الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
الْكَلْبِ هُوَ أَنَّهُ إِذَا أُرْسِل اتَّبَعَ الصَّيْدَ. وَإِذَا أَخَذَهُ أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا، حَتَّى لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فَأَكَل مِنْهُ لاَ يُؤْكَل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ حَدَّ تَعْلِيمِ الْكَلْبِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ هُوَ الإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الأَْكْل مِنْهُ، وَالْكَلْبُ الَّذِي يَأْكُل إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لاَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَافًا إِلَيْهِ لاَ إِلَى الْمُرْسِل فَلاَ يَجُوزُ أَكْلُهُ. وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: فَإِنْ أَكَل فَلاَ تَأْكُل، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ (٢) وَقَال مَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّ الإِْمْسَاكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي تَعْلِيمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُرْسَل إِلَى الصَّيْدِ. فَالْحَيَوَانُ الْمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي إِذَا أُرْسِل أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ، لأَِنَّ التَّعْلِيمَ إِنَّمَا شُرِطَ حَالَةَ الاِصْطِيَادِ وَهِيَ حَالَةُ الاِتِّبَاعِ. أَمَّا الإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الأَْكْل فَيَكُونَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنِ الاِصْطِيَادِ فَلاَ يُشْتَرَطَانِ. (٣)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَيْد) .
_________
(١) سورة المائدة / ٤
(٢) البدائع ٥ / ٥٢، والقليوبي ٤ / ٢٤٤، ونهاية المحتاج ٨ / ١١٤، والمغني ١١ / ٨٠٦. وحديث: " فإن أكل فلا تأكل. . . . ". أخرجه البخاري ومسلم من حديث عدي بن حاتم مرفوعا بلفظ " إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه. . . . " (فتح الباري ٩ / ٦٠٩ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١٥٢٩ ط عيسى الحلبي)
(٣) ابن عابدين ٥ / ٣٠٠، والشرح الصغير ٢ / ١٦٢، ونهاية المحتاج ٨ / ١١٤، والمغني ١١ / ٦ - ٨
ثَانِيًا: الإِْمْسَاكُ فِي الصِّيَامِ:
٥ - الإِْمْسَاكُ عَنِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ هُوَ مَعْنَى الصِّيَامِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَهُنَاكَ إِمْسَاكٌ لاَ يُعَدُّ صَوْمًا، لَكِنَّهُ وَاجِبٌ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا: مَا إِذَا أَفْطَرَ لاِعْتِقَادِهِ أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ شَعْبَانَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، لَزِمَهُ الإِْمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ الْمُفْطِرَاتِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ (١)، وَإِنْ كَانَ لاَ يَحْتَسِبُ إِمْسَاكَهُ هَذَا صَوْمًا.
كَذَلِكَ يَلْزَمُ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِكُل مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالصَّوْمُ لاَزِمٌ لَهُ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْمُفْطِرُ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
٦ - أَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَزَال عُذْرُهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ كَمَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، أَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ أَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ، أَوْ طَهُرَتِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، فَالْمَالِكِيَّةُ وَكَذَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الإِْمْسَاكِ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ.
وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِحْبَابِ إِمْسَاكِهِمْ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ (٢)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الثَّانِي وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ فَقَدْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الإِْمْسَاكِ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، كَمَا إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ. (٣)
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٠٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٥، ١٤٦، والمغني ٣ / ٧١، ونهاية المحتاج ٣ / ٨٣
(٢) نفس المراجع
(٣) ابن عابدين ٢ / ١٠٦، والشرح الصغير ١ / ٦٨٥، ونهاية المحتاج ٣ / ١٨٤، والمغني ٣ / ٧١
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ بِقَدْرِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالثُّبُوتِ فِيهِ لِيَتَحَقَّقَ الْحَال. (١)
وَلِلتَّفْصِيل فِي هَذِهِ الْمَسَائِل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (صِيَام) .
ثَالِثًا: الإِْمْسَاكُ فِي الْقِصَاصِ:
٧ - إِنْ أَمْسَكَ شَخْصٌ إِنْسَانًا وَقَتَلَهُ آخَرُ فَلاَ خِلاَفَ أَنَّ الْقَاتِل يُقْتَل قِصَاصًا. أَمَّا الْمُمْسِكُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ يُرِيدُ الْقَتْل فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ وَالْقَاتِل مُبَاشِرٌ، وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُول: (إِذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الْمُبَاشِرِ) .
كَذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِْمْسَاكُ بِقَصْدِ الْقَتْل بِحَيْثُ لَوْلاَ إِمْسَاكُهُ لَهُ لَمَا أَدْرَكَهُ الْقَاتِل مَعَ عِلْمِ الْمُمْسِكِ بِأَنَّ الْجَانِيَ قَاصِدٌ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ الثَّالِثُ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنَ الْمُمْسِكِ، لِتَقْدِيمِ الْمُبَاشِرِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ (٢) .
وَقَال مَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: يُقْتَصُّ مِنَ الْمُمْسِكِ لِتَسَبُّبِهِ كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِل لِمُبَاشَرَتِهِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ لَمَا قَدَرَ الْقَاتِل عَلَى قَتْلِهِ، وَبِإِمْسَاكِهِ تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ (٣) .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ أَمْسَكَ شَخْصًا لِيَقْتُلَهُ الطَّالِبُ يُحْبَسُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ. لأَِنَّهُ أَمْسَكَ الْقَتِيل حَتَّى الْمَوْتِ (٤) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٨٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٦، ونهاية المحتاج ٣ / ١٧٣
(٢) البحر الرائق ٨ / ٣٤٥، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٤٤
(٣) الشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٤٥، والمغني ٩ / ٤٧٧، ٤٧٨
(٤) المغني ٩ / ٤٧٨
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاص)
رَابِعًا: الإِْمْسَاكُ فِي الطَّلاَقِ:
٨ - الإِْمْسَاكُ مِنْ صِيَغِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ: مَسَكْتُكِ أَوْ أَمْسَكْتُكِ بِدُونِ حَاجَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، لأَِنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) يَعْنِي الرَّجْعَةَ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قَال: أَمْسَكْتُهَا، يَكُونُ مُرَاجِعًا بِشَرْطِ النِّيَّةِ (٣) .
وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالإِْمْسَاكِ الْفِعْلِيِّ إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا اقْتَرَنَ الإِْمْسَاكُ بِالنِّيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَحْصُل الرَّجْعَةُ بِفِعْلٍ كَوَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ حُرِّمَ بِالطَّلاَقِ، وَمَقْصُودُ الرَّجْعَةِ حِلُّهُ، فَلاَ تَحْصُل بِهِ.
أَمَّا الإِْمْسَاكُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ (٤) .
٩ - وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الطَّلاَقَ فِي الْحَيْضِ طَلاَقُ بِدْعَةٍ لَكِنَّهُ إِنْ حَصَل وَقَعَ، وَتُسْتَحَبُّ مُرَاجَعَتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَال مَالِكٌ: يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ. (٥)
_________
(١) سورة البقرة / ٢٣١
(٢) ابن عابدين ٢ / ٥٣٠، والقليوبي ٤ / ٢، والمغني ٨ / ٤٨٤
(٣) القليوبي ٤ / ٢، والشرح الصغير ٢ / ٦٠٦
(٤) البدائع ٣ / ٩٠، والشرح الصغير ٢ / ٦٠٦، والقليوبي ٤ / ٣، والمغني ٨ / ٣
(٥) حديث: " مره فليراجعها. . . . " أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم. (فتح الباري ٩ / ٣٤٥ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢ / ٩٣ ط عيسى الحلبي)
فَإِذَا رَاجَعَهَا وَجَبَ إِمْسَاكُهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضِ وَنُدِبَ إِمْسَاكُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى (١) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (رَجْعَة) .
إِمْضَاءٌ
انْظُرْ: إِجَازَة.
إِمْلاَكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْمْلاَكُ هُوَ: التَّزْوِيجُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - الإِْمْلاَكُ بِمَعْنَى: عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَهُ مُصْطَلَحٌ خَاصٌّ بِهِ تُذْكَرُ فِيهِ أَحْكَامُهُ.
وَوَلِيمَةُ الإِْمْلاَكِ بِمَعْنَى وَلِيمَةِ الْعَقْدِ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣)، وَالإِْجَابَةُ إِلَيْهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ
_________
(١) البدائع ٣ / ٩٤. وجواهر الإكليل ١ / ٣٣٨ والبجيرمي ٣ / ٤٣١، والمغني ٨ / ٢٣٩
(٢) لسان العرب المحيط (ملك)، وحاشية الرملي على الروض ٣ / ٣٢٣ ط الميمنية، والقليوبي ٣ / ٢٩٤، ٢٩٨ ط مصطفى الحلبي، والجمل على المنهج ٤ / ٢٧٠ ط دار إحياء التراث، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٣١، وكشاف القناع ٥ / ١٦٥ ط الرياض
(٣) الجمل على المنهج ٤ / ٢٧١، وفتح الشفا الشافيات شرح المفردات ص ٢٤٧ ط المكتبة السلفية
الْحَنَابِلَةِ (١)، وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهَا مُبَاحَةٌ (٢) .
