَا (ر: عَوْرَة) .
ب - الاِخْتِصَاءُ وَالإِْخْصَاءُ وَالْجَبُّ لِلإِْنْسَانِ حَرَامٌ لِنَهْيِ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الاِخْتِصَاءِ، فَعَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ قَيْسٍ قَال: قَال عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ (١) .
وَقِيل: نَزَل فِي هَذَا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢)، وَفِي الْبَابِ جُمْلَةٌ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تُحَرِّمُ ذَلِكَ.
ج - فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْخُصْيَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ الدِّيَةُ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ فَذَهَبَ نَسْلُهُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِنْ ذَهَبَ نَسْلُهُ بِقَطْعِ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ. (٣) (ر: دِيَة) .
أَمَّا فِي الْعَمْدِ فَفِيهِمَا الْقِصَاصُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يُوجِبُونَ فِي الأُْنْثَيَيْنِ الْقِصَاصَ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُعْلَمُ لَهُ مَفْصِلٌ فَلاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمِثْل. (٤) (ر: قِصَاص) .
_________
(١) حديث عبد الله بن مسعود. . . أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١١٧ - ط السلفية) .
(٢) سورة المائدة / ٨٧. وانظر جواهر الإكليل ٢ / ٣٠، ٣٩، ٤٠، ١٥٠، وقليوبي ٢ / ١٩٧.
(٣) الاختيار ٥ / ٣٨، والمغني ٨ / ٣٤، وقليوبي ٤ / ١١٣، والشرح الصغير ٤ / ٣٨٨ ط المعارف.
(٤) شرح الروض ٤ / ٢٣، وابن عابدين ٥ / ٣٥٦، والبدائع ٧ / ٣٠٩، والمغني ٩ / ٤٢٦، نهاية المحتاج ٧ / ٣٠، وشرح الزرقاني ٨ / ١٧.
قَطْعُ أُنْثَيَيِ الْحَيَوَانِ:
٣ - ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ قَطْعِ أُنْثَيَيِ الْحَيَوَانِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى كَرَاهَتِهِ، (١) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِخْصَاء) .
انْحِصَارٌ
انْظُرْ: حَصَرَ.
انْحِلاَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْحِلاَل لُغَةً: الاِنْفِكَاكُ، وَفِي دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ: الاِنْحِلاَل: بُطْلاَنُ الصُّورَةِ. (٢)
وَالاِنْحِلاَل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْبُطْلاَنِ، وَالاِنْفِكَاكِ، وَالاِنْفِسَاخِ، وَالْفَسْخِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبُطْلاَنُ:
٢ - يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الاِنْحِلاَل بِمَعْنَى الْبُطْلاَنِ، إِلاَّ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٤٩، والدسوقي ٣ / ١٠٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٤٠، والآداب الشرعية ٣ / ١٤٤، وقليوبي ٣ / ٢٠٣.
(٢) تاج العروس، والمصباح مادة: " حلل "، ودستور العلماء، الألف مع النون ١ / ١٩٥.
(٣) الدسوقي ٣ / ٥٣٥ ط دار الفكر، وابن عابدين ٢ / ٥٠٠ ط بولاق الأولى، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٣٨ نشر لبنان.
أَنَّ الْبُطْلاَنَ يَكُونُ فِي الْمُنْعَقِدِ وَغَيْرِهِ، أَمَّا الاِنْحِلاَل فَلاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ فِي الشَّيْءِ الْمُنْعَقِدِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُنْعَقِدِ فَلاَ حِل لَهُ. (١)
ب - الاِنْفِسَاخُ:
يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ تَارَةً بِالاِنْفِسَاخِ وَتَارَةً بِالاِنْحِلاَل. وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الاِنْفِسَاخَ لاَ يُطْلَقُ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إِلاَّ مَجَازًا (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يَرِدُ لَفْظُ الاِنْحِلاَل فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَكْثَرَ مَا يَرِدُ فِي الأَْيْمَانِ، وَالطَّلاَقِ، وَالْعُقُودِ.
