الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
بِغَيْرِ الأَْمَانِ الْمُعْطَى مِنَ الإِْمَامِ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الأَْمَانِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْطَى فِي حَال ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّةِ أَعْدَائِهِمْ، لأَِنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ وَالأَْمَانَ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْقِتَال، فَيَتَنَاقَضُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي حَال ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّةِ الْكَفَرَةِ، لأَِنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ قِتَالًا مَعْنًى، لِوُقُوعِهِ وَسِيلَةً إِلَى الاِسْتِعْدَادِ لِلْقِتَال، فَلاَ يُؤَدِّي إِلَى التَّنَاقُضِ. (١)
مَنْ لَهُ حَقُّ إِعْطَاءِ الأَْمَانِ:
٧ - الأَْمَانُ إِمَّا أَنْ يُعْطَى مِنَ الإِْمَامِ أَوْ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ:
أ - أَمَانُ الإِْمَامِ: يَصِحُّ أَمَانُ الإِْمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ، لأَِنَّهُ مُقَدَّمٌ لِلنَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ، نَائِبٌ عَنِ الْجَمِيعِ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ. وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ. (٢)
ب - أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَمَانَ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ يَصِحُّ لِعَدَدٍ مَحْصُورٍ كَأَهْل قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ وَحِصْنٍ صَغِيرٍ، أَمَّا تَأْمِينُ الْعَدَدِ الَّذِي لاَ يَنْحَصِرُ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الإِْمَامِ. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْمَانَ يَصِحُّ مِنَ الْوَاحِدِ، سَوَاءٌ أَمَّنَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً أَوْ أَهْل مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ لأَِحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ. (٤)
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، ١٠٧
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٣٤، وتفسير القرطبي ٨ / ٧٦، والخرشي٣ / ١٢٣ ط دار صادر
(٣) المغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٣٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٧، وشرح الزرقاني ٣ / ١٢٢، والخرشي ٣ / ١٢٣
(٤) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٧، وفتح القدير ٤ / ٢٩٨ ط بولاق، والفتاوى الهندية ٢ / ١٩٨
شُرُوطُ الْمُؤَمِّنِ:
٨ - أ - الإِْسْلاَمُ: فَلاَ يَصِحُّ أَمَانُ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِل مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
ب - الْعَقْل: فَلاَ يَصِحُّ أَمَانُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل.
ج - الْبُلُوغُ: بُلُوغُ الْمُؤَمِّنِ شَرْطٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ: لَيْسَ بِشَرْطٍ.
د - عَدَمُ الْخَوْفِ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ: فَلاَ يَصِحُّ أَمَانُ الْمَقْهُورِينَ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ.
أَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الأَْمَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَيَصِحُّ أَمَانُ الْمَرْأَةِ لأَِنَّهَا لاَ تَعْجِزُ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى حَال الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ. (١)
وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ أَمَانَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ إِنْ وَقَعَ يَمْضِي إِنْ أَمْضَاهُ الإِْمَامُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
فَصَّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الأَْمَانِ فِي أَبْوَابِ السِّيَرِ وَالْجِهَادِ فَتُنْظَرُ فِيهَا، وَيُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (مُسْتَأْمَن) .
