الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ بِكُل حَالٍ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَعَدَّى فِيهَا أَوْ يُفَرِّطَ فِيهَا أَوْ لاَ. (١) أَمَّا إِذَا انْتَفَعَ بِهَا وَرَدَّهَا عَلَى صِفَتِهَا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ (يَحْتَمِل الإِْخْفَاءَ) وَبَيْنَ مَا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: يَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ، كَالْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ، إِنِ ادَّعَى الضَّيَاعَ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ عَلَى ضَيَاعِهِ بِلاَ سَبَبٍ مِنْهُ، كَذَلِكَ يَضْمَنُ بِانْتِفَاعِهِ بِهَا بِلاَ إِذْنِ رَبِّهَا إِذَا تَلِفَتْ أَوْ تَعَيَّبَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. أَمَّا فِيمَا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ وَفِيمَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَلَفِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ. (٢)
وَالاِنْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَارِيَّةِ، فَلَوْ هَلَكَ فِي حَالَةِ الاِسْتِعْمَال وَالْعَمَل لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ الْمَأْذُونَ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَإِذَا انْتَفَعَ بِهِ بِدُونِ إِذْنِ الرَّاهِنِ يَضْمَنُ (٣) مَعَ تَفْصِيلٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ.
٣٦ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الأَْصْل الاِنْتِفَاعُ بِمَال الْغَيْرِ حَال الاِضْطِرَارِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا شَرْعًا، لَكِنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، عَمَلًا بِقَاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ أُخْرَى، هِيَ: أَنَّ الاِضْطِرَارَ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغَيْرِ (٤) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ الضَّمَانِ عَمَلًا
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٧٠، والمغني ٥ / ٣٥٥ و٦ / ١١٧.
(٢) بلغة السالك ٣ / ٥٥٣، ٥٧٤، وبداية المجتهد ٢ / ٢٨٤.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٣٣٦، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٧٤، والمغني ٤ / ٢٨٩.
(٤) ابن عابدين ٥ / ٢١٥، ونهاية المحتاج ٨ / ١٥٢، ١٥٣، والقليوبي ٤ / ٢٦٣، والمغني ١١ / ٨٠.
بِالأَْصْل، وَهُوَ أَنَّ الاِنْتِفَاعَ الْمُبَاحَ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُضْطَرِّ ثَمَنُ الطَّعَامِ لِيَشْتَرِيَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ كَمَا عَلَّل بِذَلِكَ الدَّرْدِيرُ (١) .
٣٧ - أَمَّا الاِنْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ وَالْوَدِيعَةِ فَمُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، إِلاَّ مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ عَدَمِ ضَمَانِ لُبْسِ الثَّوْبِ لِدَفْعِ الْعُفُونَةِ وَرُكُوبِ مَا لاَ يَنْقَادُ لِلسَّقْيِ. (٢)
كَذَلِكَ تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ بِالتَّفْوِيتِ وَالْفَوَاتِ، بِأَنْ سَكَنَ الدَّارَ وَرَكِبَ الدَّابَّةَ، أَوْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَا تَدُل عَلَيْهِ نُصُوصُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لَوْ غَصَبَ الْعَيْنَ لاِسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، لاَ لِتَمَلُّكِ الذَّاتِ، فَتَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا فَلاَ يَضْمَنُهَا الْمُتَعَدِّي. فَمَنْ سَكَنَ دَارًا غَاصِبًا لِلسُّكْنَى، فَانْهَدَمَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ قِيمَةَ السُّكْنَى. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنَافِعَ الأَْعْيَانِ الْمَنْقُولَةِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ. فَإِذَا غَصَبَ دَابَّةً فَأَمْسَكَهَا أَيَّامًا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى يَدِ مَالِكِهَا لاَ يَضْمَنُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنِ الْمَنَافِعِ، لأَِنَّهَا أَعْرَاضٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا. فَالْمَنْفَعَةُ الْحَادِثَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا. (٤)
لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مَال وَقْفٍ أَوْ مَال صَغِيرٍ أَوْ
_________
(١) بلغة السالك ٢ / ١٨٥.
