الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

مَعَ الشَّرَائِطِ وَالأَْرْكَانِ، يَسْتَلْزِمُ الإِْجْزَاءَ اتِّفَاقًا، إِذَا فُسِّرَ الإِْجْزَاءُ بِالاِمْتِثَال. أَمَّا إِنْ فُسِّرَ الإِْجْزَاءُ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الإِْتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُسْقِطُهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّ. (١)

تَعَارُضُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ:

١١ - النَّهْيُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ يَتَرَجَّحُ عَلَى الأَْمْرِ، لأَِنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنَ النَّهْيِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَلِذَا يَتَرَجَّحُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى حَدِيثِ الأَْمْرِ بِصَلاَةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْل الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي حَقِّ مَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ قُبَيْل غُرُوبِ الشَّمْسِ مَثَلًا. (٢)

وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل الْمُتَقَدِّمَةِ خِلاَفَاتٌ وَتَفْصِيلاَتٌ أَوْسَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا ضِمْنَ مَبَاحِثِ الأَْمْرِ مِنْ كُتُبِ أُصُول الْفِقْهِ، وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

الأَْحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ إِجْمَالًا:

طَاعَةُ الأَْوَامِرِ:

١٢ - تَجِبُ طَاعَةُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَكَذَلِكَ أَوَامِرُ رَسُولِهِ ﷺ. وَيُطَاعُ سِوَاهُمَا فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ (٣) فَيُطَاعُ الأَْبَوَانِ وَوَلِيُّ الأَْمْرِ وَنُوَّابُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَامِ. (ر: طَاعَة) .

_________

(١) شرح مسلم الثبوت ١ / ٣٩٣

(٢) شرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٠٢

(٣) حديث " السمع والطاعة. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ١٢١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٤٦٩ ط الحلبي)

الأَْمْرُ فِي الْجِنَايَاتِ:

١٣ - مَنْ أَمَرَ إِنْسَانًا بِقَتْل إِنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل دُونَ الآْمِرِ، إِنْ كَانَ الْقَاتِل مُكَلَّفًا، لَكِنْ إِنْ كَانَ لِلآْمِرِ وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَأْمُورِ، أَوْ خَافَ الْمَأْمُورُ عَلَى نَفْسِهِ لَوْ لَمْ يَفْعَل، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ. (١) يُنْظَرُ فِي (إِكْرَاه، وَقَتْل، وَقِصَاص)

ضَمَانُ الآْمِرِ:

١٤ - مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِعَمَلٍ، فَأَتْلَفَ شَيْئًا، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ لاَ عَلَى الآْمِرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ، مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الآْمِرُ سُلْطَانًا أَوْ أَبًا، أَوْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَجِيرًا لَدَى الآْمِرِ (٢) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَان وَإِكْرَاه) .

الإِْيجَابُ أَوِ الْقَبُول بِصِيغَةِ الأَْمْرِ:

١٥ - إِذَا قَال: بِعْنِي هَذَا الثَّوْبَ بِعِشْرِينَ، فَقَال: بِعْتُكَ بِهَا، انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَصَحَّ. وَكَذَا لَوْ قَال الْبَائِعُ: اشْتَرِ مِنِّي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا، فَقَال: اشْتَرَيْتُهُ بِهِ، لِصِدْقِ حَدِّ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول عَلَيْهِمَا. وَكَذَا فِي التَّزْوِيجِ، لَوْ قَال لِرَجُلٍ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَقَال: زَوَّجْتُكَهَا، يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ. وَهَذَا بِخِلاَفِ الاِسْتِفْهَامِ أَوِ التَّمَنِّي مَثَلًا، فَلاَ يَنْعَقِدُ بِهِمَا الْعَقْدُ. كَمَا لَوْ قَال: أَتَبِيعُنِي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَقَال: بِعْتُكَهُ

_________

(١) المغني ٧ / ٧٥٧، ٧٥٨، وابن عابدين ٥ / ٣٥٢، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٧، والزرقاني على خليل ٨ / ١١

(٢) ابن عابدين ٥ / ١٣٧ ط بولاق١٢٧٢ هـ، والمغني ٨ / ٣٢٨ ط الثالثة

بِهَا (١) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وَفِي بَعْضِهِ خِلاَفٌ (ر: صِيغَة، عَقْد، زَوَاج) .

امْرَأَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَرْءُ هُوَ الإِْنْسَانُ، وَالأُْنْثَى مِنْهُ (مَرْأَةٌ) بِإِضَافَةِ تَاءِ التَّأْنِيثِ، وَقَدْ تَلْحَقُ بِهَا هَمْزَةُ الْوَصْل فَتُصْبِحُ (امْرَأَة) وَهِيَ اسْمٌ لِلْبَالِغَةِ. (٢)

وَهَذَا فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ، إِلاَّ أَنَّهَا فِي بَعْضِ الأَْبْوَابِ كَالْمَوَارِيثِ تَصْدُقُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يُمْكِنُ إِجْمَال مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَرْأَةِ مِنْ أَحْكَامٍ غَالِبًا فِيمَا يَأْتِي:

أ - الْمَرْأَةُ كَإِنْسَانٍ لَهَا حَقُّ الرِّعَايَةِ فِي طُفُولَتِهَا مِنْ تَرْبِيَةٍ وَتَعْلِيمٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَوْسَعَ عَلَيْهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَسْبَغَ عَلَيْهِ، كَانَتْ لَهُ مَنَعَةً وَسُتْرَةً مِنَ النَّارِ. (٣)

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٢٦٣، و٤ / ١٠، والدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٣ ط عيسى الحلبي، والجمل على شرح المنهج ٣ / ٧، ٨، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٣ / ٥٤، وشرح الإقناع ٣ / ١٤٨ ط الرياض، والمغني ٣ / ٥٦٠، ٥٦١

(٢) لسان العرب والقاموس المحيط والمغرب (مرأ)

(٣) تفسير القرطبي ١٠ / ١١٨، والمجموع للنووي ١ / ٥٠، ٣ / ١١، والفواكه الدواني ٢ / ١٦٤ وحديث: " من كانت له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها. . . . . " أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠ / ٢٤٣ / ١٠٤٤٧ ط الوطن العربي) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨ / ١٥٨): وفيه طلحة بن زيد، وهو وضاع

وَإِذَا رَشَدَتْ كَانَتْ لَهَا ذِمَّتُهَا الْمَالِيَّةُ الْمُسْتَقِلَّةُ، وَصَارَ لَهَا حُرِّيَّةُ التَّعْبِيرِ عَنْ إِرَادَتِهَا، وَلِذَلِكَ لاَ تُزَوَّجُ بِدُونِ إِذْنِهَا. (١)

ب - وَالْمَرْأَةُ كَأُنْثَى، مُطَالَبَةٌ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَظَاهِرِ أُنُوثَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ بِزِينَةِ النِّسَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّشَبُّهُ بِالرِّجَال.

وَمُطَالَبَةٌ كَذَلِكَ بِالتَّسَتُّرِ وَعَدَمِ الاِخْتِلاَطِ بِالرِّجَال الأَْجَانِبِ أَوِ الْخَلْوَةِ بِهِمْ، وَلِذَلِكَ تَقِفُ فِي الصَّلاَةِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ صُفُوفِ الرِّجَال. (٢)

ج - وَالْمَرْأَةُ كَمُسْلِمَةٍ، مُطَالَبَةٌ بِكُل التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، مَعَ الاِخْتِلاَفِ عَنِ الذَّكَرِ فِي بَعْضِ هَيْئَاتِ الْعِبَادَةِ. (٣)

د - وَالْمَرْأَةُ اخْتَصَّهَا اللَّهُ ﷾ بِالْحَيْضِ وَالْحَمْل وَالْوِلاَدَةِ، وَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ كَالتَّخْفِيفِ عَنْهَا فِي الْعِبَادَاتِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ. (٤)

