الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ (١) وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي خِصَال الْفِطْرَةِ، وَالْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ.
٣ - وَفِي الإِْحْرَامِ: يَحْرُمُ الاِمْتِشَاطُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُزِيل شَعْرًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ يَدْهُنُ وَلَمْ يُزِل شَعْرًا، فَإِنْ كَانَ لاَ يُزِيل شَعْرًا وَكَانَ بِغَيْرِ طِيبٍ فَإِنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَبَاحَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام) (٢)
٤ - وَلاَ يُمْنَعُ امْتِشَاطُ الْمُحَدَّةِ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ، إِنْ كَانَ التَّرْجِيل خَالِيًا عَنْ مَوَادِّ الزِّينَةِ، فَإِنْ كَانَ بِدُهْنٍ أَوْ طِيبٍ حَرُمَ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَحْرُمُ امْتِشَاطُ الْمُحِدَّةِ بِمُشْطٍ ضَيِّقٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ طِيبٌ، وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي (الإِْحْدَادِ) (٣) (ج ٢ ص ١٠٧ ف ١٤) .
_________
(١) حديث: " من كان له شعر فليكرمه. . . ". أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا. قال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول. " هو حديث حسن، وله شواهد بمعناه (عون المعبود ٤ / ١٢٥ ط الهند، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ٤ / ٧٥١)
(٢) القليوبي ٢ / ١٣٤، جواهر الإكليل ١ / ١٨٩، وكشاف القناع ٢ / ٤٢٣، ٤٢٤ نشر مكتبة النصر الحديثة
(٣) ابن عابدين ٢ / ٦١٧، ٦٨٦، والدسوقي ٢ / ٤٧٩، ونهاية المحتاج٧ / ١٤٣، والمغني ٩ / ١٦٩ ط المنار الأولى
امْتِنَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِمْتِنَاعُ لُغَةً: مَصْدَرُ امْتَنَعَ. يُقَال: امْتَنَعَ مِنَ الأَْمْرِ: إِذَا كَفَّ عَنْهُ. وَيُقَال: امْتَنَعَ بِقَوْمِهِ أَيْ: تَقَوَّى بِهِمْ وَعَزَّ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ. (١)
وَالاِمْتِنَاعُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - إِنَّ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الْفِعْل الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَامْتِنَاعِ الْحَائِضِ عَنِ الصَّلاَةِ، وَعَنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ.
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْوَاجِبِ حَرَامٌ، كَامْتِنَاعِ الْمُكَلَّفِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ عَنِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَمِثْل امْتِنَاعِ الْمُحْتَكِرِ عَنْ بَيْعِ الأَْقْوَاتِ، وَالاِمْتِنَاعُ عَنْ إِنْقَاذِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلاَكِ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِنْقَاذِهِ.
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْمَنْدُوبِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، كَامْتِنَاعِ الْمَرِيضِ عَنِ التَّدَاوِي مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْمَكْرُوهِ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنِ التَّدْخِينِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِكَرَاهَتِهِ، وَالاِمْتِنَاعِ عَنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ لِمَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الزَّلَل.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٩٥، ٢ / ٧٩، ٣٥٨ ط بولاق، والشرح الصغير ١ / ٦٩٨، ٧٢٣ ط المعرفة، والقليوبي ٢ / ٤٨، ٤٩، ٧٤، ٤ / ٧٩، ٩١، ٢٩٦، والمغني ١ / ١٤٤، ٣٠٦، ٣٠٨، ٢ / ٥٧٣، ٥٧٥، ٦ / ٧٣٨
وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الْمُبَاحِ مُبَاحٌ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنْ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ فِي الأَْحْوَال الْمُعْتَادَةِ، وَمِثْل امْتِنَاعِ الْمَرْأَةِ عَنِ الدُّخُول حَتَّى تَقْبِضَ مُقَدَّمَ الْمَهْرِ، وَامْتِنَاعِ الْبَائِعِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ. (١)
وَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ حُكْمِ كُل نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ فِي بَابِهِ.
امْتِهَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِمْتِهَانُ افْتِعَالٌ مِنْ (مَهَنَ) أَيْ خَدَمَ غَيْرَهُ، وَامْتَهَنَهُ: اسْتَخْدَمَهُ، أَوِ ابْتَذَلَهُ. وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَهْل اللُّغَةِ يَسْتَعْمِلُونَ كَلِمَةَ (امْتِهَانٍ) فِي مَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: بِمَعْنَى (الاِحْتِرَافِ)، وَالثَّانِي: بِمَعْنَى (الاِبْتِذَال) .
