الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَحْظُورَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرْعِ.

ب - أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَال، وَهَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا فُرِغَ مِنْهُ.

ج - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا بِغَيْرِ تَجَسُّسٍ، فَكُل مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ لاَ يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (١) وَقَال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٢) وَقَال: ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ . (٣)

د - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ مُعْتَبَرٍ، فَكُل مَا هُوَ مَحَل اجْتِهَادٍ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلإِْنْكَارِ، بَل يَكُونُ مَحَلًّا لِلإِْرْشَادِ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِرْشَاد) . (٤)

ثَالِثًا: الشَّخْصُ الْمَأْمُورُ أَوِ الْمَنْهِيُّ:

وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يَصِيرُ الْفِعْل الْمَمْنُوعُ مِنْهُ فِي حَقِّهِ مُنْكَرًا، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا، إِذْ لَوْ شَرِبَ الصَّبِيُّ الْخَمْرَ مُنِعَ مِنْهُ وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْل الْبُلُوغِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُمَيِّزًا، فَالْمَجْنُونُ أَوِ الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ لَوْ وُجِدَا يَرْتَكِبَانِ مُنْكَرًا لَوَجَبَ مَنْعُهُمَا مِنْهُ.

_________

(١) سورة الحجرات / ١٢

(٢) سورة البقرة / ١٨٩

(٣) سورة النور / ٢٧

رَابِعًا: نَفْسُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:

وَلَهُ دَرَجَاتٌ وَآدَابٌ. أَمَّا الدَّرَجَاتُ فَأَوَّلُهَا التَّعْرِيفُ، ثُمَّ النَّهْيُ، ثُمَّ الْوَعْظُ وَالنُّصْحُ، ثُمَّ التَّعْنِيفُ، ثُمَّ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ، ثُمَّ التَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ، ثُمَّ إِيقَاعُ الضَّرْبِ، ثُمَّ شَهْرُ السِّلاَحِ، ثُمَّ الاِسْتِظْهَارُ فِيهِ بِالأَْعْوَانِ وَالْجُنُودِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ. (١)

مَرَاتِبُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:

٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَرَاتِبَ الأَْسَاسِيَّةَ لِلأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ثَلاَثٌ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٢)

فَمِنْ وَسَائِل الإِْنْكَارِ التَّعْرِيفُ بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَخَاصَّةً لأَِصْحَابِ الْجَاهِ وَالْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَلِلظَّالِمِ الْمَخُوفِ شَرُّهُ، فَهُوَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِهِ الْمَوْعِظَةَ. وَأَعْلَى الْمَرَاتِبُ الْيَدُ، فَيَكْسِرُ آلاَتِ الْبَاطِل وَيُرِيقُ الْمُسْكِرَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُهُ، وَيَنْزِعُ الْمَغْصُوبَ، وَيَرُدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا انْتَهَى الأَْمْرُ بِذَلِكَ إِلَى شَهْرِ السِّلاَحِ رَبَطَ الأَْمْرَ بِالسُّلْطَانِ.

وَقَدْ فَصَّل الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ مَرَاتِبَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ١٤١ط التجارية، واستثنى منه: أ - ما لو كان الخلاف شاذا. ب - أو جرى في الترافع لحاكم يعتقد الحرمة ومثله السلطان، واختلف في والي الحسبة. (الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤١) ج - أن يكون للقائم بالإنكار حق فيه، ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ من بعض ما فيه خلاف/٥١٤ إحياء علوم الدين ٢ / ٣١٢، والآداب الشرعة ١ / ١٨٣، ١٨٦، والزواجر ٢ / ١٦١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥١، والحطاب ٣ / ٣٤٨، والأحكام السلطانية للماوردى ص ٢٤١

(٢) حديث: " من رأى منكم منكرا. . . . " أخرجه مسلم ١ / ٦٩ ط الحلبي

وَقَسَّمَهَا إِلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ، تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حِسْبَة) .

