الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
ﷺ وَدَخَل بِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ (١) .
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا فَإِنَّهَا لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ " أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ".
وَمَنْ دَخَل بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِ التَّسَرِّي، لاَ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ، لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا " أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ " كَمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَْحْزَابِ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢) .
عَدَدُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ:
٢ - النِّسَاءُ اللاَّتِي عَقَدَ عَلَيْهِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَدَخَل بِهِنَّ - وَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ - اثْنَتَا عَشْرَةَ امْرَأَةً، هُنَّ عَلَى تَرْتِيبِ دُخُولِهِ بِهِنَّ كَمَا يَلِي:
(١) خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ.
(٢) سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَقِيل: إِنَّهُ دَخَل بِهَا بَعْدَ عَائِشَةَ.
(٣) عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ التَّيْمِيَّةُ.
(٤) حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيَّةُ.
(٥) زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلاَلِيَّةُ.
(٦) أُمُّ سَلَمَةَ، وَاسْمُهَا: هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةُ.
(٧) زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأَسَدِيَّةُ.
(٨) جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّةُ.
(٩) رَيْحَانَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَظِيَّةُ.
_________
(١) تفسير القرطبي ١٤ / ١٢٥، طبع دار الكتب المصرية، والبحر المحيط ٧ / ٢١٢، وابن العربي ٣ / ١٤٩٦، طبع دار إحياء الكتب ١٣٧٦ هـ، وكشاف القناع ٥ / ٢٣ - ٢٤
(٢) سورة الأحزاب / ٦
(١٠) أُمُّ حَبِيبَةَ، وَاسْمُهَا: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ الأُْمَوِيَّةُ.
(١١) صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ النَّضِيرِيَّةُ.
(١٢) مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ الْهِلاَلِيَّةُ.
وَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ تِسْعٍ مِنْهُنَّ، وَهُنَّ: سَوْدَةُ - وَعَائِشَةُ - وَحَفْصَةُ - وَأُمُّ سَلَمَةَ - وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - وَأُمُّ حَبِيبَةَ - وَجُوَيْرِيَةُ - وَصْفِيَّةُ - وَمَيْمُونَةُ.
وَقَدْ وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي (رَيْحَانَةَ) فَقِيل: كَانَ دُخُول رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهَا دُخُول نِكَاحٍ، وَقِيل: كَانَ دُخُولُهُ بِهَا دُخُول تَسَرٍّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالصَّحِيحُ الأَْوَّل (١) .
مَا يَجِبُ أَنْ تَتَّصِفَ بِهِ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ:
يَجِبُ أَنْ تَتَّصِفَ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصِّفَاتِ التَّالِيَةِ:
أ - الإِْسْلاَمُ:
٣ - لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كِتَابِيَّةً، بَل كُنَّ كُلُّهُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ، وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِكِتَابِيَّةٍ، لأَِنَّهُ ﵊ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ نُطْفَتَهُ فِي رَحِمٍ كَافِرَةٍ، بَل لَوْ نَكَحَ كِتَابِيَّةً لَهُدِيَتْ إِلَى الإِْسْلاَمِ كَرَامَةً لَهُ، لِخَبَرِ سَأَلْتُ رَبِّي أَلاَّ أُزَوَّجَ إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ فَأَعْطَانِي (٢)
_________
(١) عون الأثر لابن سيد الناس ٢ / ٣٠٠ وما بعدها طبع القاهرة مطبعة القدسي ١٣٥٦ هـ، وحاشية العدوي على الخرشي ٣ / ١٦٣، تصوير بيروت - دار صادر، ونداء الجنس اللطيف ص ٥٦ وما بعدها
(٢) الخرشي على خليل ٣ / ١٦١، تصوير بيروت - دار صادر، والخصائص الكبرى للسيوطي ٣ / ٢٧٦ وحديث: " سألت ربي ألا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني " أخرجه الشيرازي في الألقاب بهذا المعنى من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف كما في فيض القدير للمناوي (٤ / ٧٧ - ط المكتبة التجارية)
ب - الْحُرِّيَّةُ:
٤ - وَلَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ رَقِيقَةً، بَل كُنَّ كُلُّهُنَّ حَرَائِرَ، بَل ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً؛ لأَِنَّ نِكَاحَهَا لِعَدَمِ الطَّوْل (الْقُدْرَةِ عَلَى زَوَاجِ الْحُرَّةِ) وَخَوْفِ الْعَنَتِ (الزِّنَا)، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الأَْوَّل ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ - كَمَا سَيَأْتِي - وَعَنِ الثَّانِي لِلْعِصْمَةِ الَّتِي عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا (١) .