هـ - وَلِضَعْفِ الْمَرْأَةِ فِي الْخِلْقَةِ وَالتَّكْوِينِ، فَإِنَّهَا لاَ تَتَوَلَّى مِنَ الأَْعْمَال مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَذْل الْجُهْدِ الْجَسَدِيِّ وَالذِّهْنِيِّ كَالإِْمَارَةِ وَالْقَضَاءِ، وَلَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهَا الْجِهَادُ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ

_________

(١) الاختيار ٣ / ٩٠، ٩١، والهداية ١ / ١٩٦، والمغني ٤ / ٥١٣

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٧١، تحفة المودود ص ١٢٥، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠١، ٤٠٣، والمجموع ٤ / ٢٩٥، ٢٩٦، والمغني ٢ / ٢٠٠ - ٢٠٤

(٣) المغني ١ / ٥٦٢، وإعلام الموقعين ٢ / ٧٣

(٤) المهذب ١ / ٤٥

شَهَادَةِ الرَّجُل. (١)

ووَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ أَكْثَرُ حَنَانًا وَشَفَقَةً مِنَ الرَّجُل كَانَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الرَّجُل. (٢)

ز - وَالأَْصْل أَنْ يَكُونَ عَمَل الْمَرْأَةِ هُوَ رِعَايَةَ بَيْتِهَا وَزَوْجِهَا وَأَوْلاَدِهَا، لِذَلِكَ كَانَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً. وَكَانَ الرَّجُل قَوَّامًا عَلَيْهَا، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ . (٣)

وَتَفْصِيل كُل هَذِهِ الأُْمُورِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أُنُوثَة) .

الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ

وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْمْرُ فِي اللُّغَةِ: كَلاَمٌ دَالٌّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْل، أَوْ قَوْل الْقَائِل لِمَنْ دُونَهُ: افْعَل.

وَأَمَرْتُ بِالْمَعْرُوفِ: أَيْ بِالْخَيْرِ وَالإِْحْسَانِ.

وَيَقُول ابْنُ الأَْثِيرِ: الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالإِْحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُل مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ، وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُقَبَّحَاتِ. وَهُوَ مِنَ

_________

(١) الفروق للقرافي ٢ / ١٥٨، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٥

(٢) الفروق للقرافي ٢ / ١١٣، ١٥٨

(٣) سورة النساء / ٣٤. وانظر القرطبي ٥ / ٣٢، ١٦٩، ومختصر تفسير ابن كثير ١ / ٣٨٤، وابن عابدين ٢ / ٦٧٢

الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ، إِذَا رَأَوْهُ لاَ يُنْكِرُونَهُ (١) .

وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الأَْمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدِينِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَصْل الْمَعْرُوفِ: كُل مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِعْلُهُ جَمِيلًا غَيْرَ مُسْتَقْبَحٍ عِنْدَ أَهْل الإِْيمَانِ، وَلاَ يَسْتَنْكِرُونَ فِعْلَهُ.

أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِي اللُّغَةِ ضِدُّ الأَْمْرِ، وَهُوَ قَوْل الْقَائِل لِمَنْ دُونَهُ: لاَ تَفْعَل.

وَالْمُنْكَرُ لُغَةً: الأَْمْرُ الْقَبِيحُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمُنْكَرُ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.

فَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الاِصْطِلاَحِ: طَلَبُ الْكَفِّ عَنْ فِعْل مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى (٢) .