هَذَا وَيَجِبُ قِتَال الْمُقِيمِينَ عَلَى الْمَعَاصِي الْمُوبِقَاتِ، الْمُصِرِّينَ عَلَيْهَا الْمُجَاهِرِينَ بِهَا عَلَى كُل أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَرْتَدِعُوا - وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ - لأَِنَّنَا مَأْمُورُونَ بِوُجُوبِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ، وَالنَّكِيرِ بِمَا أَمْكَنَ بِالْيَدِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْ بِلِسَانِهِ، وَذَلِكَ إِذَا رَجَا أَنَّهُ إِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْل أَنْ يَزُولُوا عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ. فَلَوْ قَدَرَ وَاحِدٌ بِالْيَدِ وَآخَرُونَ بِاللِّسَانِ تَعَيَّنَ عَلَى الأَْوَّل، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّأْثِيرُ بِاللِّسَانِ أَقْرَب، أَوْ أَنَّهُ يَتَأَثَّرُ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِي حِينِ لاَ يَتَأَثَّرُ بِذِي الْيَدِ إِلاَّ ظَاهِرًا فَقَطْ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى ذِي اللِّسَانِ حِينَئِذٍ.

٦ - وَلاَ يَسْقُطُ الإِْنْكَارُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِالْيَدِ أَوِ اللِّسَانِ أَصْلًا، إِذْ هُوَ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَلَّفُ عَنِ الإِْنْكَارِ بِاللِّسَانِ وَقَدَرَ عَلَى التَّعْبِيسِ وَالْهَجْرِ وَالنَّظَرِ شَزْرًا لَزِمَهُ، وَلاَ يَكْفِيهِ إِنْكَارُ الْقَلْبِ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْكَرَ بِالْقَلْبِ وَاجْتَنَبَ صَاحِبَ الْمَعْصِيَةِ. قَال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: جَاهِدُوا الْكُفَّارَ بِأَيْدِيكُمْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا إِلاَّ أَنْ تَكْفَهِرُّوا فِي وُجُوهِهِمْ فَافْعَلُوا (١) .

أَخْذُ الأَْجْرِ عَلَى الْقِيَامِ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:

٧ - الأَْصْل أَنَّ كُل طَاعَةٍ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا،

_________

(١) الزواجر ٢ / ١٦١، وإحياء علوم الدين ٢ / ٣١٩، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٢، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥١

كَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْجِهَادِ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (١)، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَال: إِنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (٢) وَمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَال: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْل الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، قُلْتُ:

قَوْسٌ وَلَيْسَ بِمَالٍ، أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: إِنْ كُنْت تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا (٣)

وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ ذَلِكَ (٤)، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال بِهِ أَبُو قِلاَبَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، " لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ (٥) وَجَعَل ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَهْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَحَقُّ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٤، والبدائع ٤ / ١٨٤، ١٩١، والمغني ٦ / ١٣٤، ١٣٦، ١٣٨

(٢) حديث: " عثمان بن أبي العاص. . . " أخرجه الترمذي (١ / ٤٠٩ - ٤١٠ ط الحلبي) . وأخرجه أحمد (٤ / ٢١ ط الميمنية) وإسناده صحيح

(٣) حديث عبادة بن الصامت " إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٠٢ ط عزت عبيد دعاس) وهو ثابت لكثرة طرقه. (التخليص لابن حجر ٤ / ٧، ٨ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة بمصر)

(٤) الشرح الصغير، وحاشية الصاوي عليه ٤ / ١٠، ٣٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٨٩، ٢٩٠، والمغني ٦ / ٣٩، ١٤٠، وكشف الحقائق ٢ / ١٥٧، والمهذب ١ / ٤٠٥

(٥) حديث " زوج رسول الله ﷺ رجلا بما معه من القرآن. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٢٠٥ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٤١ ط الحلبي)

مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ (١)

عَلَى أَنَّ الْمُحْتَسِبَ الْمُعَيَّنَ يُفْرَضُ لَهُ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، مَا يُفْرَضُ لِلْقُضَاةِ وَأَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ، بِخِلاَفِ الْمُتَطَوِّعِ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَفَرِّغٍ لِذَلِكَ (٢) . (ر: إِجَارَة) .