ج - عَدَمُ الاِمْتِنَاعِ عَنِ الْهِجْرَةِ:
٥ - لَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ فَلَمْ تُهَاجِرْ، وَلَوْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً مُسْلِمَةً (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَْحْزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (٣) . وَلِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: نُهِيَ رَسُول اللَّهِ عَنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ، إِلاَّ مَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ
_________
(١) شرح الخرشي ٣ / ١٦١، والخصائص الكبرى للسيوطي ٣ / ٢٧٨
(٢) الخصائص ٣ / ٢٧٧ وما بعدها
(٣) سورة الأحزاب / ٥٠. وانظر تفسير الطبري ٢٢ / ٢١، الطبعة الثانية لمصطفى البابي الحلبي
الْمُهَاجِرَاتِ (١) وَلِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: خَطَبَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاعْتَذَرْتُ إِلَيْهِ بِعُذْرٍ فَعَذَرَنِي، فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ. . .﴾ الآْيَةَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قَالَتْ: فَلَمْ أَكُنْ أُحِل لَهُ، لأَِنِّي لَمْ أُهَاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقَاءِ (٢) .
وَقَال الإِْمَامُ أَبُو يُوسُفَ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ -: لاَ دَلاَلَةَ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ اللاَّتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ كُنَّ مُحَرَّمَاتٍ عَلَى الرَّسُول ﵊؛ لأَِنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لاَ يَنْفِي مَا عَدَاهُ (٣) .
وَيَجُوزُ لِلرَّسُول ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ نِسَاءِ الأَْنْصَارِ، قَدْ تَزَوَّجَ ﵊ مِنْ غَيْرِ الْمُهَاجِرَاتِ صَفِيَّةَ وَجُوَيْرِيَةَ، وَفِي مُسْنَدِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ قَال: كَانَتِ الأَْنْصَارُ إِذَا كَانَ لأَِحَدِهِمْ أَيِّمٌ - لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَل لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لاَ (٤) فَلَوْلاَ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُ يَحِل لَهُ
_________
(١) الخصائص ٣ / ٢٧٧ و٢٧٨. وحديث ابن عباس: نهى رسول الله عن أصناف النساء. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٣٥٥ - ط الحلبي) . وقال هذا حديث حسن. قال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: وفي إسناده شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام، ومع ذلك فقد حسن حديثه بعضهم (جامع الأصول في أحاديث الرسول ٢ / ٣٢٠)
(٢) حديث: " أم هانئ قالت: خطبني رسول الله فاعتذرت إليه. . . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٣٥٥ - ط الحلبي) وابن جرير في تفسيره (٢٢ / ٢١ - ط الحلبي) وإسناده ضعيف لضعف مولى أم هانئ (ميزان الاعتدال للذهبي ١ / ٢٩٦ - ط الحلبي)
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤٤٩، طبع المطبعة البهية ١٣٤٧ هـ
(٤) حديث: " كانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٤٢٢ - ط الميمنية) من حديث أبي برزة الأسلمي مطولا، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٣٦٧، ٣٦٨) رجاله رجال الصحيح
التَّزَوُّجُ مِنْ نِسَاءِ الأَْنْصَارِ لَمَا كَانَ هُنَاكَ دَاعٍ لِلتَّرَبُّصِ وَالاِنْتِظَارِ.
د - التَّنَزُّهُ عَنِ الزِّنَا:
٦ - أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ كَوْنِهِنَّ زَوْجَاتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُنَزَّهَاتٌ عَنِ الزِّنَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَنْفِيرِ النَّاسِ عَنِ الرَّسُول، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (١) . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ (٢)، وَمَا رُمِيَتْ بِهِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ مِنَ الإِْفْكِ فِرْيَةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئَةٌ بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ جَل شَأْنُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِْفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَل هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُل امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِْثْمِ وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . الآْيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .
أَحْكَامُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ الرَّسُول ﷺ
:
الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ:
٧ - لاَ حَقَّ لأُِمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقَسْمِ فِي الْمَبِيتِ وَلاَ فِي الْعَدْل بَيْنَهُنَّ، وَلاَ يُطَالَبُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَضِّل مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهَا فِي الْمَبِيتِ وَالْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (٤) .