هَذَا، وَقَدْ عَرَّفَ الزُّبَيْدِيُّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ بِقَوْلِهِ: هُوَ مَا قَبِلَهُ الْعَقْل، وَأَقَرَّهُ الشَّرْعُ، وَوَافَقَ كَرَمَ الطَّبْعِ. وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ: هُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْحِسْبَةُ:

٢ - الاِحْتِسَابُ فِي اللُّغَةِ: الْعَدُّ وَالْحِسَابُ وَنَحْوُهُ، وَمِنْهُ احْتِسَابُ الأَْجْرِ عِنْدَ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبُهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَهُ (٣) أَيِ: احْتَسَبَ الأَْجْرَ بِصَبْرِهِ عَلَى مُصِيبَتِهِ بِهِ، قَال

_________

(١) النهاية لابن الأثير مادة: " عرف "

(٢) التعريفات للجرجاني، والمصباح المنير مادة (عرف) و(أمر) وشرح الإحياء ٧ / ٣

(٣) حديث: " من مات له ولد فاحتسبه. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٢٨ ط الحلبي) بلفظ " لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة "

صَاحِبُ اللِّسَانِ: مَعْنَاهُ عَدَّ مُصِيبَتَهُ بِهِ فِي جُمْلَةِ بَلاَيَا اللَّهِ الَّتِي يُثَابُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا.

وَفِي الشَّرِيعَةِ يَتَنَاوَل كُل مَشْرُوعٍ يُؤَدَّى لِلَّهِ تَعَالَى، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، إِلَخْ، وَلِهَذَا قِيل: الْقَضَاءُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِسْبَةِ.

قَال التَّهَانُوِيُّ: وَاخْتَصَّ فِي الْعُرْفِ بِأُمُورٍ، مِنْهَا: إِرَاقَةُ الْخَمْرِ وَكَسْرُ الْمَعَازِفِ وَإِصْلاَحُ الشَّوَارِعِ، وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ. (١)

وَالْحِسْبَةُ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ مِمَّا لَيْسَ مِنِ اخْتِصَاصِ الْوُلاَةِ وَالْقُضَاةِ وَأَهْل الدِّيوَانِ وَنَحْوِهِمْ.

وَمِمَّا يُقَارِبُ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ - النُّصْحُ وَالإِْرْشَادُ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَهُمَا فِي مُصْطَلَحِ (إِرْشَاد) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحَكَى الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَتَطَابَقَتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَأَحَادِيثُ الرَّسُول ﷺ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ. (٢)

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . (٣)

وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ

_________

(١) التهانوي من مادة احتساب ٢ / ٢٧٨ ط خياط بيروت. والحسبة في الإسلام لابن تيمية ص ٨، ٩

(٢) شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٢

(٣) سورة آل عمران / ١٠٤

بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ. (١)

قَال الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ أَصْل الدِّينِ، وَأَسَاسُ رِسَالَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَوْ طُوِيَ بِسَاطُهُ، وَأُهْمِل عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ، لَتَعَطَّلَتِ النُّبُوَّةُ وَاضْمَحَلَّتِ الدِّيَانَةُ، وَعَمَّتِ الْفَوْضَى، وَهَلَكَ الْعِبَادُ. (٢)

إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حُكْمِهِ، هَل هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَوْ نَافِلَةٌ؟ أَوْ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ تَابِعًا لِقَاعِدَةِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ. عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْل السُّنَّةِ، وَبِهِ قَال الضَّحَّاكُ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَالطَّبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي مَوَاضِعَ:

أ - إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِ إِلاَّ هُوَ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِزَالَتِهِ.

ب - مَنْ يَرَى الْمُنْكَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ يَرَى الإِْخْلاَل بِشَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ.

ج - وَالِي الْحِسْبَةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، لاِخْتِصَاصِهِ بِهَذَا الْفَرْضِ. (٣)

الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: إِنَّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ نَافِلَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ.

الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: التَّفْصِيل، وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

_________

(١) حديث: " من رأى منكم منكرا. . . " أخرجه مسلم ١ / ٦٩ ط الحلبي

(٢) إحياء علوم الدين ٢ / ٣٩١

(٣) شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣

الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّ الأَْمْرَ وَالنَّهْيَ يَكُونُ وَاجِبًا فِي الْوَاجِبِ فِعْلُهُ أَوْ فِي الْوَاجِبِ تَرْكُهُ، وَمَنْدُوبًا فِي الْمَنْدُوبِ فِعْلُهُ أَوْ فِي الْمَنْدُوبِ تَرْكُهُ هَكَذَا، وَهُوَ رَأْيُ جَلاَل الدِّينِ الْبُلْقِينِيِّ وَالأَْذْرَعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (١)

الْقَوْل الثَّانِي: فَرَّقَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بَيْنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَال: إِنَّ الأَْمْرَ بِالْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَبِالنَّافِلَةِ نَافِلَةٌ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَكُلُّهُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِهِ. (٢)

الْقَوْل الثَّالِثُ: لاِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ وَعِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ، قَالُوا: إِنَّ مَقْصُودَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَزُول وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ، أَوْ يَقِل وَإِنْ لَمْ يَزُل بِجُمْلَتِهِ، أَوْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَالأَْوَّلاَنِ مَشْرُوعَانِ، وَالثَّالِثُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعُ مُحَرَّمٌ. (٣)

أَرْكَانُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:

٤ - عَقَدَ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَبْحَثًا جَيِّدًا لأَِرْكَانِهِ، وَحَاصِلُهُ مَا يَلِي: الأَْرْكَانُ اللاَّزِمَةُ لِلأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ:

(أ) الأَْمْرُ.

(ب) مَا فِيهِ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (الْمَأْمُورُ فِيهِ) .

(ج) نَفْسُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (الصِّيغَةُ) .

(د) الْمَأْمُورُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ لِكُل رُكْنٍ مِنَ الأَْرْكَانِ شُرُوطُهُ الْخَاصَّةُ بِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

_________

(١) الزواجر لابن حجر الهيثمي ٢ / ١٦٨

(٢) شرح الأصول الخمسة ص ١٤٦

(٣) الزواجر ٢ / ١٦٨، ١٦٩، والحسبة ص ٦٧ - ٦٩

أَوَّلًا: الآْمِرُ وَشُرُوطُهُ:

أ - التَّكْلِيفُ، وَلاَ يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ، فَإِنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لاَ يَلْزَمُهُ أَمْرٌ، وَمَا ذُكِرَ يُرَادُ بِهِ شَرْطُ الْوُجُوبِ، فَأَمَّا إِمْكَانُ الْفِعْل وَجَوَازُهُ فَلاَ يَسْتَدْعِي إِلاَّ الْعَقْل.

ب - الإِْيمَانُ، وَلاَ يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ، لأَِنَّ هَذَا نُصْرَةٌ لِلدِّينِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ هُوَ جَاحِدٌ لأَِصْلِهِ وَمِنْ أَعْدَائِهِ.

ج - الْعَدَالَةُ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّرْطِ، فَاعْتَبَرَهَا قَوْمٌ، وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (٢) . وَقَال آخَرُونَ: لاَ تُشْتَرَطُ فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعِصْمَةُ مِنَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا، وَإِلاَّ كَانَ خَرْقًا لِلإِْجْمَاعِ، وَلِهَذَا قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلاَّ مَنْ لاَ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ. وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فَأَعْجَبَهُ.

وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ بِأَنَّ لِشَارِبِ الْخَمْرِ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَكَذَلِكَ ظَالِمُ الْيَتِيمِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ لاَ فِي عَهْدِ الرَّسُول ﷺ وَلاَ بَعْدَهُ.

ثَانِيًا: مَحَل الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَشُرُوطُهُ:

أ - كَوْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعْرُوفًا فِي الشَّرْعِ، وَكَوْنُ

_________

(١) سورة البقرة / ٤٤

(٢) سورة الصف / ٣. وانظر الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لزين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر الدمشقي الحنبلي المتوفى ٨٦٥ هـ رقم ٥٣ مخطوطة دار الكتب