أَمْرَدُ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْمْرَدُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْمَرَدِ، وَهُوَ نَقَاءُ الْخَدَّيْنِ مِنَ الشَّعْرِ، يُقَال: مَرَدَ الْغُلاَمُ مَرَدًا: إِذَا طَرَّ شَارِبُهُ وَلَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ. (٣)

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَنْ لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، وَلَمْ يَصِل إِلَى أَوَانِ إِنْبَاتِهَا فِي غَالِبِ النَّاسِ (٤)

وَالظَّاهِرُ أَنَّ طُرُورَ الشَّارِبِ وَبُلُوغَهُ مَبْلَغَ الرِّجَال لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَل هُوَ بَيَانٌ لِغَايَتِهِ، وَأَنَّ ابْتِدَاءَهُ حِينَ بُلُوغِهِ سِنًّا تَشْتَهِيهِ النِّسَاءُ. (٥)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الأَْجْرَدُ:

٢ - الأَْجْرَدُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَنْ لاَ شَعْرَ عَلَى جَسَدِهِ،

_________

(١) حديث: " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ١٩٩ ط السلفية)

(٢) نصاب الاحتساب لعمر بن محمد المعروف بابن عوض الورقة ٥ مخطوطة المكتبة الأحمدية في حلب

(٣) لسان العرب، والمصباح المنير وترتيب القاموس المحيط مادة " مرد "

(٤) البجيرمي ٣ / ٣٢٤ ط دار المعرفة

(٥) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٧٣

وَالْمَرْأَةُ جَرْدَاءُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الَّذِي لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ شَعْرٌ، وَقَدْ مَضَى أَوَانُ طُلُوعِ لِحْيَتِهِ. وَيُقَال لَهُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا: ثَطٌّ وَأَثَطُّ. (١) (ر: أَجْرَد)

أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ شَعْرٌ، فَهُوَ أَشْعَرُ (٢) .

الْمُرَاهِقُ:

٣ - إِذَا قَارَبَ الْغُلاَمُ الاِحْتِلاَمَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ فَهُوَ مُرَاهِقٌ. فَيُقَال: جَارِيَةٌ مُرَاهِقَةٌ، وَغُلاَمٌ مُرَاهِقٌ، وَيُقَال أَيْضًا: جَارِيَةٌ رَاهِقَةٌ وَغُلاَمٌ رَاهِقٌ (٣) .

الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْمْرَدِ:

أَوَّلًا: النَّظَرُ وَالْخَلْوَةُ:

٤ - إِنْ كَانَ الأَْمْرَدُ غَيْرَ صَبِيحٍ وَلاَ يَفْتِنُ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَال. (٤)

أَمَّا إِنْ كَانَ صَبِيحًا حَسَنًا يَفْتِنُ، وَضَابِطُهُ أَنْ يَكُونَ جَمِيلًا بِحَسَبِ طَبْعِ النَّاظِرِ وَلَوْ كَانَ أَسْوَدَ، لأَِنَّ الْحُسْنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الطِّبَاعِ (٥) فَلَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَالَتَانِ:

الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ وَالْخَلْوَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالأَْمْرِ بِلاَ قَصْدِ الاِلْتِذَاذِ، وَالنَّاظِرُ مَعَ ذَلِكَ آمِنُ الْفِتْنَةِ، كَنَظَرِ الرَّجُل إِلَى وَلَدِهِ أَوْ أَخِيهِ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ، فَهُوَ فِي غَالِبِ الأَْحْوَال لاَ يَكُونُ

_________

(١) الإقناع مع البجيرمي ٣ / ٣٢٤ ط دار المعرفة، ولسان العرب مادة " ثط "، والقليوبي ٣ / ٢١٠

(٢) لسان العرب

(٣) لسان العرب مادة " رهق "

(٤) ابن عابدين ١ / ٢٧٣ ط بولاق، والشرواني مع تحفة المحتاج ٢ / ٢٥٣

(٥) ابن عابدين ١ / ٢٧٣

بِتَلَذُّذٍ، فَهَذَا مُبَاحٌ وَلاَ إِثْمَ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِلَذَّةٍ وَشَهْوَةٍ، فَالنَّظَرُ إِلَيْهِ حَرَامٌ. (١)

وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّة أَنَّ الأَْمْرَدَ يَلْحَقُ بِالْمَرْأَةِ فِي النَّظَرِ إِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ، وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِهَا، وَحُرْمَةُ النَّظَرِ إِلَيْهِ بِشَهْوَةٍ أَعْظَمُ إِثْمًا، قَالُوا: لأَِنَّ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَعْظَمُ مِنْهَا. (٢)

أَمَّا الْخَلْوَةُ بِالأَْمْرَدِ فَهِيَ كَالنَّظَرِ، بَل أَقْرَبُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ (٣) حَتَّى رَأَى الشَّافِعِيَّةُ حُرْمَةَ خَلْوَةِ الأَْمْرَدِ بِالأَْمْرَدِ وَإِنْ تَعَدَّدَ، أَوْ خَلْوَةُ الرَّجُل بِالأَْمْرَدِ وَإِنْ تَعَدَّدَ. نَعَمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رِيبَةٌ فَلاَ تَحْرُمُ كَشَارِعٍ وَمَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ. (٤)

ثَانِيًا: مُصَافَحَةُ الأَْمْرَدِ:

٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى حُرْمَةِ مَسِّ وَمُصَافَحَةِ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَسَّ بِشَهْوَةٍ عِنْدَهُمْ كَالنَّظَرِ بَل أَقْوَى وَأَبْلَغُ مِنْهُ. (٥)

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ كَرَاهَةَ مَسِّ الأَْمْرَدِ وَمُصَافَحَتِهِ (٦) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٧٢ - ٢٧٣، والزرقاني ١ / ١٦٧، والبجيرمي ٣ / ٣٢٣، وكشاف القناع ٥ / ١٥ - ١٦ ط الرياض

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٣٣، والبجيرمي ٣ / ٣٢٢، وتحفة المحتاج ٧ / ١٩٠ ط دار صادر

(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٣٣، والبجيرمي ٣ / ٣٢٤، والمجموع ٤ / ٢٧٨ ط المنيرية، وكشاف القناع ٥ / ١٢ - ١٥

(٤) القليوبي ٤ / ٥٧

(٥) الزرقاني ١ / ١٧٧، والبجيرمي ٣ / ٣٢٤ - ٣٢٦، والقليوبي ٣ / ٢١٣، وفتاوى ابن تيمية ٢١ / ٢٤٣ ط الرياض، وكشاف القناع ٥ / ١٥ - ١٦

(٦) ابن عابدين ١ / ١٤٨

ثَالِثًا: انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الأَْمْرَدِ:

٦ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ إِنَّهُ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ لِشَهْوَةٍ. (١) وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لأَِحْمَدَ - عَدَمَ انْتِقَاضِهِ. (٢)

رَابِعًا: إِمَامَةُ الأَْمْرَدِ:

٧ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ خَلْفَ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَحَل فِتْنَةٍ. (٣) وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

خَامِسًا: مَا يُرَاعَى فِي التَّعَامُل مَعَ الأَْمْرَدِ وَتَطْبِيبِهِ:

٨ - التَّعَامُل مَعَ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ مِنْ غَيْرِ الْمَحَارِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الْحَذَرِ غَالِبًا (٤) وَلَوْ فِي مَقَامِ تَعْلِيمِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الآْفَاتِ.

وَعِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى مُعَامَلَةِ الأَْمْرَدِ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ نَحْوِهِ يَنْبَغِي الاِقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَبِشَرْطِ السَّلاَمَةِ وَحِفْظِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ عِنْدَ التَّعَامُل مَعَهُمْ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْجِدِّ وَالتَّأَدُّبِ وَمُجَانَبَةِ الاِنْبِسَاطِ مَعَهُمْ. (٥)

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٠ ط دار المعرفة، وفتاوى ابن تيمية ٢١ / ٢٤٣

(٢) تحفة المحتاج ١ / ١٢٩ط دار صادر، وفتاوى ابن تيمية ٢١ / ٢٤٣

(٣) ابن عابدين ١ / ٣٧٨ ط بولاق، وحاشية الشرواني ٢ / ٢٥٣، وتصحيح الفروع ١ / ٤٧٨ ط المنار