وَالاِبْتِذَال هُوَ: عَدَمُ صِيَانَةِ الشَّيْءِ بَل تَدَاوُلُهُ وَاسْتِخْدَامُهُ فِي الْعَمَل.
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الاِمْتِهَانَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْضًا. (٢)
أَمَّا الاِمْتِهَانُ بِمَعْنَى الاِحْتِرَافِ، فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (احْتِرَاف ج ١ ص ٦٩) وَفِيمَا يَلِي مَا يَتَّصِل بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الاِبْتِذَال.
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة " منع "
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس مادة (مهن) و(بذل) . وكشاف القناع ٦ / ١٦٩ نشر الرياض مكتبة النصر الحديثة
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِسْتِخْفَافُ وَالاِسْتِهَانَةُ:
٢ - سَبَقَ بَيَانُ مَعْنَى (الاِمْتِهَانِ) وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ غَيْرُ الاِسْتِهَانَةِ بِالشَّيْءِ أَوِ الاِسْتِخْفَافِ بِهِ، فَالاِسْتِهَانَةُ بِالشَّيْءِ اسْتِحْقَارُهُ، أَمَّا الاِمْتِهَانُ فَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الاِسْتِحْقَارِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - هُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الأَْحْوَال يُطْلَبُ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْبَسَ غَيْرَ ثِيَابِ الْمِهْنَةِ، كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَمَاعَاتِ، يَدُل عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (احْتِرَاف) (وَأَلْبِسَة) . كَمَا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ حُكْمُ مَا فِيهِ صُورَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَهَنًا (مُبْتَذَلًا) أَوْ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَصْوِير) .
_________
(١) كشاف القناع ٦ / ١٦٩، وحاشية ابن عابدين ٣ / ١٨٤ وحاشية الجمل ٥ / ١٢٣ نشر دار إحياء التراث العربي
(٢) حديث: " ما على أحدكم. . . . " أخرجه ابن ماجه ١ / ٣٤٨ ط عيسى الحلبي. وقال الحافظ البوصيري: إسناده صحيح
أَمْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْمْرُ فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: يَأْتِي بِمَعْنَى الْحَال أَوِ الشَّأْنِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (١) أَوِ الْحَادِثَةُ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ (٣)
قَال الْخَطِيبُ الْقَزْوِينِيُّ فِي الإِْيضَاحِ: أَيْ شَاوِرْهُمْ فِي الْفِعْل الَّذِي تَعْزِمُ عَلَيْهِ. وَيُجْمَعُ بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى (أُمُورٍ) .
الثَّانِي: طَلَبُ الْفِعْل، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى نَقِيضُ النَّهْيِ. وَجَمْعُهُ (أَوَامِرُ) فَرْقًا بَيْنَهُمَا، كَمَا قَالَهُ الْفَيُّومِيُّ (٤) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُسْتَعْمَل الأَْمْرُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِل:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى:
قَال بَعْضُهُمْ: لَفْظُ (الأَْمْرِ) مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ. وَقَال آخَرُونَ: بَل هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْل
_________
(١) سورة هود / ٩٧
(٢) سورة النور / ٦٢
(٣) سورة آل عمران / ١٥٩
(٤) لسان العرب، والقاموس، والمرجع في اللغة، والمصباح، وشروح التلخيص مادة (أمر)
الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ قَوْل الطَّالِبِ لِلْفِعْل، مَجَازٌ فِي الْحَال وَالشَّأْنِ. وَقِيل: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا (١) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
طَلَبُ الْفِعْل لاَ يُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً، إِلاَّ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَتْمِ وَالإِْلْزَامِ.
وَاسْتَدَل مَنْ قَال بِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُل وُضُوءٍ (٢) قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الأَْمْرُ عَلَى وَجْهِ الْحَتْمِ مَا كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ. وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْبَاقِلاَّنِيُّ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَل طَلَبُ الْفِعْل أَمْرٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّحَتُّمِ، فَيَدْخُل الْمَنْدُوبُ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ حَقِيقَةً. (٣)
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
إِنَّ طَلَبَ الْفِعْل لاَ يُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً إِلاَّ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِعْلاَءِ، أَيِ اسْتِعْلاَءِ الآْمِرِ عَلَى الْمَأْمُورِ، احْتِرَازًا عَنِ الدُّعَاءِ وَالاِلْتِمَاسِ، فَهُوَ شَرْطُ أَكْثَرِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالآْمِدِيِّ مِنَ الأَْشْعَرِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الرَّازِيُّ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، لِذَمِّ الْعُقَلاَءِ الأَْدْنَى بِأَمْرِهِ مَنْ هُوَ أَعْلَى.
وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ يَجِبُ الْعُلُوُّ فِي الأَْمْرِ، وَإِلاَّ كَانَ دُعَاءً أَوِ الْتِمَاسًا.
_________
(١) شرح مسلم الثبوت ١ / ٣٦٧ - ٣٦٩، والعضد وحواشيه على مختصر ابن الحاجب ٢ / ٧٦ ط ليبيا
(٢) حديث " لولا أن أشق على أمتي. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٤٦٠ ط الميمنية) وإسناده صحيح
(٣) مسلم الثبوت ١ / ١١١، والسعد على العضد ٢ / ٧٧
وَعِنْدَ الأَْشْعَرِيِّ لاَ يُشْتَرَطُ الْعُلُوُّ وَلاَ الاِسْتِعْلاَءُ، وَبِهِ قَال أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: وَهُوَ الْحَقُّ، (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ . (٢)
صِيَغُ الأَْمْرِ:
٢ - لِلأَْمْرِ صِيَغٌ صَرِيحَةٌ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: فِعْل الأَْمْرِ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤)، وَاسْمُ فِعْل الأَْمْرِ نَحْوُ: نَزَال، وَالْمُضَارِعُ الْمُقْتَرِنُ بِلاَمِ الأَْمْرِ، نَحْوَ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٥) . وَصِيَغٌ غَيْرُ صَرِيحَةٍ، قَال الشَّاطِبِيُّ:
(أ) مِنْهَا: مَا جَاءَ مَجِيءَ الإِْخْبَارِ عَنْ تَقْرِيرِ الْحُكْمِ، نَحْوُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ . (٦)
(ب) وَمِنْهَا: مَا جَاءَ مَجِيءَ مَدْحِهِ أَوْ مَدْحِ فَاعِلِهِ، نَحْوَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ . (٧)
(ج) وَمِنْهَا: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ، كَالْمَفْرُوضِ فِي مَسْأَلَةِ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، كَغَسْل جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، لاِسْتِيفَاءِ غَسْل الْوَجْهِ. (٨)
_________
(١) شرح مسلم الثبوت ١ / ٣٦٩، ٣٧٢، وشرح جمع الجوامع ١ / ٣٦٩
(٢) سورة الأعراف / ١٠٩، ١١٠
(٣) سورة البقرة / ٤٣
(٤) سورة الجمعة / ٩
(٥) سورة الطلاق / ٧
(٦) سورة البقرة / ٢٣٣
(٧) سورة الفتح / ١٧
(٨) الموافقات ٣ / ١٤٤ - ١٥٦
دَلاَلَةُ صِيغَةِ الأَْمْرِ الصَّرِيحَةِ:
٣ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي دَلاَلَةِ صِيغَةِ (افْعَل) غَيْرِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يُعَيِّنُ مَعْنَاهَا.
فَهِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، وَعِنْدَ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيل: مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيل: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الاِقْتِضَاءُ حَتْمًا كَانَ أَوْ نَدْبًا، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، وَنُسِبَ إِلَى مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ.
٤ - الأَْمْرُ الْوَارِدُ بَعْدَ الْحَظْرِ هُوَ لِلإِْبَاحَةِ عِنْدَ الأَْكْثَرِ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَالآْمِدِيُّ كَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا. (١)
وَلِلْوُجُوبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةِ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْهُمَامِ وَالشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ الْحُكْمُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل الْحَظْرِ إِبَاحَةً أَوْ وُجُوبًا. (٢)
وُرُودُ الأَْمْرِ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ:
٥ - تَرِدُ صِيغَةُ الأَْمْرِ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ فِي أَكْثَرِ مِنْ عِشْرِينَ مَعْنًى، مِنْهَا: الاِلْتِمَاسُ وَالتَّهْدِيدُ.
اقْتِضَاءُ الأَْمْرِ لِلتَّكْرَارِ:
٦ - الأَْمْرُ لِطَلَبِ الْفِعْل مُطْلَقًا لاَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَبْرَأُ بِالْفِعْل مَرَّةً وَيَحْتَمِل التَّكْرَارَ،
_________
(١) حديث " كنت نهيتكم. . . " أخرجه مسلم ٣ / ١٥٦٤ ط الحلبي
(٢) شرح مسلم الثبوت١ / ٣٧٢ - ٣٧٩
وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ وَالآْمِدِيُّ.
