الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

وَهَكَذَا كُل كَفَّارَةٍ لَهَا بَدَلٌ، يُصَارُ إِلَى الْبَدَل عِنْدَ تَعَذُّرِ الأَْصْل (١) .

ب - الاِنْتِقَال الْجَائِزُ:

٤ - الاِنْتِقَال الْجَائِزُ قَدْ يَكُونُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَقَدْ يَكُونُ بِاتِّفَاقِ الطَّرَفَيْنِ، وَيَجُوزُ الاِنْتِقَال مِنَ الأَْصْل إِلَى الْبَدَل إِذَا كَانَ فِي الْبَدَل مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ شَرْعًا، فَيَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ دَفْعُ بَدَل الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالنَّذْرِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالْعُشْرِ، وَالْخَرَاجِ (٢) .

كَمَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْعَلاَقَةِ الاِنْتِقَال مِنَ الْوَاجِبِ إِلَى الْبَدَل فِي دَيْنِ الْقَرْضِ، وَبَدَل الْمُتْلَفَاتِ مَثَلًا وَقِيمَتِهِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالأُْجْرَةِ، وَالصَّدَاقِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَبَدَل الدَّمِ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي دَيْنِ السَّلَمِ. (٣)

أَنْوَاعُ الاِنْتِقَال:

يَتَنَوَّعُ الاِنْتِقَال إِلَى الأَْنْوَاعِ الآْتِيَةِ:

أ - الاِنْتِقَال الْحِسِّيُّ:

٥ - إِذَا انْتَقَلَتِ الْحَاضِنَةُ مِنْ بَلَدِ الْوَلِيِّ إِلَى آخَرَ لِلاِسْتِيطَانِ سَقَطَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ.

وَيَنْتَقِل الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ أَوْ مَنْ يَنْدُبُهُ إِلَى الْمُخَدَّرَةِ (وَهِيَ مَنْ لاَ تَخْرُجُ فِي الْعَادَةِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا) وَالْعَاجِزَةِ لِسَمَاعِ شَهَادَتِهَا، وَلاَ تُكَلَّفُ هِيَ بِالْحُضُورِ

_________

(١) انظر كثيرا في التطبيقات على ذلك في مجلة الأحكام العدلية - المواد: ٢٩٨، ٣٠٨، ٣٠٩، ٧٧٧، ٨٩١، ٩١٢ وغيرها.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٢.

(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٣١ طبعة مصطفى الحلبي ١٣٧٨ هـ ١٩٥٩ م.

إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ.

وَلاَ تَنْتَقِل الْمُعْتَدَّةُ رَجْعِيًّا مِنْ بَيْعِهَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ

ب - انْتِقَال الدَّيْنِ:

٦ - يَنْتَقِل الدَّيْنُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ إِلَى ذِمَّةِ شَخْصٍ آخَرَ بِالْحَوَالَةِ.

ج - انْتِقَال النِّيَّةِ:

٧ - انْتِقَال النِّيَّةِ أَثْنَاءَ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ يُفْسِدُ تِلْكَ الْعِبَادَةَ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَفْسُدُ إِلاَّ إِذَا رَافَقَهَا شُرُوعٌ فِي غَيْرِهَا، فَفِي الصَّلاَةِ مَثَلًا؛ إِذَا انْتَقَل وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ الَّذِي نَوَاهُ إِلَى نِيَّةِ فَرْضٍ آخَرَ، أَوْ إِلَى نَفْلٍ، فَسَدَتْ صَلاَتُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تَفْسُدُ إِلاَّ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ الأُْخْرَى. وَإِذَا فَسَدَتْ صَلاَتُهُ، فَهَل تَصِحُّ الصَّلاَةُ الْجَدِيدَةُ الَّتِي انْتَقَل إِلَيْهَا؟

قَال الْجُمْهُورُ: لاَ تَصِحُّ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَصِحُّ مُسْتَأْنَفَةً مِنْ حِينِ التَّكْبِيرِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنْ نَقَل نِيَّةَ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْل صَحَّ النَّفَل، وَقَال آخَرُونَ: لاَ تَصِحُّ. (١)

وَمِنْ صُوَرِ انْتِقَال النِّيَّةِ أَيْضًا نِيَّةُ الْمُقْتَدِي الاِنْفِصَال عَنِ الإِْمَامِ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُ الأَْئِمَّةِ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اقْتِدَاء) .