(٤) البجيرمي ٣ / ٣٢٣، ٣٢٥، وكشاف القناع ٥ / ١١٦

(٥) فتاوى ابن تيمية ٢١ / ٢٥٠، والبجيرمي ٣ / ٣٢٣

وَالأَْصْل: أَنَّ كُل مَا كَانَ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، حَيْثُ يَجِبُ سَدُّ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْفَسَادِ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَصْلَحَةٌ. (١)

إِمْسَاكٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الإِْمْسَاكِ فِي اللُّغَةِ الْقَبْضُ. يُقَال: أَمْسَكْتُهُ بِيَدِي إِمْسَاكًا: قَبَضْتُهُ، وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا الْكَفُّ، يُقَال: أَمْسَكْتُ عَنِ الأَْمْرِ: كَفَفْتُ عَنْهُ. (٢)

وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ، لأَِنَّ مُرَادَهُمْ بِالإِْمْسَاكِ فِي الْجِنَايَاتِ الْقَبْضُ بِالْيَدِ. فَإِذَا أَمْسَكَ رَجُلٌ آخَرَ فَقَتَلَهُ الثَّالِثُ يُقْتَل الْمُمْسِكُ قِصَاصًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الإِْمْسَاكُ بِقَصْدِ الْقَتْل، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ لاَ يُقْتَل كَمَا سَيَأْتِي. وَمُرَادُهُمْ بِالإِْمْسَاكِ فِي الصِّيَامِ: الْكَفُّ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الاِحْتِبَاسُ:

٢ - الاِحْتِبَاسُ لُغَةً: هُوَ الْمَنْعُ مِنْ حُرِّيَّةِ السَّعْيِ،

_________

(١) القليوبي ٣ / ٢٩٦، ٤ / ١٨٣، وابن عابدين ٥ / ٢٥٠ - ٢٥١، والهندية ٤ / ٥٢٠

(٢) المصباح المنير ولسان العرب مادة (مسك)

(٣) ابن عابدين ٢ / ٨٠، والزيلعي ١ / ٣١٣ وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٥، ونهاية المحتاج٣ / ١٤٧

وَيَخْتَصُّ بِمَا يَحْبِسُهُ الإِْنْسَانُ لِنَفْسِهِ. تَقُول: احْتَبَسْتُ الشَّيْءَ؛ إِذَا اخْتَصَصْتَهُ لِنَفْسِكَ خَاصَّةً. (١)

وَيُطْلَقُ الاِحْتِبَاسُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِزَوْجِهَا، كَمَا قَالُوا: إِنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الاِحْتِبَاسِ (٢) . كَمَا يُطْلِقُونَ الاِحْتِبَاسَ أَوِ الْحَبْسَ عَلَى الْوَقْفِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَالاِحْتِبَاسُ أَخَصُّ مِنَ الإِْمْسَاكِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْمْسَاكِ بِاخْتِلاَفِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا: مِنَ الصِّيَامِ، وَالصَّيْدِ، وَالطَّلاَقِ، وَالْقِصَاصِ.

أَوَّلًا: إِمْسَاكُ الصَّيْدِ:

٣ - يُطْلَقُ إِمْسَاكُ الصَّيْدِ عَلَى الاِصْطِيَادِ، وَعَلَى إِبْقَاءِ الصَّيْدِ فِي الْيَدِ بَدَلًا مِنْ إِرْسَالِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِمْسَاكَ صَيْدِ الْبَرِّ حَرَامٌ إِذَا كَانَ فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ، أَوْ كَانَ فِي دَاخِل حُدُودِ الْحَرَمِ. وَكَذَلِكَ الدَّلاَلَةُ وَالإِْشَارَةُ إِلَى الصَّيْدِ، وَالإِْعَانَةُ فِي قَتْلِهِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.

٤ - وَيَجُوزُ الاِصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْجَارِحِ أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا.

وَالإِْمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ كَوْنِ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ تَعْلِيمَ

_________

(١) لسان العرب مادة: (حبس)

(٢) الهداية للمرغيناني وبهامشه العناية ٣ / ٣٢١