_________
(١) انظر في جميع الشروط: حاشية الدسوقي ٢ / ١٨٥، وحاشية البناني ٣ / ١٢٢، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٨ نشر دار المعرفة، وبدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، ١٠٧، وشرح السير الكبير ١ / ٢٥٢ - ٢٥٧، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٧
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٨
أَمَانَةٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الأَْمَانَةُ: ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَالأَْمَانَةُ تُطْلَقُ عَلَى: كُل مَا عُهِدَ بِهِ إِلَى الإِْنْسَانِ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا كَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ، وَمِنَ الأَْمَانَةِ: الأَْهْل وَالْمَال. (١)
وَبِالتَّتَبُّعِ تَبَيَّنَ أَنَّ الأَْمَانَةَ قَدِ اسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الشَّيْءِ الَّذِي يُوجَدُ عِنْدَ الأَْمِينِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي:
أ - الْعَقْدِ الَّذِي تَكُونُ الأَْمَانَةُ فِيهِ هِيَ الْمَقْصِدَ الأَْصْلِيَّ، وَهُوَ الْوَدِيعَةُ، وَهِيَ الْعَيْنُ الَّتِي تُوضَعُ عِنْدَ شَخْصٍ لِيَحْفَظَهَا، فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الأَْمَانَةِ، فَكُل وَدِيعَةٍ أَمَانَةٌ وَلاَ عَكْسَ. (٢)
ب - الْعَقْدُ الَّذِي تَكُونُ الأَْمَانَةُ فِيهِ ضِمْنًا، وَلَيْسَتْ أَصْلًا بَل تَبَعًا، كَالإِْجَارَةِ وَالْعَارِيَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالرَّهْنِ.
ج - مَا كَانَتْ بِدُونِ عَقْدٍ كَاللُّقَطَةِ، وَكَمَا إِذَا أَلْقَتِ الرِّيحُ فِي دَارِ أَحَدٍ مَال جَارِهِ، وَذَلِكَ مَا يُسَمَّى بِالأَْمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. (٣)
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير، والمغرب. مادة: " أمن "
(٢) القليوبي ٣ / ١٨٠ ط مصطفى الحلبي
(٣) مجمع الأنهر ٢ / ٣٣٨، ومجلة الأحكام العدلية ص ١٤٤، ومغني المحتاج ٣ / ٩٠ ط مصطفى الحلبي، والقواعد في الفقه لابن رجب ص ٥٣، ٥٤ ط دار المعرفة
الثَّانِي: بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَذَلِكَ فِي:
أ - مَا يُسَمَّى بِبَيْعِ الأَْمَانَةِ، كَالْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالاِسْتِرْسَال (الاِسْتِئْمَانِ) وَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَحْتَكِمُ فِيهَا الْمُبْتَاعُ إِلَى ضَمِيرِ الْبَائِعِ وَأَمَانَتِهِ. (١)
ب - فِي الْوِلاَيَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَامَّةً كَالْقَاضِي، أَمْ خَاصَّةً كَالْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ. (٢)
ج - فِيمَنْ يَتَرَتَّبُ عَلَى كَلاَمِهِ حُكْمٌ كَالشَّاهِدِ. (٣)
د - تُسْتَعْمَل الأَْمَانَةُ فِي بَابِ الأَْيْمَانِ كَمُقْسَمٍ بِهَا بِاعْتِبَارِهَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَوَّلًا: الأَْمَانَةُ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الَّذِي يُوجَدُ عِنْدَ الأَْمِينِ:
٢ - لِلأَْمَانَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى عِدَّةُ أَحْكَامٍ إِجْمَالُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - الأَْصْل إِبَاحَةُ أَخْذِ الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ، وَقِيل: يُسْتَحَبُّ الأَْخْذُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْحِفْظِ وَالأَْدَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . (٥)
وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ لِمَنْ يَثِقُ فِي أَمَانَةِ نَفْسِهِ وَخِيفَ عَلَى اللُّقَطَةِ أَخْذُ خَائِنٍ لَهَا، وَعَلَى الْوَدِيعَةِ مِنَ الْهَلاَكِ أَوِ الْفَقْدِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْيدَاعِ، لأَِنَّ مَال
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٢٥ ط الجمالية، والمغني ٣ / ٥٨٤، ٤ / ٢٠٣، ٢٠٨ ط الرياض، والدسوقي ٣ / ١٦٤ ط دار الفكر
(٢) الفتاوى الهندية ٦ / ١٣٧، ١٤٦، ١٤٨، ١٥٠ ط المكتبة الإسلامية، والمهذب ٢ / ٤٧١ ط دار المعرفة، ومنتهى الإرادات ٢، ٥٠٤، ٥٧٤ ط دار الفكر، والمغني ٩ / ٤٠
(٣) المغني ٩ / ١٦٥، والمهذب ٢ / ٣٢٥
(٤) منح الجليل ١ / ٦٢٤ ط النجاح، والمهذب ١ / ١٣١، والمغني ٨ / ٧٠٣
(٥) سورة المائدة / ٢
الْغَيْرِ وَاجِبُ الْحِفْظِ، وَحُرْمَةُ الْمَال كَحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: حُرْمَةُ مَال الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ. (١)
وَقَدْ يَحْرُمُ الأَْخْذُ لِمَنْ يَعْجِزُ عَنِ الْحِفْظِ، أَوْ لاَ يَثِقُ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضُ الْمَال لِلْهَلاَكِ. (٢) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ.