(٢) القليوبي ٣ / ٣٢، ١٨٥، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٠، ١٤٩، والمغني ٥ / ٣٧٦، و٧ / ٢٨٠، وابن عابدين ٥ / ١١٦.
(٣) القليوبي ٣ / ٣٣، وجواهر الإكليل ٢ / ١٥١، والمغني ٥ / ٤١٥.
(٤) البدائع ٧ / ١٤٥.
كَانَ مُعَدًّا لِلاِسْتِغْلاَل يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ. وَيُرْجَعُ لِتَفْصِيلِهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (ضَمَان) .
خَامِسًا: تَسْلِيمُ الْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا:
٣٨ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا إِلَى مَنْ لَهُ الاِنْتِفَاعُ، إِذَا ثَبَتَ الاِنْتِفَاعُ بِالْعَقْدِ اللاَّزِمِ وَبِعِوَضٍ، كَالإِْجَارَةِ. فَالْمُؤَجِّرُ مُكَلَّفٌ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَأْجُورَ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَيُمَكِّنَهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا الاِنْتِفَاعُ بِالْعَقْدِ غَيْرِ اللاَّزِمِ فَلاَ يُوجِبُ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ لِلْمُنْتَفِعِ، كَالإِْعَارَةِ، فَلاَ يَلْزَمُ الْمُعِيرُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمُسْتَعَارَ إِلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لأَِنَّ التَّبَرُّعَ لاَ أَثَرَ لَهُ قَبْل الْقَبْضِ.
٣٩ - أَمَّا رَدُّ الْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا إِلَى مَالِكِهَا، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الاِنْتِفَاعَ إِذَا كَانَ بِدُونِ عِوَضٍ كَالْعَارِيَّةِ فَرَدُّ الْعَيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، مَتَى طَلَبَ الْمُعِيرُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْعَارِيَّةَ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّهَا مَتَى شَاءَ، وَلَوْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ لَمْ يُنْقَضْ أَمَدُهُ، لِقَوْلِهِ ﵊: الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ. (١) وَلأَِنَّ الإِْذْنَ هُوَ السَّبَبُ لإِبَاحَةِ الاِنْتِفَاعِ، وَقَدِ انْقَطَعَ بِالطَّلَبِ. وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، فَأَمْسَكَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَرُدَّهَا حَتَّى هَلَكَتْ ضَمِنَ. (٢) وَلَكِنْ إِذَا أَعَارَ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ
_________
(١) حديث: " المنحة مردودة والعارية مؤداة ". أخرجه أبو داود في البيوع (٣ / ٨٢٤ / ٣٥٦٥) ط الدعاس. وأخرجه أحمد (٥ / ٢٩٣) قال الهيثمي (٤ / ١٤٥): ورجاله ثقات.
(٢) الزيلعي ٥ / ٨٤، ٨٩، ونهاية المحتاج ٥ / ١٢٩، وكشاف القناع ٤ / ٧٣.