_________

(١) انظر المغني ١ / ٤٦٦، ٤٦٨، وابن عابدين ١ / ٤١٩، وأسنى المطالب ١ / ١٤٣، ومواهب الجليل ١ / ٥١٥.

د - انْتِقَال الْحُقُوقِ:

الْحُقُوقُ مِنْ حَيْثُ قَابِلِيَّتُهَا لِلاِنْتِقَال عَلَى نَوْعَيْنِ: حُقُوقٍ تَقْبَل الاِنْتِقَال، وَحُقُوقٍ لاَ تَقْبَل الاِنْتِقَال.

(١) الْحُقُوقُ الَّتِي لاَ تَقْبَل الاِنْتِقَال:

٨ - أَوَّلًا: الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِشَخْصِ الإِْنْسَانِ، وَتَتَعَلَّقُ بِإِرَادَتِهِ، وَهِيَ حُقُوقٌ غَيْرُ مَالِيَّةٍ فِي الْغَالِبِ كَاللِّعَانِ، وَالْفَيْءِ بَعْدَ الإِْيلاَءِ، وَالْعَوْدِ فِي الظِّهَارِ، وَالاِخْتِيَارِ بَيْنَ النِّسْوَةِ اللاَّتِي أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَاخْتِيَارِ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ الأُْخْتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ، وَحَقِّ الزَّوْجَةِ فِي الطَّلاَقِ بِسَبَبِ الضَّرَرِ وَنَحْوِهِ، وَحَقِّ الْوَلِيِّ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ وَالْمَنَاصِبِ كَالْقَضَاءِ وَالتَّدْرِيسِ وَالأَْمَانَاتِ وَالْوَكَالاَتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَدْ تَكُونُ حُقُوقًا مَالِيَّةً، كَحَقِّ الْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَحَقِّ الرُّجُوعِ بِالْهِبَةِ، وَحَقِّ الْخِيَارِ فِي قَبُول الْوَصِيَّةِ، إِذْ لاَ تَنْتَقِل هَذِهِ الْحُقُوقُ إِلَى الْوَرَثَةِ بِالْمَوْتِ. عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي أَبْوَابِهَا

٩ - ثَانِيًا: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْبَدَنِيَّةُ الْخَالِصَةُ الْمَفْرُوضَةُ فَرْضًا عَيْنِيًّا، كَالصَّلاَةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحُدُودِ إِلاَّ الْقَذْفَ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ.

(٢) الْحُقُوقُ الَّتِي تَقْبَل الاِنْتِقَال:

١٠ - قَال الْقَرَافِيُّ: مِنَ الْحُقُوقِ مَا يَنْتَقِل إِلَى الْوَارِثِ، وَمِنْهَا مَا لاَ يَنْتَقِل، فَمِنْ حَقِّ الإِْنْسَانِ أَنْ يُلاَعِنَ عِنْدَ سَبَبِ اللِّعَانِ، وَأَنْ يَفِيءَ بَعْدَ الإِْيلاَءِ، وَأَنْ يَعُودَ بَعْدَ الظِّهَارِ، وَأَنْ يَخْتَارَ مِنْ نِسْوَةٍ إِذَا أَسْلَمَ