ب - وُجُوبُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الأَْمَانَةِ عَامَّةً، وَدِيعَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، يَقُول الْعُلَمَاءُ: حِفْظُ الأَْمَانَةِ يُوجِبُ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ، وَالْخِيَانَةُ تُوجِبُ الشَّقَاءَ فِيهِمَا، وَالْحِفْظُ يَكُونُ بِحَسَبِ كُل أَمَانَةٍ، فَالْوَدِيعَةُ مَثَلًا يَكُونُ حِفْظُهَا بِوَضْعِهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا. وَالْعَارِيَةُ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ يَكُونُ حِفْظُهُمَا بِعَدَمِ التَّعَدِّي فِي الاِسْتِعْمَال الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَبِعَدَمِ التَّفْرِيطِ. وَفِي مَال الْمُضَارَبَةِ يَكُونُ بِعَدَمِ مُخَالَفَةِ مَا أُذِنَ فِيهِ لِلْمُضَارِبِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَهَكَذَا. (٣)
ج - وُجُوبُ الرَّدِّ عِنْدَ الطَّلَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: " أَدِّ الأَْمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ". (٥)
_________
(١) حديث: " حرمة مال المؤمن. . . ". سبق تخريجه (انظر مصطلح التزام ف / ٣٦)
(٢) الهداية ٢ / ١٧٥ ط المكتبة الإسلامية، والمهذب ١ / ٣٦٥، ٤٣٦، ط دار المعرفة، ومنح الجليل ٣ / ٤٥٢، ٤ / ١٢٠ ط النجاح، والمغني ٥ / ٦٩٤ ط الرياض
(٣) تكملة رد المحتار ٢ / ٢٣١، ٢٣٢ ط مصطفى الحلبي، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٢٧، والمهذب ١ / ٤١٥
(٤) سورة النساء / ٥٨
(٥) البدائع ٦ / ٢١٠ وحديث " أد الأمانة إلى من ائتمنك. . . . ". أخرجه الترمذي وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. سكت عنه أبوداود. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وذكر صاحب تحفة الأحوذي طرق الحديث المختلفة وتعقبهما بقول ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه. كما نقل قول أحمد: هذا حديث وسنن أبي داود ٣ / ٨٠٥ ط عزت عبيد دعاس)
د - وُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْجُحُودِ أَوِ التَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ (١) .
هـ - سُقُوطُ الضَّمَانِ إِذَا تَلِفَتِ الأَْمَانَةُ دُونَ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعَارِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَالْعَارِيَّةُ عِنْدَهُمْ مَضْمُونَةٌ. (٢)
والتَّعْزِيرُ عَلَى تَرْكِ أَدَاءِ الأَْمَانَاتِ كَالْوَدَائِعِ وَأَمْوَال الأَْيْتَامِ وَغَلاَّتِ الْوُقُوفِ، وَمَا تَحْتَ أَيْدِي الْوُكَلاَءِ وَالْمُقَارَضِينَ وَشَبَهِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ. (٣)
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ وَفُرُوعٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ (وَدِيعَة، وَلُقَطَة، وَعَارِيَّة، وَإِجَارَة، وَرَهْن، وَضَمَان، وَوَكَالَة) .