وَرَجَعَ قَبْل إِدْرَاكِ الزَّرْعِ فَعَلَيْهِ الإِْبْقَاءُ إِلَى الْحَصَادِ، وَلَهُ الأُْجْرَةُ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِ إِرْجَاعِهَا إِلَى حَصَادِ الزَّرْعِ. كَمَا لَوْ أَعَارَهُ دَابَّةً ثُمَّ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ نَقْل مَتَاعِهِ إِلَى مَأْمَنٍ بِأَجْرِ الْمِثْل. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَزِمَتِ الْعَارِيَّةُ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لاِنْقِضَائِهِ، فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَخْذُهَا قَبْلَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعَارُ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ، أَوْ سُكْنَى، أَوْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ كَانَ عَرَضًا. (٢)
٤٠ - أَمَّا إِذَا كَانَ الاِنْتِفَاعُ بِعِوَضٍ كَالإِْجَارَةِ، فَلاَ يُكَلَّفُ الْمُسْتَأْجِرُ رَدَّ الْمَأْجُورِ بَعْدَ الاِنْقِضَاءِ، وَلَيْسَ لِلآْجِرِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَأْجُورَ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودَةِ، وَلاَ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُقَرَّرَةِ. وَحُكْمُ بَقَاءِ الزَّرْعِ إِلَى الْحَصَادِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ كَحُكْمِ الْعَارِيَّةِ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُبْقِيَ الزَّرْعَ فِي الأَْرْضِ إِلَى إِدْرَاكِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل. لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُ الزِّرَاعَةِ بِسَبَبِ تَقْصِيرِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ. (٣)
أَمَّا مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الإِْجَارَةِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ؛ لأَِنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مَقْبُوضَةٌ لِمَنْفَعَتِهِ بِأَخْذِ الأَْجْرِ، وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ فِي الْعَارِيَّةِ لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ لَهُ، عَمَلًا بِقَاعِدَةِ (الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ) .
_________
(١) البدائع ٦ / ٢١٧، ونهاية المحتاج ٥ / ١٣٩، وكشاف القناع ٤ / ٧٣.
(٢) البدائع ٦ / ٢١٧، ونهاية المحتاج ٥ / ١٣٩، وكشاف القناع ٤ / ٧٣.
(٣) نهاية المحتاج ٥ / ١٣٩.
إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ وَانْتِهَاؤُهُ
٤١ - إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ مَعْنَاهُ وَقْفُ آثَارِ الاِنْتِفَاعِ فِي الْمُسْتَقْبَل بِإِرَادَةِ الْمُنْتَفِعِ أَوْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ أَوِ الْقَاضِي، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ بِلَفْظِ (فَسْخٍ) . وَانْتِهَاءُ الاِنْتِفَاعِ مَعْنَاهُ أَنْ تَتَوَقَّفَ آثَارُهُ بِدُونِ إِرَادَةِ الْمُنْتَفِعِ أَوْ مَالِكِ الْعَيْنِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ بِلَفْظِ (انْفِسَاخٍ) .
أَوَّلًا: إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ:
يُنْهَى الاِنْتِفَاعُ فِي الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ:
أ - الإِْرَادَةُ الْمُنْفَرِدَةُ:
٤٢ - يُمْكِنُ إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ بِالإِْرَادَةِ الْمُنْفَرِدَةِ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ قِبَل مَالِكِ الرَّقَبَةِ أَوِ الْمُنْتَفِعِ نَفْسِهِ. فَكَمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالاِنْتِفَاعِ يُمْكِنُ إِنْهَاؤُهَا مِنْ قِبَل الْمُوصَى لَهُ فِي حَيَاتِهِ، يَصِحُّ إِنْهَاؤُهَا مِنْ قِبَل الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي. وَكَمَا أَنَّ الإِْعَارَةَ يُمْكِنُ إِنْهَاؤُهَا مِنْ قِبَل الْمُعِيرِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ. كَذَلِكَ يَسُوغُ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَرُدَّهَا أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ. لأَِنَّ الإِْعَارَةَ وَالْوَصِيَّةَ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالْوَكَالَةِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ، وَلَوْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ لَمْ يَنْقَضِ أَمَدُهُ، إِلاَّ فِي صُوَرٍ مُسْتَثْنَاةٍ لِدَفْعِ الضَّرَرِ. (١)
ب - حَقُّ الْخِيَارِ:
٤٣ - يَصِحُّ إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ بِاسْتِعْمَال الْخِيَارِ فِي بَعْضِ الْعُقُودِ كَالإِْجَارَةِ، فَإِنَّهَا تُفْسَخُ بِالْعَيْبِ، سَوَاءٌ أَكَانَ
_________
(١) البدائع ٦ / ٢١٦، والزيلعي ٥ / ٨٤، ونهاية المحتاج ٥ / ١٢٩، والمغني ٥ / ٣٦٤، ٦ / ٤٣٧.
الْعَيْبُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ أَوْ حَادِثًا بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ - وَهِيَ الْمَنَافِعُ - يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَمَا وُجِدَ مِنَ الْعَيْبِ يَكُونُ حَادِثًا قَبْل الْقَبْضِ فِي حَقِّ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَنَافِعِ، فَيُوجَدُ الْخِيَارُ. (١)
كَذَلِكَ يُمْكِنُ إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ فِي الإِْجَارَةِ بِفَسْخِهَا بِسَبَبِ خِيَارِ الشَّرْطِ، وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ. فَكَمَا يَجُوزُ فَسْخُ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ - كَذَلِكَ يَصِحُّ إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ فِي الإِْجَارَةِ بِسَبَبِ هَذَيْنِ الْخِيَارَيْنِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
٤٤ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إِنْهَاءُ الاِنْتِفَاعِ فِي حَالَةِ تَعَذُّرِهِ، وَذَلِكَ فِي الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ، كَالإِْجَارَةِ. أَمَّا الْعُقُودُ غَيْرُ اللاَّزِمَةِ كَالإِْعَارَةِ فَإِنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْفَسْخِ بِدُونِ التَّعَذُّرِ كَمَا سَبَقَ.
وَالتَّعَذُّرُ أَعَمُّ مِنَ التَّلَفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَيَشْمَل الضَّيَاعَ وَالْمَرَضَ وَالْغَصْبَ وَغَلْقَ الْحَوَانِيتِ قَهْرًا. (٣) وَقَدْ تَوَسَّعَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِنْهَاءِ الاِنْتِفَاعِ بِسَبَبِ الْعُذْرِ. وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: عَجْزُ الْعَاقِدِ عَنِ الْمُضِيِّ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِتَحَمُّل ضَرَرٍ زَائِدٍ، كَمَنِ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا يَتَّجِرُ فِيهِ فَأَفْلَسَ (٤) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ الزَّرْعُ بِسَبَبِ غَرَقِ الأَْرْضِ أَوِ انْقِطَاعِ مَائِهَا فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ. وَإِنْ قَل الْمَاءُ بِحَيْثُ لاَ يَكْفِي الزَّرْعَ فَلَهُ الْفَسْخُ. وَكَذَلِكَ إِذَا انْقَطَعَ الْمَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ، أَوْ حَدَثَ
_________
(١) الزيلعي ٥ / ١٤٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٠٠، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ٢٧.
(٢) الزيلعي ٥ / ١٤٥، وابن عابدين ٥ / ٤٧.
(٣) الشرح الصغير ٤ / ٤٩
(٤) الزيلعي ٥ / ١٤٥.
خَوْفٌ عَامٌّ يَمْنَعُ مِنْ سُكْنَى الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ بِعُذْرٍ، كَتَعَذُّرِ وَقُودِ الْحَمَّامِ أَوْ خَرَابِ مَا حَوْل الدَّارِ وَالدُّكَّانِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقُوا الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ إِنْهَاءِ الاِنْتِفَاعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ حَيْثُ قَالُوا: إِذَا انْقَطَعَ مَاءُ أَرْضٍ لِلزِّرَاعَةِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ، وَمَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا يُوجِبُ الْفَسْخَ، كَمَا لَوْ سَكَنَ أَلَمُ السِّنِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قَلْعِهِ. (٢)
ج - الإِْقَالَةُ:
٤٥ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الاِنْتِفَاعَ يُمْكِنُ إِنْهَاؤُهُ بِسَبَبِ الإِْقَالَةِ، وَهِيَ فَسْخُ الْعَقْدِ بِإِرَادَةِ الطَّرَفَيْنِ. وَهَذَا إِذَا كَانَ الاِنْتِفَاعُ حَاصِلًا بِسَبَبِ عَقْدٍ لاَزِمٍ كَالإِْجَارَةِ.