وَقَال الأُْسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِْسْفِرَايِينِيُّ: هُوَ لاَزِمٌ مُدَّةَ الْعُمُرِ إِنْ أَمْكَنَ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْل الأُْصُول إِلَى أَنَّهَا لِلْمَرَّةِ، وَلاَ يَحْتَمِل التَّكْرَارَ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ. أَمَّا إِنْ قُيِّدَ بِشَرْطٍ، نَحْوَ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١) أَوْ بِالصِّفَةِ نَحْوَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ أَوِ الصِّفَةِ، وَقِيل بِالْوَقْفِ فِي ذَلِكَ. (٣)
دَلاَلَةُ الأَْمْرِ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي:
٧ - الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الأَْمْرَ لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ كَمَا يَجُوزُ الْبِدَارُ، وَعُزِيَ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ. وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ وَالآْمِدِيُّ.
وَقِيل: يُوجِبُ الْفَوْرَ، وَعُزِيَ إِلَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْكَرْخِيِّ، وَاخْتَارَهُ السَّكَّاكِيُّ وَالْقَاضِي.
وَتَوَقَّفَ الإِْمَامُ فِي أَنَّهُ لِلْفَوْرِ أَوْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي. (٤)
الأَْمْرُ بِالأَْمْرِ:
٨ - مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَأْمُرَ آخَرَ بِفِعْلٍ مَا فَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا لِلْمَأْمُورِ الثَّانِي عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ. فَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ
_________
(١) سورة المائدة / ٦
(٢) سورة المائدة / ٣٨
(٣) مسلم الثبوت ٢ / ٣٨٠ - ٣٨٦، والسعد على مختصر ابن الحاجب ٢ / ٨٣، وجمع الجوامع ١ / ٣٧٩، ٣٨٠
(٤) شرح مسلم الثبوت ١ / ٣٨٧، ٣٨٨. والبرهان للجويني ٢٣١ - ٢٤٧
سَبْعِ سِنِينَ (١) لَيْسَ أَمْرًا مِنْهُ لِلصِّبْيَانِ بِالصَّلاَةِ. لَكِنْ إِنْ أَفْهَمَتِ الْقَرِينَةُ أَنَّ الْوَاسِطَةَ مُجَرَّدُ مُبَلِّغٍ كَانَ الأَْمْرُ بِالأَْمْرِ أَمْرًا لِلْمَأْمُورِ الثَّانِي، وَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَال: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا (٢) . وَلَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَوْ صَرَّحَ الأَْمْرُ بِالتَّبْلِيغِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: (قُل لِفُلاَنٍ يَفْعَل كَذَا) فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِلثَّانِي بِلاَ خِلاَفٍ. (٣)
تَكْرَارُ الأَْمْرِ:
٩ - إِذَا كَرَّرَ الآْمِرُ الأَْمْرَ قَبْل أَنْ يُنَفِّذَ الْمَأْمُورُ الأَْمْرَ الأَْوَّل، فَقَدْ يَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا فِي نَحْوِ: صُمْ هَذَا الْيَوْمَ، صُمْ هَذَا الْيَوْمَ، إِذْ لاَ يُصَامُ الْيَوْمُ مَرَّتَيْنِ. وَنَحْوُ: اسْقِنِي اسْقِنِي، فَإِنَّ الْحَاجَةَ الَّتِي دَعَتْ إِلَى طَلَبِ الْمَاءِ تَنْدَفِعُ بِالشُّرْبِ الأَْوَّل. فَإِنْ دَارَ الثَّانِي بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ، فَقِيل: يُحْمَل عَلَى التَّأْسِيسِ احْتِيَاطًا، وَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ الإِْتْيَانَ بِالْفِعْل مُكَرَّرًا. وَقِيل: يُحْمَل عَلَى التَّأْكِيدِ لِكَثْرَتِهِ فِي الْكَلاَمِ. (٤)
امْتِثَال الآْمِرِ يَقْتَضِي الإِْجْزَاءَ:
١٠ - الْمَأْمُورُ إِذَا أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا طُلِبَ
_________
(١) حديث " مروا أولادكم. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٤ ط عزت عبيد دعاس) . وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص ١٤٨ ط المكتب الإسلامي)
(٢) حديث " مره فليراجعها. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٣٥١ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٩٥ ط الحلبي)
(٣) شرح مسلم الثبوت ١ / ٣٩٠، ٣٩١، والمستصفى ٢ / ١٤، وحاشية القليوبي ٣ / ٣٤٨
(٤) شرح مسلم الثبوت ١ / ٣٩١