فَفِي الأَْيْمَانِ: مَتَى كَانَتِ الْيَمِينُ عَلَى فِعْل وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ كَانَ حَلُّهَا مُحَرَّمًا؛ لأَِنَّ حَلَّهَا بِفِعْل الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْل مَنْدُوبٍ أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ فَحَلُّهَا مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْل مُبَاحٍ فَحَلُّهَا مُبَاحٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْل مَكْرُوهٍ أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ فَحَلُّهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ. (٣)
وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ عَلَى فِعْل مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَحَلُّهَا وَاجِبٌ لأَِنَّ حَلَّهَا بِفِعْل الْوَاجِبِ،
_________
(١) المغني ٨ / ٦٨٦، ٦٨٧ ط الرياض.
(٢) الدسوقي ٣ / ٥٣٥، والحطاب ٥ / ٣٦٩ نشر ليبيا.
(٣) حديث: " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا. . . . . ". أخرجه البخاري (١١ / ٥١٧ - الفتح ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٧٤ - ط الحلبي) .
وَفِعْل الْوَاجِبِ وَاجِبٌ. (١)
هَذَا مِنْ حَيْثُ أَصْل الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِحَل الْيَمِينِ. أَمَّا أَثَرُهُ فَهُوَ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (الأَْيْمَانُ) .
أَسْبَابُ انْحِلاَل الْيَمِينِ:
٤ - لاِنْحِلاَل الْيَمِينِ أَسْبَابٌ، مِنْهَا:
أ - حُصُول مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ: فَتَنْحَل الْيَمِينُ بِوُقُوعِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، إِلاَّ إِنْ كَانَتْ أَدَاةُ التَّعْلِيقِ تَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَالْيَمِينُ تَتَكَرَّرُ مَعَهَا، فَلَوْ قَال لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، انْحَلَّتِ الْيَمِينُ بِالْخُرُوجِ مَرَّةً وَاحِدَةً. (٢)
ب - زَوَال مَحَل الْبِرِّ: كَمَا لَوْ قَال إِنْ كَلَّمْتُ فُلاَنًا أَوْ دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَاتَ فُلاَنٌ أَوْ جُعِلَتِ الدَّارُ بُسْتَانًا بَطَل الْيَمِينُ. (٣) وَانْظُرْ بَحْثَ (أَيْمَان)
ج - الْبِرُّ، وَالْحِنْثُ: فَلَوْ فَعَل مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَكَذَا تَنْحَل لَوِ انْعَقَدَتْ ثُمَّ حَصَل الْحِنْثُ بِوُقُوعِ مَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ. (٤)
د - الاِسْتِثْنَاءُ: تَنْحَل بِهِ الْيَمِينُ بِشُرُوطٍ وَتَفْصِيلاَتٍ تُذْكَرُ فِي بَابَيِ الطَّلاَقِ وَالأَْيْمَانِ، وَقَدْ
_________
(١) المغني ٨ / ٦٨٢، ٦٨٣، والإقناع مع حاشية البجيرمي ٤ / ٣٠٣.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٥٠٠، جواهر الإكليل ١ / ٢٣٠ نشر دار الباز، وشرح الروض ٣ / ٢٨٥، ٤ / ٢٦٦ ط الميمنية، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ٤٣٧ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٧ / ١٨٦، ١٨٧.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٩٧، والمغني ٨ / ٤٩٧، وشرح الروض ٤ / ٢٦٦.
(٤) شرح الروض ٤ / ٢٦٦، والروضة ١١ / ٣٦ ط المكتب الإسلامي، والإنصاف ١١ / ١٠٥.
يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ عَنْ غَيْرِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. (١)
هـ - زَوَال مِلْكِ النِّكَاحِ: تَنْحَل بِهِ الْيَمِينُ بِالطَّلاَقِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَمَنَعَهُ الْبَعْضُ. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ عَلَى انْفِكَاكِ الْيَمِينِ إِذَا زَال مِلْكُ النِّكَاحِ: مَا إِذَا قَال لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا إِنْ فَعَلْتِ كَذَا، ثُمَّ خَالَعَهَا قَبْل وُقُوعِ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ تَنْفَكُّ، وَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا مِنْ جَدِيدٍ فَإِنَّهَا لاَ تَطْلُقُ إِنْ فَعَلَتْ مَا عُلِّقَ قَبْل الْخُلْعِ، (٢) وَالْبَعْضُ مَنَعَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ بِقَصْدِ الاِحْتِيَال. (٣)
والرِّدَّةُ: تَنْحَل بِهَا الْيَمِينُ عِنْدَ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ الآْخَرِ.
ز - وَيَتِمُّ الاِنْحِلاَل فِي الْعُقُودِ بِأَسْبَابٍ، مِنْهَا: حَل الْعَقْدِ غَيْرِ اللاَّزِمِ مِنْ كِلاَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ غَيْرُ لاَزِمٍ فِي حَقِّهِ، وَمِنْهَا الْفَسْخُ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ، وَمِنْهَا الإِْقَالَةُ. وَيُرْجَعُ إِلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ فِي مَوْضِعِهِ.
انْحِنَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْحِنَاءُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ: حَنَى، فَالاِنْحِنَاءُ: الاِنْعِطَافُ وَالاِعْوِجَاجُ عَنْ وَجْهِ الاِسْتِقَامَةِ. يُقَال
_________
(١) المغني ٨ / ٨١٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢٢٦، والعدوي على الخرشي ٢ / ٥٧ نشر دار صادر.
(٢) البجيرمي على الخطيب ٣ / ٤١٢، وابن عابدين ٢ / ٥٠١، وإعلام الموقعين ٣ / ٢٩٢.
(٣) إعلام الموقعين ٢ / ٢٩٢.
لِلرَّجُل إِذَا انْحَنَى مِنَ الْكِبَرِ حَنَاهُ الدَّهْرُ، فَهُوَ مَحْنِيٌّ وَمَحْنُوٌّ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرُّكُوعُ:
٢ - الرُّكُوعُ نَوْعٌ مِنَ الاِنْحِنَاءِ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ سَيَأْتِي بَيَانُهَا. (٢)
ب - السُّجُودُ:
السُّجُودُ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَْرْضِ، وَهُوَ يَجْتَمِعُ مَعَ الاِنْحِنَاءِ بِجَامِعِ الْمَيْل، إِلاَّ أَنَّ الْمَيَلاَنَ فِي السُّجُودِ أَكْثَرُ بِوُصُول الْجَبْهَةِ إِلَى الأَْرْضِ (٣) .
ج - الإِْيمَاءُ:
الإِْيمَاءُ هُوَ أَنْ تُشِيرَ بِرَأْسِكَ أَوْ بِيَدِكَ أَوْ بِعَيْنِكَ أَوْ بِحَاجِبِكَ أَوْ بِأَقَل مِنْ هَذَا، كَمَا يُومِئُ الْمَرِيضُ بِرَأْسِهِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقَدْ يَكُونُ الإِْيمَاءُ بِدُونِ انْحِنَاءٍ (٤) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِنْحِنَاءِ بِاخْتِلاَفِ السَّبَبِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِ:
_________
(١) معجم مقاييس اللغة، والصحاح، والمصباح المنير، والمطلع، والزاهر في ألفاظ الشافعي مادة (حنا) .
(٢) المغرب، والمصباح المنير.
(٣) نفس المصادر السابقة.
(٤) المغرب.
فَقَدْ يَكُونُ الاِنْحِنَاءُ مُبَاحًا، كَالاِنْحِنَاءِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي أَعْمَالِهِ الْيَوْمِيَّةِ.