ثَانِيًا: الأَْمَانَةُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ:
٣ - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الأَْمَانَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى لاِخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ إِجْمَالًا فِيمَا يَأْتِي:
أ - بَيْعُ الأَْمَانَةِ كَالْمُرَابَحَةِ، وَالْمُرَابَحَةُ تُعْتَبَرُ بَيْعَ
_________
(١) البدائع ٦ / ٢١٨، والمهذب ١ / ٣٦٩، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٥٦
(٢) البدائع ٦ / ٢١٧، والمهذب ١ / ٣٧٠، والأشباه لابن نجيم ص ٢٧٥، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٩٧
(٣) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢ / ٢٥٩ ط التجارية، وابن عابدين ٣ / ١٨٢
أَمَانَةٍ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ ائْتَمَنَ الْبَائِعَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الثَّمَنِ الأَْوَّل مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلاَ اسْتِحْلاَفٍ، فَتَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنِ الْخِيَانَةِ وَالتُّهْمَةِ، لأَِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا. (٢)
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فَفِي الْجُمْلَةِ يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَقِيل: بِحَطِّ الزِّيَادَةِ عَلَى أَصْل رَأْسِ الْمَال وَنِسْبَتِهَا مِنَ الرِّبْحِ مَعَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ. (٣) هَذَا مَعَ تَفْصِيلٍ كَثِيرٍ يُنْظَرُ فِي (بَيْع - مُرَابَحَة - تَوْلِيَة - اسْتِرْسَال) .
ب - اعْتِبَارُ الأَْمَانَةِ شَرْطًا فِيمَنْ تَكُونُ لَهُ وِلاَيَةٌ وَنَظَرٌ فِي مَال غَيْرِهِ كَالْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ صِفَةَ الأَْمَانَةِ فِي الْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ يُعْزَل لَوْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ، أَوْ يُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. كَذَلِكَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ كَالْقَاضِي، فَالأَْصْل اعْتِبَارُ الأَْمَانَةِ فِيهِ. (٤) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: قَضَاء،
_________
(١) سورة الأنفال / ٢٧
(٢) حديث " ليس منا من غشنا. . . ". أخرجه مسلم بلفظ: " من غش فليس مني ". وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " ليس منا من غش " (صحيح مسلم ١ / ٩٩ ط عيسى الحلبي، وعون المعبود ٣ / ٢٨٧ ط الهند، وسنن ابن ماجه ٢ / ٧٤٩ ط عيسى الحلبي)
(٣) البدائع ٥ / ٢٢٣، والمغني ٤ / ٢٠٣، ٢٠٨، والدسوقي ٣ / ١٦٤، والمهذب ١ / ٢٩٥، ٢٩٧
(٤) منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٤، ٥٧٤، والمهذب ١ / ٤٧٠، والهداية ٤ / ٢٥٨، ٣ / ١٠١ ط المكتبة الإسلامية، ومنح الجليل ٤ / ١٣٨، ٦٨٨
وَصِيّ) .