عَلَيْهِنَّ، وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَأَنْ يَخْتَارَ إِحْدَى الأُْخْتَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ، وَإِذَا حَمَل الْمُتَبَايِعَانِ لَهُ الْخِيَارَ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَمْلِكَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ عَلَيْهِمَا وَفَسْخَهُ، وَمِنْ حَقِّهِ مَا فُوِّضَ إِلَيْهِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ وَالْمَنَاصِبِ، كَالْقِصَاصِ وَالإِْمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَالأَْمَانَةِ وَالْوَكَالَةِ، فَجَمِيعُ هَذِهِ الْحُقُوقِ لاَ يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْمُورَثِ. بَل الضَّابِطُ لِمَا يَنْتَقِل إِلَيْهِ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَال، أَوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا عَنِ الْوَارِثِ فِي عِرْضِهِ بِتَخْفِيفِ أَلَمِهِ. وَمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْمُورَثِ وَعَقْلِهِ وَشَهَوَاتِهِ لاَ يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ. وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَرِثُونَ الْمَال فَيَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَبَعًا لَهُ، وَلاَ يَرِثُونَ عَقْلَهُ وَلاَ شَهْوَتَهُ وَلاَ نَفْسَهُ، فَلاَ يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَمَا لاَ يُورَثُ لاَ يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَاللِّعَانُ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ يَعْتَقِدُهُ لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ غَالِبًا، وَالاِعْتِقَادَاتُ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمَال، وَالْفَيْئَةُ شَهْوَتُهُ، وَالْعَوْدُ إِرَادَتُهُ، وَاخْتِيَارُ الأُْخْتَيْنِ وَالنِّسْوَةِ إِرْبُهُ وَمَيْلُهُ، وَقَضَاؤُهُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ عَقْلُهُ وَفِكْرَتُهُ وَرَأْيُهُ وَمَنَاصِبُهُ وَوِلاَيَاتُهُ وَآرَاؤُهُ وَاجْتِهَادَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ الدِّينِيَّةُ فَهُوَ دِينُهُ، وَلاَ يَنْتَقِل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْوَارِثِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِثْ مُسْتَنَدَهُ وَأَصْلَهُ.

وَانْتَقَل لِلْوَارِثِ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعَاتِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لاَ يَنْتَقِل إِلَيْهِ. وَيَنْتَقِل لِلْوَارِثِ خِيَارُ الشُّفْعَةِ عِنْدَنَا (عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ) وَخِيَارُ التَّعْيِينِ إِذَا اشْتَرَى مَوْرُوثُهُ عَبْدًا مِنْ عَبْدَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ، وَخِيَارُ الْوَصِيَّةِ إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَخِيَارُ الإِْقَالَةِ وَالْقَبُول إِذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ لِزَيْدٍ فَلِوَارِثِهِ الْقَبُول وَالرَّدُّ. وَقَال ابْنُ الْمَوَّازِ: إِذَا قَال: مَنْ جَاءَنِي

بِعَشَرَةٍ فَغُلاَمِي لَهُ، فَمَتَى جَاءَ أَحَدٌ بِذَلِكَ إِلَى شَهْرَيْنِ لَزِمَهُ، وَخِيَارُ الْهِبَةِ وَفِيهِ خِلاَفٌ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ خِيَارَ الشُّفْعَةِ، وَسَلَّمَ خِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَخِيَارَ تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ، وَحَقَّ الْقِصَاصِ، وَحَقَّ الرَّهْنِ، وَحَبْسِ الْمَبِيعِ، وَخِيَارَ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ فَمَاتَ رَبُّهُ قَبْل أَنْ يَخْتَارَهُ أَخَذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَوَافَقْنَاهُ نَحْنُ عَلَى خِيَارِ الْهِبَةِ فِي الأَْبِ لِلاِبْنِ بِالاِعْتِصَارِ، وَخِيَارُ الْعِتْقِ وَاللِّعَانِ وَالْكِتَابَةِ وَالطَّلاَقِ، بِأَنْ يَقُول: طَلَّقْتَ امْرَأَتِي مَتَى شِئْتَ، فَيَمُوتُ الْمَقُول لَهُ، وَسَلَّمَ الشَّافِعِيُّ جَمِيعَ مَا سَلَّمْنَاهُ، وَسَلَّمَ خِيَارَ الإِْقَالَةِ وَالْقَبُول. (١)

هـ - انْتِقَال الأَْحْكَامِ:

١١ - أَوَّلًا: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ غَيْرَ الْحَامِل، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا تَنْتَقِل مِنْ عِدَّةِ الطَّلاَقِ إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ فِي الْجُمْلَةِ. (٢)

وَإِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ لاَ تَحِيضُ، فَابْتَدَأَتْ عِدَّتُهَا بِالأَْشْهُرِ ثُمَّ حَاضَتِ، انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إِلَى الْحَيْضِ.