وَهَل تَتَعَدَّدُ مَعَ وَلِيمَةِ الدُّخُول؟ قَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ (٣) . وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى حُكْمِ وَلِيمَةِ الإِْمْلاَكِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.
وَيَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإِْمْلاَكِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (وَلِيمَة) .
أُمٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - أُمُّ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ: أَصْلُهُ، وَالأُْمُّ: الْوَالِدَةُ، وَالْجَمْعُ أُمَّهَاتٌ وَأُمَّاتٌ، وَلَكِنْ كَثُرَ (أُمَّهَاتٌ) فِي الآْدَمِيَّاتِ (وَأُمَّاتٌ) فِي الْحَيَوَانِ (٤) .
وَيَقُول الْفُقَهَاءُ: إِنَّ مَنْ وَلَدَتِ الإِْنْسَانَ فَهِيَ أُمُّهُ حَقِيقَةً، أَمَّا مَنْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَهُ فَهِيَ أُمُّهُ مَجَازًا، وَهُوَ الْجَدَّةُ، وَإِنْ عَلَتْ كَأُمِّ الأَْبِ وَأُمِّ الأُْمِّ (٥) .
وَمَنْ أَرْضَعَتْ إِنْسَانًا وَلَمْ تَلِدْهُ فَهِيَ أُمُّهُ مِنَ الرَّضَاعِ (٦) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
لِلأُْمِّ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ تَفْصِيلُهَا فِيمَا يَلِي:
_________
(١) القليوبي ٣ / ٢٩٥، منح الشفا الشافيات ص ٢٤٨
(٢) منح الشفا الشافيات ص ٢٤٨
(٣) الجمل ٤ / ٢٧٠
(٤) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (أم)
(٥) مغني المحتاج ٣ / ١٧٤ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٦ / ٥٦٧ ط الرياض
(٦) المغني ٦ / ٥٦٨
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ:
٢ - وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، وَيَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلْيُصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وَلاَ يُطِعْهُمَا فِي كُفْرٍ وَلاَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَال ﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢)
وَهِيَ أَوْلَى مِنَ الأَْبِ بِالْبِرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٣) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَال: أُمُّكَ. قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ. قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ. قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أَبُوكَ (٤) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَل أَفْضَل؟ قَال: الصَّلاَةُ لأَِوَّل وَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ (٥)
تَحْرِيمُ الأُْمِّ:
٣ - أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الأُْمِّ النَّسَبِيَّةِ وَإِنْ عَلَتْ عَلَى ابْنِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٦)
_________
(١) سورة الإسراء / ٢٣
(٢) سورة لقمان / ١٥
(٣) سورة لقمان / ١٤
(٤) حديث: " أنه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي. . . ". أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (فتح الباري ١٠ / ٤٠١ ط السلفية)
(٥) حديث ابن مسعود أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٩ ط السلفية)
(٦) سورة النساء / ٢٣
وَمِثْلُهَا الأُْمُّ مِنَ الرَّضَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١) .
النَّظَرُ إِلَى الأُْمِّ، وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الأُْمِّ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَحَل جَوَازِ النَّظَرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ النَّظَرِ مِنَ الأُْمِّ إِلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدَيْنِ، فَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالأَْطْرَافِ، فَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الصَّدْرِ وَالظَّهْرِ وَالثَّدْيِ وَالسَّاقِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ بِهِ.
وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ كَالْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ أَجَازُوا النَّظَرَ إِلَى السَّاقِ مِنَ الْمَحْرَمِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ مِنَ الْمَحْرَمِ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَيَحِل مَا عَدَاهُ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ فِي النَّظَرِ عَلَى اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ حَرُمَ.
وَيَجُوزُ لِلأُْمِّ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ وَلَدِهَا لأَِنَّهُ مِنْ أَقْوَى الْمَحَارِمِ لَهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ (٢) .