أَمَّا فِي غَيْرِ الْعَقْدِ، وَفِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَلاَ يَحْتَاجُ لِلإِْقَالَةِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْذْنِ أَوِ الإِْرَادَةِ الْمُنْفَرِدَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
ثَانِيًا: انْتِهَاءُ الاِنْتِفَاعِ:
يَنْتَهِي الاِنْتِفَاعُ فِي الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ:
أ - انْتِهَاءُ الْمُدَّةِ:
٤٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الاِنْتِفَاعَ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَيًّا كَانَ سَبَبُهُ، فَإِذَا أَبَاحَ شَخْصٌ لآِخَرَ الاِنْتِفَاعَ مِنْ أَمْلاَكِهِ الْخَاصَّةِ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ يَنْتَهِي الاِنْتِفَاعُ بِانْتِهَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ. وَإِذَا آجَرَهُ أَوْ أَعَارَهُ دَابَّةً لِشَهْرٍ فَإِنَّ الاِنْتِفَاعَ بِهَا يَنْتَهِي بِمُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ،
_________
(١) المغني ٦ / ٢٨ - ٣٠.
(٢) نهاية المحتاج ٥ / ٣١٨، والوجيز ١ / ٢٣٩.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بَعْدَهَا، وَإِلاَّ يَكُونُ غَاصِبًا كَمَا تَقَدَّمَ. (١)
ب - هَلاَكُ الْمَحَل أَوْ غَصْبُهُ:
٤٧ - يَنْتَهِي الاِنْتِفَاعُ بِهَلاَكِ الْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. فَتَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ وَالإِْعَارَةُ وَالْوَصِيَّةُ بِهَلاَكِ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَبِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ، وَبِانْهِدَامِ الدَّارِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا. (٢)
أَمَّا غَصْبُ الْمَحَل فَمُوجِبٌ لِفَسْخِ الْعَقْدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) لاَ لِلاِنْفِسَاخِ. (٣)
وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْغَصْبَ أَيْضًا مُوجِبٌ لِلاِنْفِسَاخِ، لِزَوَال التَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ. (٤)
ج - وَفَاةُ الْمُنْتَفِعِ:
سَبَقَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى تَوْرِيثِ الاِنْتِفَاعِ مَا يَتَّصِل بِهَذَا السَّبَبِ. انْظُرْ فِقْرَةَ (٣٠) .
د - زَوَال الْوَصْفِ الْمُبِيحِ:
٤٨ - يَنْتَهِي الاِنْتِفَاعُ كَذَلِكَ بِزَوَال الْوَصْفِ الْمُبِيحِ كَمَا فِي حَالَةِ الاِضْطِرَارِ، حَيْثُ قَالُوا: إِذَا زَالَتْ حَالَةُ الاِضْطِرَارِ زَال حِل الاِنْتِفَاعِ. (٥)
_________
(١) الزيلعي ٥ / ١١٤، والبدائع ٦ / ٢١٧، ونهاية المحتاج ٥ / ١٣٩، والخرشي ٦ / ١٢٧، والمغني ٥ / ٣٦٥.
(٢) نهاية المحتاج ٥ / ٣٠٠، وابن عابدين ٥ / ٨، والشرح الصغير ٤ / ٤٩، والمغني ٦ / ٢٥.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٨، ونهاية المحتاج ٥ / ٣١٨، والشرح الصغير ٤ / ٥١، والمغني ٦ / ٢٨ - ٣٠.
(٤) الزيلعي ٥ / ١٠٨.
(٥) الوجيز للغزالي ١ / ٢٣٩، والزيلعي ٥ / ١٤٥، والمغني ٦ / ٢٩، وانظر القاعدة (٢٣) في مجلة الأحكام العدلية.
انْتِقَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِنْتِقَال فِي اللُّغَةِ: التَّحَوُّل مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى آخَرَ. (١) وَيُسْتَعْمَل مَجَازًا فِي التَّحَوُّل الْمَعْنَوِيِّ، فَيُقَال: انْتَقَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ عِدَّةِ الطَّلاَقِ إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ.
وَيُطْلَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الزَّوَال:
الزَّوَال فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى: التَّنَحِّي، وَمَعْنَى الْعَدَمِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِنْتِقَال وَالزَّوَال: أَنَّ الزَّوَال يَعْنِي الْعَدَمَ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ، وَالاِنْتِقَال لاَ يَعْنِي ذَلِكَ. وَأَيْضًا: أَنَّ الاِنْتِقَال يَكُونُ فِي الْجِهَاتِ كُلِّهَا، أَمَّا الزَّوَال فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ دُونَ بَعْضٍ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يُقَال: زَال مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلْوٍ. وَيُقَال: انْتَقَل مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلْوٍ، وَثَمَّةَ فَرْقٌ ثَالِثٌ هُوَ أَنَّ الزَّوَال لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ اسْتِقْرَارٍ وَثَبَاتٍ صَحِيحٍ أَوْ مُقَدَّرٍ، تَقُول: زَال مِلْكُ فُلاَنٍ، وَلاَ تَقُول ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ ثَبَاتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَتَقُول: زَالَتِ الشَّمْسُ، وَهَذَا وَقْتُ الزَّوَال، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ
_________
(١) تاج العروس مادة: (نقل) .
يُقَدِّرُونَ أَنَّ الشَّمْسَ تَسْتَقِرُّ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ ثُمَّ تَزُول، وَذَلِكَ لِمَا يُظَنُّ مِنْ بُطْءِ حَرَكَتِهَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الاِنْتِقَال. (١) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الاِنْتِقَال أَتَمَّ مِنَ الزَّوَال.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
قَدْ يَكُونُ الاِنْتِقَال وَاجِبًا، وَقَدْ يَكُونُ جَائِزًا.
أ - الاِنْتِقَال الْوَاجِبُ:
٣ - إِذَا تَعَذَّرَ الأَْصْل وَجَبَ الاِنْتِقَال إِلَى الْبَدَل، (٢) وَالْمُتَتَبِّعُ لأَِحْكَامِ الْفِقْهِ يَجِدُ كَثِيرًا مِنَ التَّطْبِيقَاتِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا هَلَكَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَجَبَ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ. (٣) وَأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْوُضُوءِ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ الاِنْتِقَال إِلَى التَّيَمُّمِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ انْتَقَل إِلَى الْقُعُودِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ لِشَيْخُوخَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلاَةُ الظُّهْرِ، وَمَنْ أَتْلَفَ لآِخَرَ شَيْئًا لاَ مِثْل لَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُصَدِّقُ - جَابِي الصَّدَقَةِ - السِّنَّ الْمَطْلُوبَةَ مِنَ الإِْبِل أَخَذَ سِنًّا أَعْلَى مِنْهَا وَدَفَعَ الْفَرْقَ، أَوْ أَخَذَ سِنًّا أَدْنَى مِنْهَا وَأَخَذَ الْفَرْقَ، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى خَمْرٍ وَجَبَ الاِنْتِقَال إِلَى مَهْرِ الْمِثْل. (٤) وَمَنْ عَجَزَ عَنْ خِصَال كَفَّارَةِ الْيَمِينِ انْتَقَل إِلَى الْبَدَل وَهُوَ الصِّيَامُ، (٥)
_________
(١) الفروق في اللغة ص ١٣٩، ١٤٠.
(٢) انظر مجلة الأحكام العدلية - المادة ٥٣.
(٣) حاشية قليوبي ٢ / ٨.
(٤) الاختيار ٣ / ١٠٤.
(٥) حاشية قليوبي ٢ / ٢٩٠.