١٢ - ثَانِيًا: حَجْبُ النُّقْصَانِ يَنْتَقِل فِيهِ الْوَارِثُ مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ أَقَل، فَالزَّوْجُ - مَثَلًا - يَنْتَقِل فَرْضُهُ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ، عِنْدَ وُجُودِ الْفَرْعِ الْوَارِثِ.

_________

(١) الفروق للقرافي ٣ / ٢٧٦ - ٢٧٨.

(٢) حاشية قليوبي ٤ / ٤٩، والمغني مع الشرح الكبير ٩ / ١١٠.

انْتِهَابٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِنْتِهَابُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ نَهَبَ نَهْبًا؛ إِذَا أَخَذَ الشَّيْءَ بِالْغَارَةِ وَالسَّلْبِ. وَالنُّهْبَةُ، وَالنُّهْبَى: اسْمٌ لِلاِنْتِهَابِ، وَاسْمٌ لِلْمَنْهُوبِ. (١) وَيُعَرِّفُ الْفُقَهَاءُ الاِنْتِهَابَ بِقَوْلِهِمْ: أَخْذُ الشَّيْءِ قَهْرًا، (٢) أَيْ مُغَالَبَةً.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِخْتِلاَسُ:

٢ - يَفْتَرِقُ الاِنْتِهَابُ عَنِ الاِخْتِلاَسِ، إِذِ الاِعْتِمَادُ فِي الاِخْتِلاَسِ عَلَى سُرْعَةِ الأَْخْذِ، بِخِلاَفِ الاِنْتِهَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ. (٣) وَأَيْضًا فَإِنَّ الاِخْتِلاَسَ يَسْتَخْفِي فِيهِ الْمُخْتَلِسُ فِي ابْتِدَاءِ اخْتِلاَسِهِ، وَالاِنْتِهَابُ لاَ يَكُونُ فِيهِ اسْتِخْفَاءٌ فِي أَوَّلِهِ وَلاَ آخِرِهِ (٤) .

ب - الْغَصْبُ:

٣ - يَفْتَرِقُ الاِنْتِهَابُ عَنِ الْغَصْبِ: فِي أَنَّ الْغَصْبَ

_________

(١) تاج العروس، ولسان العرب، والنهاية في غريب الحديث مادة: " نهب ".

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٩٩ طبعة بولاق الأولى.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٩٩.

(٤) المغني لابن قدامة ٨ / ٢٤٠ طبعة المنار الثالثة.

لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي أَخْذِ مَمْنُوعٍ أَخْذُهُ، وَالاِنْتِهَابُ قَدْ يَكُونُ فِي مَمْنُوعٍ أَخْذُهُ، وَفِيمَا أُبِيحَ أَخْذُهُ.

ج - الْغُلُول:

٤ - الْغُلُول: الأَْخْذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ، وَلَيْسَ مِنَ الْغُلُول أَخْذُ الْغُزَاةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ، أَوِ الاِنْتِفَاعُ بِالسِّلاَحِ مَعَ إِعَادَتِهِ عِنْدَ الاِسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، فَهَذَا مِنَ الاِنْتِهَابِ الْمَأْذُونِ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ السَّلْبِ بِشُرُوطِهِ، ر: (غُلُول، سَلْب، غَنَائِم) .

أَنْوَاعُ الاِنْتِهَابِ:

٥ - الاِنْتِهَابُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ:

أ - نَوْعٌ لاَ تَسْبِقُهُ إِبَاحَةٌ مِنَ الْمَالِكِ.