ج - مَنْ يَتَرَتَّبُ عَلَى كَلاَمِهِ حُكْمٌ كَالشَّاهِدِ: فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الشَّاهِدِ الْعَدَالَةَ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢)، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ فَيَجِبُ عَدَمُ قَبُول شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْخِيَانَةَ مِنَ الْفِسْقِ، (٣) وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ. (٤)
د - الْحَلِفُ بِالأَْمَانَةِ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالأَْمَانَةِ مَعَ إِضَافَتِهَا إِلَى اسْمِ اللَّهِ ﷾ فَقَال: وَأَمَانَةِ اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ يَمِينًا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
أَمَّا الْحَلِفُ بِالأَْمَانَةِ فَقَطْ دُونَ إِضَافَةٍ إِلَى لَفْظِ الْجَلاَلَةِ، فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، فَإِنْ أَرَادَ بِالأَْمَانَةِ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَالْحَلِفُ بِهَا يَمِينٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِالأَْمَانَةِ مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَْمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ﴾ (٥) أَيِ التَّكَالِيفَ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ. وَيَكُونُ الْحَلِفُ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٢
(٢) سورة الحجرات / ٦
(٣) المغني ٩ / ١٦٥، والمهذب ٢ / ٣٢٥، ومنح الجليل ٤ / ٢١٨
(٤) حديث: " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ". أخرجه أبو داود وابن ماجه. قال الحافظ البوصيري تعليقا على إسناد ابن ماجه: في إسناده حجاج بن أرطاة، وكان يدلس وقد رواه بالعنعنة. وقال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد رواية أبي داود: سنده قوي. (عون المعبود ٣ / ٣٣٥ ط الهند، وسنن ابن ماجه ٢ / ٧٩٢ ط عيسى الحلبي، والتلخيص الحبير ٤ / ١٩٨ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة وجامع الأصول ١٠ / ١٩٠)
(٥) سورة الأحزاب / ٧٢
بِهَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ (١) لأَِنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ: مَنْ حَلَفَ بِالأَْمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يَأْتِي ذِكْرُ الأَْمَانَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ: كَالْبَيْعِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، وَالإِْجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالأَْيْمَانِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالْقَضَاءِ. وَقَدْ سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى ذِكْرِ ذَلِكَ إِجْمَالًا.
كَذَلِكَ يَأْتِي ذِكْرُ الأَْمَانَةِ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ بِاعْتِبَارِهَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْحَاضِنِ وَالْحَاضِنَةِ، وَفِي بَابِ الْحَجِّ فِي الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ بِالنِّسْبَةِ لِسَفَرِ الْمَرْأَةِ، وَفِي بَابِ الصِّيَامِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُخْبِرُ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل.
امْتِثَالٌ
انْظُرْ: طَاعَة
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٥٧ ط أولى، والمهذب ٢ / ١٣١ ط دار المعرفة، والمغني ٨ / ٧٠٣، ومنح الجليل ١ / ٦٢٤
(٢) حديث: " من حلف بالأمانة فليس منا ". أخرجه أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث بريدة مرفوعا. سكت عنه المنذري. وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده صحيح. (مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٣٥٢ ط الميمنية، وعون المعبود ٣ / ٢١٨ ط الهند، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ١١ / ٦٥٦)
امْتِشَاطٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الاِمْتِشَاطُ لُغَةً: هُوَ تَرْجِيل الشَّعْرِ، (١) وَالتَّرْجِيل: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ، وَتَنْظِيفُهُ، وَتَحْسِينُهُ. (٢)
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَعْنَاهُ كَالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - يُسْتَحَبُّ تَرْجِيل شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ مِنَ الرَّجُل، وَكَذَا الرَّأْسُ مِنَ الْمَرْأَةِ، (٣) لِمَا وَرَدَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَل رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ. كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلاَحَ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَفَعَل الرَّجُل ثُمَّ رَجَعَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ (٤)
_________
(١) لسان العرب المحيط (مشط)
(٢) المصباح " رجل، مشط ". والنهاية لابن كثير. مشط
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٦١ ط بولاق الأولى، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠٢ نشر دار المعرفة، والمجموع ١ / ٢٩٣ ط المنيرية، والمغني ١ / ٨٩ ط الرياض
(٤) حديث: " أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان. . . . " أخرجه مالك في الموطأ من حديث عطاء بن يسار، قال أبو عمرو بن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرساله، وجاء موصولا بمعناه عن جابر وغيره (الموطأ ٢ / ٩٤٩ ط عيسى الحلبي، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ٤ / ٧٥١)