_________
(١) سورة النور / ٢٦
(٢) فتاوى ابن تيمية ٣٢ / ١١٧، طبع مطابع الرياض طبعة أولى وتفسير القرطبي ٤ / ١٧٦
(٣) سورة النور / ١١ - ١٧
(٤) سورة الأحزاب / ٥١
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فِي قَسْمِ أَزْوَاجِهِ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ كَيْفَ شَاءَ (١) . وَعَلَّل ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ شُغْلًا عَنْ لَوَازِمِ الرِّسَالَةِ (٢)
وَقَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ مِنْ نَفْسِهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ (٣)
تَحْرِيمُ نِكَاحِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّأْبِيدِ:
٨ - ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَقَال جَل شَأْنُهُ ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٤) .
وَأَمَّا اللاَّتِي فَارَقَهُنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْل الدُّخُول كَالْمُسْتَعِيذَةِ - وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ، وَكَالَتِي رَأَى فِي كَشْحِهَا بَيَاضًا - وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ (٥) عِنْدَمَا دَخَل عَلَيْهَا، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ رَأْيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ لِعُمُومِ الآْيَةِ السَّابِقَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أَيْ مِنْ بَعْدِ نِكَاحِهِ.
_________
(١) حديث محمد بن كعب القرظي. . . " كان رسول الله موسعا عليه في قسم أزواجه " أخرجه ابن سعد (٨ / ١٧٢ - ط دار صادر) مرسلا، وأورد له طريقا آخر كذلك مرسلا من حديث قتادة، فبه يتقوى الطريقان
(٢) تفسير الرازي ٢٥ / ٢٢١، طبع المطبعة البهية ١٣٥٧ هـ، وتفسير ابن كثير ٥ / ٤٨٤ وما بعدها طبع دار الأندلس، والخصائص ٣ / ٣٠٤ وما بعدها، وأحكام الجصاص ٣ / ٤٥٢ و٤٥٣، والخرشي ٣ / ١٦٣
(٣) القرطبي ١٤ / ٢١٥
(٤) سورة الأحزاب / ٥٣
(٥) سيرة ابن هشام ٤ / ٦٤٧ الطبعة الثانية لمصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٧٥ هـ، وتفسير القرطبي ١٤ / ٢٢٩
وَالثَّانِي: لاَ يَحْرُمْنَ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ الأَْشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ نَكَحَ الْمُسْتَعِيذَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَامَ عُمَرُ بِرَجْمِهِ وَرَجْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: كَيْفَ تَرْجُمُنِي وَلَمْ يُضْرَبْ عَلَيَّ حِجَابٌ، وَلَمْ أُسَمَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمًّا؟ فَكَفَّ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ (١) .
وَفِي وُجُوبِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِمْرَارِ حَقِّهِنَّ فِي النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى خِلاَفٌ (٢)
عُلُوُّ مَنْزِلَتِهِنَّ:
٩ - إِذَا عَقَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَدَخَل بِهَا صَارَتْ أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِدَلاَلَةِ صَدْرِ الآْيَةِ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣) .
وَعِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ: تُصْبِحُ أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مُسْتَدِلًّا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: يَا أُمَّهُ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، إِنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ (٤) .
دُخُولُهُنَّ فِي آل بَيْتِ الرَّسُول ﷺ:
١٠ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دُخُول أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤٣٧، والبحر المحيط لابن حيان ٧ / ٢١٢، والدر المنثور ٥ / ٢١٤، والخرشي ٣ / ١٦٣، ومواهب الجليل ٣ / ٣٩٨، والخصائص الكبرى ٣ / ١٤٤ وما بعدها
(٢) مواهب الجليل ٣ / ٣٩٨، والقرطبي ١٤ / ١٨٩، ٢٢٩، ومواهب الجليل ٣ / ٣٩٩، وحاشية قليوبي ٣ / ١٩٨، والخصائص ٣ / ٣١٧ وما بعدها
(٣) سورة الأحزاب / ٦
(٤) تفسير القرطبي ١٤ / ١٢٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٣ / ١٤٩٦
أَهْل بَيْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: يَدْخُل نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَهْل الْبَيْتِ، وَبِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَعُرْوَةُ وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُمْ، وَيَسْتَدِل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ الْخَلاَّل بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ سُفْرَةً مِنَ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتْهَا وَقَالَتْ: إِنَّا آل مُحَمَّدٍ لاَ تَحِل لَنَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَ عِكْرِمَةُ يُنَادِي فِي السُّوقِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً (٢) .
وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الَّذِي يَدُل عَلَيْهِ سِيَاقُ الآْيَةِ؛ لأَِنَّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا خِطَابٌ لأُِمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْن فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٣)
وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يَدْخُل نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي آل بَيْتِ رَسُول اللَّهِ، وَيَسْتَدِل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ رَسُول اللَّهِ قَال: نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
_________
(١) سورة الأحزاب / ٣٣
(٢) المغني ٢ / ٦٥٧ طبع مكتبة الرياض، وتفسير القرطبي ١٤ / ١٨٢، وتفسير الطبري ٢٥ / ٨، وشرح المواهب اللدنية ٧ / ٦ طبع المطبعة الأزهرية سنة ١٣٢٨ هـ، ومطالب أولي النهى ٢ / ١٥٧ طبع المكتب الإسلامي بدمشق
(٣) سورة الأحزاب / ٣٣ - ٣٤
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَعَا النَّبِيُّ فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْل بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَال: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ، وَأَنْتِ إِلَى خَيْرٍ (١)
حُقُوقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ:
١١ - مِنْ حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحْتَرَمْنَ وَيُعَظَّمْنَ، وَيُصَنَّ عَنِ الأَْعْيَنِ وَالأَْلْسُنِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَحْوَهُنَّ.
فَإِنْ تَطَاوَل مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ عَلَى تَنَاوُلِهِنَّ بِالْقَذْفِ أَوِ السَّبِّ، فَفِي الْقَذْفِ يُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ قَذْفِ عَائِشَةَ ﵂، وَقَذْفِ غَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ - مِنَ الزِّنَا - فَقَدْ كَفَرَ، وَجَزَاؤُهُ الْقَتْل (٢)، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى
_________
(١) حديث: " عمر بن أبي سلمة. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٣٥١ - ط الحلبي) . وقال البغوي في شرح السنة (١٥ / ١١٧) هذا حديث صحيح الإسناد. وله شاهد أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (صحيح مسلم ٣ / ١٨٨٣ ط عيسى الحلبي)
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٦٧، والصارم المسلول لابن تيمية ص ٥٦٦، طبع مطبعة السعادة، ونسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض وبهامشه شرح علي القالي على الشفاء ٤ / ٥٦٨، طبع المطبعة الأزهرية ١٣٢٧ هـ
ذَلِكَ (١)؛ لأَِنَّ مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ قُتِل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . أَمَّا مَنْ قَذَفَ وَاحِدَةً مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عُقُوبَتِهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ حُكْمَ قَذْفِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَحُكْمِ قَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ أَيْ يُقْتَل - لأَِنَّ فِيهِ عَارًا وَغَضَاضَةً وَأَذًى لِرَسُول اللَّهِ ﷺ بَل فِي ذَلِكَ قَدْحٌ بِدِينِ رَسُول اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ قَذْفَ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ عَائِشَة كَقَذْفِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁، أَوْ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ يُحَدُّ الْقَاذِفُ حَدًّا وَاحِدًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٣) لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِي شَرَفُهُنَّ زِيَادَةً فِي حَدِّ مَنْ قَذَفَهُنَّ؛ لأَِنَّ شَرَفَ الْمَنْزِلَةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْحُدُودِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ مَسْرُوقُ بْنُ الأَْجْدَعِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنْ قَذَفَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ يُحَدُّ حَدَّيْنِ لِلْقَذْفِ - أَيْ يُجْلَدُ مِائَةً وَسِتِّينَ جَلْدَةً (٤) -
_________
(١) الصارم المسلول ص ٥٦٥، وتنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه الكرام من مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٣٥٨، ٣٦٧، طبع سنة ١٣٢٥ هـ
(٢) سورة النور / ١٧، وانظر: تفسير القرطبي ١٢ / ٢٠٦
(٣) سورة النور / ٤
(٤) الخصائص الكبرى ٣ / ١٧٩، والإعلام بقواطع الإسلام المطبوع بهامش الزواجر ص ١٧٢، وتفسير القرطبي ١٢ / ١٧٦، وفتاوى ابن تيمية ٣٢ / ١١٩، والصارم المسلول ص ٥٦٧، وتنبيه الولاة والحكام لابن عابدين (ر: رسائل ابن عابدين ١ / ٣٥٨ - ٣٥٩)