ب - نَوْعٌ تَسْبِقُهُ إِبَاحَةٌ مِنَ الْمَالِكِ، كَانْتِهَابِ النِّثَارِ الَّذِي يُنْثَرُ عَلَى رَأْسِ الْعَرُوسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ نَاثِرَهُ - الْمَالِكَ - أَبَاحَ لِلنَّاسِ انْتِهَابَهُ.

ج - نَوْعٌ أَبَاحَهُ الْمَالِكُ لِيُؤْكَل عَلَى وَجْهِ مَا يُؤْكَل بِهِ، فَانْتَهَبَهُ النَّاسُ، كَانْتِهَابِ الْمَدْعُوِّينَ طَعَامَ الْوَلِيمَةِ.

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ النَّوْعِ الأَْوَّل مِنَ الاِنْتِهَابِ - وَهُوَ انْتِهَابُ مَا لَمْ يُبِحْهُ مَالِكُهُ - لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْغَصْبِ الْمُحَرَّمِ بِالإِْجْمَاعِ. وَيَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ وَكِتَابِ الْغَصْبِ.

٧ - أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الاِنْتِهَابِ، كَانْتِهَابِ النِّثَارِ،

فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ تَحْرِيمًا لَهُ كَالشَّوْكَانِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ كَرَاهَةً لَهُ كَأَبِي مَسْعُودٍ الأَْنْصَارِيِّ (١)، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. (٢)

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ بِمَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ النُّهْبَى. (٣)

وَاسْتَدَل الآْخَرُونَ: بِأَنَّ الاِنْتِهَابَ الْمُحَرَّمَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ هُوَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْغَارَاتِ، وَعَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْهُ وَقَعَتِ الْبَيْعَةُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بَايَعْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى أَلاَّ نَنْتَهِبَ. (٤) أَمَّا انْتِهَابُ مَا أَبَاحَهُ مَالِكُهُ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِي الاِلْتِقَاطِ مِنَ الدَّنَاءَةِ.

وَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ الاِنْتِهَابَ، فَقَدْ قَال: إِنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى، وَلَكِنْ لاَ كَرَاهَةَ فِيهِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَعَامِرُ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ

_________

(١) في المطبوع من شرح معاني الآثار ٣ / ٥٠، وفي نيل الأوطار أيضا ٦ / ٢٠٩ (ابن مسعود) وهو خطأ، وصوابه (أبو مسعود) كما في سنن البيهقي ٧ / ٢٨٧، وعمدة القاري ١٣ / ٢٥ فاقتضى التنبيه على ذلك.

(٢) المغني ٧ / ١٢، وعمدة القاري ١٣ / ٢٥، ونيل الأوطار ٦ / ٢٠٩، ومواهب الجليل ٤ / ٦، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢٦، والقليوبي ٣ / ٢٩٩.

(٣) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن النهى. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١١٩ ط السلفية) .

(٤) حديث عبادة: " بايعنا رسول الله ﷺ على ألا ننتهب ". أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٢١٩ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٣٤ ط الحلبي) .

الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ عَنْهُ. (١) وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَتْهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَنُثِرَ عَلَيْهِ التَّمْرُ. (٢) وَبِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَحَبُّ الأَْيَّامِ إِلَى اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ عَرَفَةَ. فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَدَنَاتٍ خَمْسًا أَوْ سِتًّا فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ - سَقَطَتْ - جُنُوبُهَا، قَال كَلِمَةً خَفِيفَةً لَمْ أَفْهَمْهَا - أَيْ لَمْ يَفْهَمْهَا الرَّاوِي، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ - فَقُلْتُ لِلَّذِي كَانَ إِلَى جَنْبِي: مَا قَال رَسُول اللَّهِ؟ فَقَال - قَال: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ. (٣) ﴿

وَشَهِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِمْلاَكَ شَابٍّ مِنَ الأَْنْصَارِ، فَلَمَّا زَوَّجُوهُ قَال: عَلَى الأُْلْفَةِ وَالطَّيْرِ الْمَيْمُونِ وَالسَّعَةِ وَالرِّزْقِ، بَارَكَ اللَّهُ لَكُمْ، دَفِّفُوا عَلَى رَأْسِ صَاحِبِكُمْ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَتِ الْجَوَارِي مَعَهُنَّ الأَْطْبَاقُ عَلَيْهَا اللَّوْزُ وَالسُّكَّرُ، فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَلاَ تَنْتَهِبُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ النُّهْبَةِ، قَال: تِلْكَ نُهْبَةُ الْعَسَاكِرِ، فَأَمَّا الْعُرْسَاتُ فَلاَ، فَرَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ يُجَاذِبُهُمْ وَيُجَاذِبُونَهُ (٤)

_________

(١) نيل الأوطار ٦ / ٢٠٩، المغني ٧ / ١٢، وكشاف القناع ٥ / ١٨٣، وابن عابدين ٣ / ٣٢٤، ومواهب الجليل ٤ / ٦، ونهاية المحتاج٦ / ٣٧١.

(٢) حديث عائشة: " تزوج بعض نسائه فنثر عليه التمر. . . . " أخرجه البيهقي (٧ / ٢٨٧ ط دائرة المعارف العثمانية) وضعفه.

(٣) حديث عبد الله بن قرط. أخرجه أبو داود (٢ / ٣٧٠ - ط عزت عبيد دعاس) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣ / ٥٠ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) . واللفظ للطحاوي وإسناده حسن. (نيل الأوطار ٥ / ١٤٨ ط الحلبي) .

(٤) حديث: (تلك نهبة العساكر. . . . " أخرجه الطحاوي (٣ / ٥٠ - ط مطبعة الأنوار المحمدية. وفي إسناده ضعف وانقطاع (نيل الأوطار ٦ / ٢٠٩ ط الحلبي) .

٨ - أَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا أَبَاحَهُ مَالِكُهُ لِفِئَةٍ مِنَ النَّاسِ لِيَتَمَلَّكُوهُ دُونَ انْتِهَابٍ، بَل عَلَى وَجْهِ التَّسَاوِي، أَوْ عَلَى وَجْهٍ يَقْرَبُ مِنَ التَّسَاوِي - كَوَضْعِهِ الطَّعَامَ أَمَامَ الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْوَلِيمَةِ - فَإِنَّ انْتِهَابَهُ حَرَامٌ لاَ يَحِل وَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ مُبِيحَهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي أَكْلِهِ - مَثَلًا - فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَأْكُل مِنْهُ مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَى وَجْهِ الأَْكْل، فَقَدْ أَخَذَ حَرَامًا وَأَكَل سُحْتًا. (١)

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عِنْدَ حَدِيثِهِمْ عَنِ الْوَلِيمَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.

أَثَرُ الاِنْتِهَابِ:

٩ - يَمْلِكُ الْمُنْتَهِبُ مَا انْتَهَبَهُ مِمَّا أَبَاحَهُ مَالِكُهُ بِالاِنْتِهَابِ بِأَخْذِهِ، لأَِنَّهُ مُبَاحٌ، وَتُمْلَكُ الْمُبَاحَاتُ بِالْحِيَازَةِ. أَوْ هُوَ هِبَةٌ، فَيُمْلَكُ بِمَا تُمْلَكُ بِهِ الْهِبَاتُ. (٢)

أُنْثَيَانِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأُْنْثَيَانِ: الْخُصْيَتَانِ (٣)، وَهُمَا فِي الاِصْطِلاَحِ بِهَذَا الْمَعْنَى (٤) .

_________

(١) مواهب الجليل ٤ / ٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٢٤.

(٣) لسان العرب والمصباح مادة: (أنث) .

(٤) ابن عابدين ٢ / ٥٩٣ ط بولاق الأولى.