وَقَدْ يَكُونُ فَرْضًا فِي الصَّلاَةِ، لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِهِ، كَمَا هُوَ فِي الرُّكُوعِ فِي الصَّلاَةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِقَدْرِ مَا يَمُدُّ يَدَيْهِ فَتَنَال رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الشَّخْصِ الْمُعْتَدِل الْقَامَةِ. (١) وَتَفْصِيل هَذَا فِي (رُكُوع) .
وَقَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا، كَالاِنْحِنَاءِ تَعْظِيمًا لإِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ جَمَادٍ. وَهَذَا مِنَ الضَّلاَلاَتِ وَالْجَهَالاَتِ. (٢)
وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِنْحِنَاءَ عِنْدَ الاِلْتِقَاءِ بِالْعُظَمَاءِ كَكِبَارِ الْقَوْمِ وَالسَّلاَطِينِ تَعْظِيمًا لَهُمْ - حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. لأَِنَّ الاِنْحِنَاءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِقَوْلِهِ لِرَجُلٍ قَال لَهُ: يَا رَسُول اللَّهِ، الرَّجُل مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَال ﷺ: لاَ. (٣)
أَمَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الاِنْحِنَاءُ مُجَرَّدَ تَقْلِيدٍ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٠ ط بولاق، والفتاوى الهندية ١ / ٧٠ ط المكتبة الإسلامية، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٧ - ٢٠٨ ط دار المعرفة، والبجيرمي على الخطيب ٢ / ٢٦ ط دار المعرفة، والمحرر ١ / ٦١ ط السنة المحمدية.
(٢) الفتاوى لابن تيمية ٢٧ / ٦٠ - ٦١ ط الرياض.
(٣) مجمع الأنهر ٢ / ٥٤٢ ط العثمانية، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢٤ - ٤٢٥، والشرح الصغير ٤ / ٧٦٠ ط دار المعارف، والقليوبي ٤ / ٧٦ ط عيسى الحلبي، والفتاوى لابن تيمية ٢٧ / ٩٢ وحديث: " الرجل منا يلقي أخاه. . . . ". أخرجه الترمذي (٧ / ٥١٤ - تحفة الأحوذي ط السلفية) وفي إسناده راو ضعيف. . وذكر الحديث من مناكيره الذهبي في الميزان (١ / ٦٢١ ط الحلبي) .
لِلْمُشْرِكِينَ، دُونَ قَصْدِ التَّعْظِيمِ لِلْمُنْحَنَى لَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ فِعْل الْمَجُوسِ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الاِنْحِنَاءُ لِلْمَخْلُوقِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَادَاتِ بَعْضِ الْمُلُوكِ وَالْجَاهِلِينَ. (١)
أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الاِنْحِنَاءِ لِلسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الإِْكْرَاهِ بِشُرُوطِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْكُفْرِ. (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ (إِكْرَاه) .
انْحِنَاءُ الْمُصَلِّي أَثْنَاءَ الْقِيَامِ:
الْقِيَامُ الْمَطْلُوبُ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا قَدْ يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ الاِنْحِنَاءِ لِسَبَبٍ أَوْ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا بِحَيْثُ يَبْقَى اسْمُ الْقِيَامِ مَوْجُودًا، وَلاَ يَصِل إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ لاَ يُخِل بِصِفَةِ الْقِيَامِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ سَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ قِيَامًا غَيْرَ تَامٍّ. (٣)
وَاخْتَلَفُوا فِي اقْتِدَاءِ الْمُسْتَوِي خَلْفَ الأَْحْدَبِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِهِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنْ لاَ تَبْلُغَ حَدَبَتُهُ حَدَّ الرُّكُوعِ، وَتَمْيِيزِ قِيَامِهِ عَنْ رُكُوعِهِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَمَنَعَهُ الْحَنَابِلَةُ مُطْلَقًا. (٤)
_________
(١) الفتاوى لابن تيمية ١١ / ٥٥٤ - ٥٥٥.
(٢) مجمع الأنهر ٢ / ٥٤٢.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٩٨، والشرح الصغير ١ / ٣٠٧، وأسنى المطالب ١ / ١٤٥ - ١٤٦ ط بولاق، ونيل المآرب ١ / ٣٥ ط الكويت.