_________
(١) سورة النساء / ٢٣، وانظر المغني ٦ / ٥٦٧، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢ ط مصطفى الحلبي، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٤
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٣٥، والهداية ١ / ٤٣ - ٤٤، والدسوقي ١ / ٢١٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٩، ونهاية المحتاج ٦ / ١٨٤، والمغني ٦ / ٥٥٤ - ٥٥٦، والإنصاف ٨ / ١٩ - ٢٠ وحديث: " لا يحل لامرأة. . . . " أخرجه البخاري - واللفظ له - ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا (فتح الباري ٢ / ٥٦٦ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢ / ٩٧٧ ط عيسى الحلبي)
النَّفَقَةُ:
٥ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لاَ كَسْبَ لَهُمَا وَلاَ مَال، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَالِدَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْعُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وَلِقَوْلِهِ ﵊: إِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُل الرَّجُل مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ (نَفَقَة) .
الْحَضَانَةُ:
٦ - تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ لِلأُْمِّ الْمُسْلِمَةِ اتِّفَاقًا مَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ، بَل هِيَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا، وَكَذَا الأُْمُّ الْكِتَابِيَّةُ - عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِيهَا - وَتَجِبُ عَلَيْهَا الْحَضَانَةُ إِذَا تَعَيَّنَتْ بِأَلاَّ يَكُونَ غَيْرُهَا (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل: انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَضَانَة) .
_________
(١) سورة لقمان / ١٥
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٤٤٦ - ٤٤٧، والفواكه الدواني ٢ / ١٠٥، ومجمع الأنهر ١ / ٤٩٥، ونيل المآرب ٢ / ٢٩٨ وحديث: " إن أطيب. . . ". أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه واللفظ له من حديث عائشة ﵂ مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: هو حديث حسن. (تحفة الأحوذي ٤ / ٥٩١، ٥٩٢ نشر المكتبة السلفية، وسنن النسائي ٧ / ٢٤٠ ط المطبعة المصرية بالأزهر، وسنن أبي داود ٣ / ٨٠٠، ٨٠١ ط عزت عبيد دعاس " وسنن ابن ماجه ٢ / ٧٢٣ ط عيسى الحلبي، وجامع الأصول ١٠ / ٥٧٠)
(٣) ابن عابدين ٢ / ٦٣٣ - ٦٣٤، والفواكه الدواني ٢ / ١٠١ - ١٠٢، ومغني المحتاج ٣ / ٤٥٢ وما بعدها، ونيل المآرب ٢ / ٣٠٧ وما بعدما
الْمِيرَاثُ:
٧ - لِلأُْمِّ فِي الْمِيرَاثِ ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ:
الأَْوَّل: اسْتِحْقَاقُ السُّدُسِ فَرْضًا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ فَرْعٌ وَارِثٌ، أَوِ اثْنَانِ مِنَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا.
الثَّانِي: اسْتِحْقَاقُ ثُلُثِ التَّرِكَةِ كُلِّهَا فَرْضًا، وَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْفَرْعِ الْوَارِثِ أَصْلًا، وَعَدَمِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ.
الثَّالِثُ: اسْتِحْقَاقُ ثُلُثِ الْبَاقِي مِنَ التَّرِكَةِ، وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ زَوْجًا وَأَمًّا وَأَبًا، فَلِلأُْمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ، وَهُوَ يُسَاوِي هُنَا السُّدُسَ.
ب - أَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ زَوْجَةً وَأُمًّا وَأَبًا، فَلِلأُْمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ يُسَاوِي هُنَا الرُّبُعَ.
وَقَدْ سَمَّى الْفُقَهَاءُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالْغَرَّاوَيْنِ أَوِ الْعُمَرِيَّتَيْنِ، لِقَضَاءِ عُمَرَ ﵁ فِيهِمَا بِذَلِكَ (١) .
الْوَصِيَّةُ:
٨ - لاَ يَدْخُل الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلأَْقْرِبَاءِ، لأَِنَّهُمْ يَرِثُونَ فِي كُل حَالٍ، وَلاَ يُحْجَبُونَ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (٢)
_________
(١) السراجية ص١٢٧ ط الكردي، والرحبية ص ٣٨، وما بعدها ط صبيح
(٢) اللباب في شرح الكتاب ٣ / ٣٠٧، والشرح الصغير على أقرب المسالك ٤ / ٥٩٢، ومنهاج الطالبين ص ٩١ ط مصطفى الحلبي. وحديث: " لا وصية لوارث. . . ". أخرجه الترمذي وأبو داود ضمن حديث طويل، وقال الترمذي: هو حديث حسن صحيح، وذكر ابن حجر طرق الحديث المختلفة وقال: لا يخلو إسناد كل منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلا، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متوات (سنن الترمذي ٤ / ٤٣٣ ط إستنبول، وسنن أبي داود ٣ / ٨٢٤ ط عزت عبيد دعاس، وفتح الباري ٥ / ٣٧٢ ط السلفية)