(٤) فتح القدير ١ / ٢٢٠، وابن عابدين ١ / ٣٩٦، والدسوقي ١ / ٣٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٣٤٠، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٢٣.
انْدِرَاسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْدِرَاسُ: مَصْدَرُ انْدَرَسَ، وَأَصْل الْفِعْل دَرَسَ، يُقَال: دَرَسَ الشَّيْءُ، وَانْدَرَسَ أَيْ: عَفَا وَخَفِيَتْ آثَارُهُ، وَمِثْلُهُ الاِنْمِحَاءُ بِمَعْنَى ذَهَابِ الأَْثَرِ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذَا، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي ذَهَابِ مَعَالِمِ الشَّيْءِ وَبَقَاءِ أَثَرِهِ فَقَطْ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْزَالَةُ - وَالزَّوَال:
٢ - الإِْزَالَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَزَلْتُهُ إِذَا نَحَّيْتُهُ فَزَال.
وَمِنْ مَعَانِي الزَّوَال الْهَلاَكُ وَالاِنْتِهَاءُ. تَقُول: زَال مِلْكُ فُلاَنٍ إِذَا انْتَهَى، وَلاَ يَكُونُ الزَّوَال إِلاَّ بَعْدَ الاِسْتِقْرَارِ وَالثُّبُوتِ، فَالزَّوَال عَلَى هَذَا يَشْتَرِكُ مَعَ الاِنْدِرَاسِ فِي الاِنْتِهَاءِ، (٢) وَإِنْ كَانَ يَفْتَرِقُ عَنْهُ، فَيُطْلَقُ عَلَى تَنْحِيَةِ الشَّيْءِ مِنْ مَكَان إِلَى آخَرَ مَعَ بَقَاءِ ذَاتِهِ. وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي (٣) .
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير - مادة (درس) و(محو) .
(٢) تاج العروس والمصباح المنير مادة: (زول) .
(٣) قليوبي ٤ / ١٣٨ ط عيسى الحلبي، والفروق للعسكري ص ١٤٠.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
لِلاِنْدِرَاسِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَوْضُوعِهِ:
أ - انْدِرَاسُ الْمَسَاجِدِ:
٣ - الْكَلاَمُ عَنِ الاِنْدِرَاسِ فِي الْمَسْجِدِ يَتَنَاوَل مَا إِذَا اسْتَغْنَى النَّاسُ عَنِ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَخْلُوَ عَنِ الْمُصَلِّينَ فِي الْمَحَلَّةِ، أَوْ أَنْ يَخْرَبَ بِحَيْثُ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَرْجُوحَةُ عَنْ أَحْمَدَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَبْقَى مَسْجِدًا، وَلاَ يُبَاحُ وَلاَ يَرْجِعُ إِلَى الْوَاقِفِ، بَل يَبْقَى مَسْجِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ بَعْضِهِ لإِصْلاَحِ بَاقِيهِ، إِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاِنْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِيعَ جَمِيعُهُ، وَوُضِعَ ثَمَنُهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ.
وَهَذَا الْحُكْمُ فِي بُقْعَةِ الْمَسْجِدِ، أَمَّا أَنْقَاضُهُ فَتُنْقَل إِلَى أَقْرَبِ مَسْجِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا تُوضَعُ فِي مَدْرَسَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ أَمَاكِنِ الْخَيْرَاتِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ بَيْعُهَا وَوَضْعُ ثَمَنِهَا فِي مَسْجِدٍ آخَرَ. (١)
ب - انْدِرَاسُ الْوَقْفِ:
٤ - مَعْنَى انْدِرَاسِ الْوَقْفِ أَنَّهُ أَصْبَحَ بِحَالَةٍ لاَ يُنْتَفَعُ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٣٧١، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٢، والحطاب ٦ / ٤٢، والشرح الصغير ٤ / ١٢٥، والمغني ٥ / ٥٧٥.